الفصل 11 | من 25 فصل

رواية اشواك الورد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
25
كلمة
3,881
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

تعاقبت الأيام حتى مر أسبوع آخر، سبعة أيام تحامل بها "عبد المقصود" إخفاء ما اتضح له من حقيقة زوجته وابنها حتى يستطيع التصرف دون المساس بـ"ورد"، خاصة بعد معرفته بمرضه الذي زاده همًا وتوترًا. بعد أن اطمأن "عبد المقصود" لخروج زوجته من المنزل وأصبح الوضع هادئًا إلى حد بعيد، أجرى تلك المكالمة التي ينتظر إجرائها منذ الصباح لمحادثة المحامي الخاص به. "أيوه يا أستاذ حنفي، عملت إيه؟

"كله تمام والمشتري جاهز. إن شاء الله بكرة نروح نمضي العقود ونستلم الفلوس في البنك على طول." وأخيرًا أشرقت الراحة ليضمن حق ابنته الغالية وأخيه الصغير بعيدًا عن تلك المستغلة وولدها. أغمض "عبد المقصود" عينيه براحة لوهلة قبل أن يستكمل مكالمته قائلًا: "كويس أوي.. يا ريت برضو زي ما فهمتك محدش ياخد خبر إننا حنبيع المصنع." "تمام يا عبد المقصود بيه."

بعد انتهاء تلك المحادثة، نكس رأسه قليلاً لتملك هذا الدوار من رأسه مرة أخرى، لينتبه على صوت مزعج آتٍ من خارج البيت. كان صوتًا أشبه بمجادلة، وربما حدة في الحديث، تحول لإنفعال إحدى العاملات بالمنزل بصوت عالٍ ينهر أحدهم بشدة.

قضب حاجبيه بقوة وهو ينهض من جلسته متطلعًا نحو مصدر الصوت الذي كاد يتحول لمشاجرة بباب بيته. تفحص الأمر قليلاً ليجد "نجاح" المربية الخاصة بولده "محمد" تقف بانفعال مع إحدى السيدات قرب باب البيت. كانت سيدة أربعينية هزيلة الجسم ترتدي جلبابًا أسود رثًا للغاية وتلف رأسها النحيل بشال أسود أيضًا كاد يلتهم معظم وجهها خلفه. كانت تلك السيدة منفعلة للغاية، محتدة إلى حد كبير، لا تتوانى ولا تتراجع عن الذهاب مع محاولات "نجاح" المستمرة.

تقدم نحوهم ببضع خطوات ليستمع بوضوح أكثر حين هتفت تلك السيدة بحدة: "أنا لازم أشوفها دلوقتي! "الست مش هنا، خرجت والله.. يا ست افهميني بقى." جلست تلك السيدة بانفعال غير مبرر وإصرار واضح أمام البوابة قائلة: "أنا مش حأمشي من هنا.. أنا قاعدة أهو لحد ما تيجي." اتسعت عينا "نجاح" بغير تصديق لإصرارها لهذا الحد وهي تضرب كفيها بعضهما ببعض بقلة صبر، حين دنا منهما "عبد المقصود" متسائلًا: "خير يا نجاح..؟

"الست دي مصممة عايزة الست أم حسام.. وعمالة أفهمها إنها خرجت، عمالة تزعق ومصممة برضه تستناها." "طيب روحي انتي." تفحص بروية تلك المرأة الغريبة التي يراها لأول مرة ليتساءل باستغراب وفضول انتابه لإصرارها وتشبثها بالبقاء بتلك الصورة. "خير.. انتي مين وعايزة إيه..؟ نهضت السيدة لتحدثه وقد لانت ملامحها بشكل غريب وتهدج صوتها حتى البكاء بلحظة واحدة. "عايزة الست في حاجة ضروري." "قولي طيب أنا جوزها."

زاغت عينا السيدة قليلاً ثم هتفت بانكسار مصطنع ونبرة مهتزة مختلفة تمامًا عن تلك الحادة المنفعلة منذ قليل. "معلش الست منبهة عليا إني مجيش لحد غيرها." انتابه الشك بتلك المرأة ذات اللكنة الغريبة، فيبدو أنها ليست من قاطني القاهرة فلها لكنة مميزة لم يسمعها من قبل. ليصمت قليلاً قبل أن يرسم ابتسامة خفيفة فوق ثغره قائلًا بذكاء محاولًا إظهار ما تخبئه هذه السيدة. "متقلقيش، هي قايلالي على كل حاجة.. قولي بس انتي عايزة إيه."

فكرت تلك السيدة للحظة فيما داخلها، ولم لا؟ فهي تحتاج ذلك وهذا الرجل الثري لن يبخل عليها، خاصة وقد أخبرته زوجته بما بينهما. لتردف بطمع: "إذا كان كده يا بيه.. ماشي.. أنا جيت مزنوقة في قرشين، الفلوس اللي هي بعتهملي معملوش حاجة، وأنا عايزة فلوس مديونة ولازم أدفع." شعر بالغرابة لإرسال "ناهد" مالًا لتلك السيدة دون معرفته. ليستكمل "عبد المقصود" وكأنه يدرك تمامًا عما تتحدث، لتستمر بالحديث بأريحية معه.

"ليه هي قالتلي إنها بعتت لك اللي يكفيكي وزيادة." بانفعال بسيط واستكانة تميل للنحيب، أردفت: "زيادة إيه يا بيه..!! هو انتوا واخدين مني هدوم ولا جزمه؟ ده عيل.. لحم ودم..!!! اتسعت عيناه بصدمة ليدب الشك بقلبه، لكنه استكمل لمعرفة الحقيقة كاملة مقرراً مجاراتها بالحديث. "أيوه بس إحنا اديناكي كتير."

"لا يا بيه لا كتير ولا حاجة.. يا تراضيني كويس يا حأروح أبلغ إنكم خطفتوا 'محمد' ابني ومش راضيين ترجعوهولي أه.. ده أنا جاية من الشرقية مخصوص، مينفعش تمشوني كده إيد ورا وإيد قدام."

حاول استيعاب الأمر وربط بين الأمور وبعضها، ليخرج بشرود محفظته ويمد يده لها ببعض المال، ليدلف بعد ذلك للبيت مباشرة وهو يتذكر ما حدث منذ ثلاث سنوات. تذكر سعادته حينما أبلغته زوجته "ناهد" أنها حامل، فقد كان متعجبًا من سنها وأنها تجاوزت الخمس والأربعين عامًا إلا أنها حامل، وبعد عدة أشهر تفاقمت بينهم مشكلة أصرت فيها "ناهد" على ترك المنزل والذهاب إلى الشرقية لدى عائلتها حتى أبلغته بخبر ولادتها لابنهما "محمد" مبكرًا. لكن الآن فهم الحيلة وأنها قد أخذت ابن هذه السيدة لتحتال عليه وتوهمه إنه ابنه حتى يتسنى لها أن ترثه. مجددًا المال.. هو كل ما كانت تسعى إليه!!!

كيف عُميت عيناه عنها طوال هذه السنوات.. كيف لم يرى طمعها وجشعها وإصرارها على زواج ولدها من "ورد".. كيف لم ينتبه..؟!! وفي ظل حيرته، عادت "ناهد" من الخارج للتو ليقابلها بنظرات غير مفهومة، فأخذ يحدقها لفترة طويلة يحدث بها نفسه، فقد علم الآن لم كانت تكره اسم (أم محمد) .. فهو ليس ولدها من الأساس حتى يسمى به. "واقف بره ليه كده يا أبو محمد..؟ أطلقت شرارة بذكرها للاسم بتلك الصورة، ليصرخ بها بانفعال غاضب:

"اوعى أسمعك تنطقيها تاني على لسانك فاهمة.. أنا أبو ورد وبس.. يا كدابة يا طماعة..!!!! ابتلعت ريقها بصعوبة لهذا الانفعال الشديد لتقابله بحدة حتى لا يتمادى بصراخه أكثر من ذلك. "فيه إيه..؟ إيه اللي حصل..؟ إنت عمرك ما كلمتني كده." "وفقت.. أخيرًا فقت.. انتي إنسانة طماعة وانتهازية.. أنا عرفت كل حاجة.. وعرفت إن محمد مش ابني.. من النهارده مالكيش مكان ولا عيش في البيت ده.. غورى من هنا يلا.. انتي طالق.. طالق.. طالق.."

لم تصدق "ناهد" ما تسمعه أذنها لتهتف بصدمة وعدم استيعاب. "عرفت..!!! لتستطرد باستجداء وترجّي شديد. "اسمعني بس.. أنا... لحقها "عبد المقصود" غاضبًا يدفعها للخروج من البيت كاملاً. "انتي إيه..؟ حتألفي كذبة تانية..!! خلاص مبقتش طايق أبص في وشك.. غورى من هنا وعلى الله أشوف وشك هنا تاني.. برررره."

جرجرت ساقيها إلى خارج البيت تشعر بالقهر الشديد لطردها بتلك الصورة، ساخطة على تلك الزيجة التي لم تستفد منها بأي صورة. أخذت توعده بالانتقام، فلم يعد أمامها حل آخر سوى "ورد" تلك التافهة التي ستحضر لها المال على طبق من ذهب. يجب أن تنتقم منه في هذه الفتاة.. لكن بعد أن تأخذ كل ما تملك هذه الضعيفة أولًا. *** شقة حسام. تفاجأ "حسام" بعودة والدته، فقد تركته منذ ساعة أو أقل، ليضيق عينيه باستغراب. "ماما..!! إيه اللي رجعك تاني..؟

"عبد المقصود.. طلقني..!!! فغر فاه بقوة وقد صدمت ملامحه هاتفًا بعدم تصديق. "إيه..!! اتجنن ده ولا إيه..؟ جلست "ناهد" بدون تركيز وهي تتحدث بصدمة لم تفارقها منذ طردها "عبد المقصود" من منزله. "مش عارفة عرف منين موضوع محمد وطلقني.. إحنا لازم نتصرف يا حسام.. لازم.. لازم أقهره زي ما قهرني." "واحدة واحدة.. هو حيروح مننا فين..؟ ضمت شفاهها بغيظ وهي تضغط بكفيها بعضهما البعض.

"أنا متغاظة أوي يا حسام.. حاسة أنه غلبني.. بس لأ.. هي.. هي مفيش غيرها ورد اللي حتكسره.. لازم ننتقم." "متخافيش.. تطلع بس من المستشفى ونحاول نوقعها." "أيوه كده.. هو ده ابني حبيبي." انتبهت "ناهد" للتو بالغرفة من حولها لتعلو نظرات مشمئزة من تلك الفوضى التي تعم شقته، فهي لم تأتِ إلى الشقة منذ ما يقرب من عشرة أيام واكتفت بلقائه بأماكن عامة قريبة منها. ثم أردفت بتقزز. "إيه البهدلة اللي انت عاملها في الشقة دي..؟

"يا ماما بقى.. سيبيني براحتي.. هو أنا كمان حقعد أنظف وأظبط فيها.. عمومًا انتي جيتي أهو.. اعملي انتي اللي انتي عايزاه." انتفضت "ناهد" كالملسوعة، أبعد هذا الثراء تبقى بتلك الشقة الكريهة تنظف وترتب خلف هذا الفوضوي.. أبعد أن كانت تأمر وتطاع يذلها الزمن ويحط من قدرها. لتردف بانزعاج. "إيه..!! هو أنا كنت بعمل هناك حاجة لما أعمل هنا..؟

لا.. انت شوفلك حد ينظف ويظبط الدنيا كده.. أنا حروح أقعد في شقة مفروشة أحسن لي.. متنساش إن انت حتجيب ورد هنا وأنا مش حينفع أقعد معاك." "ماشي.. ماشي." *** شركة الأقصى. نظر "شريف" بتملل تجاه ساعة يده ثم أعاد بصره نحو "يوسف" المتعمق للغاية بهذا العقد الموضوع أمامهما، ليزفر "شريف" باختناق ناظرًا نحو العقد بيد "يوسف" قائلًا. "أبوس إيدك يا أخي أنا تعبت.. من الصبح قاعدين على العقد ده وأنا ولا فاهم حاجة."

ترك "يوسف" العقد من يده وهو يرسم ابتسامة وهو يدرك تمامًا مقصد "شريف" قائلًا بفراسة. "مالك يا شريف.. انت جعان ولا إيه..؟ اعتدل "شريف" وعلت ابتسامته تشق وجهه لفراسة صديقه وفهمه مقصده. "حبيبي يا فهمني." "بس ده لسه بدري على معاد البريك." "ما هو ده اللي مجنني.. إيه اللي مجوعني بدري..؟ ضحك "يوسف" وهو يتراجع بجسده للخلف قليلاً قائلًا. "طيب اصبر على نفسك شوية.. أنا مش فاهم مع كمية الأكل الرهيبة اللي بتاكلها دي مبتتخنش ليه."

"ده كرم ربنا بقى.. بس بقولك إيه.. بطني وجعتني من أكل الكشري.. نغير بقى." "أنا لو أكلته كل يوم ما أزهقش." "يا أخي معدتي حجرت.. ما المطعم عندهم أكل كتير.. إشمعنى الكشري ده..؟ "كل واحد واللي يحبه بقى." رفع "شريف" أنفه ممتعضًا ليسخر من "يوسف" وما يحبذه. "يحبه..!! أما انت صحيح فقر.. يوم ما تحب تحب كشري.. ما تحب لحمة ولا فراخ ولا بطة حلوة كده." "يا جدع انت حد مسلطك عليا.. أنا حر." "ماشي يا أخويا على راحتك.. بس ناكل."

نظر "يوسف" نحو الساعة المعلقة بالمكتب ثم أردف متمهلًا. "باقي ساعة على البريك.. استنى شوية.. حتى نخلص العقد المعقد ده." تكتف "شريف" وهو يزم شفتيه بضيق قائلًا. "صابرين أهو." *** عبد المقصود.

استقل سيارته ليتجه إلى المستشفى شارداً بما حدث مع "ناهد" منذ قليل. كم صدمة معرفته بتزييفها لحقيقة ابنهما وكذبها وخداعها له. كم كان ساذجًا بتصديقها، لكنه حمد الله أن ظهرت الحقيقة قبل أن يضع الوديعة باسم "محمد" بالبنك غدًا وأنه قد اتضحت له كل تلك الحقائق قبل وفاته وتورط "ورد" مع "ناهد" وولدها مرة أخرى. *** المستشفى.

نظرت "سماح" لتلك الحقيبة الصغيرة الموضوعة بمقدمة السرير المعدني قائلة بضيق بسيط، فهي لا تنكر سعادتها بتلك الخطوة الجديدة لـ "ورد". "خلاص حتمشي..؟ أومأت "ورد" بخفة وهي تردف بإيضاح. "بابا زمانه جاي في السكة.. حفك الجبس بتاع ذراعي ده وأمشي." "معاكي رقم تليفوني العادي والخاص.. لو فيه أي مشكلة كلميني في أي وقت.. ومعادنا هنا زي النهارده تمام."

"تمام.. بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا سماح على اللي عملتيه معايا في الأسبوعين اللي فاتوا." "أنا بجد حبيتك زي أختي الصغيرة يا ورد.. وده كان أقل حاجة أعملها معاكي.. وأنتي دلوقتي بقيتي أحسن كتير من الأول.. ويا ريت متخليش أي حاجة تأثر فيكي وتزعلك بسرعة.. خليكي قوية." "إن شاء الله." وصل "عبد المقصود" لطبيبه المعالج أولاً قبل أن يمر بـ"ورد" ليلقي التحية فور دخوله. "السلام عليكم." "أهلاً يا أبو محمد."

أثار الاسم غصة وألمًا في نفسه بعد اكتشافه أن "محمد" ليس ولده، فطلب من الطبيب مناداته باسم غاليته "ورد". "قولي أبو ورد." "زي ما تحب يا أبو ورد.. أخبارك إيه النهارده..؟ "الصداع بقى يزيد قوي وألمه صعب.. كنت عايزك تكتبلي نوع مسكن قوي يساعدني." "يا أبو ورد المسكن ده مش علاج.. انت كده اتأخرت جداً في جلسات العلاج اللي قلت لك عليها." "ورايا حاجات مهمة قوي أخلصها وأجي المستشفى هنا أقعد فيها وأخد العلاج وكل اللي انت عايزه."

"بس أنا بحذرك إن الفترة اللي جاية الموضوع ممكن يزيد عن مجرد دوخة أو صداع.. الموضوع ممكن ييجي بنوبات إغماء أو لا قدر الله غيبوبة.. وكده مش كويس أبدًا." "ربنا هو الشافي المعافي.. اكتبلي بس نوع المسكن وإن شاء الله قريب قوي حتلاقيني هنا." لم يحبذ الطبيب إهمال "عبد المقصود" لنفسه وعلاجه، لكنه كان مرغمًا على أن يلبي طلبه مؤقتًا.

"أنا مش موافقك بصراحة.. بس أدي اسم المسكن ويا ريت تسمع نصيحتي.. العلاج أهم حاجة.. وأي حاجة تانية تيجي بعدين." "إن شاء الله." قالها "عبد المقصود" بلا اكتراث لحالته، فما يشغله الآن هو "ورد" فقط. اتجه لغرفتها الخاوية، فيبدو أنها ذهبت منذ قليل لإزالة تلك الجبيرة الموضوعة بذراعها، فجلس قليلاً في انتظارها.

دلت "ورد" بعد قليل تمسك بعكاز تستند عليه، وما زالت جبيرة قدمها كما هي، بينما استبدلت الجبيرة الموضوعة بذراعها بلفافة من الشاش الخفيف تعلقها برقبتها. اتجه "عبد المقصود" تجاهها يساعدها على الحركة قائلًا بمحبة عطوفة. "حمد الله على السلامة يا ورد." "الله يسلمك يا بابا." "هي إيدك لسه مربوطة ليه كده مش خلاص فكيتي الجبس..؟ "أيوه بس الدكتور ربطلي الرباط الضاغط ده وقالي يومين بس وأفكه."

أومأ بإيجاب وهو يشير لحقيبة صغيرة أحضرها معه قائلًا. "الحمد لله على كل حال.. المهم أنتي بخير.. خدي الشنطة دي نجاح حضرتهالك فيها هدوم تانية.. غيري بقى هدومك عشان نروح وتنوري بيتك تاني." "حاضر يا بابا."

أبدلت "ورد" ملابس المستشفى بملابسها التي أحضرها والدها، وارتدت فستانها الطويل ذو اللون الأسود يعلوه جاكيت باللون الوردي، فكم اشتاقت للألوان بعدما تحلت أيامها السابقة بألوان المستشفى الباهتة. أسدلت شعرها الذهبي لأول مرة بعد إزالة عصابة رأسها من الشاش الذي أحاط برأسها منذ مجيئها للمستشفى. لكن وجهها ما زال متعبًا. نعم، قد زالت آثار التورمات كلها ما عدا هذه الرقعة من اللاصق الطبي فوق حاجبها الأيمن. لكنها ما زالت جميلة كما هي من الظاهر.

تطلعت بانعكاس صورتها بالمرآة وهي ترى ما لم يره غيرها، هي الوحيدة التي ترى تلك الجروح الأخرى، لم تزال جبيرتها بداخلها، ما زالت محطمة مهشمة. لكنها لن تستسلم، كما اتفقت مع "سماح". خرجت من المرحاض يعلو وجهها بسمتها الرقيقة، حين هتف بها والدها باشتياق لعودتها. "بسم الله ما شاء الله.. إنك واقفة على رجلك تاني دي أكتر حاجة تسعدني في الدنيا."

"وأني أشوفك مبسوط.. دي أكتر حاجة بتمنها في الدنيا.. أنا حاسة إن فيه حاجة انت مخبيها عليا.. مش عارفة ليه حاسة إنك تعبان ومش مبسوط يا بابا." "مين اللي قال كده..!!!! ده أنا مش قادر أوصف لك فرحتي النهارده قد إيه وأنتي خارجة من المستشفى.. عشان كده إحنا مش حنروح على طول." "أمال إيه..؟ "إيه رأيك أعزمك على الغدا زي زمان أنا وأنتي بس..؟ اتسعت ابتسامتها العذبة بإشراقة وهي تجيب بالإيجاب على الفور. "بجد..!! بس.. أأأ....

"بس إيه..؟ "ورجلي دي حأمشي كده قدام الناس..؟ "ولا يهمك.. وده باقي أسبوع واحد بس ونفك الجبس ده كمان وتبقى زي القمر." تحركت "ورد" مستندة على عكازها قائلة بمزاح. "ماشي.. بس امشِ معايا واحدة واحدة زي العواجيز بقى." "على أساس مين اللي عجوز.. أنا ولا انتي..؟ بفخر شديد به أجابته غاليته بمحبة وامتنان لوجوده بحياتها. "انت.... ؟!!! هو فيه في الدنيا زيك انت يا بابا.. ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك ابدااااااااا."

نظر لابنته بحزن بالغ، كيف سيتركها ببساطتها وبرائتها ونقيها الشديد تصارع الدنيا بمفردها خاصة بعد ما حدث. شرد للحظات حين تساءلت "ورد" باهتمام. "فيه حاجة يا بابا..؟ "لا يا بنتي.. يلا بينا."

تحركا معًا وهو يسند ابنته إلى خارج المستشفى لتستقل "ورد" السيارة بمساعدة والدها، من ثم ذهبا إلى المطعم القريب من المستشفى لتناول الطعام. جلسا بإحدى الطاولات بعدما ساعدها للجلوس أولاً، ثم التفت نحو المقعد المقابل لها لينظر لوجهها العذب الذي يملأ دنياه بالسكينة. مدت ورد قدمها المجبرة أمامها، فهي ما زالت غير معتادة على الجلوس بهذا الشكل على المقعد، فقد كانت طوال الوقت ممدة بفراشها بالمستشفى.

"المطعم ده مع إنه صغير إلا إنه بيعمل أكل جميل جداً.. حيعجبك أوي.. اختاري بقى اللي نفسك فيه وأنا حجيبهولك." مد أبو محمد يده بقائمة الطعام لهذا المطعم لتنظر بها "ورد" تحاول أن تختار الطعام الذي تشتهيه. *** شركة الأقصى. بتحايل شديد وقف "شريف" بمقابل مكتب "يوسف" يحثه على الانتهاء من عمله فقد تأخرا على موعد طعامهما. "يلا بقى.. الساعة خلصت من بدري.. عايز أكل." "تمام.. ححفظ بس الملف ده وننزل على طول."

"أيوه كده.. عصافير بطني بتصوصو يا أخي." أغلق يوسف الحاسوب الخاص به بعد حفظ الملف ثم تحرك برفقة "شريف" باتجاه المطعم لتناول غذائهما. دلفا لداخل المطعم يبحثان عن إحدى الطاولات الشاغرة لتناول وجبتهما، حينما طرق إلى أذن "يوسف" صوت مألوف للغاية ينادي باسمه.

تلفت يوسف نحو مصدر الصوت ليجد "عبد المقصود" يلوح له بيده وهو يناديه بوجه مبتسم. تمعن "يوسف" قليلاً للتأكد أن هذا هو "عبد المقصود" بالفعل، فقد لاحظ جلوس إحداهن معه لا يستطيع رؤيتها بوضوح، فقد أولته ظهرها. "إيه ده.. ده باين يوسف.... يوسف.... يوسف." انتبه "شريف" لنداء أحدهم على صديقه ليلكزه بخفة. "فيه حد بينادي عليك يا يوسف..؟ "آه.. ده أبو محمد.. تعالى يا شريف.. تعالى أعرفك عليه." "مين ده..؟

"حأقولك يا أخي امشِ بس الراجل بينادي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...