تمكن كينا أخيراً من الوصول إلى ليڤون، الذي انحنى قليلاً ليستمع إلى ما يريد كينا قوله. فهمس إليه كينا في أذنه بما حدث، ثم أعطاه الرسالة التي تركتها زمرد له. فترك ليڤون الملكة سيرا جالسة على كرسيها، وذهب راكضاً متجهاً إلى بيته. كينا: ليڤ... نهضت الملكة من مكانها والتفتت إلى كينا وقالت غاضبة من تصرف ليڤون: ما الذي يحدث هنا؟
قام كينا بشرح الأمر للملكة وترجاها ألا تغضب من ليڤون وألا تسوء فهمه. وقد كانت متفهمة لموقفه للغاية. وصل ليڤون إلى منزله ودلف إلى غرفته باندفاع، فلم يجد فيها سوى أيلا التي كانت جالسة على الأرض واضعة رأسها على ركبتيها وتبكي بحرقة. فجثا ليڤون بإحدى قدميه على الأرض ونظر إلى أيلا التي كانت تقول بكلمات غير واضحة بسبب البكاء: سيدي.. لماذا تأخرت هكذا؟ ليڤون: أين هي؟ أيلا: لقد ذهبت مع برسينكان.
ليڤون يعرف المكان الذي اتجهت إليه زمرد، فقد كانت أخبرته بكل شيء سابقاً. خرج من منزله راكضاً متجهاً إلى التمثال المجنح. *** زمرد: حان موعد الوداع. برسين: أتمنى لك العودة سالمة. بصوت متعب وأنفاس متقطعة: إلى أين... تظنين نفسك ذاهبة... بتلك... الطريقة؟ التفتت زمرد فوجدت ليڤون يقف خلفها، تتلاحق أنفاسه وقطرات العرق تتلألأ على جبينه. ألتقط ليڤون قطرات العرق بأنامله ومسح ذقنه بظهر يده اليمنى، ثم أخذ نفساً عميقاً وقال
وهو ينظر إلى وجه زمرد: وبدون وداع حتى! ثم أخرج الرسالة التي أرسلتها زمرد له وقال: وما هذا؟ رسالة!؟ .. أهذا كل شيء؟ انفرط عقد من الدموع من عيني زمرد الجميلة، فدفنت نظراتها في الأرض لتخفي دموعها. وقبضت على ثيابها بيديها الرقيقتين وعضت على شفتيها الشاحبتين وهي تحاول التحكم في أنفاسها ودقات قلبها المتسارعة. تقدم ليڤون قليلاً ووقف أمام زمرد قريباً منها. فمسحت زمرد دموعها بهدوء وأخذت نفساً عميقاً، ثم رفعت عينيها
ونظرت إلى ليڤون وقالت: إنها تحمل كل المعاني التي أريد إيصالها.. ألا يكفي هذا؟ أستمر ليڤون بالنظر إلى عيني زمرد فأربكها هذا. وحاولت أن تقطع خيط هذا الصمت المحرج وقالت: على كلٍ.. مادمت هنا بالفعل فأريد أن أشكرك حقاً على مساعدتك لي أيها الفارس. لقد أتعبت نفسك كثيراً لكي أتمكن من إتمام مهمتي.. شكراً كثيراً لك يا سيد... ل... ليڤون.
نظر ليڤون إلى زمرد نظرات كان يعلم أنها الأخيرة، وهي تنظر إليه بنظرات امتنان وشكر. ثم ارتسمت على شفتيها الأرجوانيتين ابتسامة رقيقة دافئة. قال ليڤون بحزن: هل تسمحين لي بشيء أخير؟ زمرد: تفضل. أقترب ليڤون منها وقام باحتضانها بقوة مما جعلها تذهل. ظلت في أحضانه لعدة ثوانٍ وهي مترددة في مبادلته هذا العناق.
رفعت يديها بتردد وقبل أن تلمس أناملها الرقيقة ظهره، تم إلقاء الأمر بتنفيذ الإعدام. وفور أن ضرب الفارس بسيفه على عنق الوزير، ظهرت الدوامة السوداء مجدداً خلف زمرد وقامت بابتلاعها في غمضة عين من بين أحضان ليڤون الذي أغمض عينيه بقوة وألم وهو يعلم أنه لن يراها مرة أخرى. وهمس بدموع وقلب محطم: كوني بخير يا مولاتي.. أحبك. ***
عادت زمرد إلى عالمها. فتحت عينيها فوجدت نفسها مستلقية في سريرها داخل غرفتها الهادئة. كان النهوض شاقاً جداً عليها، ولكنها نهضت في النهاية وتوجهت نحو نافذة غرفتها وقامت بفتحها لتعانق نسمات الهواء الدافئة بوجهها. وتتحدث إلى أشعة الشمس التي تلألأت في الفضاء بعينيها.
ثم توجهت إلى المرآة ونظرت إلى وجهها بعد مدة طويلة، فوجدت نفسها في حالة مزرية للغاية. بعدها ركضت في وجل لترى والدتها عندما سمعت صوت حركتها خارجاً. وفور أن رأتها، ركضت تجاهها وقامت بمعانقتها بقوة وهي تبكي على كتفها وتقول: أمي.. أمي.. حبيبتي لقد اشتقت إليكِ كثيراً. أعرف أنك اشتقت إليّ أيضاً.. آسفة على إقلاقك. بعد لحظة من الصمت، أبعدت السيدة هديل زمرد عنها وهي تقول بتعجب: لماذا سأشتاق إليك بين ليلة وضحاها؟
ألستِ أنتِ من قمت بحبس نفسك في غرفتك منذ الأمس؟ فلماذا أنت مشتاقة لي الآن؟ زمرد: ماذا أمس!! نظرت زمرد إلى التاريخ والوقت، فوجدتهما يشيران إلى صباح اليوم التالي من ذهابها إلى مكتبة بهاء. فأدركت أن الوقت في مملكة أسمنجون كان يمر بشكل مختلف عن عالمها، فبعض الشهور هناك ما هي إلا عدة ساعات هنا. هديل: ما كل هذا الغبار على وجهك؟ وما هذه الثياب التي ترتدينها؟ ما الذي كنت تقومين به الليلة الماضية؟
نظرت زمرد إلى ثيابها الغبراء وجلست على الأرض تتذكر كل ما مرت به من أحداث. ثم أمسكت بالقماش الذي أعطاها إياه ليڤون لتغطي به شعرها وأجهشت بالبكاء. فزعت السيدة هديل جداً من تصرف زمرد هذا وجلست بجانبها على الأرض وأخذت تربت على ظهرها وتمسح على شعرها. ثم أمسكت بوجهها بين يديها الدافئتين وسألتها عن سبب بكائها بتلك الطريقة، ولكن زمرد لم تتمكن من الرد بسبب بكائها وتلاحق أنفاسها.
ظلت زمرد تبكي لوقت طويل بعد أن أدركت أنها لن ترى ليڤون مرة أخرى أبداً. لن تتمكن من لقائه بعد أن تعلقت به هكذا. بعد الكثير من البكاء، نهضت زمرد وأخذت حماماً دافئاً وبدلت ثياب أسمنجون أخيراً، ثم ولجت إلى غرفتها ولكنها لم تغلق باب الغرفة كعادتها. فقد كانت خائفة بعض الشيء وتقوقعت على سريرها تحت الغطاء وغطت في النوم.
وبعد القليل من الساعات الهادئة، استيقظت زمرد من نومها. نهضت وتوضأت وصَلت العصر، ثم ذهبت تساعد والدتها في المنزل وعاشت حياتها الهادئة العادية كما كانت قبل رحلتها الخيالية. ***
بعد عدة شهور، ذهبت زمرد مرة أخرى إلى مكتبة العجوز بهاء بعد مدة طويلة. دخلت إلى الحانوت فوجدت بهاء جالساً على كرسيه كعادته. رجل في السبعينيات، نحيل للغاية، متوسط القامة، ذا بشرة داكنة، ملامحه السمحة التي زينتها تلك التجاعيد بما تحمله من الكثير من الذكريات.
كان العجوز جالساً على مكتبه المتواضع بجانب باب الحانوت يحمل بين يديه كتاباً عتيقاً يقرأ صفحاته باهتمام وينظر إلى كلماته بعينيه اللامعتين اللتين تضبان بالحياة رغم كبر سنهما. عينا ولهان.. وكأنه عاشق ينظر إلى محبوبته. كانت بعض شعيعات الشمس القرمزية تتخلل المكان الذي يعانقه هدوء ساعات العصر. لوحة فنية لا يمكن وصفها. لطالما أحبت زمرد النظر إليها.
طرقت زمرد طرقات خافتة على مكتب العجوز بهاء وألقت عليه السلام بصوتها الشجن. فتوقف العجوز بهاء عن القراءة ونظر إليها من فوق عويناتيه المعدنية. ورد عليها السلام. ثم قال بصوته الرخيم الذي يضفي هدوءاً على النفس: مرحباً بك يا ابنتي.. لقد مرت مدة طويلة للغاية منذ أن أتيتِ آخر مرة. زمرد: لقد كنت مشغولة لبعض الوقت يا سيدي.. كيف كان حالك؟ بهاء: الحمد لله في نعمة. اعتادت زمرد أن تنادي السيد بهاء بسيدي -تبجيلاً
-لأنها تحترمه جداً. دلفت زمرد إلى المكتبة بتؤدة، ثم رفعت يدها ووضعتها على رف الكتب بجانبها ومررت أناملها الرقيقة على الكتب وهي تسير بخطوات هادئة. ثم توقفت أمام أحد الكتب الذي لفت انتباهها. أمسكت الكتاب ومسحت بيدها على غلافه بهدوء وتمعنت في عنوانه «زرقة السماء». هربت دمعة من عين زمرد وقالت بصوت يحمل الكثير من الاشتياق وهي تبتسم بحزن: أسْمَنْجُون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!