الفصل 3 | من 15 فصل

رواية اسمنجون الفصل الثالث 3 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
20
كلمة
1,675
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

قال شيخ كبير من الجالسين داخل العربة مع زمرد بصوته المجهد المتعب: إنها مدينة الأحجار الكريمة أسْمَنْجُون العظيمة. فأجابته زمرد بسؤال: وما هي أسمنجون هذه؟ الشيخ: ألا تعرفين أسمنجون يا ابنتي؟ زمرد: بلا.. لم أسمع بها من قبل. الشيخ: إنها أعظم البلاد في هذا العصر، كيف لم تسمعي عنها من قبل؟

إنها أغنى البلاد على الإطلاق، تتاجر في الذهب والمجوهرات.. وتشتهر بأحجارها الكريمة التي لا مثيل لها في العالم.. وهي من أقوى البلاد عسكريا.. جميع المدن تهابها. زمرد: لحظة واحدة.. كيف تكون كما قلت ولم يسمع بها أحد؟ .. لم أقرأ شيئا عنها من قبل. الشيخ: ربما لم تسمعي أنت بها.. ولكن جميع من يعيش في الإمبراطورية الآشورية قد سمع بها بالفعل. فور أن سمعت زمرد كلمة المملكة الآشورية غرت فاها وأتسعت عيناها وقالت

والرعشة تسري في ظهرها: (إمبراطورية آشورية) تلك؟ هل تقصد أننا في القرن التاسع قبل الميلاد؟ ما الذي جاء بي إلى هنا؟ الشيخ: أي ميلاد؟

كانت زمرد لا تصدق أنها تقف على أرض الإمبراطورية الآشورية التي قرأت كثيرا عنها وعن تاريخها القديم العريق منذ مئات السنين.. تلك الإمبراطورية التي نشأت في ما بين النهرين.. وأستمرت منذ سنة 934 ق.م وحتى سنة 609 ق.م.. نافست تلك المملكة كلا من بابل وعيلام ومصر على زعامة العالم القديم.. وأصبحت بمجئ تغلاث فلاسر الثالث أقوى إمبراطورية في العالم القديم بعد أن تمكنت من الانتصار على هذه الممالك.

وفي خضم هذا التخبط الذي وقع فيه عقل زمرد وصلت العربة إلى بوابة المدينة، كانت بوابة ضخمة داخل سور عملاق يصل ارتفاعه إلى مائة متر وسمكه ما يقرب من العشرين متر وكانت مساحته حوالي خمسة آلاف كيلومتر مربع تقريبا.. يحيط بمدينة أشبه بمملكة كاملة بداخله من ثلاثة جوانب. أما الجانب الرابع فقد أحاط به سلسلة من الجبال العملاقة التي لا يمكنك رؤية قممها.. وكان للسور أربعون برج مراقبة وتسع بوابات ولكل بوابة بابين حديديين أحدهما عند بداية السور من الخارج.. والآخر عند نهايته من الداخل. ويقف في تلك المسافة بين البابين ما يقارب العشرة حراس بدروعهم وسيوفهم المصقولة.. وهناك شعل نارية مثبتة على الجدران فوق الحراس لتضيء المكان.

أخرج الرجل السمين ورقة صفراء وأعطاها لأحد الحراس عند الباب الخارجي.. فسمح له بالمرور متجهًا إلى المدينة داخل السور.

وفور عبور العربة الخشبية سور المدينة المظلم نسبيًا وظهور أشعة الشمس من جديد بدأت معالم الحياة تظهر. أناس تتحرك هنا وهناك.. وأطفال تلعب.. وحراس تهرول.. خيول وثيران تجر خلفها عربات خشبية.. بدا المكان حيويًا للغاية.. وكانت المنازل الصغيرة والكبيرة متراصة بجانب بعضها البعض في نظام وهندسية دقيقة للغاية.. كما زينت أسقف تلك المنازل بالأحجار الكريمة الزرقاء المختلفة في الحجم. وكانت النوافير العملاقة بيضاء الهيكل والتي كانت مرصعة بالجواهر الزرقاء هي الأخرى توضع في أرجاء المكان بنظام.. كأن التناسق والجمال في تلك المدينة جعلها جزءًا لا ينتمي للأرض.

سارت العربة التي كانت تحمل زمرد والآخرين بمحاذاة السور لبعض الوقت حتى وصلت إلى مبنى كبير حجري كئيب فتوقفت عنده. ثم خرج بعض الجنود من داخل المبنى وبدأوا بإخراج الناس من العربة وإدخالهم إلى هذا البناء.

سار الجميع معًا في مكان واسع كان على جانبيه طاولات خشبية يجلس عليها عدد من الجنود وفي آخره باب خشبي في جدار.. وكان خلف الباب نفق طويل يصل إلى آخر البناء على جانبيه العديد من الزنزانات المتراصة لا يفصل الزنزانة عن أختها إلا قضبان حديدية كالتي أغلقت بها كل زنزانة منها.. كان المكان كريه الرائحة ومظلم للغاية إلا شيئًا من أشعة الشمس التي عبرت من تلك النوافذ الصغيرة أعلى الجدران العالية.

قام الجنود بإدخال الرجال في زنزانات منفصلة عن النساء والأطفال ومنهم زمرد المسكينة التي لا تدري ماذا يحدث من حولها.. حتى أنها حاولت أكثر من مرة أن تتحدث مع الجنود ولكن لم يستجب أحد لها. بل قام أحدهم بدفعها بقسوة فسقطت بسببها على الأرض وخدش باطن كفيها حتى خرج بعض الدم من جلدها.

أغلق الجنود أبواب الزنزانات ثم خرجوا من تلك الردهة الكبيرة إلى الخارج وأغلقوا الباب الخشبي بإحكام تاركين مئات الأسرى خلفهم في زنزانات مخيفة موحشة. جلست زمرد مكانها مسندة ظهرها إلى الجدار خلفها.. وضمت ساقيها إلى صدرها وأحاطتهما بذراعيها واضعة رأسها على ركبتيها وأغلقت عينيها الزمرديتان وغاصت في بنات أفكارها تحاول جمع شتات نفسها والوصول إلى حل لما يحدث معها حتى ملت من التفكير بدون الوصول لشيء.

بعد توقف زمرد عن التفكير انتبهت إلى صوت رقيق لبكاء فتاة جلست معها في نفس الزنزانة. فاقتربت منها وأخذت تربت على ظهرها ثم سألتها عن سبب بكاءها فأجابت الفتاة بصوت أرهقه البكاء: لقد انتهى أمرنا وسنظل عبيدًا للأبد. زمرد: ماذا تقصدين بأننا أصبحنا عبيدًا؟ الفتاة: ما هذا!! ... هل أتيتِ إلى هنا وأنتِ لا تعرفين ماذا سيفعلون بكِ؟ زمرد: أجل.. هل يمكنكِ إخباري بما يحدث رجاءً؟ الفتاة: نحن رهائن الديون. زمرد: رهائن؟! الفتاة:

أجل رهائن. قامت الفتاة بمسح دموعها ثم أردفت قائلة:

إن أسمنجون مدينة فاحشة الثراء تقوم بإعارة المال للمدن الأخرى المحتاجة.. وعلى تلك المدن إعادة المال لها على سنوات تحدد بين البلدين. ولكن في حال لم تستطع المدينة إعادة المال في الوقت المحدد يأتي فقراء المدينة إلى أسمنجون كمتطوعين لخدمتها مقابل هذا الدين.. أو هذا ما يتداول في العلن. أما الحقيقة هي أن المدن الدائنة تجبر فقراءها وترغمهم على الذهاب إلى أسمنجون كرهائن ولم يعد إلى الآن أي شخص من هؤلاء الفقراء إلى داره مرة أخرى.

زمرد: قد يكون هؤلاء الناس قد أحبوا البقاء هنا بدلًا من العودة.. فقد سمعت أن أسمنجون من أعظم البلاد. الفتاة: هذا مستحيل.. فلم يسمع أحد أي خبر من قريب له جاء إلى أسمنجون.. كما أن هذه السلاسل حول أيدينا هي أكبر دليل على أنهم سيقومون باستعبادنا. صمتت الفتاة هنيهة ثم أردفت والدموع تسيل على وجنتيها ثانيةً: لقد تخلت مدننا عنا ولا أمل لنا بحياة كريمة بعد الآن. زمرد:

حتى لو تخلى العالم كله عنا.. فإن الله معنا.. لن يترك أبدًا داعٍ محتاج في كربة بدون عون.. فهو القويّ الرحيم.. فلا تخافي. الفتاة: لم أفهم. ابتسمت زمرد وربتت على ظهر الفتاة تطمئنها ثم قالت: لا بأس عليكِ.. سنكون بخير.

عم الصمت المكان وعادت زمرد إلى تقوقعها.. ومر الوقت وهي لا تفكر إلا في المحادثة السابقة.. لا تتوقف عن تخيل ما سيحدث لها في المستقبل داخل تلك المدينة العجيبة.. حتى خارت قواها واستلقت على الأرض.. لم يعد بوسعها الصمود أكثر فجسدها يؤلمها إثر الرضوض التي أصيبت بها داخل الدوامة السوداء وجروح كفيها تؤلمها وتلك السلاسل حول معصميها وساقيها التي أهلكت جلدهما.. كما أنها لم تأكل شيئًا طوال اليوم وتشعر بالعطش الشديد جراء تلك الرحلة الشاقة تحت الشمس الحارقة.

حل الليل وأصبحت الزنازين أكثر زمهريرا.. كانت زمرد ترتجف من شدة البرد فلم تكن معتادة على صقيع كهذا طوال حياتها.. كما أن الأرض التي كانت مستلقية عليها شديدة البرودة هي الأخرى. حاولت الصمود ولكن الوهن تمكن منها فخرت مغشي عليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...