رفع حاجبه اليسار للأعلى مندهشًا وهو يهمس لنفسه في زمجرة واضحة مع مزيج من الغطرسة: _إسلام بيستعبط، لا ملوش حق! أسرع في خطاه نحوها بأعين ملتهبة، وبدون إنذار سحب الهاتف من على أذنها، فانتفضت هي كالذي لدغته عقرب ورمقته برعب جلي. بينما هو فوضع الهاتف على أذنه يستمع إلى هذا الوغد الذي يقول بنبرة عشق: _تعرفي يا سارة أنا بحمد ربنا والله إنه رزقني بيكي، مش متخيل حياتي من غيرك، أنا ممكن أموت.
خرج صوته الرجولي الخشن وهو يقول ساخرًا: _متخافش، هنيجي نعزي ونعمل الواجب. الجمت الدهشة لسانه، فهمس بشيء من الخوف بعد لحظات: _مين معايا؟ رأت في عيناه البنيتين الأعصار المدمر وهو يصيح بها يلقنه بألفاظ تتناسب مع تلك النوعية من الرجال: _سارة معاك يا ****** أنزل الهاتف من على أذنه ورمقها بنظرة نفثت الرعب في قلبها، وصرخ بها باستياء: _إيه ده يا سارة ها؟ أنتي يطلع منك كده! انهمرت دموعها وهتفت في توسل بنبرة مسموعة:
_أنا آسفة يا مراد، آسفة. أكمل صياحه المنفعل وهو يهتف: _لا وكلام حب ومعرفش إيه، أنا مليش كلام معاكي ولا حكم عليكي، أنا هقول لأبوكي وأخوكي وهما يتصرفوا معاكي. أجشجت في البكاء وهي تقبض على ذراعه وتقول راجية، يكاد البكاء يشقها إلى نصفين: _لا متقولش لريان، أبوس إيدك يا مراد، ريان لو عرف هيقطع راسي هو وأبويا. هو وعدني إنه هييجي يتقدملي آخر الشهر ده. صر على أسنانه ليبرز عن مخالبه المخيفة:
_وأنتي بغبائك صدقتي طبعًا، هو لو عايزك فعلًا هيفضل يتكلم ويحب فيكي في التليفون ولا هييجي ويدخل البيت من بابه على طول. ردي عليا يا سارة. مصراخه المرتفع جعل جميع من في المنزل ينتابهم الفضول حول ما يحدث وخرجوا ليروا سبب ذلك الصباح وصاحبه. أزدردت سارة ريقها بتوتر جلي، فوضعها لا تحسد عليه الآن. ركضت نحوها ملاك في فزع وتبعتها أسمى. أمسكت ملاك بوجهها بين كفيها لتهتف بقلق: _مالك يا سارة؟ بتعيطي ليه؟
ارتمت داخل أحضانها وهي تصدر شهيقًا مسموعًا، فهتف أسيد في نظرة متقدة بحرارة: _إيه؟ وبتزعق لبنت عمك ليه؟ رمقها مراد بنظرة أوقعت الرعب في قلبها جعلتها تدفن وجهها بين ثنايا صدر ملاك، ليجيبه بلهجة صارمة: _مفيش حاجة، هي عارفة كويس أنا بزعق ليه، وأظن هي عرفت غلطها دلوقتي. حدقت ليلى بالجميع في ريبة وهتفت باستغراب: _طب ماتفهمنا غلطت في إيه يخلى صوتك عالي كده؟ بعدين مش شايفها مش مبطلة عياط إزاي؟
بنبرة جديدة تمامًا لم يعهدها أحدهم في المنزل وصوت مرتفع قليلًا في غضب عارم: _غلطت في اللي غلطت فيه، محدش ليه دعوة أنا وهي حلينا الموضوع خلاص.
تفحصت ملاك هيئته، فقد كان فارع الطول لديه نظرة توقع الرعب في أي غريب، لن يختلف عن أخيه كثيرًا. لم تعد تخشى غضب واحد فقط في هذا المنزل، بل أصبحا اثنين اليوم بعد أن رأت ذلك الوحش الكاسر المتحول. استدار وغادر، فلحق به أسيد ليصيح مناديًا عليه بصلابة، فتوقف والتفت له وهو يلوى فمه بخنق، فرأى في عيني أخيه نظرة نارية ملتهبة. ثم رفع سبابته في وجهه ليقول منذرًا: _أي كان اللي عملته، ملكش حق تزعقلها كده فاهم؟
ومتنساش إنها ضيفة هنا، كلها كام يوم وترجع البلد. فإذا غلطت في حاجة أبوها وأخوها لما تروح هناك يتصرفوا معاها، إحنا ملناش دعوة، هي مش اسمي على تزعق وتشخط فيها براحتك. واضح الكلام يا مراد. على الله اللي حصل ده يتكرر تاني. أصدر تأففًا قوي وهو يحدجه ساخرًا بغيظ، ثم يتجه ويصعد بسيارته وينطلق بها. بينما هي فأصطحبها كل من أسمى وملاك إلى أعلى وهما يحاولان تهدئتها. اقتربت ليلى من أسيد لتهتف بتبرم وهي تلوى فمها:
_على أساس إن البتاعة اللي اسمها ملاك دي هتمشي النهاردة؟ ممشيتش ليه؟ هتف في انزعاج شامل: _مش هتمشي يا أمي، قاعدة. إيه يا ليلى هانم، خليكي رحيمة شوية. أخليها تمشي وتروح فين يعني؟ تقعد في الشارع وأهلها قاعدين في بيوتهم مرتاحين. صاحت به بوحشية: _واحنا مالنا؟ ماتغور في أي مكان. يعني هي بقت علينا؟ إذا كان جدها مش عايزها. أنا البنت دي مش عايزها تقعد في بيتي، أنا مش عايزة مشاكل. إيه يضمني متكونش متفقة مع أخوها الحيوان ده
(معتز) وعايزة تأذينا؟ تمطع بعنقه للجانبين في نفاذ صبر من هذا الشجار الذي لا ينتهي: _أمي، أقسم لك بالله أنا فيا اللي مكفيني، مش كل ما تشوفيني تنرفزيني كده. قلتها كلمة ومش هنيها. ملاك قاعدة هنا ومش هتمشي، ومش عايزة أسمع إنها اشتكت منك أو من أسمى. هتسألي ليه؟ هقول لك عشان دي وصية بابا قبل ما يموت، وأنا مش هكسر وصيته عشان سبب تافه زي ده. ***
خرج ريان من المرحاض وهو يدندن بأحد الأغاني الشهيرة، يلف المنشفة حول نصفه السفلى، عاري الصدر وبيده منشفة صغيرة يجفف بها شعره الغزير، ليقطع حالته المزاجية صوت رنين هاتفه فأجاب عليه هاتفًا: _الو. خير. عملت إيه؟ _عيب يا ريان بيه، قولتلك يومين وهتلاقي قراره قدامك. عرفت مكانه قاعد في قرية اسمها (... في نجع حمادي. هتروح هناك وهتسأل عليه وهو هناك أشهر من النار على العلم، هيدلوك على بيته على طول. تلهلت أساريره وهو يتشدق:
_عفارم عليك. هو ده الشغل ولا بلاش. أنهى الاتصال معه وهمس لنفسه بنظرة متوعدة: _وقعت تحت إيدي يا معتز يا كلب. أنا هكتفي بتعذيبك بس، لكن اللي خايف منه بصراحة أسيد واللي هيعمله فيك. عشان تتعلم بعد كده متلعبش مع ولاد عيلة الصاوي. ثم أكمل دندنته وهو يرقص بخفة ويبدأ في ارتداء ملابسه والحماس يكاد يصل إلى أعلى مراتبه لديه لكي ينال من عدوه. *** داخل غرفة سارة. هتفت أسمى متسائلة بقلق: _سارة اهدى وفهمينا إيه؟
نقلت نظرها بينها وبين ملاك لترى في عيناهما الفضول الشديد حول ما حدث، فاستجمعت ما تبقى منها وهمست بخفوت وهي ترتجف من فرط بكائها: _أنا أعرف واحد من بدري وبنتكلم أنا وهو، وهو بيحبني وأنا كمان بحبه، وهو واعدني إنه هييجي يتقدملي آخر الشهر. والنهردا، كنت بكلمه ومراد شافني وأخد مني الموبايل ورد عليه وهزقه، وبعدين بهدلني أنا وقالي إنه هيقول لريان وبابا وهما يتصرفوا معايا، وريان لو عرف هيقطع رقبتي. تنفست الصعداء ملاك باقتضاب
لتقول بشيء من الاندفاع: _تصدقي تستاهلي اللي عمله فيكي. أنتي هبلة يا بت؟ يعني قالك هييجي يتقدملك وأنتي صدقتيه بكل سهولة؟ هو لو عايزك فعلًا هيكلمك تليفون ليه! لولا إني أخاف عليكي من ريان وجنانه كنت قولتله، لكن أنا عارفاه كويس. في هدوء تام وصوت رزين قالت أسمى: _متخافيش، إذا كان مرضيش يقولنا إحنا هيقول لريان وعمي. مستحيل أصلًا هو بيخوفك بس مش أكتر. أماءت برأسها لهم بارتياح بسيط، فتشدقت ملاك بحدة بسيطة:
_أيًاكي تكلمي الولد ده تاني فاهمة يا سارة، وإلا قسمًا بالله أنا بنفسي اللي هروح أقول لريان. إحنا إيه عرفنا؟ ممكن يأذيكي بأي شكل من الأشكال. سارة بضيق زائف في عبوس: _إيه يا ملاك؟ أنتي معايا ولا عليا؟ _معاكي بس مش مع اللي عملتيه. استقرت نظرة ساخرة في عيني أسمى على ملاك لتردف بقسوة وهي تلقي الكلمات حجرًا: _واللي عملته عمتي إيه؟ وإنتي الله أعلم كنتي فين وبتعملي إيه. الأفضل إنك تفضلي إنتي بذات ساكتة.
ثبتت واقفة وهي ترفع سبابته محذرة وتهتف بغضب عارم: _أسمى احترمي حدودك فاهمة، ولو جبتي سيرة ماما تاني هتشوفي واحدة تانية ومش هيهمني حد. تابعتها وهي تغادر بغطرسة، فسلطت سارة نظرها على أسمى في عينين صارمتين تلومها على ما قالته لتقول بغيظ: _إيه اللي قولتيه ده يا أسمى؟ بعدم اكتراث امتزج بغرور وهي تطفق: _مقولتش حاجة غلط. انزعاج شامل أجابتها سارة: _لا غلطانة. أنتي إيه عرفك كانت فين؟ بتتكلمي على أساس إيه؟
ملاك دي، يا بخته اللي عنده زوجة ولا أخت ولا بنت زيها تتحط كده على الجرح يطيب. وكانت متجوزة من واحد حيوان، مشوفتيش جسمها واللي عاملة فيها؟
وعمتي أنا كنت بروحلها أنا وريان. لو كنتي شوفتيها عمرك ما كنتي هتقولي اللي بتقوليه ده إنها السبب في موت عمي. وحتى أسيد ومراد يعرفوها، لكن ملاك متعرفش غيري أنا وريان، عشان كده مش عايزة تقعد هنا. متبقيش إنتي والزمن عليها كمان يا أسمى، خليكي حنينة معاها، هي ملهاش ذنب في أي حاجة، بالعكس دي هي الضحية في كل حاجة. من بداية اللي عملته عمتي، هي اللي دفعت التمن مش حد تاني.
زفرت بضيق زائف بعد أن بدأت تشفق عليها قليلًا، فهبت واقفة واستدارت لتغادر في وجه ينم عن عدم رضاها. ***
بعد مرور ساعات قليلة، ارتدت ملابسها وهبطت الدرج سائرة نحو مكتبه، لتطرق الباب عدة طرقات رقيقة فيأتيها صوته يسمح للطارق بالدخول. دلفت إلى الداخل وعقدت ذراعيها خلف ظهرها وهي تفركهما ببعضهم بقلق. كانت رشيقة العود تنضج بشرتها بالبياض والملاحة، ملابسها فضافضة لدرجة لا تظهر أي شيء من مفاتن جسدها، حجابها يصل إلى أسفل ظهرها من الخلف ومن الأمام حتى أسفل صدرها. شعرت بالدماء تصعد لوجنتيها عندما رأته يثبت نظره عليها منتظرًا منها إلقاء ما تريد قوله، فهمست
بصوت يكاد لا يسمع ومضطرب: _أسيد، أنا كنت عايزة أروح لوحدة صحبتي، ممكن تقول للحراس يطلعوني. قال بخفوت في هدوء: _فين بيتها صحبتك دي؟ _في الشقة اللي قدام بيتنا القديم، أنا مشوفتهاش من ساعة ما اتجوزت أكرم. أجابها بودٍ في خشوع وهو يهب واقفًا: _تمام، يلا. هوصلك في طريقي، أنا كده كده طالع. ولما تيجي طالعة من عندها اتصلي بيا. قطبت حاجبيها لتتمتم بحيرة: _وأنت تعرف مكان بيتنا منين؟
جذب مفاتيح سيارته وهاتفه ليخرج صوته الأجش قائلاً متجاهلاً سؤالها تمامًا: _أنا هستناكي في العربية بره. حدث صمته ضجيجًا في نفسها وقد هيمن عليها الفضول حول معرفة الكثير من الأشياء وقررت أن تسأله عن كل شيء اليوم ولن تتركه يرحل بدون أن تفهم منه. ***
بعد مرور ساعات قليلة حيث أستر الليل ردائه كاملًا وارتفع ضوء القمر في السماء منيرًا قلوب البعض ليبشرهم بالنور القريب الذي سينير حياتهم وبعضهم يزيد من ظلامهم. كان يجلس مراد في الظلام الدامس يحدق في النجوم الساهرة بشرود يشعر في قلبه بنغزة تكاد تقتله قتلًا لا يعرف سببها. تسللت من خلفه أسمى فأقتربت من أذنه لتهمس باسمه: _العاشق الولهان، سرحان في إيه؟
التفت خلفه بشيء بسيط من الفزع ليطالعها بابتسامة دافئة، فتلتف هي لتجلس على الأريكة بجانبه رامقة إياه في ريبة من أمره. ففتح لها ذراعيه داعيًا إياها للانضمام إلى أحضانه، فلبت طلبه بكل سرور. أخذت تحدق معه في السماء لدقائق ليست بقصيرة حتى قطعت ذلك الصمت المرير لتهمس بعد أن ابتعدت عنه: _مالك يا مراد؟ أنا ملاحظة إنك ليك كام يوم كده مدايق. أسيد وعارفين سبب ديقته وعصبيته وإنه اتغير شوية بعد موت مريم، طيب وأنت؟
أجابها باسمًا بمرارة وقد سحق تحت الأسى والشجن: _على الأقل أسيد عارف هو كده ليه، لكن أنا مش عارف. أسمى بشيء من الغضب والانفعال: _لا أنت عارف بس بتضحك على نفسك. لسه بتفكر في الزفتة دي صح؟ بعد ده كله ولسا بتفكر فيها يا مراد؟ تأفف بقوة في خنق وتمتم في أحضان الظلام بصوت حازم: _قومي يا أسمى من جمبي. صاحت به في انزعاج شامل وقد تملكها الغضب:
_لا مش هقوم، مش هقوم يا مراد. في إيه أكتر من إنها حاولت تسرقك وراحت عند الدكتور وسقطت ابنك من غير ما تعرف، وضحكت عليك وفهمتك إنها وقعت، وعشان كده سقطت؟ وكله كوم، وخيانتها ليك كوم تاني. بعد ده كله ولسا بتفكر فيها ومش قادر تنساها؟ تعرف إني لو شفتها الحيوانة دي هشرب من دمها. خرج صوته الجهوري وهو يصرخ بها بصوت جعل أعضائها تنتفض: _قولت قومي يا أسمى. هبت واقفة ثائرة وهي تقول بامتعاض:
_خليك كده بتضحك على نفسك بدل ما تبص لحياتك، قاعد بتفكر في القذرة دي. همت لترحل فرأت مروان قادمًا إليهم. تملكتها الدهشة للحظات ولكن سرعان ما تحولت لابتسامة عذبة وصافية وهي تقول بمرح بسيط: _إيه ده؟ جيت إمتى؟ مش تقول إنك جاي طيب يا مروان، اخص عليك. بنظرة حانية تود ضمها همس باسمًا: _أنا بكرة راجع تاني في شغل هخلصه سريع وهرجع. مراد مستنكرًا: _ليه؟ بيجروا وراك ولا وراك الديوان عشان صد رد كده؟ ضحك بخفة، فأقتربت أسمى
من مروان لتهمس له بزمجرة: _شوفه يا مروان، لأحسن لا أنا ولا ماما بنقدر نتكلم معاه. هو وأسيد، أظن أنت فهمتني أنا قصدي على إيه. أماء برأسه لها بإيجاب وتفهم ليشير لها بعينه أن تذهب وأنه سيحل ذلك الأمر بطريقته الخاصة. *** سارت نحوها وهي تحمل بيدها صينية فوقها كوب ممتلئ بمشروب طازج، فهتفت ملاك معاتبة: _والله أنتي بتستهبلي يازمردة، مش كفاية الأكل اللي عملاه؟ هو أنا غريبة؟ قالت بشيء من الضحك:
_عشان تحبسي يا حبيبتي. أنا مش مصدقة إزاي يحصل كل ده معاكي ومتقوليش بأي طريقة. يا ملاك لو اتصلتي بيا وعرفتينى كنت هتصرف. ملاك ببساطة في ابتسامة ساحرة: _دلوقتي مبقاش ينفع الكلام ده. قولي الحمد لله إن ربنا بعتلي ريان وأسيد، وإلا كان ممكن متلاقنيش قدامك. لو ممتش منه كنت أنا هخلص من نفسي وارتاح. نبرة شبه ضجر هتفت زمردة:
_أنتي هبلة يا بت إيه الكلام ده. أنا لو أعرف إن ريان ده مش عايز يأذيكي مكنتش قولتله كده. بس أول ما عرفت إنه ريان ابن ثروت صديته على طول. غمغمت مبتسمة في وجه مشرق وجميل: _أنا أصلًا مليش غيرك أنتي وريان وسارة. أكملت في نظرات أسى وشجن: _هتفضلوا لغاية إمتى كده يا زمردة؟ أنتي ليكي حق زي كل واحد في البيت هناك، ليه متروحيش تاخدي حقك أنتي؟ صمتت لبرهة ثم نظرت لها وهمست بعينين تهيمان بالدموع: _وأنتي ليه متروحيش تاخدي حقك منهم؟
مش هتردي صح؟ أقولك ليه؟ عشان إحنا الاتنين زي بعض يا ملاك. اتربينا وكبرنا من غير أب ولا عيلة، بس اتربينا على إيد عمتي فردوس وماما. وأنا مليش أم واحدة لا اتنين، أمي وعمتي فردوس الله يرحمها وأنتي كذلك. كبرنا على كده، اتعودنا على حياتنا، يمكن كنا أسعد منهم. تعرفي كده؟
على الأقل مكنش فيه حاجة في دماغنا غير إننا نلعب وناكل وننام ونستنى أمي وأمك لما يرجعوا من الشغل، وناكل وننام مرتاحين. يكفي إننا كنا بنحط راسنا على المخدة بليل واحنا مرتاحين الضمير. هما اللي مش مرتاحين. لم تتمالك ملاك نفسها فأنخرطت تبكي معها بحرارة وهي تعانقها بشدة وتهتف بصوت مزقه الحزن: _صدقيني كل ده هيعدي يا زمردة وربنا هيعوضنا وهيأخدلنا حقنا من كل واحد ظلمنا. مررت يدها لأعلى وتسفل على ظهرها بحنان وهي تهتف بصوت باكي
تحاول إظهار نبرة المرح: _أنتي بنت نكدية والله. ابعدي يا بت جاتك القرف نكدتي عليا. ابتعدت عنها لتطالعها مبتسمة بحب وهي تجفف عبراتها لتقول زمردة بحماس: _احكيلي. أنتي عاملة دلوقتي عند أسيد ده؟ بصوت يخالطه البكاء أجابتها: _وهو أنا من امتى برتاح يازمردة؟
لا مرات خالي ولا أسمى طايقني، عشان كده عايزة أمشي. لكن أسيد الصراحة كويس جدا معايا ومش هقدر آجي أقعد عندك لأن أكيد أكرم أول مكان هيتوقعه هو بيتكم. فلو مشيت مش عارفة هروح فين. بجدية تامة في حدة أجابتها: _أيوه هتروحي فين يعني. طالما هو كويس معاكي ملكيش دعوة بأمه وأخته، ياملاك هما هيفهموكي مع الوقت صدقيني وهيحبوكي. قطع حديثهم صوت رنين الهاتف الصاخب، فأمسكت به وأجابت بهدوء: _الو.
التقاها صوت تعرفه جيدًا لا تستطيع نسيانه مهما فعلت، جعلها تتعرف عليه في الحال وهو يقول: _لو خلصتي أنا مستنيكي تحت ياملاك. تعثرت الكلمات في فمها لتخرج غير منتظمة وهي تقول: _ها؟ أنت... ماشي يا أسيد، نازلة؟ أردفت زمردة بضحك خفيف وهي تطالعها بترقب: _ما شاء الله بييجي على السيرة. هبت واقفة وهي تتشدق بحنان جلي بعد أن عانقتها عناق حار مودعة إياها:
_يلا بقى أنا همشي وبأذن الله هحاول آجي تاني. ولو مقدرتش هتصل بيكي وأوصفلك الطريق وتيجي إنتي. أماءت لها بلطف لترافقها حتى الباب وتودعها لتهبط هي الدرج حتى تغادر المبنى تمامًا وتستقل السيارة بجواره وهي تهمس بخجل بسيط: _معلش تعبتك معايا. لفظ الحروف ببطء من بين شفتيه قائلًا: _أظن إن أنا اللي قولتلك إني هاجي آخدك مش إنتي. طفح الكيل من حالاته المزاجية المتغيرة هذه، فهي ليست مجبرة على تحملها. صاحت به في اندفاع:
_ومحدش غصبك تيجي تاخدني، قولتلك هروح وآجي وحدي، أنت اللي صممت. كمان أنا الغلطانة في الآخر لما بقوله تعبتك معايا وبشكره. عارف أنت إنسان غريب والله. يعني أكيد فيك حاجة غلط، ساعة تتكلم بحنان وهدوء وساعة مش طايقني. في إيه يا أسيد؟ لو زهقت مني قولي وأنا همشي والله علطول، أنا أصلًا آآآآ……. وجددته يضع يده على فمها مقتربًا منها ليغرس في عينها شعاع عينه الثاقب مهمهمًا بصلابة:
_وعلشان أنا إنسان غريب بقى زي ما قولتي يا ملاك، متكتريش في الكلام معايا عشان لا أنا ولا إنتي ضامنين رد فعلي.
تسارعت نبضات قلبها واطرقت الطبول حتى كاد يسمعها. عيناه الرمادية تحولت إلى سوداء من فرط غضبه، وقلبها يكاد يدب من بين أضلعه كلما لفحت أنفاسه الملتهبة صفحة وجهها. ولكنها نجحت في السيطرة على مشاعرها حيث دفعت يده بعنف عن فمها وراحت تنوي فتح باب السيارة لتترجل منها وتذهب بمفردها، فيقبض على ذراعها ويجلسها بالسيارة عنوة صائحًا: _رايحة فين؟ اقعدي مكانك، مش ناقص جنان أنا.
أغامت عيناها الدمع وهي تنتزع يده من على ذراعها بشراسة ونظرات نارية. فأنطلق بالسيارة وهي تستند برأسها على زجاج السيارة تتابع الطريق في صمت حتى هتفت بخفوت في صوت مبحوح: _وقف العربية لو سمحت هنا. _ليه؟ صاحت بغضب هادر: _هتوقفها ولا أنزل منها وهي ماشية!
أوقف السيارة كما طلبت، ففتحت الباب ونزلت ثم ابتعدت بخطواتها تجاه الرصيف حتى جلست على مقعد خشبي عريض، ولحق هو بها ليجلس بجوارها. ثم التفت لها فاستقرت نظرة مشفقة منه عليها. وعندما نظرت له أشاحت بوجهها للجهة الأخرى فورًا باضطراب وهي تحاول التكلم بنبرة طبيعية: _مقولتش أنت تعرفني إزاي وعايزة أعرف كل حاجة دلوقتي. تنهد بتذمر وطفق يقول بخفوت بعد أن جلس بارتياحية أكثر: _ملاك، هو أنتي فاكراني إيه؟
أنا كل حاجة عارفها عن العيلة دي، وأعرف حاجات عن كل واحد محدش يعرفها زي ما أنا عارف إن صحبتك دي اسمها زمردة وبنت عمي عزت. عمي مات قبل بابا طبعًا ووصاه على بنته ومراته دول، وكان بيروح يطمن عليهم على طول. وبالنسبة ليكم إنتي وعمتي، محدش كان يعرف مكانكم غير لما جيتوا وسكنتوا قدام زمردة. بابا طبعًا مكنش قادر يسامحها على اللي عملته، وبرغم كده مش قادر يسيبها من غير حد يكون معاها أو كده. وقتها أنا كنت عشرين سنة وريان كذلك.
بعدها مات بابا ووصاني عليكم إنتوا وزمردة، فأنا بعت ريان وخليه هو اللي يتولى المهمة دي ويطمن عليكم من كل فترة لفترة، وأنا اتوليت مهمة زمردة. وطبعًا ده كله من غير ما حد يعرف، أنا وريان ومراد بس اللي كنا عارفين الموضوع ده وسارة كمان. يعني كنت عارف كل حاجة عنكم، حتى كنا حاطين ناس بيراقبكم. ولما الراجل بتاع الشقة كان عايز يمشيكم عشان مدفعتوش الإيجار وانتوا افتكرتوا إن اللي دفعه ريان، لا أنا اللي دفعت. ريان وقتها كان مسافر
بره مصر. بس من وقت ما سبتوا الشقة محدش عرفلكم طريق. أظن عرفتي دلوقتي ليه اتعصبت لما قولتي لريان إن الناس دول هما السبب في اللي أنا فيه، لأنك مكنتيش تعرفي أي حاجة.
تملكتها الصدمة وهي تارة تحدق به وتارة في الماء أمامها هاتفة بعدم استيعاب: _مش مصدقة اللي بسمعه بجد. دلوقتي فهمت ليه لما شوفتني عند أكرم مستغربتش ولا حتى سألت ريان مين دي ودافعت عني كأنك تعرفني من سنين. كنتوا عارفين كل حاجة وسبتونا في اللي إحنا فيه. اكتفيتوا إنكم تشوفوا لو عايزين حاجة ولا لأ صح؟ هل سألتوا نفسكم في مرة ياترى محتاجين ضهر بتسندوا عليه؟ محتاجين يحسوا بالأمان والحنان؟ محتاجين عيلة يتربوا وسطهم؟
مسألتوش نفسكم صح؟ عارف ليه يا أسيد؟
عشان مكنش عندكم وقت تفكروا. كل واحد فيكم عايش حياته سعيد واحنا كان بيوصل بينا لدرجة إننا بننام أنا وزمردة وباب الباب إحنا وصغيرين معتقدين إننا هنقدر نمنع الحرامي لو جرب يدخل البيت. مجربتش طبعًا لا إنت ولا ريان ولا سارة ولا مراد تكبروا من غير أب من غير حماية. اتعودتوا إن كل اللي بتعوزوه بيجيلكم. بس العيب مش فيكم ولا في جدي ولا أمي ولا عمي. العيب فينا إحنا اللي ملناش حظ في الحياة دي اتكتب على جبيننا الشقاء.
قالت آخر جملها وهي تنخرط في موجة بكاء عنيفة. كلماتها صوبت نحو قلبه الضربة القاضية، مزقته إرباً. شعر بقلبه ينسحق تحت الأسى والشجن فهمس بصوت ينسدل الحرير ناعمًا:
_ملاك كفاية عياط لو سمحتي، أنا مكنتش أقصد كده صدقيني. لو كان بأيدي أنا وريان حاجة كنا أخدناكم وودناكم البيت، بس مكنش عايزين المشاكل ليكم. أعتقد إنتي عارفة جدي كويس، هو ده السبب اللي خلانا منفكرش في إننا نجيبكم البيت. أنا كان قصدي أوضحلك إنكم مكنتوش وحدكم وإننا دايما كنا معاكم ومازلنا معاكي. التقى شعاع عينيها في عينيه بدون قصد. ثوانٍ مرت كالسنين عليها. ليقطع تلك اللحظات صوت هاتفه فيخرجه من جيبه ويقول بجدية:
_الو. يا ريان خير. متصل في آخر الليل كده ليه؟ ريان في نظرات خبيثة ومتقدة: _جهز نفسك معانا، طلعة بكرة لنجع حمادي، مش أي طلعة. به واقفًا متحمسًا وهو يهتف بنبرة رجولية: _تبقى عملتها يا ابن ثروت. قولتلك إنه مش هيبعد عن نجع حمادي وهتلاقيه فيها أكيد. متقلقش، أنا مجهز نفسي أساسًا من زمان للحظة دي. هاخد روحه بإذن الله. هتف ريان في لهجة لا تقبل النقاش ومحذرة: _أيّاك يا أسيد تقول لملاك إن الحيوان ده أخوها. نظر لها للحظات
في تردد ثم أجابه بخشونة: _لما أشوفك نبقى نتكلم في الموضوع ده يا ريان. _تمام، سلام. هتصل بيك بكرة وهنتفق هنتقابل فين وامتى. أنزل الهاتف من على أذنه وهو يتنهد بقوة. فهمست هي بفضول بسيط: _أعتقد إنكم عرفتوا مكان اللي اسمه معتز ده. عقد حاجبيه ورفع حاجبه الأيسر قائلًا بريبة: _وإنتي تعرفيه منين؟
_ريان قالي على بعض المشاكل والمصايب اللي عملها لما أصرت عليه إنه يقول لي. على أي حال، خدوا بالكم. واضح إنه واحد مش سهل والله. هو الأفضل إنكم متروحوش أبدًا، لكن العيلة كلها عندها عرق العند وبتعمل اللي في دماغها دايمًا، يعني مهما قلت مش هيجيب نتيجة لا معاك ولا مع ريان. ابتسم لها بصفاء ليتمتم بودٍ: _كويس إنك عارفة. مش يلا عشان نروح ولا إيه؟ أماءت برقة ساحرة بإيجاب وهي تنهض واقفة على قدميها لتتبعه إلى السيارة. ***
مع إشراقة شمس يوم جديد والسماء مزينة بقطع غيوم متقطعة. كان يجلس أسيد منتظرًا قدوم خليله حتى أتى ليصعدا بالسيارة وينطلقوا نحو منزله.
أوقف أسيد السيارة داخل أحد القرى الصغيرة حيث مكتظة بالأطفال الذين يلعبون والرجال الذين في أعمالهم ببساطة كانت تعكس مظاهر الحياة البسيطة. كان كل من يمر يرمقهم بنظرات تفحص واستغراب من تلك السيارة الفاخرة وملابسهم وهيئتهم التي تعكس رغد العيش. تقدم أسيد وتبعه ريان نحو أحد المنازل الصغيرة المتكونة من طابق أرضي. فطرق ريان بطريقة لا يمكن القول عنها سوى أنها همجية. لحظات وفتح لهم فرأوا على وجهه ابتسامة ماكرة وكأنه كان منتظر
قدومهم. تلقى ضربة قاضية من أسيد أبرحته أرضًا وهو يتحسس بأنامله الدماء التي بدأت تسيل من جانب ثغره. ثم دلفا وأغلقوا الباب فأنقض عليه أسيد يكمل ما بدأه للتو وكأنه يفرغ شحنة غضبه المكتظة بداخله منذ وفاة زوجته في ذلك الوغد. استطاع ريان إفلات معتز من بين يديه بصعوبة وهو يصيح به بصوت جهوري
يحمل في داخله التحذير: _هتدفع تمن أفعالك الـ **** دلوقتي يا معتز. مقدرتش أقتلك وقتها عشان كان عندي عيلة خايف عليها، لكن دلوقتي معنديش حاجة أخاف عليها. خرج صوته متغطرسًا ضاحكًا: _ومستني إيه؟ اقتلني يلا. هتف ريان في تلك اللحظة في نظرة تشتعل بفعل العواصف الهائجة بداخله: _مستعجل على موتك أوي. متخفش، هنحققلك أمنيتك بس مش قبل ما نشبع من تعذيبك. قطع حديثهم صوت رنين ريان التي تجاهله تمامًا، فهتف معتز مبتسمًا بمكر:
_برأيي ترد، يمكن تكون حاجة مهمة؟ صر أسيد على أسنانه فجذبه من ملابسه وهو يصرخ به بتحذير: _أقسم بالله لو طلع إنك أذيت حد لأكون دافنك في أرضك يا ****** أخرج ريان هاتفه ونقل نظره بين أسيد ومعتز في توتر بسيط ثم أجاب بخفوت: _الو. تيقن أسيد أنه حدث شيء بالفعل عندما رأى علامات الصدمة بادية على وجهه وهو يرمقه بذهول.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!