الفصل 12 | من 25 فصل

رواية اشواك الورد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
22
كلمة
3,731
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

دفع "يوسف" رفيقه بخفة ليتقدما نحو الطاولة التي يجلس عليها "عبد المقصود" بعدما أشار إليه بالاقتراب داعياً إياه بوجه مبتسم. ألقى "يوسف" التحية عليهم وهو يرحب بـ"عبد المقصود" الذي تفاجأ بوجوده بهذا المطعم. يوسف: السلام عليكم. أخبارك إيه يا أبو "محمد"؟ تغاضى "عبد المقصود" عن نعته بهذا الاسم، فلا داعي الآن لإثقال الأمر على "ورد" أكثر من ذلك، ليرحب بهذا الشاب الخلوق بحفاوة.

أبو ورد: الحمد لله. إنت عامل إيه يا "يوسف" يا ابني؟ تعالوا اتفضلوا نتغدى سوا، أنا عازمكم. لم يشأ "يوسف" الإثقال على هذا الرجل الطيب ليرفض بشدة عرضه السخي. يوسف: لا والله مش عايزين نزعج حضرتك. لكن "عبد المقصود" أصر وبشدة على مرافقتهم لهم ليردف بإصرار. أبو ورد: وده كلام برضه؟ اقعد يا ابني اقعد. اتفضل انت كمان. أشار "عبد المقصود" لـ"شريف" لمشاركتهم أيضاً، ليومئ له "شريف" بامتنان. شريف: شكراً يا فندم.

أردف "عبد المقصود" معرفاً إياهم بـ"ورد". أبو ورد: دي "ورد" بنتي. أعرفك يا "ورد" ده "يوسف" ساكن في آخر الشارع عندنا بس انتوا عمركم ما شفتوا بعض قبل كده. للحظة كان يتركز انتباه "يوسف" بـ"عبد المقصود" فقط، لكنه حين استمع إليه يقدم ابنته إليه اتجه بنظره نحوها، راسماً ابتسامة رسمية للغاية. رفعت "ورد" رأسها بعدما تركت قائمة الطعام الخاصة بالمطعم من يدها، واضعة إياها فوق الطاولة لترحب بـ"يوسف".

تلاقت عيناهما بنفس الوقت لتتلاشى تدريجياً تلك الابتسامة الرسمية التي رسمها "يوسف" على ثغره، ليشعر باضطراب غريب تجاه تلك الفتاة، جعله يطيل النظر بها على غير عادته مع جميع الفتيات. نظرت "ورد" لهذا الشاب مطولاً رغماً عنها، وكأنها تعرفه ويعرفها منذ زمن بعيد.

ألفة غريبة اجتاحتها تجاه هذا الشخص الغريب عنها، جعلتها تشعر باضطراب لا داعي له، اضطراب غير معتاد لكنه ممتع، مبهج لقلبها الذي دق بقوة حتى أنها ظنت أنه يدق بصوت مسموع للجميع. وجدت نفسها تنجذب لمظهره الجذاب والقوة والفراسة التي تنبع من عينيه اللامعتين. بينما شعر "يوسف" بتوقف الوقت وخلو المكان إلا منهما بلحظة تلاقي لعيونهما فقط. سحرته بملائكيتها وبحور عينيها الزرقاء الصافية.

شعر بأن روحه سحبت فجأة وكأنه يعرفها من قبل حق المعرفة. لم يستطع فهم ما هذا الشعور الغريب برؤيته لها، حاول قطع تلك الحالة العجيبة التي اجتاحته بالتحدث لكنه أخفق تماماً وشعر بالتلعثم للحظة. أغمض عينيه لوهلة ليخرج من هذا الإحساس الجارف المسيطر عليه فجأة، ثم أردف بترحاب. يوسف: أهلاً وسهلاً. ضاعت كل كلماتها لحظة سماعه لكلماته البسيطة، لتكتفي بابتسامة هادئة وإيماءة لطيفة كرد لتحيته.

جلس "يوسف" بهدوء إلى جوار "شريف" دون أن ينحي عينيه عن "ورد". لكنه تدارك نفسه ليعدل نظرته تجاه "عبد المقصود" وهو يكبح جماح قلبه المنفعل بالحديث معه. يوسف: أول مرة أشوف حضرتك هنا يعني؟ أبو ورد: لا قلنا بس نتغدى هنا. وأهي صدفة جميلة جمعتنا كلنا. مش تعرفني بالاستاذ؟ أشار "عبد المقصود" نحو "شريف" الذي نسيه "يوسف" تماماً، ليتنحنح بحرج شديد معتذراً بشدة. يوسف: آه صح!

آسف. ده "شريف" زميلي في المكتب. إحنا أصلنا بنتغدى هنا كل يوم. ما هو زي ما حضرتك عارف الشركة قريبة أوي من هنا. أبو ورد: أنا كمان بحب المطعم ده جداً. يلا اختاروا بقى تاكلوا إيه وميهمكمش. اللي نفسكم فيه حجيبه كله عشان وردتي الحلوة النهارده. أنهى عبارته ناظراً نحو ابنته بحنان بالغ، لتنكس "ورد" رأسها بخجل من طريقة حديث والدها عنها أمام هذان الشابان. أبو ورد: ها يا "ورد". تأكلي إيه؟

بدون أي تفكير طرأ بتفكيرها ما تشتهيه حقاً لتردف بتلقائية. ورد: كشري. فغر "شريف" فاه ليردف مازحاً بأسلوبه الساخر المرح للغاية، معقباً على اختيار "ورد" لذلك الطبق خصيصاً. شريف: لا إله إلا الله. أنتي منهم؟ نظرت له "ورد" متعجبة، فهي لا تفهم مقصده إطلاقاً، خاصة وأنها لا تعرفه جيداً بعد حتى يمزح معها. ضيقت بين حاجبيها بقوة مستفهمة ماذا يقصد بالضبط، حين لحقها شريف بتوضيح على الفور.

شريف: آسف معلش. بس أصل معانا الأستاذ فقري، مبيطلبش إلا الكشري لما معدتي باظت. أنهى عبارته مشيراً تجاه "يوسف" وهو يضع كفه خلف ظهره، مما جعل أنظارهم جميعاً تتجه إليه، ليردف "عبد المقصود" مندهشاً. أبو ورد: هو أنت كمان يا "يوسف" بتحب الكشري؟ دي "ورد" بتحبه جداً لدرجة إن كل ما نيجي نطلب أكل تقول عايزة كشري. ابتسم "يوسف" لهذه المصادفة التي أسعدته للغاية دون أن يعلم، ولم يسعد لتلك الصدفة الغريبة.

يوسف: الصراحة يا أبو "محمد" أنا بحبه جداً وعندي استعداد أكله كل يوم. مش بزهق منه. ابتسمت "ورد" لتخفي ابتسامتها وهي تنظر للأسفل قليلاً بهدوء. أبو ورد: وأنت يا "شريف" عايز كشري برضه؟ انتفض "شريف" رافضاً بقوة، وقد لاحت بوجهه علامات الامتعاض المازح، فهو لم يرتاح بعد من إصرار "يوسف" على تناوله يومياً، ليهتف متصنعاً قلة الحيلة. شريف: لأ يا أبو "محمد" لأ! أنا تعبت. عايز حاجة كده ترم البدن.

ضحكوا جميعاً لخفة ظل "شريف" صاحب الجو المبهج، ليطلب "عبد المقصود" الطعام للجميع. بعد تناول وجبتهم بهدوء تام، استأذن كل من "يوسف" و"شريف" فمازال لديهم عمل يقومان به. اتجه "عبد المقصود" بأنظاره تجاه غاليته متسائلاً. أبو ورد: مبسوطة حبيبتي؟ ورد: جداً يا بابا. أبو ورد: طب يلا بينا نروح. أسند "عبد المقصود" ابنته وصولاً إلى السيارة أولاً للعودة بعد ذلك إلى البيت. ***

تحرك "يوسف" بآلية وذهن شارد وهو يتجه لمكتبه في صمت، ليثير صمته هذا فضول "شريف"، فهو لم ينطق حرفاً منذ ترك "عبد المقصود" وابنته بالمطعم، ليهتف بصديقه مخرجاً إياه من تلك الحالة الهائمة التي سيطرت عليه. شريف: إيييييه. انت رحت فين؟ انتبه إليه "يوسف" ليفيق من شروده قائلاً. يوسف: هاه. بتقول حاجة؟ ابتسم "شريف" ابتسامة جانبية ذات مغزى بداخل نفسه قائلاً. شريف: بقول حاجات. سرحان في إيه؟ ولااااااا. أقولك أنا؟ يوسف: قصدك إيه؟

شريف: القمر المدغدغ اللي شفناه تحت. اللي من ساعة ما شفتها وانت مش على بعضك! هتف به "يوسف" بحدة، فقد شعر بالارتباك الشديد، ربما لكشف ما يفكر به حقاً، وربما لظنه بشيء لم يحدث من الأساس. يوسف: "شريف". اتلم! رفع "شريف" حاجبيه كاشفاً ما يعتمل من اضطراب بداخل نفس صديقه، ربما هو بنفسه لا يدري سببه حتى الآن.

شريف: متزعلش أوي كده. انت بس مش شايف انت كنت بتبص لها إزاي. ولا عامل إزاي دلوقتي. عشان أقولك إن الحب بيجي خبط لازق كده من أول نظرة مش بتصدقني. تهدجت أنفاس "يوسف" رافضاً بالمرة ما يتفوه به صديقه، فلا شيء يسمى بالحب من النظرة الأولى، إنه وهم يظنه البعض، العشق لابد وأن يتوغل بالعقل أولاً حتى يتملك القلب وليس العكس. يوسف: حب إيه وهبل إيه! هو أنا أعرفها أصلاً. متتخيلش حاجات لا يمكن تحصل. شريف: يا سلام! لا يمكن ليه بقى؟

وحشة؟ أبداً. دي بدر منور. دي ولا الـ... ثارت نفسه وهو يعدّد مزاياها أمامه، ليهتف به بغضب حاد مقاطعاً إياه. يوسف: وبعدين معاك يا "شريف"! شريف: الله. وانت زعلت ليه كده بس؟ أنا بهزر معاك. خلاص خلاص متزعلش حسكت خالص أهو. زاغت عينا "يوسف" قليلاً بعد حديث "شريف" غير الصحيح بالمرة، فهو متأكد أنه ليس هناك شيء من هذا القبيل، ليستطرد موضحاً ما يظنه بالفعل ولا شيء آخر مما يعتمل بعقل صديقه هذا.

يوسف: الراجل ده بعزه زي أبويا بالضبط وليه أفضال عليا وعلى عيلتي وجميل في رقبتي مش حقدر أوفيه. ده بعد وفاة أبويا كان هو اللي متكفل بينا من غير ما يعرفنا ولا نعرفه. عرف بحالنا من الجيران وإن أبويا كان على باب الله ولا ليه مرتب ولا معاش. زاد إعجاب "شريف" بهذا الرجل الوقور بالفعل. شريف: يااه. ربنا يجازيه خير. يوسف: مش بس كده. ده هو اللي اتوسط لي هنا في الشركة عشان يعينوني بعد ما اتخرجت من الجامعة. لأن المدير يعرفه كويس.

شريف: ليه هو الراجل ده يبقى مين؟ يوسف: اسمه "عبد المقصود العالي". باندهاش شديد أبدى "شريف" إعجابه بتلك العائلة العريقة. شريف: العالي. العالي! دي عيلة كبيرة أوي وغنية أوي. يوسف: أيوة هم. استطرد "شريف" غامزاً ما بين الجد والمزاح، يعدّد مزايا تلك الجميلة أمام "يوسف" مرة أخرى.

شريف: طيب إيه المشكلة. لما يبقى الراجل كويس أوي كده. وعيلة محترمة. وبنته ما شاء الله عليها مشفتش في جمالها وشكلها هادي وخجول. زيك كده. زعلان ليه لما بقولك تحبها؟ زفر "يوسف" مستكملاً الإيضاح لصديقه، ربما يفهمه هذه المرة. يوسف: أولاً. أنا مش بعترف بالحب والنظرة الأولى والكلام الفارغ بتاعك ده. ثانياً الأسباب كتيــييييـر جداً. تقف بيني وبين واحدة زي دي. شعر "شريف" بأن هناك أسباب حقيقية تدفعه لرفضه هذا، ليتساءل بجدية.

شريف: ليه؟ ممكن تفهمني؟ يوسف: البنت دي اتجوزت من أسبوعين. و..... اتطلقت تاني يوم. شريف مندهشاً: إيه؟ ليه؟ يوسف: معرفش. أبوها مقالش. وده سبب كبير يخليني مفكرش حتى فيها. شريف: عشان اتجوزت؟ ولا عشان اتطلقت بسرعة؟ يوسف: الاتنين. أنا عايز البنت اللي اختارها تكون أول واحدة في حياتي. وأنا أول واحد في حياتها. بتهكم واضح من تفكير "يوسف" المحدود أردف "شريف". شريف: وهي لو اتطلقت عيبها إيه؟ ميبقاش تفكيرك رجعي؟

يوسف: الموضوع ده جوايا مسألة تقبل. مش حقدر أتقبل فكرة إنها كانت مع غيري قبلي. شريف: ده انت معقد يا أخي. وفيه أسباب تانية ولا خلاص كده؟ يوسف: إنها غنية. وأنا على قد حالي. مينفعش اتجوز واحدة في مستوى أعلى مني. شريف: مش بقولك معقد. بس بس. اسكت بقى متعصبنيش بأفكارك دي! حكمت على البنت إنها لو عدت تجربة فاشلة تفضل عايشة فيها طول عمرها لأنها بقت معيوبة!

وحكمت على ظروفها المادية إنها لا ينفع تحب وتتحب من واحد من طبقة أقل شوية! يوسف: انت مش فاهمني! أنا عايز واحدة تفهمني. تفهم عيشتي وتكون هادية. واحدة زي دي أنا مقدرش أعيشها في نفس المستوى اللي هي عايشة فيه! ضرب "شريف" بكل أعذار "يوسف" عرض الحائط رافضاً تفكيره بالمجمل. شريف: الحب مبيعترفش باللي انت بتقول عليه ده. يوسف: قلتلك كل حاجة بتيجي بالاختيار الصح والعقل والتفكير. الجواز ملهوش دعوة بالحب.

بنظرة ساخرة تطلع "شريف" نحو صديقه قبل أن يردف بتحدي لما سوف يحدث. شريف: تفتكر؟ بكرة نشوف! وأكمل في نفسه: "ده انت وقعت وأنا شفتك. مكنتش قادر تبعد عنيك عنها. بكرة نشوف مين اللي حيغير مين؟ *** وتعود الورد لمنبته وتعود الحياة إليه. دلفت "ورد" لداخل بيتها تشعر بالأمان والراحة الذي افتقدتهما بشدة.

جلست قليلاً برفقة والدها ملتزمة الصمت لبعض الوقت لتتخذ القرار بسؤالها لوالدها هذا السؤال الذي شغل تفكيرها منذ لقائها به لتردف بنبرة مرتبكة خفق لها قلبها الصغير بقوة. ورد: بابا. هو مين "يوسف" ده؟ أبو ورد: جارنا هنا أعرفه من زمان من سنين وهو صغير. بشوفه كل يوم في صلاة الفجر. مجرد ذكره بحرصه على الصلاة وخاصة صلاة الفجر التي لا يداومها منافق مطلقاً أطلقت دهشتها وإعجابها معاً، فلم يعد هناك من يلتزم بذلك إلا نادراً.

ورد: كل يوم! بيصلي الفجر في المسجد كل يوم؟ أبو ورد: أيوة يا بنتي. راجل بجد. شال مسؤولية أمه وأخته بعد وفاة أبوه. واشتغل. عزيز النفس بصراحة. زادت إعجاباً به وفخراً بما فعله منذ صغره، لكنها تعجبت من عدم ذكر والدها عنه من قبل. ورد: بس أنت عمرك ما اتكلمت عنه؟ أبو ورد: مجتش فرصة بس. يلا ادخلي انتي ارتاحي. أنا خليت "نجاح" تنقل حاجتك في الأوضة اللي تحت عشان رجلك. عارف إن السلم حيبقى صعب عليكي.

ورد: تسلملي يا أحن أب في الدنيا. أنا داخلة أرتاح شوية. أبو ورد: وأنا كمان حاسس إني تعبت من السواقة حطلع أنام شوية. مع شعوره بالإعياء الشديد وازدياد الألم الملّم به جعله منهك غير قادر على الوقوف، لكنه أخفى ذلك عن غاليته ولم يشأ أن يسبب لها القلق. حاول أن يستريح قليلاً على فراشه بعدما تناول من تلك تلك الأقراص المسكنة التي وصفها له الطبيب، معلقاً عينيه بتعب لينال قسطاً من النوم فربما يرتاح قليلاً. ***

دخلت لغرفتها الجديدة بالدور السفلي ومازالت متعجبة باستغراب من حالها بتفكيرها الزائد بهذا الشاب الغريب عنها وكأن بينهما ألفة غريبة دون أن تعرفه من قبل. والأكثر غرابة هو كيف تميل بهذا الشكل له بعدما تصورت أنه بعد ما حدث مع "حسام" إنها لن تستطيع مجرد التفكير بأحدهم مطلقاً. كانت تشعر بالسعادة فقط لمجرد رؤيته لمرة واحدة. ابتسمت بمفردها تتذكر نظراته لها وابتسامته الساحرة. لتحرك رأسها نفياً رافضة ما شعرت به لأول مرة.

ورد: هو إيه ده؟ لا لا طبعاً مينفعش. أنا لسه طالعة من المستشفى بعد اللي عمله "حسام" معايا. أكيد مينفعش أفكر في حد بالصورة دي. ما يمكن يطلع زيه وأنا أعرف منين هو أنا كنت أعرف "حسام"؟ زي برضه ما أنا مش عارفة "يوسف" ده! بلاش هبل. كلهم زي بعض. تذكرت حديثها مع "سماح" تكراراً وتكراراً، بأن ليس كل البشر مثل بعضهم البعض وربما تقابل شخص يحبها ويصونها وينسيها الماضي كله. ورد: معقول! ممكن ده؟

لالا. مش وقته الكلام ده خالص. أنا أنام وأرتاح أحسن. استلقت "ورد" محاولة النوم. فيكفيها تفكير حتى الآن ويكفي أنها ببيتها وبعيداً عن "حسام" إلى الأبد. *** بصوتها العالي وقبل أن تصل لغرفتها أردفت "دعاء" على عجالة. دعاء: ماما أنا خلاص عملت الأكل. حدخل أنام شوية لحد ما ييجي "يوسف". أم يوسف: طيب يا "دعاء". أغلقت "دعاء" باب غرفتها وأطفأت الأنوار تحاول النوم لبعض الوقت لتستعد للسهر الليلة للمذاكرة قليلاً قبل الاختبارات.

دق هاتفها برقم غريب لتنظر لشاشته باستغراب وهي تقلب شفتيها ثم أجابت هذا الاتصال بحرص شديد كما علمها "يوسف". دعاء: السلام عليكم. مرزوق: وعليكم السلام. "دعاء"! دعاء بتعجب: مين معايا؟ مرزوق: أنا "مرزوق". اعتلتها مشاعر مزيج بين الدهشة والغضب لتهتف به بحدة. دعاء: مين؟ انت جبت رقمي منين وإزاي تتصل بيا كده؟ مرزوق: اهدى بس يا "دعاء". أنا جبت رقمك من "مريم" بالعافية بس أنا كنت عايز أتكلم معاكي ضروري.

دعاء: لو سمحت أنا مبحبش كده ويا ريت متتصلش بيا تاني فاهم. أنهت "دعاء" المكالمة بغضب، واضعة الهاتف إلى جانبها مرة أخرى. حين عاد "مرزوق" بالاتصال مرة تلو المرة فقررت "دعاء" الرد لتوبخه بشدة هذه المرة حتى لا يتجرأ ويتصل بها مرة أخرى. دعاء: لو سمحت قلت لك متتصلش بيا تاني أنا مش من النوع ده من البنات و"مريم" أنا حعرف أحاسبها كويس إنها ادتك رقمي.

مرزوق: اسمعيني بس حقولك إيه وبعدها اللي انتي عايزاه حعمله. أنا بجد معجب بيكي وبأخلاقك جداً وخصوصاً رفضك للكلام معايا ومع أي حد وعجبتيني أوي لما رفضتي أني أقعد جنبك في الباص ونفسي أتعرف عليكي أكتر وتعرفيني أكتر عشان أول ما أخلص السنة دي أتقدم لك رسمي. لأني مينفعش أتقدم لك وأنا لسه بدرس. أنا لا بتسلى ولا بلعب ولا عايز أضايقك بمكالمتي بس قلت دي طريقة كويسة نتكلم مع بعض ونتعرف على بعض من غير أي مشاكل. يا ريت تفهمي قصدي صح.

صمتت "دعاء" مستمعة لتبرير مرزوق لها وسبب محاولته الاتصال بها. نعم جذبها هذا الشاب بطريقته وخفة دمه وصراحته معها. إحساسها بأن هناك من يحبها ويهتم بها وبالتحدث معها أمر أحبته ولطالما احتاجته جداً. لكنها كانت دوماً خائفة من كذب الشباب وخداعهم للفتيات مثلما تسمع عنهم وعن لعبهم بعقول الفتيات. لكنه لا يطلب شيئاً سوى التحدث عبر الهاتف فقط ليعرفوا بعضهم البعض.

ماذا سيحدث لو أعطته هذه الفرصة. وأعطت نفسها فرصة لخوض هذه التجربة. دعاء: والمطلوب مني؟ مرزوق: ولا حاجة بس نتكلم سوا وتردي عليا لما أتصل بيكي. لحد ما انتي تحبي تتصلي بيا. دعاء: بس! مرزوق: لا بس ولا حاجة لو في يوم ضايقتك لأي سبب أنا مش حتصل تاني أو أفرض نفسي عليكي. تمام. دعاء: تمام.

سعد "مرزوق" باستجابة "دعاء" له وبدأ بالحديث معها عن نفسه وعائلته وهي أيضاً تحدثت عن "يوسف" أخيها ووالدتها ووالدها الراحل كبداية تعارف ثم أنهت المكالمة محاولة النوم الذي جافاها. فقد انشغل ذهنها بـ"مرزوق" وحديثه اللبق عن عائلته الثرية ووضعهم المالي الجيد الذي سيتيح له خطبتها بعد انتهاء دراسته هذا العام دون أي مشاكل تعترضه سواء في الإمكانيات المادية أو موافقة والديه. كما أن فرصته للعمل بعد دراسته مضمونة جداً. ***

عاد "يوسف" في المساء إلى المنزل. وبعد تناوله للطعام مع أمه وأخته في صمت من جميع الأطراف استأذن "يوسف" للذهاب إلى غرفته. تطرق لذهنه حديث "شريف" اليوم ليهمس متهكماً. يوسف: قال حب من أول نظرة قال. هو فيه كده غير في الحواديت والأفلام. لاحت "ورد" الناعمة بعينيها الصافيتان كأنه محلق في سمائهما. ابتسامتها الخجولة ورقتها الحالمة وكأنها من الأميرات بالقصص الخيالية.

تساءل بداخله ترى ما سبب تلك الجبيرة التي وضعت بقدمها وهذا الجرح الغائر بوجهها. يوسف: شكلها عملت حادثة ولا حاجة. بس ليه اتطلقت تاني يوم فرحها. ليه؟ نهر نفسه عن تفكيره به قائلاً: (... أنا بفكر في إيه بس. مينفعش أفكر فيها. مش حتناسبني أبداً. لا. مش حارتاح وأنا عارف إني مش أول واحد في حياتها... يعود موبخاً نفسه مرة أخرى: (... هو أنا مالي شاغل نفسي بيها ليه. ده أنا يا دوب شفتها النهارده. أنا معرفش عنها أي حاجة...

نفض "يوسف" "ورد" عن أفكاره، فإنشغاله بها غير صحيح من كل الجوانب. وعليه التركيز في سفره الأسبوع القادم إلى إيطاليا فعمله ومستقبله أهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...