تيقن أسيد أنه حدث شيء بالفعل عندما رأى علامات الصدمة بادية على وجه أخيه، وهو يرمقه بذهول. أنزل الهاتف من على أذنه وهو يتمتم بدهشة: "بابا... في حد ضربه بالنار وهو في المستشفى دلوقتي؟ وبيقولوا إن الرصاصة قريبة من القلب؟ كان معتز يقف شامخًا، مبتسمًا بانتصار وهو يقول: "ده أول واحد بس، لسه كله بالدور! غار ريان عليه وهو يبرحه ضربًا. فأبعده أسيد عنه وهو يصرخ به منفعلًا:
"أرجع البلد دلوقتي ياريان، اطمن على عمي وطمني، وسيبني معاه. هخليه يتمنى الموت وميطلهوش! وقعت نظرة من ريان على معتز، نظرة مخيفة ولكنها لم تؤثر به. ثم استدار وغادر مهرولًا على عجالة. فسحب أسيد معتز إلى الخارج وجعله يستقل بالسيارة عنوة، وهو ما زال مبتسمًا بلؤم لا يبشر بخير. *** لم يتمكن أحد من إخماد نيران سارة التي تحولت إلى صراخ وبكاء هستيري وهي تقول: "أنا عايزة أروح البلد أطمن على بابا... ابعدي يا أسمى، سبيني." هتفت
ليلى بنظرات مشفقة في أسى: "اهدّي يا سارة يا حبيبتي، مراد هييجي دلوقتي وياخدنا. اهدّي." جثت على الأرض وهي تدخل في نوبة بكاء عنيفة وتنوح بكل ما أوتيت إليها من قوة. فرمقت أسمى ملاك الواقفة وملامح وجهها واضحة عليها الحزن، فصرخت بها في قسوة: "صدقتي يا سارة إننا كان عندنا حق لما قولتي إنها جاية تنتقم، بس وأهو عمي في المستشفى دلوقتي. عارفة لو عمي حصله حاجة، مش هيكفيني فيكي روحك. ولو عندك ذرة دم، خدي هدومك يلا وغوري من هنا."
هتفت ليلى بخنق وفي خبث: "لا تمشي إزاي؟ لاقية أكل وشرب ومكان تنام فيه ببلاش، هتمشي ليه؟ كفاية أخوكي اللي بيدافع عنها! هطلت عبراتها من تلك الكلمات الجارحة التي تلقتها للتو منهم، وكأنها خنجر طُعنت به في قلبها. وركضت إلى غرفتها وهي تبكي بحرقة. ثوانٍ وأتى مراد وأخذهم وذهب. أما هي فبدلت ملابسها، وأخذت حقيبة ملابسها الصغيرة، وغادرت المنزل فورًا. وعندما حاول الحراس منعها، تحولت إلى وحش كاسر فأفسحوا لها الطريق.
عادت مجددًا إلى التجول في الطرقات وهي ليس معها شيء سوى حقيبة ملابسها. دموعها تسيل على وجنتيها بصمت. ظلت تسير في الطرقات وهي لا تعرف إلى أين تأخذها قدماها. ومع سدول الظلام واعتكار الليل واشتداد البرد، كانت لا تشعر بأي شيء، فقط تفكر في طريقة تدبر بها تلك الليلة من حيث طعام ومكان تنام به.
حققت الأيام جميع مخاوفها، فلم يبق شيء ولم تفقده أو تذق مرارته. جميعهم مذاقهم مر، ولكن منهم من كان دواء لأمراض كثيرة، ومنهم من سبب لها المرض. توقفت فجأة عندما شعرت بضيق أنفاسها. وبعد ثوانٍ محدودة لم تتمكن من أخذ أنفاسها، فجثت على الأرض وبدأت تفتش في الحقيبة على دوائها فلم تجده. استسلمت تلك المرة واستندت على حائط إحدى البنايات وهي تعافر في التقاط بعض الأكسجين، حتى بدأت تفقد وعيها تدريجيًا. ***
كان الجميع مجتمع داخل المستشفى منتظرين استعادته لوعيه. ولم تتوقف أشجان وسارة عن البكاء. فأقترب منهم ريان هاتفًا بنظرات حادة: "أمي، كفاية بكى. عاد مش الدكتور عمل العملية وهو كويس؟ لازم يتحط في العناية المشددة علشان يبقى تحت العناية الخاصة." صاحت أشجان به في جنون وعدم وعي لما تقوله: "أنت هتسيب اللي عمل كده في أبوك وتقعد ساكت؟ تأفف بخنق وهو يهمس بنبرة تحمل في طياتها الوعيد: "هسيبه فعلًا، بس بعد ما آخد روحه بأيدي."
خرج صوت ليلى الغاضب الذي لا يخلو من اللؤم الدفين: "اللي عمل كده، كلنا عارفينه كويس أوي! استقرت نظرة مراد المنزعجة على أمه عندما فهم مقصدها. فهمت هي من نظرته أنه يأمرها بالصمت. بينما ريان، فمسح على شعره بزمجرة واضحة وهو يهمس بصلابة: "الشخص اللي بتتكلمي عنه يا مرات عمي، ميقدرش يأذي قطة، هيحاول يقتل؟ انضم إليهم أسيد أخيرًا وهو يسير مسرعًا نحوهم حتى وصل لهم، ووضع يده على كتف ريان هامسًا: "أخبار عمي يا ريان؟
غمغم براحة بسيطة في هدوء: "كويس الحمد لله، بس في العناية المشددة. ادعي له يا أسيد." "ربنا يقومه بالسلامة يا رب." حنحنى على أذنه ليهمس في غضب عارم: "متقلقش، عملت معاه الواجب وقاعد في (... . بس مش مرتاحه، حاسس إنه بيخطط لحاجة. مش معقول الهدوء اللي هو فيه ده والراحة دي." همس ريان باسمًا: "استنى بس، أروحله أنا وهطير الراحة من عينه!
لوى فمه باعتراض واضح وكأنه لم يعجبه كلامه، ثم سار ليقف في أحد الأركان بعيدًا بسنتيمترات قليلة عنهم، مساندًا رأسه على الحائط خلفه ويرفع قدمًا عن الأرض ليسندها على الحائط أيضًا، عاقدًا ذراعيه أمام صدره. وعندما أغلق عينيه، عصفت بذهنه تلك اللحظة التي كان يقف هكذا منتظرًا خروج الطبيب ليبشره بسلامة زوجته وقدوم صغيره على الحياة، متذكرًا كيف كانت حالته في تلك اللحظة، كيف كان يحاول الصمود على قدميه بصعوبة. حتمًا، إن كانت أتت عاصفة أخرى، كانت ستلقي به إلى الهاوية.
انتفض جسده عندما سمع صوت رنين هاتفه في جيبه، فأنتصب في وقفته وأجاب قائلًا: "الو... مين معايا؟ خرج صوت رجل يبدو شيخًا قد فني وهو حي: "ده رقم أسيد الصاوي." أجابه أسيد بترقب في استغراب: "أيوه، أنا... مين معايا؟ "في بنت شابة، أكيد أنت تعرفها يا ابني. لقيتها واقعة في الشارع ومعاها شنطة. جبتها على المستشفى. ولما دورت في التليفون بتاعها، كان أنت آخر رقم تكلمه. وفي البطاقة بتاعتها مكتوب اسمها ملاك." تلهف
أسيد في دهشة وقلق شديد: "طيب قول لي مستشفى إيه بسرعة؟! أخبره بعنوانها. فهم بالتحرك على عجالة من أمره، لولا ليلى التي قالت في فزع: "مين في المستشفى يا أسيد؟ أسيد بنظرة نارية تنم عن نفس غاضبة: "هنبقى نتكلم في البيت يا أمي عن الموضوع ده! أوقفه ريان قبل أن يرحل، وهو يرمقه بنظرات دقيقة هامسًا: "ملاك هي اللي في المستشفى، صح؟ بخفوت ونبرة رزينة أجابه قائلًا:
"أيوه، متقلقش. هطمن عليها وأطمنك. خليك أنت هنا علشان لو عمي فاق، تكون جنبه." ماء له بعبوس شديد في خنق مجيبًا بنبرة متهمة: "استغفر الله العظيم. ماشي يا أسيد، ابقى طمني بالله عليك. لاحسن أنا مش حامل توتر أعصاب تاني." رتب على كتفه بنظرة دافئة وانطلق إلى خارج المستشفى مهرولًا. ***
ساعات محدودة وكان يقف بسيارته أمام باب المستشفى، ليترجل منها ويقود خطواته السريعة نحو الداخل، متجهًا إلى الطابق التي تكمن به، بعد أن سأل عن اسمها في "الاستقبال". وضع يده على المقبض وهم بفتح الباب، فوجد الطبيب يخرج من الداخل. وقف يتحدث معه كالتالي: "خير يا دكتور؟ طمني... أنا ابن خالة... بلطف جلّي وابتسامة مشرقة ممزوجة ببعض المزاح:
"اهدأ طيب، مفيش حاجة تستدعي القلق ده كله. هي كويسة أوي الحمد لله. هو حصل معاها كده بس لأنها أهملت في علاجها ومكنش معاها وقت الأزمة." فغر مقلبتيه بذهول وهو يجيبه بعدم فهم واستيعاب: "أزمة إيه بالظبط يا دكتور؟ معلش فهمني." تحولت نبرة الطبيب إلى الجدية وبعض الحزن: "واضح إنك متعرفش. هي عندها مشا مشاكل بسيطة في القلب، وبسببها بيجيلها ضيق تنفس حاد بيؤدي للإغماء. أنا معرفش لو هي متابعة مع دكتور، مقالهاش تعمل عملية ليه؟
لأنها حاجة بسيطة. لو عملية هتصلح المشاكل دي خالص ومش هتكون خطرة. وممكن يكون الدكتور قالها وهي رفضت." أغمض عينيه بتأثر على تلك المسكينة وهو يتأفف بخنق مجيبًا: "تمام يا دكتور، شكرًا. كده كده أنا هاخدها عند دكتور متخصص، ولو قالها في عملية أو حاجة، هخليها تعملها." "تمام جداً. ألف سلامة عليها."
ودعه بإبتسامة شبه متصنعة، وفتح الباب ليدلف لها. كانت مستلقية في فراشها نائمة كالملاك، وقد بدأ يظهر على وجهها الشحوب مجددًا. جذب أحد المقاعد وجلس أمامها يتفحص ملامح وجهها المرتخية وأنفاسها شبه المنتظمة. ملامحها، بشرتها البيضاء، شفتيها التي برغم حالتها لم تفقد لونها الوردي الجميل. فللحظة شعر بها زوجته لشدة تشابههم في الشكل وبعض الصفات، العناد والرقة. وتلك الابتسامة التي كانت تجعله يرفرف جناحيه في السماء عندما يراها على ثغر زوجته. حساسيتها المفرطة تجاه أي شخص غريب، كطفل صغير يخشى الاقتراب من الغرباء.
بدأت تحرك جفنيها تستعيد وعيها، ثم وضعت يدها على قلبها وهي تصدر تأوهًا شديد. فهتف هو بهلع: "ملاك... أنتي كويسة؟ ملاك؟ فتحت جزء بسيط من عينيها لترى صورته ضبابية، وهي تلفظ أنفاسها من بين شفتيها بصعوبة. شعرت أنها ستلفظ أنفاسها الأخيرة في تلك اللحظة. وضعت يداها المرتجفة والباردة بشدة على يده هامسة بعدم وعي لم تلفظه: "أسيد... خليك جنبي... أبوس إيدك."
نظر إلى يدها بدهشة بسيطة، وسرعان ما وضع كفة يده الأخرى فوقها وهو يرتب عليها قائلًا بلطف جميل: "أنا جنبك يا ملاك. ثانية هروح أنده الدكتور." ذهب وجلب الطبيب فورًا، وبعد إجراء الفحص كانت هي تعود لتنفسها بطبيعية. ليقول الطبيب باسمًا: "ها؟ يا مدام ملاك، بقيتي كويسة دلوقتي؟ بصوت ضعيف يكاد لا يخرج: "الحمد لله يا دكتور. هو أنا إمتى أقدر أخرج؟ "مستعجلة كده ليه بس؟
لو عايزة تخرجي مفيش مشكلة، بس متهمليش علاجك ياريت. وكمان شوفي الدكتور اللي متابعة معاه لو قالك على عملية، اعمليها بأقرب وقت ياريت، لأنك أنتي شايفة وضعك إيه دلوقتي." رأت نظرة أسيد لها التي تنم عن نفس غاضبة ومتضايقة. فهتفت بتوتر بسيط: "إن شاء الله يا دكتور. أنت عارف العملية بتحتاج فـ... قاطعها بصرامة ونبرة رجولية وهو يجيب الطبيب: "متقلقش يا دكتور، لو في عملية هتعملها في أقرب وقت."
ابتسم الطبيب ثم ودعهما وانصرف. فجلس هو على الأريكة الصغيرة وهو يحدق بها بنظرات قاتلة. تحاول هي تفادي تلك النظرات المريبة بالنسبة لها، فهتفت منفعلة قائلة: "بتبص لي كده ليه؟ مكنش قصدي على فكرة أخبي عليك أنت وريان، بس قولت ملوش لازمة أقولكم يعني. إذا كان جوزي كان بيديني فلوس العلاج بالذل والإهانة وبيرمي لي الفلوس في وشي، فم رضيتش أحس بالشفقة من ريان وخبيت الموضوع ده. مفيش حد يعرف غيري أساسًا." صاح منفعلًا في استياء:
"وإنتي بتشبهينا بالـ **** ده يا ملاك؟ الموضوع مفهوش شفقة ولا غيره، ده موضوع مينفعش نتأخر فيه. وكل ما نتأخر فيه، هيكون فيه خطر على حياتك." أشاحت بوجهها وهي تجيب بمرارة: "ومين قال لك أصلًا إني فارقة معايا حياتي؟ ده الموت راحة ولله. على أي حال، أنا هشوف الدكتور، وإن شاء الله ميقوليش في عملية، وحتى لو قالي مش... قاطعها بنظرة نارية أرعبتها قليلاً: "هتعمليها يا ملاك، غصب عنك. وأنا بنفسي هروح معاكي عند الدكتور علشان أتأكد."
اعتدلت في جلستها وهي تهتف بغضب في نبرة محذرة: "بس ريان مش هيعرف يا أسيد. ولو عرف، صدقني همشي ولا أنت ولا هو هتعرفوا لي مكان ولا أي حد. كفاية أنت عرفت، أنا مكنتش عايزة أقول لحد أصلًا. لا ريان ولا زمردة ولا سارة هيعرفوا حاجة." صمتت ثوانٍ وهو يقول بضجر: "اممم. همشي؟ زي ما عملتي كده النهاردة... إحنا متفقين إيه يا ملاك؟ وإمبارح كنا بنتكلم، ومفيش حاجة. طلع إمتى موضوع المشيان ده في دماغك؟ أمي وأسمى قالولك إيه؟
ومن غير لف ودوران تقولي لي على طول." بثبات تام في شموخ أجابت: "مقالوش حاجة. أنا مشيت لوحدي. محبيتش أقعد أكتر من كده، وإلا أبقى ضيفة باردة. يعني مشيت من هناك برغبتي، محدش قالي كلمة ولا قالي امشي. واتمنى إنك تفهم رغبتي في إني مش عايزة أرجع تاني." هب واقفًا وجذب المقعد ليجلس مقابلها مباشرًا، يهمس بمكر:
"ملاك، يمكن أنتي كنتي بتقدرى تضحكي على ريان وتقنعيه بكلامك اللي مش مقنع أساسًا. بس أنا مش ريان، ومفيش كلمة من اللي قولتيها دخلت دماغي. بس همثل إني صدقتك وهمشي على كلامك وهفهم رغبتك. بس فكريني أنا قولتلك إيه إمبارح؟ قولتلك إن انتي وزمردة وصية بابا، مش كده؟ يعني متتوقعيش مني إني هسيبك تلفي في الشوارع وأنا موجود. وكمان قولت إن دايما كنت معاكي أنا وريان، ومازلت معاكي. مفهوم الكلام؟
حالة من السكون الجميل سادت بينهما. نشبت داخلها روح تضج بالسعادة. لم تنكر انجذابها له منذ أول يوم دخلت فيه منزله ووقف بجانبها أمام والدته. لان الصمت بينهم حتى قطعه هو مكملاً: "ودلوقتي، لو مش عايزة تيجي البيت معايا، تمام. بس هتروحي تقعدي في بيتي. والأفضل إنك تشوفي زمردة تيجي تقعد معاكي علشان متقعديش وحدك. ده غير إني هاخدك بكرة ونروح ننهي موضوع طلاقك ده وتقضي شهور العدة في بيتي مع زمردة."
تمتمت باستغراب بعد أن فكرت مليًا: "أسيد... هو ريان ميُعرفش إن زمردة بنت عمه، صح؟ أومأ لها بإيجاب، ثم هب واقفًا وهو يمد يده لها قائلًا بودٍ: "يلا قومي علشان نروح، وبليل هجيلك ونروح للدكتور. مفهوم؟ أمسكت بيده فساعدها على النهوض وهي تجيب له في موافقة من دون مقاومة، وقد تلونت وجنتيها. حمل حقيبة ملابسها وسارت معه إلى الخارج. كانت تتبعه كقطة صغيرة تطلب الأمان. *** في مساء ذلك اليوم...
أسرع الجميع إلى ثروت عندما أخبرهم الطبيب أنه استعاد وعيه وتحسنت حالته ويستطيعوا الدخول لها. هرولت أشجان وسارة إليه، كل واحدة من ناحية تحتضنه وهما يبكيان بشدة. فخرج صوته ضعيفًا قائلًا بمرح: "حد قالكم إني مت بعد أكده؟ أنتي وهيا، أنا مش حامل صداع." ابتسم الجميع بعذوبة. فأبتعدت عنه أشجان قائلة بضيق: "اخص عليك يا ثروت." أقترب منه ريان لينحني ويبُقّل يده قائلًا بحنو:
"حمد الله على سلامتك يا حج. صدقني، ما هسيب اللي عمل كده يتهنى يوم واحد في حياته." ثروت بهدوء وصوت خافت: "سيبك دلوقتي من الكلام ده يا ولدي، أنا زين الحمد لله. أنا عارف اللي عمل كده اختارني أنا بالذات ليه." صاحت أشجان بغضب عارم: "حسبي الله ونعم الوكيل في اللي عمل كده." أقترب منه محمد وقال بدفء: "حمد الله على سلامتك يا ولدي." "الله يسلمك يا أبوي."
سادت الأحاديث بينهم والمزاح والمرح إلى ما يقارب ربع ساعة، حتى ابتعد ريان عن حشدهم، بل غادر الغرفة بأكملها ليخرج هاتفه ويجري اتصالًا بأسيد ليجيبه قائلًا: "الو يا ريان، طمني عمي فاق؟ "فاق الحمد لله، متقلقش يا خير. بعدين، جاهو ده اللي هطمنك يا أسيد؟ أنا قاعد من الصبح على أعصابي. مالها ملاك؟ طمني." نظر أسيد بجواره لها فأشارت له بحزم أن لا يقول شيئًا، فأردف بجدية:
"مفيش حاجة، تعبت شوية والدكتور قالها إنيميا ومبتهتمش بصحتها اليومين دول. معرفتش أكلمك لأني بعد ما رحت لها كان معايا كام حاجة خلصتها ونسيت خالص. أنا هخلص حاجة كده وهاجي البلد عند عمي ونتكلم على رواقة." همس بخفوت في ارتياح: "طيب الحمد لله. كنت قلقان عليها. أول ما أفضى هكملها وأطمن عليها. يلا مستنيك، سلام! أنهى الاتصال معه، ثم نظر لها وهتف بزمجرة مزيفة: "اديني كذبت عشانك ياهانم، ياريت بس يطمر وتبقي تبطلي عند."
افترت شفتاها عن ابتسامة جميلة وهي تقول برقة ممزوجة بمرح: "لا، دي كذبة بيضاء. ربنا يجعلها في ميزان سيئاتك!!! ابتسم لها ثم يهتف من بين ضحكاته: "طيب قومي يلا، شوفي لو في حاجة ناقصاكي علشان نمشي، لاحسن نتأخر على الدكتور." بوجه مشرق وثابتة واقفة وهي تقول بصوت رقيق: "حاضر، ثانية هاخد شنطتي وآجي." ثوانٍ وكانت أمامه وهي جاهزة تمامًا، ففتح الباب وتبعته هي للخارج وصعدا بالسيارة، ثم رحلا. ***
في صباح اليوم التالي، يوم مشرق. أخيرًا شعرت ملاك أن الشمس ستظهر عن جزء من شعاعها بطلاقها اليوم من ذلك الحيوان الذي لا يمتلك في قلبه ذرة رحمة.
كانت تجلس هي وكلٌ من زمردة في مكتب المأذون منتظرين قدوم أسيد وريان بصحبة أكرم. وأخيرًا أتوا، فصدمت ملاك من منظره في كل جزء من وجهه توجد بقعة حمراء أثر الضرب التي تعرض له على يد أسيد ورجاله. توجه وجلس أمامها وهو يرمقها شرزًا متوعدًا لها. فشعرت ببعض الخوف، ولكن أطمأنت عندما تذكرت وجود أسيد وريان معها وأنه لا يستطيع أذيتها بوجودهم. فأظهرت القوة والثبات أمامه. أما المأذون فهتف بدهشة: "إيه اللي عمل فيك كده بس يا ابني؟
نظر إلى أسيد الذي كانت نظراته كالصقر الحاد أنزلت الرعب في قلبه، ثم أجاب بغضب: "لا، دي مشكلة كبيرة حصلت وولاد الحرام عملوا كده. مش يلا نبدأ بإجراءات الطلاق؟ حاول المأذون في البداية أن يردهم عن قرارهم بتذكيرهم أن الطلاق يهتز لعرش الرحمن وأن أبغض الحلال عند الله الطلاق، وغيرها من النصائح. فهتف ريان بشيء من الانفعال: "متتعبش نفسك يا مولانا، مفيش حد فيهم هيتراجع عن الطلاق."
تنهد الصعداء بيأس، ثم بدأ بإجراءات الطلاق التي انتهت بسماع ذلك الوغد وهو يلقي على مسامعها "أنتي طالق". كانت في أشد سعادتها بتلك اللحظة. ونظرت إلى زمردة وهي تتنهد بارتياح وسعادة واضحة في عينيها. ثم نهضوا جميعًا وغادروا المكتب. فنظر أكرم لها وهتف منذرًا: "لسه حسابنا مخلصش يا ملاك، وهدفعك تمن اللي عملتيه ده، وابقي قولي أكرم." صدر له ريان وهو يتشدق بصوت رجولي مخيف: "ده جرب كده وشوف إيه اللي هيحصلك؟
سحبه أسيد من يده بهدوء وهو يغمغم مبتسمًا بخبث: "سيبه يا ريان، هو عارف كويس هيحصله إيه لو فكر يعمل حاجة من اللي بيقولها. لأنه مظنش إنه هينسى اللي حصله في المخزن. صراحة، أنا هكون مستمتع جدًا لو كررتها تاني، ولا أنت إيه رأيك؟ قال آخر جملاته وهو يغمز له بلؤم شبه ضاحكًا، فأشتعل فعيل نيرانه وهو ينصرف فورًا ويتوعد لهم جميعًا. التفت ريان إلى ملاك ليهمس بنظرة عاشقة: "وعدتك إني هخلصك منه، وديني وفيت يا ملاك." برقة طاغية همست:
"أنا كنت واثقة فيك يا ريان، علشان كده كنت مرتاحة." كان يتابع أسيد حديثهم مبتسمًا، ثم أقترب من ملاك وهو يطلب منها القدوم معه بعيدًا عنهم قليلًا، فلبت طلبه وأبتعدوا عن مسمعهم، وهو يقول بنبرة لا تقبل النقاش: "إنتي سمعتي الدكتور قال إيه امبارح صح؟ لغاية ما تخلصي شهور العدة هتحافظي على علاجك يا ملاك، فاهمة؟ علشان بعد ما تخلص نروح للدكتور ونحدد معاد العملية." بعينان تبتسمان من الداخل لسعادتها وهي تهمس بإيجاب:
"حاضر، بس مش هو قالي أعمل تحليل وأوديه له النهاردة؟ مسح على شعره وهو يردف بتأسف: "اممم، تصدقي نسيت الموضوع ده. طب يلا، هنروح دلوقتى وهخلي ريان يوصل زمردة للبيت، وبعد كده أنا أرجعك البيت."
كانت نظرة ريان لهم مشتعلة، عيناه تكاد تخرج النيران منها. فقد تأججت نيران الغيرة داخله. لاحظت زمردة ذلك، فابتسمت بمكر، ولكن اختفت ابتسامتها فورًا عندما رأت نظرته النارية لها، فتصنعت أنها لا تراه وهي تحدق بالسماء باضطراب جلّي. أرغمته إياه على الابتسام وهو يتعجب على تلك الفتاة البلهاء التي تعتقد أنها كذلك ستهرب بما فعلته. أقترب أسيد من ريان لينحني نحو أذنه ويهمس بخشونة:
"ريان، خد زمردة ووصلها للبيت. وأنا وملاك هنروح مشوار سريع ونيجي وراكم." بغيرة مدمرة واغتياظ ممزوج بالانفعال: "مشوار إيه اللي مينفعش تتكلموا قدامنا فيه؟ إيه هو سري للدرجة دي يا أسيد بيه؟ أجاب باقتضاب محتجًا: "اهاا، سري يا ريان. اعمل اللي قولتلَك عليه يا ابن العم، يلا من غير عصبية هااا." ***
كانت سارة تقف خارج غرفة والدها تتحدث عبر الهاتف مع أحد أصدقائها وتشرح لها ما حدث بخصوص حادثة والدها، والأسى يستحوذ عليها. فرأت مراد يخرج من الغرفة ليقع نظره عليها. ويرمقها متغطرسًا عندما اعتقد أنها تتحدث مع ذلك الشاب مجددًا. فأنهت الاتصال مع صديقتها فورًا وركضت خلفه وهي تنادي عليه. فتوقف والتفت لها ليهمس بجفاء: "خير يا سارة؟ أنزوت نظرتها عنه هامسة بتوضيح: "أنا مكنتش بكلم إسلام على فكرة، دي واحدة صحبتي."
رأت شبح ابتسامة مستنكرة على ثغره وهو يقول بعدم اهتمام: "أولًا، أنا مسألتكيش بتكلمي مين. ثانيًا، دي حاجة متخصنيش إذا كنتي بتكلميه أو لا." أغمضت عيناها بالعبرات وهي تتمتم معتذرة: "مراد، بالله عليك بلاش اللي بتعمله ده. ثم إني قطعت علاقتي بيه خلاص. ومكنش قصدي إني أعمل حاجة غلط. أنا بس قولت إن كلامنا على الفون هيبقى مؤقتًا لغاية ما ييجي يتقدملي وتبقى حاجة رسمية."
غلبه الوجوم وهو يحدق بها بصمت مرير. ذلك الصمت أحدث في نفسها ضجيجًا حيث جعل شجونها تهيج من جديد. عندما طفق يقول بقسوة: "مؤقتًا مش مؤقتًا، أنا مليش دعوة يا سارة. أنا مش أخوكي ولا أبوكي علشان أحاسبك. والأفضل إنك تمشي دلوقتي ومتتكلميش في الموضوع ده، لأن لو حد طلع وسمعك، هتكوني في موقف أنا مش هقدر أعمل لك فيه حاجة."
قال كلمته الأخيرة وهو يستدير ويرحل، فتتصلب هي بأرضها وتسلط نظرها عليه وهو يغادر بأعين منطوية. نخر الحزن قلبها بلا هوادة. نظرة عدم الثقة وتخييب الآمال الذي في عينه تمزق قلبها إربًا بلا رحمة. ***
خرج مروان باحثًا عن أسمى في حديقة المستشفى. وتوقف للحظات يقلب نظره بين الجالسين فلم يجدها من ضمنهم. أخرج هاتفه وحاول الاتصال بها ولكن كان هاتفها خارج التغطية. شعر بنغزة بسيطة في قلبه لا يعرف سببها. فأنطلق كالمجنون يبحث عنها بكل قطعة في المستشفى. وكأن قدماه التصقت في الأرض عندما رآها فاقدة الوعي ويحملها رجل، ليدخل بها سيارة كبيرة. فضربت إشارات الإنذار في عقله ليصرخ بصوت رجولي هادر قائلًا: "أسمى!
ركض نحوها محاولًا اللحاق بها، ولكن كان ذلك الرجل يضعها بالسيارة وينطلق بها بسرعة البرق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!