ركض نحوها محاولًا اللحاق بها، ولكن كان ذلك الرجل يضعها بالسيارة وينطلق بها بسرعة البرق. استقل بسيارته مسرعًا وأجرى اتصالًا بأسيد، فجأبه بهدوء تام: "أيوه يا مروان، عامل إيه؟ خرج صوته اللاهث والذي لا ينم عن خير أبدًا: "أسمى اتخطفت يا أسيد! هب واقفًا ثائرًا وهو يهتف في شبه صيحة: "إيه! اتخطفت إزاي؟ وكانت فين؟ مروان بارتياح جلي وقلق: "معرفش يا أسيد، كانت في المستشفى. أنا بحاول ألحق العربية اللي خطفوها دي!
أنهى الاتصال فورًا معه، ونظر إلى ملاك التي كانت تثبت نظرها عليه باهتمام لتتأكد عندما يقول أن أسمى اختطفت، لتغمغم بخشوع في حنان: "روح يا أسيد شوف اختك، متقلقش عليا، أنا هروح البيت وراك على طول." في نبرة محذرة وحزم تشدق: "متتحركيش من هنا لوحدك، أنا هبعتلك السواق ييجي ياخدك، فاهمة يا ملاك؟ أومأت له بموافقة ونظرة مطيعة، فهرول هو مسرعًا إلى الخارج بعد أن أدرك ما سيفعله جيدًا، تاركًا إياها تحدق على أثره بشرود.
بدأت تشفق عليه بالفعل، شعور ينمو بداخلها كأنها بذرة أُلقيت في تربة خصبة وجعلت الشجر ينمو ويثمر بسرعة. باتت تشعر بالخطر لمجرد قربه منها. أصبحت عيناها تتحدث بالنيابة عنها في وجوده، وكأن الكلمات تخرج وحدها عندما تراه. ذلك الشعور يقتلها في الثانية ألف مرة. نفضت تلك الأفكار عن عقلها بصعوبة، ثم جلست على أحد المقاعد منتظرة قدوم السائق كما أمرها. ***
ترجل أسيد من سيارته وقاد خطواته نحو ذلك المكان كالأسد الذي ينتظر الانقضاض على فريسته بفارغ الصبر حتى ينال منها ويشبع جوعه وتعطشه. توقفت سيارة مروان وترجل الأخير لاحقًا به بعد أن أخبره أسيد بأن يلحقه ولا يهدر وقته عبثًا بملاحقة تلك السيارة. فتح الباب على مصراعيه ليتجه تجاه معتز المكبل على أحد المقاعد ويحدقه ضاحكًا بخبث. أغار عليه كالوحش الهائج الذي لا يرى أمامه شيئًا وهو يبرحه ضربًا. وقف مروان يتابعه بصمت في البداية، ولكن عندما ازداد الأمر خطورة، اقترب منه وحاول إبعاده عنه، فدفع يده بوحشية ليقبض على عنقه خانقًا ذلك الوغد وهو يصرخ به بصوت لا يحمل
أي شيء يدل على المزاح: "ورب العزة يا معتز يا كلب، لو ما نطقت وقولت أسمى فين، لأخد روحك بإيدي دلوقتي. وأنت جربتني قبل كده كتير وعارف إني مش بهدد على الفاضي." تغير لون وجهه من كتمان أنفاسه حتى كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة بالفعل، لولا مروان الذي أزاح يد أسيد صارخًا به بحدة: "أسيد بلاش جنان، موته مش هيفيدنا بحاجة. سيبه، خليه يعرف يتكلم. اخلص، اتكلم، أسمى فين؟
سعل بقوة وهو يحدق بهم بصمت لئيم. ذلك الحيوان يلعب على أوتار أعصابهم بمهارة، فصرخ به أسيد بصوت جهوري تأجج في المكان: "واضح إنك مش هامك تموت أو تعيش. أنا حذرتك، بس شكلك فاكرني بهدد بس." أشار له بيده أن يتوقف قبل أن يقترب منه وهو يقول بمكر في نبرة فظة: "هقولك مكان أسمى، بس عندي شرط. هتخليهم يسبوني أمشي، وإلا اختك.. يا أما مش هتشوفها تاني، يا أما هترجع مفيش أمل منها. أظن فهمتني؟
تلك اللحظة لم يستطع مروان حجب نفسه عنه بعد آخر جملة نطقها، فهجم عليه وهو يكمل ما بدأه أسيد، حتى يصرخ به بنبرة تحمل في طياتها الوعيد: "أقسم بالله لو حد لمس شعرة واحدة منها، ما هيكفيني فيك عيلتك كلها." أنحى أسيد بجذعه للأمام متمتمًا بنظرات مخيفة: "تمام، هسيبك وهتيجي معانا تورينا مكانها. بس أوعى عقلك الغبي ده يتهيأ لك إنك هتقدر تضحك علينا. ولو أي حركة منك كده أو كده، هتكون ميت في أرضك. واختي أنا هعرف أوصلها إزاي."
ابتسم له بخبث وهو يومئ إيماءة خفيفة بموافقة على الاتفاق. *** عادت ملاك إلى المنزل ففتحت لها زمردة وهي تستقبلها بحماس قائلة بمكر: "إيه يا سندريلا، موصلكيش أسيد بيه ليه؟ بوجه عابس أجابتها وهي تتجه لتجلس على أحد المقاعد قائلة: "جاله تليفون من مروان وقاله إن أسمى اتخطفت، فأضطرا يسيبوني وبعتوني مع السواق. تعرفي برغم من إن أسمى مبتحبنيش وشكلي هشوف منها بلاوي لسه، بس الصراحة اتضايقت عليها جدًا والله يا زمردة." رتبت
على كتفها بنعومة قائلة: "إن شاء الله هيلاقوها وترجع سالمة. ابقي شوية كده اتصلي بيه واسأليه عملوا إيه." هزت رأسها نافية وهي تقول بارتباك: "لا، أنا هتصلك بيه شوية وأخليكي انتي تكلميه وتقولي له إني قلقت، وتعرفي منه إذا كانت أسمى كويسة ولا لأ." رفعت حاجبها بلؤم هامسة في نبرة شبه مرحة: "شايفة إنك أخدتي على أسيد ده قوي يا ملاك. مش مرتحالك والله." رمقتها بتوتر جلي وقد تحول وجهها إلى ألوان الطيف فجأة وهي تنهض لتقول باضطراب:
"أنا هروح أغير هدومي." ابتسمت لها بحنو فقد استطاعت فهمها بسهولة. لم يتمكن أحد من إيقاف نواحها وبكائها على ابنتها، حيث كان كل من ريان ومراد وسارة بجوارها. رتبت سارة على ظهرها بحنو هامسة: _اهدى يامرات عمي، أسيد ومروان راحوا يجبوها. صاحت بها كالمجنونة: _لا، أنا مش هطمن غير لما أشوفها قدام عيني! أخرج ريان الكلمات من حلقه صلبة كالصخر قائلاً: _متقلقيش، أسيد عارف هيعمل إيه كويس، وكلها ساعة وهتلاقي أسمي قدامك يامرات عمي.
كان مراد يقف كالجماد يحدق بهم جميعًا، يتابع حديثهم، وعيناه مشتعلة كجمرتين من النيران، وبالأخص يثبت شعاع عينه على ريان. وبعد ما قاله، اندفع نحوه وجذبه من ذراعه هامسًا بنبرة رجولية ضجرة: _هتفهمني في إيه دلوقتي ياريان؟ ومخلتنيش أروح ورا أسيد ليه؟ واللي عمل كده في عمي هو اللي خطف أسمي، صح ولا لأ؟ زم شفتيه بضيق وهو يجيبه برزانة:
_أيوه ياريان، معتز عمل كده، واحنا مسكناه وكنا حابسينه في المخزن لحد ما نشوف هنعمل معاه إيه بعد اللي عمله مع أبويا. بس طلع **** خطف أسمي وابتز بيها أسيد إنه يسيبه ويقوله على مكانها وإلا هيقتلها يا... كان يصغي له باهتمام شديد، وعندما توقف هتف بترقب: _يا إيه ياريان؟ انطق، متختبرش صبري! أخفض نظره أرضًا وهو يهمس بخنق واضح: _يا خي، يخلي رجّالته يأذوها. أعتقد أنت فهمتني، وطبعًا أسيد مكنش قدامه حل غير إنه يسيبه.
ضرب بقبضة يده على الحائط وهو يزأر زئيرًا داخليًا، ليسحب نفسه وينطلق مغادرًا وهو يكاد ينفجر في من يراه أمامه. فصاحت ليلى منادية عليه فلم يعيرها اهتمامًا. نظرت إلى ريان وهتفت: _قولتله إيه ياريان؟ زفر بغضب هادر ولم يجيبها، بينما اندفع هو الآخر لاحقًا بذلك البركان الذي على وشك الانفجار وتدمير الأخضر واليابس...
كانت أشجان تجلس بجوار زوجها ومحمد الصاوي، الذين كانوا يتحدثون حول أمر أسمى وهما على اتصال مستمر مع مروان. وجدت هاتفها يصدر رنينه، فنظرت إلى المتصل واضطرب وجهها قليلًا، ثم نهضت من جوارهم واتجهت نحو غرفتها وهي تتلفت حولها خشية من أن يسمعها أحد أو يراها. ثم دخلت إلى الغرفة وأغلقت الباب لتجيب قائلة: _أيوه، عملته إيه؟ _البنت اللي قولتي عليها قاعدة في ( ....... ياهانم، وقاعدة معاها بنت خالها. ظهرت قسمات الدهشة
على وجهها وهي تهتف بتعجب: _بنت خالها مين دي؟ اسمها إيه؟ _اسمها زمردة تقريبًا، أمها ماتت من سنتين. أنهت الاتصال معه وهي تحملق في اللاشيء أمامها بذهول، وتتساءل ابنة من زمردة تلك؟ ياترى أيعقل أن تكون ابنة عزت... اصطحبهم معتز إلى المكان الذي يخبئ به أسمى. كان أشبه بأحد الأماكن التي مر عليها قرون، منظره يثير الاشمئزاز حقًا...
فتح الباب فوجدوا أسمى مكبلة على الأرض من قدميها ويداها، وتطرق رأسها أرضًا، فقد فقدت قدرتها على الصراخ والاستغاثة بأحد لينقذها. بدت خائفة بل مرتعبة، هيئتها جعلت الزعر يأخذ طريقه إلى قلب أخيها ومروان. حجابها زحف للخلف ليظهر عن جزء من شعرها الأسود الحريري وملابسها غير مهندمة. اشتعلت نيران مروان ليجذبه من ملابسه وهو يصرخ به بصوت جهوري: _ده أنا هشرب من دمك دلوقتي! انطق، شوية ال**** بتوعك عملوا فيها إيه؟
هرول أسيد نحو شقيقته ليمسك بوجهها يهزه بخفة محاولًا إفاقتها وهو يقول بهلع بسيط: _أسمي ياحبيبتي، أنتي سمعاني؟ فتحت عيناها بضعف لترفع رأسها نحوه، ويخرج صوتها المبحوح وهي تبتسم بسعادة: _أسيد. حاوط رأسها بيده القوية ليضمها إلى صدره، لتنفجر هي باكية بشدة حتى تسمع صوته يقول: _حد قربلك يا أسمي؟ قولي ياحبيبتي. هزت رأسها نافية وهي تهتف ببكاء حار: _أنا كويسة يا أسيد، خدني من هنا، ابوس إيدك.
ابتعد عنها وبدأ بحل الحبال عن يدها وقدميها ليساعدها على النهوض ويعدل من حجابها ويلف ذراعيه حول كتفها، ضامًا إياها إلى أحضانه وهو يسير بجوارها. ليتوقف أمام معتز، محلقًا به بنظرة متقدة كلها ذكاء. ثم اقترب وهمس بجانب أذنه بصوت يشبه فحيح الأفعى: _حسابك تقل قوي معايا يل ابن سيف الدين، بداية من اللي عملته مع مريم وحتى النهاردة. صمت لثانية ثم عاود يلفظ الكلمات من بين شفتيه ببطء:
_أسيد الصاوي مبيتهددش. النهاردة وافقت على شرطك عشان أحمي أسمي، مش أكتر. لسا متعرفش يعني إيه أسيد يحط حد في دماغه، وأنا حطيتك خلاص. بتلعب مع الشخص الغلط صدقني، لأنك في النهاية هتطلع خسران، بس خسران حياتك. هدفعك تمن عمايلك واحدة واحدة. ونصيحة مني، ابقى لما تنام بليل خلي عينك مفتوحة، لأن ممكن تلاقيني في أي لحظة جيت واخدت روحك. هبقى واحد من مخاوفك يامعتز.
كان مروان يقف يحدق به مبتسمًا بلؤم، ليقترب هو الآخر منه هامسًا بخبث بعد أن أخذ أسيد أسمي، وهي مسلطة نظرها على معتز بعتاب وخيبة أمل لم تعهدها من قبل، حتى قبل أن يفعله اليوم كانت تدافع عنه: _اللعبة مخلصتش، لا دي لسا هتبدأ. واضح إن السحر انقلب على الساحر. أبدأ عد عدك التنازلي من اللحظة دي! ثم غادر خلفهم، ليجد أسيد يقول له بخشونة: _مروان، خد أسمي وصلها البيت، وأنا معايا مشوار هخلصه وآجي واركم. تنهد بعمق ليقترب
ويهمس بجانب أذنه في جدية: _أسيد، بلاش جنان ها، متتهورش وتعمل حاجة تندم عليها بعد كده. رتب على كتفه بنظرة دافئة مبتسمًا يطمئنه، ثم ضم أسمي ومرر يده على ظهرها وقبل جبينها ليشير لها بعينه أن تذهب بصحبة مروان. فتحدقه بأعين متوسلة، يعلم تلك النظرة جيدًا، فقابلها برزانة وهو يتجه نحو سيارته وينطلق بها، لتستدير هي وتتحرك نحو سيارة مروان وتصعد بها بجواره، وهي تبكي بحرقة. فهتف مروان بقلق: _مالك يا أسمي؟ أنتي كويسة؟
إماءت برأسها بإيجاب بعد أن كفكفت دموعها وهمست بصوت مزقه الحزن وأعين تهيمان بالدموع: _كويسة يامروان، الحمدلله. من جهة مش مصدقة إن معتز يعمل فيا كده ويستغلني، وإنه إزاي ضحك عليا واقنعني إنه بيحبني، وبعد ما عملنا الخطوبة وكنا خلاص هنعمل الفرح اكتشفنا حقيقته. ومن جهة خايفة على أسيد، هو غضبه وحش ومش عايزاه يبقى قريب من معتز بأي شكل من الأشكال لأنه ممكن يأذيه. بصوت يقطر حنانًا ورقة همس:
_قولي الحمدلله إن ربنا كشفه قبل ما يفوت الأوان. وأسيد متخافيش عليه، يمكن يكون متهور شوية، بس مش بيعمل أي حاجة غير لما يحسبلها ألف حساب... يلا امسحي دموعك بقى. جففت عبراتها بعد أن أعطاها منديلًا ورقيًا ومع زجاجة ماء لتشرب وتروي ظمأها. ثم انطلق بالسيارة عائدًا إلى المنزل... أجاب أسيد على الهاتف ليقابل ثوران أخيه البركاني وهو يصيح: _مبتردش ليه يا أسيد! قابله ببرود تام قائلاً:
_أسمي جاية في الطريق مع مروان وكويسة، متقلقوش، وأنا ورايا مشوار وهاجي وراهم. لم يمهله الإجابة، فأغلق الاتصال وألقى بالهاتف على المقعد بجواره واستكمل طريقه. داخله نيران هامدة تتوهج أكثر فأكثر، وكلما يتذكر ما فعله ذلك الوغد تأكل جسده من الداخل كالمرض الذي ينتشر في جميع أجزاء الجسم ليقضي عليه شيئًا فشيئًا... كانا يجلسان أمام التلفاز يشاهدون إحدى الأفلام وبيدهم صحن ممتلئ بـ (الفشار) لتهتف زمردة بفضول وحيرة:
_ألا قوللي، موضوع إيه ده اللي أخدك أسيد فيه على جنب واتكلمتوا فيه؟ ارتبكت قليلًا وهي تقول لها بتلعثم: _هااا، لا عادي بيقولي لو احتجتي حاجة اتصلي بيا وقوليلي، وبيقولي إنه هييجي ياخدني بعد شهور العدة عشان أروح أقعد عندهم. أعتدلت في جلستها لتصبح مقابلة لها وتقول بمكر: _ملاك، متكدبيش عليا، لأنك أصلاً مبتعرفيش تكدبي ومكشوفة قوي. قولي اخلصي، قالك إيه؟ بأرتباك أشد وتوتر أجابت وهي تشيح بنظرها عنها:
_وأنا هكدب ليه يعني يازمردة؟ قالي كده، ولو مش مصدقاني ابقي اسأليه! أطالت النظر إليها في نظرات شائكة وهي تضيق عينها، ثم أردفت بمرح: _ماشي ياملاك. المهم، أنتي مشوفتيش ريان كان بيبصلكم إزاي لحظة، وكان هيولع في أسيد والله. وأنا لما شفته كده ابتسمت، راح بصلي بنظرة ياساتر، قمت أنا علطول عملت نفسي مش شيفاه وقعدت أبص وأتأمل في السما. بس منظري كان مسخرة والله، كل ما افتكره أضحك. بادلتها الضحك وهي تقول من بين ضحكاتها:
_تستاهلي، وأنتي تضحكي ليه أصلاً ياباردة! بلهجة صارمة تحمل في داخلها اللؤم: _بضحك لأني فهمته من نظرة واحدة، وأنتي حمارة بيكلمك علطول ويقعد معاكي ومفهمتيش حاجة. وعارفة هتقولي إيه دلوقتي، هتقولي قصدك إيه يعني. هقولك قصدي ياغبية إن ريان بيعشقك مش بيحبك بس. هزت رأسها بحركة نافية وهي تلتقط من الصحن وتضع في فمها قائلة بعدم اقتناع: _بيحبني إيه أنتي عبيطة يابت! ريان بيعتبرني زي سارة، وأنا بعتبره أخويا، يعني مفيش الكلام ده!
التقطت الأخرى أيضًا من الصحن وألقته في فمها هاتفة بسخرية في غيظ: _مش بقولك حمارة. اسكتي خالص كده ياملاك، أنا مش ناقصة فقعة مرارة. ترجلت من السيارة بصحبته أمام المنزل وهو يطالعها مبتسمًا بحنو. سارت نحو الداخل بخطوات بطيئة. مازالت الصدمة مسيطرة عليها والخوف يتملكها، ولكن بمجرد ما رأت مراد أسرعت نحوه لترتمي داخل أحضانه، تحتمي به، فليس لديها أحد تحتمي به سوى أخوتها. شدد من عناقها وهو يقبل رأسها بارتياح هاتفًا:
_أسمي، أنتي كويسة ياقلبي؟ هزت رأسها بإيجاب لتجد ليلى تهرول في خطواتها تكاد تركض لتعانق ابنتها وهي تهتف باكية: _أسمي حبيبتي، كنت هتجنن من الخوف عليكي يابنتي. أنتي كويسة؟ كانت لا تجيبهم، فقط تكتفي بإيماء رأسها في تأكيد سؤالهم. لتنظر نحو مراد وتهتف باكية: _مراد، روح ورا أسيد ابوس إيدك، شوفه. خايفة ليعمل حاجة مجنونة.
نقل نظره بين الجميع في دهشة، وهم بالفعل أن يذهب ويتصل بأخيه يعرف موقعه عندما شعر بالقلق. فأوقفه مروان بيده هاتفًا بهدوء رزين: _اقعد يامراد، سيبه. ممكن يكون راح مكان يرتاح شوية، مظنش إنه هيعمل حاجة. أسيد مش غبي للدرجة دي... اصبر ساعتين كده وهنتصل بيه ونشوفه هيكون هدى شوية. لوى مراد فمه بعد إن بدأ أنه لا يقتنع بكلامه فأقترب منه ريان قائلًا:
_وأنا رأى كده برضوا يامراد اهدى بس أنتوا الاتنين متعصبين ولا أنت هتعرف تهديه ولا هو. ضغط بقوة على قبضة يده وهو يصيح متوعدًا: _معتز ال ****** يوقع تحت ايدى وهشرب من دمه. أنا مش أسيد اللى هكتفى بتعذبيه لا أنا معنديش وقت هقتله فى لحظتها. عادت مجددًا تلك المدعوة بليلى لتقول بأمتعاض وأنفعال: _كل ده من ورا عمايلك أنت واخوك. خليكم بتحموا الزفتة اللى اسمها ملاك دى اللى مشوفناش من وراها خير إذا كان اخوها كدا فهى هتكون إيه!
صاح مراد كالجمرة المتوهجة بالنيران: _امى سيبى البنت فى حالها لو سمحتى. ومتتكلميش وأنتى مش عارفة حاجة مش أى حاجة هتحصل هترمى بلاها على ملاك. إيه دخلها هي باللى بيحصل مش كفاية اللى شافته واللى عاشته بسبب جدى وعمى وكلهم عارفين هى حصلها إيه كويس ومحدش قلبه حن عليها. من النهردا اللى هيقول كلمة واحدة عن ملاك أنا اللى هتصدرله مش أسيد.
كانت عيناه الملتهبة كافية لتسلل الخوف إلى قلب أسمى وليلى قليلًا. حتمًا أنه يحب ملاك ولكن لا شك أنه حب اخوي يريد حمايتها كما يحمي شقيقته. مراقبته لها هو وأسيد طوال السنين الماضية ومعرفة كل شئ عنها كان سبب كافٍ لجعلهما يحبونها دون أن يعاشروها. *** فتح خالد الباب ليتفاجئ بأسيد أمامه انتابه شعور بالخوف قليلًا وشعر ببرودة في أطراف أصابعه عندما رأه فهتف أسيد باسمًا: _إيه ياخالد هتيبسنى واقف على الباب كده ولا إيه!
أفسح له الطريق وهو يشير بيده أن يدخل في نظرات زائغة. فدخل أسيد وأتخذ مقعدًا له على الأريكة وهو يتفحص المنزل هاتفًا بأستنكار: _ماشاء الله المكان ولا الكابريهات. لا وبيدور على أخته كمان إيه هيبجبها تعيش معاه فى المخروبة دى. ولا يمكن هيخليها تخدم عليه هو واشكاله الزبالة زيه. أزدرد خالد ريقه بتوتر ليتشدق بتردد: _هو أنت جيت هنا ليه يا أسيد. وثب واقفًا وهو يبتسم بخبث وصوت أجش: _جيت ليه يا أسيد جيت ليه!
أقولك جيت ليه يا خالد تخيل كده لما معتز يعرف أن خالد صديقه الصدوق هو اللى قتل ابوه بالاشتراك مع أشجان هيحصل إيه. والله أنا لو حبيت الحقك منه مش هلحق لأنى عقبال ما آجى هيكون قتلك. أنا عارف بلاوي كتير للاسف عن كل واحد بس ساكت وأهو عندك مثال أشجان مرات عمى اكتر وحدة عارف عنها بلاوي بس ساكت ليه علشان عمى وريان وسارة وزي ما أنا عارف أن عمتى فرودس مماتش بسبب المرض وزي ما عارف كمان أنك سبق وحاولت تقتل ملاك. ياااه بتخيل لو معتز عرف أنك عملت ده كله هيعمل فيك إيه. بس طبعًا متفتكرش أنى نسيت ده لا كله مسجل فى الحسابات وكل واحد عمل حاجة هييجى عليه الدور ويدفع تمنها بس الفكرة أنى مستنى الوقت المناسب علشان لما اصوب السهم يرشق فى الهدف.
فرت الدماء من وجهه وتسارعت نبضات قلبه برعب وهو يرمقه بأعين مرتعدة. بدأ العرق يسيل من على جبينه ليهمس بصوت مبحوح: _طيب أنت عايز إيه يا أسيد بظبط! ظهرت إبتسامته اللئيمة وهو يقول بنظرة مشتعلة بفعل الانتصار: _كده ابتديت تفهمنى. عايزك تراقب معتز عينك متغفلش عنه وتعرف كل حاجة بيعملها يعني لو دخل الحمام تقولى شايف التفاصيل دي. وبما أنك علطول معاه فهتكون سهلة عليك. دلوقتى عايزك تراقبه بس وبعدين هقولك تعمل إيه تانى.
صمت لبرهة من الوقت وهو يحدق به بصمت متفكرًا ليجيبه وكأنه قرأ افكاره:
_عارف بتفكر فى إيه. بتقول وأنا اساعدك ليه وأنت كده كده برضوا مش هتسيبنى من غير عقاب على اللى عملته. أنا غير أخرى هبلغ البوليس عليك وهتتحبس تاخد مؤبد بقى تتعدم دى حاجة مليش فيها أنما لما اقول لمعتز فانت هتتقل وبأبشع موتة. أنت إيه رأيك تموت ولا تدخل السجن. فكر ورد عليا واوعى لسانك يوقع بكلمة كده ولا كده مع أشجان فاهم. هستنى الرد منك بليل علشان نبدأ من بكرة.
أستدار وأنصرف تاركًا إياه يحاول أستيعاب ما يحدث كيف له أن يعرف كل هذا. وراح يجاهد فى السيطرة على انفاسه المتسارعة. ***
ترامقت النجوم الساهرة محلقة فوق الرءوس. عيناه تدوران في ذلك المنزل الصغير المطل على البحر. دائمًا زوجته تكون محتلة مركز الصدارة في عقله لا يستطيع حتى نسيانها ليوم واحد. يتذكر كيف قضى شهور وأيام بصحبتها في ذلك المنزل. الآن هو موجود به دونها. وكأنه أرض خراب لا تصلح لاستصلاحها أو زراعتها من جديد. قلبه يسحق تحت الأسى والشجن حتى املأها الدمار. لعلى أنفاس الليل الباردة تخفف من حرارة حزنه. نهض وتوجه نحو غرفة النوم لينزع حذائه عنه وسترته ويتسطح بجسده على الفراش مستسلمًا للنوم.
ساعات واخذت الظلمة ترق وتلوح بشائر النور الموعود في الأفق وترسل الشمس شعاعها رفيقًا فوق المروج الخضراء والسحب تزين الماء بقطع بيضاء. أستفاق بفزع على صوت طرق الباب القوي. ليعتدل في نومته ويمسح على وجهه وشعره بخنق وينهض ليفتح الباب ليندهش بوجود مراد وأمه امامه التى عانقته بشدة وهى تهتف ببكاء: _كده يا أسيد كنا هنموت من القلق عليك اليوم كله امبارح وأنت قافل تلفونك ومش هامك حد.
طالعها بإبتسامة ناعمة وهو يمسك بيدها ليقبلها بحنان هامسًا: _حقك عليا يالولو بس كنت محتاج أقعد وحدى شوية واريح دماغى وبعدين أنتوا قلقنين ليه مش معقول يعنى هعمل حاجة غبية. كان فى مشوار عايز اعمله وبعد كده جيت على هنا. ثم أن مين المتخلف اللى بيخبط كده أكيد أنت صح. راعى أن فى ناس نايمة جوا. هتف مراد شبه ضاحكًا: _تسلم يا أبو الواجب. اخويا الكبير بقى هعمل إيه نستحمل تهزيقه! بغضب مزيف هتف: _أنت إيه اللى جايبك يامراد!
دخل وجلس على الاريكة ليردف بمرح وبرود مستفز: _جاى اغتت عليك عندك مانع. نظرت ليلى لأسيد وبأعين دامعة تمتمت راجية: _أسيد اوعى تكون بتكدب عليا وعملت حاجة. بصوت لين ورقيق غمغم: _هكون عملت إيه يعنى يا أمى قتلته مثلًا. متخافيش معملتش حاجة. ويلا علشان اوصلك البيت قبل ما اروح الشغل. صاحت في أستياء برفض قاطع ولهجة لا تقبل النقاش: _شغل إيه. أنا جايبة أكل معايا مش هتمشى قبل ما تفطر. ليقول مراد مازحًا:
_ياسلام على حنان الأم. ولما أنتى حنينة كده منشفة ريق ملاك الغلبانة ليه هااا يامفترية. لتصرخ به وهى تلتقط أحد الاحذية من الارض وتلقيها عليه بزمجرة: _مفترية فى عينك قليل الأدب هقول إيه ما أنا معرفتش اربى. قوم يلا مش قولت ورايا شغل على أساس أن الشغل مقطع بعضه معاك قوم ياخويا قوم لتتأخر على الديوان بتاعك. استطاع تفادى الحذاء وهو يضحك بشدة ناظرًا إلى اخيه الذى يشاركه الضحك قائلًا: _شايف مش بقول حنينة. بتحبنى أوى والله !!
همت بألتقاط الفردة الثانية من الحذاء لتلقيها عليه فنهض فورًا وامسك بيدها وهو يقبل رأسها قائلًا: _طاب ورحمة ياسر الغالى ما أنتى تاعبة نفسك. أسفين يا أبو صلاح! ضربته على كتفه بقوة وهى تقول بضجر زائف وعيناها تضحك بحنو امومى: _امشى ياواد !! لتسدير وتتجه نحو المطبخ لتحضر لهم وجبة الأفطار. وبسرعة البرق يتحول مراد من حالة المزاح والمرح إلى الجدية وهو يسحب اخيه ليجلسوا على الأريكة هاتفًا بحدة:
_هتقولى كل حاجة يا أسيد دلوقتى كنت فين امبارح وحصل إيه من ساعة ما كنت حابس معتز فى المخزن! ***
كانت قد ذهبت زمردة الى عملها وبقت ملاك بالمنزل بمفردها تارة تفكر فى أسيد وتتساءل ترى لماذا كان هاتفه مغلق طوال أمس هل أصابه شئ حتى ريان كان لا يجيب على هاتفه. جوجدت هاتفها يصدر رنينه فوثبت واقفة وهى تركض لعله يكون هو. لكنه كان رقم مجهول. فأجابت بعد إن ظنت أن المتصل قد يكون سارة وتريد الاطمئنان عليها ولكن وقفت الكلمات فى حلقها والرعب تسلل إلى كل جزء فى جسدها عندما سمعت صوت المتحدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!