الفصل 4 | من 15 فصل

رواية اسمنجون الفصل الرابع 4 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
22
كلمة
1,683
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

تسللت إحدى الرشيقات من أشعة الشمس من خلال النافذة وداعبت عيني زمرد النائمة فأيقظتها. فتحت الفتاة عينيها لتجد نفسها في سريرها الدافئ داخل غرفتها الهادئة وصوت طهي والدتها للطعام صادر من المطبخ. زمرد: يا إلهي.. حلم؟ لقد كان بشعاً جداً. هرولت الفتاة في حبور لتفتح باب غرفتها، وفور أن فتحته تحول المكان حولها إلى ظلام حالك قطعه ركلة شديدة في كتفها وصوت جهوري يحدثها: "إلى متى ستظلين نائمة؟

فتحت زمرد عينيها وجالت بنظرها في المكان، فهربت من عينيها دمعة عندما أدركت ما هو الواقع وما هو الحلم، عندما أدركت أنها لا تستطيع أن ترتمي في أحن صدر في العالم كما تمنت. تابع الجندي الغليظ قائلاً: "هيا.. فلينهض الجميع.. عليكم بدأ العمل من اليوم.. تحركوا بسرعة." ثم نظر إلى زمرد وقال: "وأنتِ عليك أن تبدلي ثيابك الغريبة تلك."

لم تجبه زمرد ولم تتحرك قيد أنملة من مكانها، فقد كان قلبها منكسراً وطرفها حائراً. فقام الجندي بجذبها من السلاسل في يدها وقام بجرها جراً خلفه حتى خرجت من الزنزانة، وقامت سيدة أربعينية بأخذها لتغير ثيابها.

قامت زمرد بتغيير ملابسها بملابس أهل المدينة التي كانت شيئاً كعباءة طويلة ذات أكمام واسعة وعليها شيء كملاءة، تقوم بلفها حول جزعها وتمررها من تحت أحد ذراعيها، رافعة إياها لتمر من فوق كتف ذراعها الأخرى. ولكن زمرد لم تكن تريد أن ترتدي مثل تلك الملابس فهي تكشف شعرها. ترددت كثيراً حتى رأت بعض النساء يرفعن الملاءة على رؤوسهن بدلاً من وضعها على كتفهن، ففعلت مثلهن وغطت شعرها.

انضمت زمرد إلى الجمع الكبير الذي احتشد في الساحة أمام مبنى الزنازين، وقد وقف أمامهم جندي ضليع وسيم ممشوق القوام مفتول العضلات، كان يرتدي عباءة ناصعة البياض إلى ركبته وملاءة بلون أسمنجوني، وعلى خصره علق سيفه المرصع بالجواهر. ووقف على يمينه ويساره جنديان يرتديان نفس الثياب بألوان معكوسة، الأسمنجوني للعباءة والأبيض للملاءة، وعلى ظهرهما أقواس وسهام. قال الجندي بصوته الجهوري: "أدعى ليڤون (بمعنى الأسد)

وأنا قائد الجيش الأسمنجوني الذي يدافع عن أمن المملكة أسمنجون داخلياً وخارجياً.. وجئت اليوم لأرحب بكم بالنيابة عن الملكة (سيرا) .. أخبركم أنكم من اليوم قد أصبحتم جزءاً من أسمنجون.. ستظلون هنا حتى ينتهي دين بلادكم، بعدها يمكنكم العودة إلى أهلكم مرة أخرى، أما قبل هذا فلا يمكنكم عبور سور المدينة أبداً. وفي تلك المدة التي ستبقون فيها هنا سيتكفل المسؤولون عنكم بكل احتياجاتكم وسيقومون بمعاملتكم بشكل حسن."

قلّب ليڤون عينيه العسليتين بين الوجوه المتجهمة، ثم أشار إلى بعض الرجال الواقفين خلفه والتي كانت جميع ثيابهم رمادية، ثم أردف قائلاً: "هؤلاء الرجال هم من سيتولون أمركم في المدة التي ستبقون فيها هنا.. ستقسمون إلى مجموعات متفرقة.. كل مجموعة في عمل مختلف يشرف عليها أحد الرجال." صمت هنيهة ثم أردف: "وأتمنى لكم الحظ الجيد في أسمنجون." نظر ليڤون إلى الجنديين خلفه، ثم انطلق ثلاثتهم مبتعدين، تاركين الجمع بين أيدي هؤلاء الرجال.

قام الرجال بتقسيم الناس إلى مجموعات متعددة، كل مجموعة صحبها واحد منهم وبدأوا يتفرقون وينتشرون في أرجاء المدينة. وكان ممن صحب زمرد ومن معها رجل طويل القامة عريض المنكبين أصلع الرأس، أسمرت بشرته بسبب عمله في الشمس طويلاً وظهر على ملامحه علامات القسوة والبأس. قام باصطحابهم إلى عربة كبيرة قاموا بالصعود إليها.

تحركت العربة وسارت لمسافة كبيرة جداً طوال النهار حتى وصلت إلى الجبال العملاقة التي اختلفت ألوان حجارتها من الأبيض إلى الأسود مروراً بالأحمر والذهبي. توقفت العربة أمام مبنى كبير للغاية وطلب الرجل من الجميع أن يترجلوا من العربة، ففعلوا ثم اصطفوا ليقف الرجل أمامهم ويقول بصوته الجهوري: "هنا ستعيشون.. هذا مسكن الرجال، أما النساء فلهن مبنى منفصل خلف هذا المبنى.. ستحصلون هنا على وجبتين يومياً ومكان للنوم."

ثم أشار إلى الجبال التي بعدت عنهم بمسافة ليست كبيرة وأردف: "وهناك ستعملون.. نحن نستخرج الأحجار الكريمة من جبال أسمنجون العظيمة وستقومون بالمساعدة في هذا.. الرجال ستساعد في تحطيم الصخور واستخراج الجواهر.. أما النساء ستساعدن في تنظيفها وإعدادها للبيع في المصنع بجانب الجبال.. وليس لديكم مجال للتكاسل وإلا ستعاقبون.. هل كلامي واضح؟

قام الرجل باصطحاب الرجال إلى الجبال، بينما صحبت النساء امرأة طويلة القامة قاسية الملامح قوية بشكل لا يلائم امرأة. توجهوا جميعاً إلى بناء كبير بني من طوب نحاسي اللون وقد بدا على ملامحه علامات القدم. دلفوا إلى المبنى وولجوا إلى إحدى الغرفات الكبيرة.

جالت زمرد بعينيها في المكان، كان هناك العديد من الطاولات الخشبية الكبيرة وأمام كل طاولة العديد من الصناديق المعدنية بداخلها العديد من الأحجار الكريمة المختلفة، وتجلس على كل طاولة امرأة أو اثنتين تقوم بتنظيف المجوهرات من بقايا الصخور والرمال وفرزها. كل نوع في صندوق منفرد. جلست زمرد هي الأخرى على إحدى الطاولات وبدأت تعمل كباقي النساء، عندما قاطعها صوت رقيق لفتاة تقول لها: "ها نحن نلتقي ثانيةً.. يا ذات العيون الجميلة."

رفعت زمرد عينيها فوجدت فتاة ذات شعر طويل شديد السواد وعيون بنية داكنة (كانت تلمع تحت أشعة الشمس) التي انعكست على وجهها الصغير الوردي. قالت الفتاة مرة أخرى وهي تطالع زمرد بنظراتها المتفحصة: "تبدين أجمل مما تصورت.. لم أتمكن من رؤيتك جيداً في الظلام ولكن بعد رؤيتك في النور هكذا تبدين فاتنة للغاية." زمرد: "أنا أتذكر صوتك.. هل يمكن أنك تلك الفتاة من الأمس؟ الفتاة: "هذا صحيح، كنت معك في تلك الزنزانة." صمتت

الفتاة هنيهة ثم أردفت: "اسمي أيلا.. سررت بلقائك ثانيةً أيتها الجميلة." ارتسمت على شفتي زمرد ابتسامة رقيقة ثم قالت: "غزال." أطلقت أيلا ضحكة خافتة وقالت: "هذا صحيح، اسمي يعني غزال." زمرد: "وأنا زمرد، وهو نوع من الأحجار الكريمة الخضراء." أيلا: "لا عجب أن عيونك بهذا الجمال يا زمردة." ابتسمت زمرد ابتسامة واسعة، فقد أعجبها نداء أيلا لها بـ "زمردة". شعرت بشيء من الدفء فيه بعد كل المتاعب التي تعرضت لها بالأمس.

قطع حديث الفتاتين صوت محشرج لامرأة قاسية والتي كانت تشرف على عمل الإناث داخل المصنع: "كفى عبثاً وتابعا العمل وإلا سيتم معاقبتكما." نظرت الفتاتان لبعضهما وابتسمتا، ثم عادت كل واحدة لعملها مرة أخرى.

وبعد حلول المساء والانتهاء من العمل، توجه الجميع إلى المباني التي سيباتون ليلتهم فيها. اتجهوا جميعاً إلى مطعم المبنى حيث سيحصلون على عشائهم هناك، وكان ذلك أول طعام يدخل معدة زمرد منذ وصولها إلى هذا العالم الغريب، ولكنه لم يكن طعاماً يمكن لآدمي تناوله. قطعة خبز صلبة مع صحن من حساء الخضروات وكوب من الحليب موضوعين في صحون وأكواب قذرة.

تناولت زمرد بعضاً من الخبز فقط ولم تستطع تناول شيء آخر، فقد اشمئزت نفسها من مظهر الطعام السيئ. نهضت زمرد متجهة إلى غرفتها في المبنى المكون من عدة طوابق، وكان في كل طابق الكثير من الغرف المرقمة يميناً ويساراً. دخلت إلى غرفتها في الطابق الثالث، عندها فوجئت بأيلا جالسة على أحد الأسرة الكثيرة المتراصة بجانب بعضها البعض، لا يفصل بين كل سرير والآخر سوى دولاب خشبي قصير به ثلاثة أدراج وستارة. نظرت زمرد إليها بإندهاش وقالت:

"أيلا!! .. هل ستمكثين في هذه الغرفة أنتِ أيضاً؟ أيلا: "أجل." ابتسمت أيلا ثم أردفت: "يبدو أنه مقدر لنا البقاء معاً في تلك المدينة." زمرد: "معكِ حق." مر يوم كان شاقاً على زمرد، فهي لم تعتد على عمل مثل هذا من قبل وأصيبت أطراف أصابعها ببعض الخدوش من الصخور أيضاً، ولكن حصولها على صديقة جديدة خفف عنها بعض الألم والوحدة التي شعرت بها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...