مرت الأيام المتشابهة تباعًا، أيام تمضي بلا عودة، وزمرد ما زالت حبيسة هذا العالم وتلك المدينة، حتى أتى أحد الأيام مختلف الملامح عن أخوته. تم إلغاء جميع الأعمال واجتمع الناس في الشوارع المزينة بالأشرطة الملونة وقد عزفت فيها الموسيقى. لقد كان الجميع يحتفل بعيد ميلاد الملكة سيرا التي أتمت الأربعين من العمر. ترك العاملين في ذلك اليوم بدون عمل وسمح لهم بالتجوال بحرية تامة في أرجاء المدينة بشرط عدم تجاوز سورها الخارجي.
خرجت زمرد مثل باقي زميلاتها في العمل لتتجول في المدينة وتجوب أرجائها، عندما سمعت صوتًا ينادي عليها من خلفها: زمرد: أيلا!! ماذا تفعلين؟ قالت أيلا بصوت متقطع الأنفاس: أيلا: خذيني معكِ. زمرد: تبدين متعبة جدًا.. ماذا حدث معكِ؟ أيلا: أنت سريعة للغاية.. لقد أتعبتني وأنا أحاول اللحاق بكِ. زمرد: أعتذر منكِ.. إنها عادتي السير بسرعة. أيلا: لا بأس.. إذًا إلى أين ستذهبين؟ زمرد: لا يوجد مكان محدد أتوجه إليه.. فقط أتجول.
أيلا: إذًا دعينا نتجول معًا. زمرد: لا بأس بهذا.. هيا بنا. استمرت زمرد وأيلا في التجوال في أرجاء المدينة حتى وصلتا إلى قصر الملكة والذي كان في مركز المدينة. وقد احتشد حوله العديد من الناس. وبعد عدة دقائق خرجت الملكة إلى شرفة القصر، على يمينها رئيس الوزراء وعلى يسارها الوسيم الجسور ليڤون قائد الجيش الأسمنجوني.
أطلت الملكة ترفل في ثوبها الأبيض وقد تزينت بحلي من الزفير الأزرق وزين شعرها الفحمي تاجها الذهبي المرصع بالجواهر الملونة، وفور ظهورها بدأ الناس بالهتاف لتحيتها بحرارة. تقدمت زمرد وسط الزحام الشديد متجهة للصفوف الأمامية، أرادت أن ترى الملكة عن قرب وتستمع إلى ما ستقوله. رفعت الملكة يدها فتوقفت الهتافات تدريجيًا حتى صمت الجميع. نظرت الملكة إلى وجوه شعبها ثم قالت بصوتها الأغن:
الملكة: أريد أن أشكر كل فرد منكم لقدومه خصيصًا للاحتفال بعيد مولدي الأربعين.. وكتقدير مني لجهودكم سأقوم بتقديم الهدايا إلى كل من يعيش داخل مملكتي. فور قول الملكة لكلماتها هذه علا الهتاف والتصفيق والموسيقى وعم الفرح المكان. إنها تحب التفاخر حقًا. سمعت زمرد هذه الكلمات على لسان شاب بصوت يخنقه الضيق، وعندما نظرت إليه صرخت صرخة لفتت الأنظار إليها فوضعت يديها على فمها وظلت تحدق به في ارتباك.
إنه ذلك الشاب الذي رأته في مكتبة السيد بهاء والذي أعطاها الكتاب الغريب. نظر الشاب إليها بتعجب ثم استدار وهم بالرحيل، فحاولت اللحاق به ولكنها لم تستطع هذا بسبب الزحام الشديد الذي محى وجوده من أمام ناظريها. خيم الليل بردائه البهيم، وما زالت أفكار زمرد تتناطح داخل رأسها. هذا الشاب الغريب لابد أنه يعرف شيئًا عن كيفية عودتها إلى بيتها، ولكن كيف يمكنها إيجاده الآن في هذه المدينة العملاقة؟
مر يوم الاحتفال ولم ينم لزمرد جفن، فقد ظلت مستيقظة طوال الليل تفكر في هذا الشاب الغريب الذي التقَت به بالأمس. وظلت الأسئلة تطرح نفسها عن طريق الخروج من هنا.. وما الذي سيحدث في المستقبل؟ وماذا إن لم تتمكن من العودة للبيت؟ والكثير من الأسئلة الأخرى التي ظلت معلقة بدون أي جواب. أنت... ستأتين معي. قالتها السيدة القاسية بصوتها المرتفع.. والتي كانت تدعى باسم جومرا الذي يعني الجَمر. زمرد: أنا..!! إلى أين؟ جومرا: إلى الصائغ.
زمرد: لماذا؟ جومرا: لكي نعطيه ما تم استخراجه من جواهر. زمرد: لم أقصد هذا.. كنت أعني لماذا اخترتني أنا؟ جومرا: لديك الكثير من الأسئلة حقًا، أنا لا أحب هذا النوع من الفتيات.. اتبعيني في صمت. تبعت زمرد السيدة جومرا وقامت بمساعدتها في وضع الصناديق المليئة بالأحجار الكريمة في عربة خشبية بدون سقف يقودها حصان متعب. وصلت السيدة جومرا ومعها زمرد إلى حانوت صائغ الجواهر السيد هيرمان. أخذتا الصناديق ودخلتا إلى الحانوت.
هيرمان: مرحبًا بالسيدة جومرا.. يبدو أن لديك الكثير من الصناديق هذا اليوم. جومرا: أجل، فالعمل يسير على قدم وساق بعد حفل ميلاد الملكة. هيرمان: ما هذا!! أين الفتاة التي كانت تساعدك دائمًا في إحضار الصناديق إلى هنا؟ جومرا: مريضة ولم تتمكن من المجيء اليوم، لذا أحضرت فتاة أخرى لمساعدتي. هيرمان: تبدو ذكية. جومرا: لا أعتقد ذلك. غضبت زمرد بشدة عندما قالت السيدة جومرا ذلك عنها وكانت ترمقها بنظرات حادة.
قطع ذلك الجو صوت فتح الباب تلاه صوت مألوف لشاب يقول: الشاب: مرحبًا سيد هيرمان.. لقد عدت إليك مرة أخرى. هيرمان: عزيزي ليڤون، أهلًا بعودتك.. كيف أساعدك؟ وقف ليڤون في مكان بعيدًا عن زمرد.. وأمسك بسيفه في غمده ووضعه على الطاولة أمام السيد هيرمان ثم قال: ليڤون: إنها الجوهرة مرة أخرى، لقد كسرت عندما كنت أبارز بسيفي. نظرت زمرد إلى الجوهرة وقالت بصوت خافت: زمرد: الجاديت.
هيرمان: هذا صحيح.. إنه الجاديت.. يبدو أنك تعرفين الكثير. لم تجبها زمرد، ولكن فور اقتراب ليڤون منها عدة خطوات ليخاطب السيد هيرمان اتسعت حدقتاها وغُرِّت فاها وظلت تحدق به بنظرات جمعت بين الدهشة والصدمة والتوتر والخوف دون أن تعير من حولها أي اهتمام. هيرمان: أخبرتك مائة مرة أن تأتي بين الحين والآخر لفحص سيفك.. جوهرتك نادرة للغاية فلا تتركها بدون عناية حتى تكسر هكذا. ليڤون: سأحاول في المستقبل.
هيرمان: ها هي ذي جملتك التي حفظتها منك. كان ليڤون يعرف أن زمرد تنظر إليه منذ وقوفه بجانبها، فقد لمحها بطرف عينه، ولكنه كان يتجاهلها حتى قال أخيرًا: ليڤون: المعذرة. ألتفت ونظر إليها ثم أردف قائلًا: ليڤون: هل هناك شيء ما على وجهي؟ كنت تحدقين فيه منذ مدة طويلة. لم تجب زمرد واستمرت بالتحديق به حتى جذبتها السيدة جومرا من ذراعها بقوة، فعاد لزمرد وعيها بعد تلك الجذبة، ثم وجهت السيدة جومرا كلامها إلى ليڤون قائلة في ارتباك:
جومرا: أرجو المعذرة منك يا سيدي القائد.. تلك الفتاة مستجدة هنا ولا تعرف كيف تظهر الاحترام إلى من هم أعلى مرتبة. نظر ليڤون إلى السيدة جومرا ثم أعاد نظره إلى زمرد الواقفة في ذهول وابتسم فكشف اللثام عن أنيابه الحادة وأسنانه اللؤلؤية البيضاء ثم قال: ليڤون: لا بأس.. تبدو الفتاة مرتبكة بالفعل. أحمر وجه زمرد خجلًا من ابتسامة ليڤون الجميلة فوجهت نظرها إلى الأرض ولم تعاود النظر إليه ثانيةً.
خرجت السيدة جومرا ومعها زمرد من حانوت الصائغ.. ثم نهرت جومرا زمرد قائلة: جومرا: يا لك من فتاة وقحة، لقد قمتِ بإحراجي بشدة أمام القائد الأعلى ليڤون، ليتني لم أصحبك معي إلى هنا.. توقعي أن عقابك سيكون شديدًا. ***** قال ليڤون إلى الجندي الواقف على يمينه فور خروج زمرد من الحانوت: ليڤون: إنها تلك الفتاة ثانيةً.. هل تذكرها؟ الجندي: وهل التقينا بها من قبل؟
ليڤون: أجل.. عندما ذهبنا لنرحب بالعمال الجدد من المدن المجاورة.. كانت واقفة وحدها في نهاية الجمع وعلى وجهها نظرة حزينة. الجندي: وما زلت تتذكرها!؟ ليڤون: أجل، تلك الفتاة تمتلك ملامح مختلفة عنا.. كما أن لون بشرتها ليس طبيعيًا.. ولون عيونها جميل للغاية، لقد لفتت انتباهي، لكن هذه أول مرة أراها عن قرب.. لا أعرف سبب تحديقها بي اليوم ولكن..... ابتسم ثم أردف: ليڤون: ولكنها فتاة لطيفة حقًا.
الجندي: ماذا تقصد بهذا يا سيدي القائد!؟ ليڤون: لا تشغل بالك.. إذًا يا سيد هيرمان، كم سيستغرق إصلاح جوهرتي؟ هيرمان: لن يستغرق الكثير من الوقت.. لا تقلق. ***** كانت العربة الفارغة تهتز من سيرها على الطريق المتعرج وزمرد جالسة بجانب السيدة جومرا وعقلها ما زال داخل الحانوت تفكر في ليڤون.. ثم بدأت تتمتم بصوت غير مسموع وتسأل نفسها: ما سبب تلك الرائحة العطرة التي كانت تنبعث منه؟
إنها نفس الرائحة التي كانت تنبعث من الصفحات الأخيرة من الكتاب الغريب الذي كنت أقرأه قبل مجيئي إلى هنا.. ولكن لماذا؟ ظل السؤال معلقًا بلا جواب وزمرد تكاد تجن مما يحدث من حولها: أولاً الكتاب الغريب، ثم هذا المكان العجيب الذي حبست فيه، ثم الشاب المريب الذي رأته هنا ثانيةً، والآن القائد ليڤون.. حتى هو أيضًا قد ظهر في الصورة.. كلها أسئلة بدون جواب.
في هذا اليوم باتت زمرد ليلتها بدون عشاء.. فقد كانت السيدة جومرا تعاقبها على إحراجها إياها أمام ليڤون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!