كانت قسمات وجه ريان تنم عن دهشة ممتزجة بالتلهف لعلمه الجيد بذلك الصوت المألوف عليه. نظر إلى أكرم وبأعين ملتهبة هتف: "إيه ده؟ هب واقفًا بأرتباك جلى وهو يهتف بتلعثم: "معرفش، ثانية هروح أشوف إيه ده! أسرع إلى أعلى حيثُ غرفتها وهو يتوعد لها. تبادل كل منهم النظرات في ترقب. سرعان ما تذكر كلام تلك الفتاة: "متعرفيش اللي اتجوزته ده مين، بيته فين، أي حاجة؟ هزت رأسها نافية في أسف متمتمة: "لا للأسف معرفش غير إن اسمه أكرم!
كان أسيد يجلس صامتًا وكأنه ينتظر معرفة مصدر ذلك الصوت المجهول بالنسبة له. *** دلف إليها كالتور الهائج ليقبض على عنقها خانقًا إياها وهو يهتف بخفوت مهيب: "انتي فاكرة نفسك إيه، ها؟ هتهربي مني يعني مثلًا؟ أقسم بالله لو سمعت نفسك تاني يا ملاك لأكون قاتلك ودافنك في أرضك." ولكن هيهات فقد تمردت السجينة على سجانها إلى الحد الذي جعلها تقف أمامه وهي لا تكمن ذرة خوف منه بداخلها. دفعت يده بشراسة عنها وهي تكمل
صياحها وصراخها الهيستيري: "ريااااان، أنا ملاك الحقيني! هنا باغتها بصفعة منه هوت بها على الأرض، سالت دماء فمها على أثرها. خرج وهو يغلق الباب خلفه، فقابل ريان في وجهه يتمتم بصوت يحمل في داخله التحذير: "افتح الباب يا أكرم." أكرم بخشونة في غضب: "شرفتونى، تحبوا أوصلكم للباب ولا عارفين الطريق؟ أخيرًا هاجت ثورة أسيد الخامدة ليجذبه من ملابسه مردفًا بصوت يقارب إلى فحيح الأفعى في نظرات نارية أوقعت في نفسه الرعب:
"أنا بقول تيجي توصلني أفضل بس وحدي يا أكرم علشان في مواضيع كتير عايز أتكلم معاك فيهم." لم يهتم لهم ريان فقد فتح الباب على مصراعيه ليتأكد من ظنونه حين وجدها ملقية على الأرض تبكي بغزارة. هرول نحوها ليهتف بتلهف: "ملاك انتي كويسة؟ نظرت له بوجه ممتلئ بالعبرات وأعين متوسلة تترجاه هاتفة: "ريان أبوس إيدك خدني من هنا متسبنيش مع الراجل ده! همس في صوت محتقن: "أكرم جوزك مش كده؟
أومأت برأسها في بكاء حار. فأكمل بلهيب النيران المشتعلة في عيناه بعد أن لاحظ الكدمات التي في وجهها والدماء السائلة من فمها: "هو اللي عامل فيكي كده؟ كانت تومئ له للمرة الثانية في انكسار. فانتصب في وقفته ليتجه نحوه وينتزعه من بين يدي أسيد، لينهال عليه باللكمات والضربات المتتالية ويشبع بألفاظ نابية. أبعده عنه أسيد وهو يصرخ به بصوت جهوري: "ريان انت اتجننت، في إيه!!! صاح بصوت يرتجف من شدة الانفعال:
"******، دلوقتي فهمت ليه مش معرف حد بجوازك علشان عارف أني لو شميت خبر بس هاخد روحك وده اللي هعمله فعلًا." كانت نظرة أسيد الصارمة له وهو يهمس بخفوت منذر: "ريان بلاش تعفرتني اهدى وأرسى كده! ما زال لم يعرف شيئًا عن أشكال معاناتها معه المختلفة، لم يعرف سوى عن الذي رآه بعينيه، فماذا إذا ببقية الأمور! رأت ملاك نظراته المخيفة له فلجأت بريان لتقف خلفه كالأطفال احتماء به من بطش ذلك الوغد. حيث وقف على قدميه وهتف بنبرة
تحمل في طياتها التهديد: "لو مطلعتوش من البيت دلوقتي هطلب ليكم البوليس." وهم بجذب ملاك من ذراعها فتصدر له أسيد هذه المرة متدققًا في ابتسامة مريبة: "بقت تخصنا خلاصة." هتفت بصوت أنثوي رقيق ومرتعش: "طلقني يا أكرم من غير مشاكل وكل واحد فينا هيروح لحاله." خرج صوت ريان المتحشرج قائلًا بنظرات ملتهبة: "بعد اللي عامله فيكي ده غصب عنه هيطلقك! أنقض أكرم عليه ليوجه له لكمة قوية وهو يصرخ به من شدة الانفعال:
"انت مين علشان تتدخل بيني وبين مراتي! أظهر على أنيابه وبرزت عروق رقبته. فتمطع بعنقه للجانبين وهو يهيأ نفسه لما سيفعله به الآن. فرأى نظرة أسيد الرزينة التي تحمل بداخلها الخبث وهو يغمغم بخشونة مريبة وابتسامة أوقعت الرعب في ثنايا قلب ذلك الـ "أكرم": "خد ملاك ياريان وسبلي أكرم بيه في كلام كتير بيني وبينه هنتفاهم أنا وهو."
تظاهر بالثبات أمامه وأعضائه ترتجف بداخله. رمق زوجته التي ما زالت تلوذ بريان وتتشبث بملابسه. فهتف أسيد بابتسامة متغطرسًا: "متخافش عليها في إيد أمينة، يلا ياباشا بقى." سار معه وهو يشعر بالخطر يقترب منه في كل خطوة يسيرها معه. بينما ريان وملاك فتبعوهم وكل منهم استقل في سيارته. وقبل أن يستقل أسيد بسيارته رمق ريان بنظرة وابتسامة يعلمها جيدًا، جعلته يصعد بسيارته بارتياح. ***
توقفت السيارة في مكانها المخصص ليترجل مراد منها ويسير نحو باب المنزل. ولكنه توقف عندما لمح شيئًا يقف في الظلام الدامس. تسمر بأرضه لبرهة يدقق النظر محاولًا معرفة من هذا. لوهلة ظنه لصًا حيث أسرع في خطاه نحوه متحفزًا. وعندما اقترب اتضح أنها امرأة. ببداية الأمر عجز عن تحديد هويتها ولكنه بعد ثوانٍ تمكن من معرفتها. اقترب منها أكثر وهتف بصوت رجولي صارم: "سارة بتعملي إيه هنا دلوقتي؟
ارتعشت وانتفضت في وقفتها حتى كاد الهاتف يسقط من يدها. فأغلقت الاتصال وأخفته خلف ظهرها لتجيبه بنظرات مرتعدة وصوت متلعثم: "هاااا... لا مش بعمل حاجة كنت بكلم وحدة صحبتي." نظر إلى هيئتها بنظرات شائكة ليهتف بحدة: "ولما هي صحبتك مالك مش على بعضك كده ليه؟ وبعدين هي صحبتك ينفع تكلميها في أوضتك فوق؟ إيه اللي موقفك في الضلمة دلوقتي وفي حراس وخدم؟ فركت كفيها ببعضهما وهي تردف بتوتر: "أنا آسفة، أنا نزلت أتكلم عادي مكنتش أعرف!
"طاب اطلعي على الأوضة يلا ومتكرريهاش تاني." أسرعت تغادر من أمامه في خوف. فنظر أسفله ليرى عقدًا يأخذ شكل قلب. انحنى والتقطه يتحسسه بأصابعه. هم بفتحه لتنتشله هي من يده بسرعة هاتفة بصوت به رجفة بسيطة: "وقعت مني، شكرًا! رأت عيناه المخيفة فقد أيقن أنها تخفي شيئًا ليس بهين. ولكنه اكتفى بتلك النظرات التي جعلتها تهرول إلى الداخل هاربة منه. *** وقف أمام السيارة متشدقًا بشيء من العنف: "إيه هتقعد في العربية ولا إيه؟
ترجل أكرم من السيارة وتلفت حوله يحاول رؤية أي بشر في تلك البقعة الصحراوية والمهجورة لا يوجد بها سوى مخزن صغير. فنظر له وغمغم بخوف بسيط: "جايبنا هنا ليه يا أسيد؟ وضع قبضتي يديه في جيب سترته الجليدية ليتحرك نحوه مجيبًا في خفوت مريب: "أصل أنا راجل حقاني أوي الصراحة يا أكرم وبحب زي ما أدّي للناس حقها آخد حقي كمان واحنا في حسبات كتير بينا محتاجين نصفيها." بنظرات مرتبكة أردف: "حسبات إيه يعني فلوس قصدك؟ أجابه باسمًا بمكر:
"إيه هو أنا شكلي مادي أوي كده؟ تعالى وهقولك حسبات إيه دي يا أكرم بيه." تقدم أكرم أمامه وتبعه أسيد، حتى دخلا إلى ذلك المخزن الصغير لينظر له أسيد هاتفًا بغضب زائف: "ولاد الحرام مخلوش حاجة في المخزن، شايف المخزن ده كان مليان بضاعة تمنها فوق 40 مليون، معندكش فكرة مين عمل كده وسرق البضاعة؟ أزدرد ريقه وقد تغير لون وجهه إلى الأصفر وعيناه تعكس نظرات توحي بالرعب وبدأ العرق يسيل من على جبينه. فأكمل أسيد بهدوء ما قبل العاصفة:
"شكلك معندكش فكرة تحب أقولك أنا؟ بصوت مبحوح أجابه: "انت عايز إيه يا أسيد؟ شمر عن ذراعين مفتولتين وهو يتمتم بحنجرة قوية: "أنا عايز كل خير، زي ما قولتلك هنصفي الحسابات! وبدون مقدمات كان ينقض عليه ليبرحه ضربًا حتى خر على الأرض أمامه كالجماد الذي لا حياة فيه. انتصب في وقفته ويطرح ذراعه لأعلى وأسفل متصنعًا الألم وهو يهتف: "كده صفينا أول حساب، الحساب التاني بقى هتمضيلي على شيك بـ 40 مليون دلوقتي."
انحنى يجزعه للأمام ليكون قريبًا منه وتابع حديثه بصراخ هز أركان الحوائط: "فاكر نفسك مين هتضحك على أسيد الصاوي وتغفله، كان غيرك أشطر. لا وكمان رايح تعزمنا ياااه ده انت قلبك ميت بقى، لا والغباء واصل لـ level عالي عندك يعني أنت متجوز بنت عمتنا وبتعمل فيها كده وجاي تعزم ريان اللي هو أصلًا عارفها أكتر مني بس أهو الموضوع جه في صالحي." أخرج من جيب بنطاله "شيك" وقلم وناوله إياهم صائحًا بصوت جعله يرتجف: "امضي يلا!
قام بأمضاء منه على تنازل 40 مليون من أملاكه له. فجذب الشيك من يده وهو يغمغم بنظرات وضيعة واشمئزاز: "خليك هنا لغاية ما أشوف هعمل فيك إيه وموضوع طلاق ملاك ده هنشوفه بعدين! وجد أحد رجاله يدخل بعدما صاح مناديًا عليهم وهو يهتف برسمية: "أوامرك يا أسيد بيه." هندم من ملابسه جيدًا وهو يقف شامخًا ليجيبه بغضب: "يتكتف ويتربط وتخلوا عينكم عليه وإياكم يفلت منكم واستنوا الأوامر مني." *** صاح بها مزمجرًا:
"كل ده يحصل معاكي ومتقوليش يا ملاك! همست بأعين تهيمان بالدموع وصوت مزقه الحزن: "مقدرتش أوصلك يا ريان صدقني وأكرم مكنش بيطلعني من البيت. حاولت كتير أوصلك واستنجد بيك من اللي أنا فيه معرفتش، أنا مكنتش عايشة أصلًا كنت شبه ميتة. الإهانة والمرار اللي شفته معاه عمري ما عشته." ضغط على شفتيه السفلى وهو يهتف بنبرة متوعدة: "مبقاش ريان الصاوي أما خليتك تتمنى الموت ومتطلبهوش. أسيد نقذك مني بس النهاردة...
وأنتي أنا حتى عمتي معرفتش أنها ماتت غير من يومين وقابلت وحدة جيرانكم بتقول أنها صاحبتك وقالتلي أن عمتي ماتت وأن أنتي اتجوزتي." بأعين تشع بحنين الشوق هتفت: "بجد شوفت زمردة ياريان، وحشتني أوي نفسي أشوفها ليا فترة طويلة مشوفتهاش! خرج صوته الرجولي وهو شاخصًا بصره عليها: "المهم دلوقتي أنتي هتيجي معايا البلد وهتقعدي هناك وموضوع طلاقك ده أنا هظبطه متقلقيش." انتصبت في جلستها ثائرة وهي تلقمه بهذا اللفظ حجرًا:
"انت بتتكلم من عقلك؟ أنا عندي أقعد في الشارع ولا أني أدخل البيت ده، مش هنسى الأذية اللي سببوها لماما وبابا اللي مات غدر بسببهم واولهم أبوك ياريان كان عارف باللي هيحصل ومحاولش حتى يمنع اللي عمل كده، بس أنا مستنية إيه من ناس مشفقوش على بنتهم هيشفقوا على الغريب! لوى فمه بعبوس وهو يزيح نظره عنها في ضيق واضح. فزفرت هي بخنق مكملة باعتذار:
"أنا آسفة ياريان مقصدتش أضايقك والله بس أنا بجد مش عايزة أي حد من العيلة دي، أنت الوحيد اللي بنسبالي كل حاجة أنت وسارة وعارف معزتك عندي وبحبك إزاي متزعلش مني أرجوك." تنفس الصعداء باقتضاب متشدقًا بوجه متهجم: "خلاص ياملاك طالما رافضة تيجي البيت معايا، روحي اقعدي عند أسيد مؤقتًا لغاية ما أظبط الأمور! بريبة تتجلى في عينيها هتفت متسائلة: "أسيد مين ده؟
"اللي كان معايا ياملاك ابن خالك ياسر، اقعدي معاهم مؤقتًا.. هو معاه أخته وسارة كمان قاعدة هناك الفترة دي يعني مش هتكوني لوحدك ومرات عمي كمان موجودة." تلاطمت أفكارها وترددت مليًا لتجيبه بعدم اقتناع: "انت مالك النهاردة ياريان، عايزاني أروح عنده وأنا أصلًا أول مرة أشوفه النهاردة ولا أعرفه ولا حاجة ولا حتى أعرف أمه ولا أخته معرفش غير سارة." بنبرة شبه ضجرة هتف بحزم:
"مهو مش هتيجي معايا يبقى هتروحي عند أسيد ياملاك لأني مستحيل أسيبك تقعدي في شقة لوحدك، ها؟ هتختاري إيه تيجي معايا ولا تقعدي عند أسيد؟ أشاحت بوجهها عنه معربة عن اعتراضها على الاختيارين فوجدته يهتف مقررًا بالنيابة عنها: "تمام طالما مش هتختاري انتي هختار أنا.. هتقعدي عند أسيد." أجرى اتصالًا به وأخبره أنه في طريقه إليه. وفور وصوله جذبه إلى أحد الأركان بعيدًا عن مسمعها ليهتف بخفوت: "عملت إيه؟ بصوت غلبه الوجوم أجابه:
"عملت إيه يعني، عملت الواجب معاه متقلقش قاعد تحت إيدي، إيه هتروح معاك البلد ولا لا مظنش أنها وافقت؟ "أكيد طبعًا موافقتش أنت مش محتاج أقولك ملاك وعندها إزاي أنت عارفها كويس. قولت لها تروح تقعد عندك لغاية ما الأوضاع تتظبط."
نظر لها بأعين صارمة جعلتها ترتبك بشدة وتشيح بوجهها للجهة الأخرى لتتقي نظراته الحادة وهي تتساءل كيف ستعيش مع ذلك الرجل إذا كان ينظر لها هكذا من أول لقاء بينهم. بينما ريان فهمس له بنبرة لا تحمل نقاشًا: "أنا أقنعتها تروح تقعد عندك بالعافية." أومأ برأسه إيماءة بسيطة في عدم اعتراض مجيبًا: "متقلقش أنا هعرف أتعامل معاها إزاي." هز رأسه بالإيجاب له ثم عاد لها ليهمس بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
"ملاك روحي مع أسيد بقى وأنا هرجع البلد لأن ورايا شغل مش هينفع أتأخر عليه أكتر من كده متقلقيش هبقى على اتصال معاكي طول الوقت." قبضت على يده وهي تهتف بنبرة راجية وأعين دامعة بلهجة شبه طفولية وبريئة: "خليك معايا النهاردة ياريان علشان خاطري، أنا خايفة ما أروح مع اللي اسمه أسيد ده مشوفتش بيبصلي إزاي متسبنيش بالله عليك." في نظرة دافئة ونبرة عاشقة تحمل الحنان والقليل من المزاح: "مين أسيد! .. لا يمكن بيتك؟ "أهلك؟
أصلك لسا متعرفوش متخافيش مش هيعضك ياقلبي والله.. يلا قومي ولو عاوزة حاجة خدي رقمي من أسيد ورني عليا."
كفكفت عبراتها كالأطفال وتمنت لو تتمكن من معانقته قبل مغادرته ولكن لا يجوز. فاكتفت بتوديعه بالمصافحة، ثم سارت على حرج بجوار أسيد لتستقل بالمقعد الخلفي للسيارة وهي تنظر في كل شيء عدا وجهه وكأنها تتفادى نظراته التي أنزلت الرعب في قلبها فورًا. تارة تتابع الطريق وتارة تفرك يديها ببعضهم وتنظر أسفلها. كان ينظر لها في المرآة العلوية نظرات قوية. ليخترق فقاعة الصمت طافقًا بنبرة غريبة: "عمتي ماتت إمتى وإزاي؟
سعلت بخفة لتزيل بحة صوتها ولكنها لم تنجح حيث أجابته بصوت يكاد لا يسمع في خوف جلي: "آآآ... من تلات شهور كده كان عندها ورم في المخ ومقدرتش أعملها العملية في المعاد المناسب فتوفت." أكمل بنفس نبرته السابقة: "واتجوزتي الحيوان ده بعد موت عمتي طول؟ أومأت بإيجاب على استحياء وهي تهرب منه بنظراتها لتهمس في صوت أنثوي رقيق: "معلش ممكن توقف العربية قدام أي سوبر ماركت بعد إذنك عايزة أشتري أي حاجة آكلها لأني جعانة جدًا الحقيقة."
أوقف السيارة وتشدق بصرامة في لهجة غريبة: "خليكي مكانك هنا هروح أجيب لك اللي عايزاه وأجي." هتفت في اعتراض تام وتبرم: "لا لو سمحت سيبني أنا أنزل متقلقش معايا فلوس يعني! في نبرة شبه متغطرسة وأعين ثاقبة: "طاب كويس خليها معاكي بقى الفلوس تنفعك وقت زنقة أنا مسألتكيش معاكي ولا لا، مش عايز كلام كتير يا ملاك." وسرعان ما استدار وسار مبتعدًا عنها لتهتف هي بأنفعال في اغتياظ: "انت يا اخينا أنت، هو بيتكلم من منخيره كده ليه!!
.. هو أنا ناقصة ياربى، من ده لده ياقلبي لا تحزن، ماشي ياريان أما أشوفك بس همسك فيك بإيدي وسناني ومش هخليك تمشي من غيري تاني! *** كانت كل من أسمى وليلى يجلسوا على أحد الأرائك الكبيرة في "الصالون" يتحدثون عن أمر ليس بهين حيث هتفت أسمى بنبرة شبه ضجرة: "ماما بلاش جنان تقول لي أسيد ومراد إيه متخلينيش أندم أني قولت لك." صاحت بها ليلى وقد تملكها الغضب بأكملها:
"ده واحد حيوان وزي ما أذاكي قبل كده هيأذيكي تاني وأنتي عارفة مكانه ومش عايزة تقوليلنا، ولا لتكوني لسا خايفة عليه ياهانم؟ هزت رأسها نافية في اضطراب بسيط وهو تتشدق باندفاع:
"خايفة عليه إيه بس ياماما أنا لو أطول هشرب من دمه، أنا خايفة على أسيد ومراد أنا مش هعرف ولادك أكتر منك يعني، وأنتي عارفة أسيد بذات هيعمل إيه لو عرف مكانه والله يا أمي هيقتله وأدينى بحلف قدامك كفاية أنه حاول يعتدي على مريم الله يرحمها ويقتلها لو مستغنية عن ابنك روحي قوليلوا يا ليلى هانم مكان معتز في المكان الفلاني بس بعد كده متلوميش غير نفسك على اللي هيحصله." هزت رأسها عدة مرات متتالية في عدم اقتناع وهي تتمتم بحسم:
"مهو لو مقولتش لأسيد أو مراد أنا هتصرف لأني لا يمكن أسيب البني آدم ده يعيش حياته براحة." استقرت في عينيها نظرة ساخرة وهي تجيبها باستنكار: "إيه هتقولي لريان ولا لجدو ولا لعمي ولا لمروان ولا لمين بالظبط علشان يكونوا في معلومك دول أنيل والله وتخيلي لو عرف أسيد أنك روحتي قولتي لواحد منهم ومقولتيش ليه هيعمل إيه، ماما ياحبيبتي افهمي ده مش حل صدقيني الحل أنك تسبيها ماشية كده وربنا هيسترها إن شاء الله."
حدجتها بأعين معترضة على ذلك الرأي ولكن لم يكن عساها شيء سوى أثر هذا الرأي حفاظًا على أبنائها من الضياع. *** استقرت السيارة داخل قصر "ياسر الصاوي". فترجل هو من السيارة والاخيرة ظلت بالسيارة وهي تفرك يداها بتوتر. أتاها صوته الأجش عندما أحنى رأسه لينظر لها من نافذة السيارة وهو يقول: "خير هتباتي في العربية النهاردة ولا إيه، انزلي يلا!
فتحت الباب على مضض ونزلت فرفعت نظرها إلى ذلك القصر بذهول والتفت حول نفسها تتفحص الحديقة الضخمة والفخمة مثل المنزل. ارتفعت فوق ثغرها ابتسامة ساخرة وهي تهتف بصوت باطني "إن كان هذا هو منزل أحد أبناء محمد الصاوي فكيف هو منزل العائلة، أيعيشون في كل هذا الهناء والرخاء وأنا وأمي شهدنا جميع أشكال العذاب والإهانة.. توفيت ولم يعلم بوفاتها أحد كانت في أمس احتياجها لبعض المساعدة ولم يمد لها أحد يد العون، كيف يمكنكوا العيش بهناء بعد كل هذا، لن أسامح أي شخص منكم."
انتفضت على صوته وهو يهتف متعجبًا: "ملاااك، سرحتي فين كده! ابتسمت له بسخرية هاتفة بمرارة: "لا بس بتخيل إذا كان ده بيت ياسر الصاوي فبيت محمد الصاوي نفسه إزاي، اللي عايش حياته بكل سعادة وبنته ماتت بعد سنين بتعافر في المرض ومكنش في حد جنبها غيري، حتى جوزها قتلوه.. ما علينا ممكن تطلبلي ريان عايزة اكلمه؟ أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا وناولها إياه وهو يدقق النظر بها في صمت تام يفكر في حديثها. فأبعدت هي عنه قليلًا لتجيب
على ريان بشيء من الغضب: "انت فين ياريان!؟ قطب حاجبيه من نبرة صوتها وغمغم في قلق جلي: "في الطريق رايح البلد فيه إيه ياملاك حد عملك حاجة أو ضايقك؟!! زفرت بخنق وخرج صوتها محتقن: "مش عايزة أقعد في البيت ده ياريان صدقني مش هستحمل أشوف أي حد منهم، ارجوك تعالى خدني ووديني في أي مكان." في صوت رجولي حانٍ استطرد باسمًا: "معلش ياملاك استحملي أنا كلها يومين وهاجي تاني وآخدك! صاحت في صوت شبه مرتفع وهي تهتف ببكاء:
"أنا مجرد ما بصيت على البيت مقدرتش ما بالك لو دخلت جوه وشوفتهم، افهمني ياريان الناس دي هما السبب في اللي أنا فيه ده واللي عشته لو مجيتش واخدتني أنا همشي لوحدي." وجدت من يسحب الهاتف من على أذنها بعنف ويجيب على ريان بصلابة قائلًا: "كمل طريقك ياريان متقلقش." ريان في شيء من الاهتمام والقلق البالغ: "بالله عليك يا أسيد خلي بالك عليها، حاول تهديها." أنزل الهاتف من على أذنه ووضعه في جيب بنطاله ليحدقها بنظرة مرعبة مغمغمًا:
"أولًا احنا ملناش أي دخل باللي عشتيه سواء أنتي أو عمتي عايزة تقعدي معايا يابنت الناس لغاية ما ييجي ريان أهلًا وسهلًا مش عايزة يبقى زي ما قولتي لريان همشي لوحدي وأنا مش همنعك." سالت عبراتها الحارقة على وجنتيها وهي تحدقه بأعين بريئة كبراءة الأطفال لتصرخ به في انفعال ونشيج مسموع:
"انت بتكلمني كده ليه من ساعة ماشوفتني، لأكون قتلتلك قتيل وأنا معرفش، صحيح هكون مستنية إيه منك ماهي العيلة كلها واحد ماشاء الله.. مش عايزة أقعد ولا أدخل البيت ده أصلًا عندي أقعد في الشارع ولا أني أدخل معاك بعد اللي قولته ده." واستدارت لترحل تاركة الأخير مستمرًا يتابعها وهي تغادر المنزل بأقصى سرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!