تحميل رواية «آصرة العزايزه الجزء الثاني» PDF
بقلم نهال مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الآصرة الأولى ♣️ أَحِنُّ إلى لَيْلَى وإنْ شَطَّتِ النَّوَى بليلى كما حن اليراع المنشب يقولون ليلى عذبتك بحبّها ألا حبذا ذاك الحبيب المعذّب. قد يُفاجئك لحن قديم فيفتح شهيتك على مذاق الحُب الذي تعمدت أن تتجاهله آمدًا طويلًا ، جر " هارون " عباءته الصعيدية وهو يقترب رويدًا رويدًا من أخيه الجالس بالأرض تحت ظل شجرة البرتقال ممسكًا عودهُ ويعزف عليه قصائد " قيس بن الملوح " التي يحبها كثيرًا .. خطوات متمهلة على لحن الكلمات ودقات العود المتناسقة وصلت أقدام أخيه لعنده وبدون إحداث صوت يقاطعه جلس منسجمًا متخ...
رواية آصرة العزايزه الفصل الأول 1 - بقلم نهال مصطفى
رواية اصرة العزايزة الجزء الثاني2
الفصل الاول1
بقلم نهال مصطفي
"أتظن أن الحب لوحده كافيًا ؟!✨"
أصـدق ما كتب قيس بن الملوح في وصف حالة قلبـه :
”أَتاني هَواها قَبلَ أَن أَعرِفِ الهَوى فَصادَفَ قَلباً خالِياً فَتَمَكَّنا”
ج٢
•••••••••••
ماذا ولو كان لدينـا صفـة الحذف !! ..
حذف الماضي وأشخاصـه ، حذف الذكريات المزيفـة التي صنعها الكاذبون ، حذف الأصوات المميزة وضحكاتها التي سكنتنا على سهـوة ، حذف الرسائل التي لا يجرؤ القلب أن يدق بابها ولا يجرؤ حذفها بعد ..
حذف بعض السنوات التي فارقنا فيهـا من لم نتمنى فراقه أبدًا .. حذف الخوف من قلوبنا واستبداله بـ زر الشجاعـة .. الشجاعة التي لابد منها كي نكسر قاعدة المستحيـل واللا ممكن !! الشجاعة التي تؤمن بأن أقسى مصير ممكن أن يواجه المرء هو الموت النهاية الحتمية لكل شيء خُلق ، فـ لِمَ الخوف إذًا !!
~"بيـت خليفـة العزايزي .."
توارت رغد بقرب أحدى أشجار -البُرتقال- وبجوارها حقيبة سفرها الفضيـة ، قفلت زر معطفها الشتوي وهي تتفحص تفاصيل المكان الذي أدهشها من بداية دخولها نجعهم -نجع العزايزة- .. تنهدت بخوف يحمل الرعب من عاقبة تصرفها الطائش الذي لا تعلمه أمها حتى الآن .. فمنذ أن علمت من " ليلة" المنهارة بخبـر زواج "هاشم " جَن جنونها واشتعلت الغيرة في صدرها .. وتوقـد الحُب والكره بقلبها فـ آنٍ واحد .
على الجهـة الأخرى؛ وجه جابر تساؤله لهيثم الذي أنهى مكالمته عائدًا للبيت ليحضر كتب كتاب أخيه وهو يبحث عن مكان الحج خليفة :
-يا سي هيثم فين الحچ خليفة..لحق يخُش چوة ؟!
وضع الهاتف بجيبه بعد ما تابع أخبار ليلة التي اطمئن بذهاب أخيه لعندها وتفاصيل حلقتها التي باتت حديث المواقع :
-آكيد خش يشهد على كتب كتاب هاشم .. سيبني أروح ألحقهم يكش يجوزوني الليلة دي ويرتاحوا مني .. بدل الهم المتعبـي اللي شايلينـوه دهوت .
أوقفه جابر معارضًا ذهابه :
-استنى بس عقولك ، فـ واحدة هناك عاوزة الحچ خليفة أو هاشم بيـه ، أقولها أيه ؟
حانت منه نظرة حول البدوية الحسناء التي تتوارى بجوار الشجرة فأطلق صفيرًا معجبـًا ومسح على صدره غارقًا بسحرها :
-هي شجرة البرتُقان بقيت توقع توقع مانجا ليه !! يا وعدي يا جابر ، عروستي عتناديني وقلبي استجاب .. شوفت شوفت الفال لسه قايـلك أيه أنا !! شكلها لعبت والزهر لعِب !
عارض جابر طريقه وهو يمسك ذراعه مُقرًا :
-بس دي عتسأل على هاشم بيـه .. مش عتسأل عليـك .
سحب هيثم ذراعه وعيناه مقتنصة غنيمته :
-هاشم عيتچوز ، مش فاضي ، لكن أنا فاضي .
ثم قطع الخطاوي بعجـلٍ نحوها فلاحظت رغد اقتربه وعرفته من صوره مع هاشم ، سحبت نفسًا طويلًا وتمسكت أكثر بيد حقيبـة السفـر ، اقتحم المسافة الفاصلة بينهم وهو يقول مادحًا :
-شوفتي النحلة اللي حاطة رچل على رچل وسرحانـة تفكِر ؟!!
قفلت جفونها للحظة تستوعب سؤاله الغريب المُلطخ بالحماقة ثم رمقته ونظرات الحيرة تملأها ، فأتبع والضحكـة تسبق كلماته :
-هقول لك متستغربيش .
ثم دنا منها خطوة أخيرة وأكمل :
-عمالة تفكـِر كام كوباية عسل تساوي چمالك !! أنتِ چاية من الأرض ولا من السما ولا قرعـة اللي چابوكي فين !
تنهدت بكلل مدركة أنه يُغازلها بأسلوب مختلف ولكن لم يتناسب مع القنبلة الثائرة التي تحملها بصدرها ، تجلى حلقـها تساءلت بضيق :
-أنتَ هيثم ؟ مش كده .. !!
صاح فارحًا :
-يا دين النبي !! هو بشحمه ولحمه وقلبه اللي يسيع من الستات ألف .. قولي أنك جيالي وقصاداني .. بس عرفتي منين للدرچة دي سري باتع !!
ردت بخوف مدفون :
-ااه ماهـو هاشم حكالي عنك !!
-عليا الطلاق هاشم ديه مچدع وما في زيه في رچالة العزايزة !! أخوي وِلد أمي وأبوي ، وقال لك أيه عني ، قولي ؟
-قال لي أنك هجاص وبتاع كلام في الهوا .
رد مندفعًا :
-الواد ديه ولا أخوي ولا أعرفه ومتصدقهوش ديه قاصد يوقع ما بينا .
تأففت بنفاذ صبر لانها في حالة لا تسمح بالمرح ، قفلت جفونها تمنع انسكاب دموعها التي لم تجف طوال الطريق :
-طيب ممكن تنادي لي على هاشم أخوك .
-بس هاشم عيتچوز چوه ، لكن أنا صايع مالاقيش واحدة تلمني .. ما توافقي وأكمل نص ديني الليلة .
ثم أردف مكملًا :
-أياك كان عازمك على فرحه .. بس أنتِ جيتي لنصيبك ..وأنا اتلقيتك .
ثم انتقل مغيرًا مكانه وأكمل مداحًا :
-عيونك دي ما شوفتها على واحدة في العزايزة ، يخربيتهم جيباهم منين ؟! من نسـل الغزلان؟؟
لقد فاض بها الأمر فخرجت عن صمتها قائلة :
-هو مش عيب بردو تعاكس مراة أخوك !!
رد بعفوية محاولًا استيعاب ما قالته:
-هو أنا ليّ أخ رابع وأنا ما عرفش .. !!
~بالداخل..
-"اللي عِندي قولته ، وطبعا المأذون مش هيكتب على واحدة غُصبانيـة ، ومش عاوزة كلام كتيـر ، وأنا أسفة يا حچ خليفة ."
بعد ما فجرت قرارها النهائي على آذان الجميع وتدخلت النسوة بالأمر لتُصلحه محاولة إقناعها بأن لا يوجد أكثر من الخلافات بين الزوجين وألا تُكبر من حجم المُشكلة ..
اتسعت عيني "هلال" وهو يحذر أخيه من أي ضغط على الفتاة ، هذا لا يجوز شرعًا ، فأعقب الحج خليفة الذي ينظر لابنـه الصامت يراقب الموقف في هدوء تام:
-حُصل أيه لخطيبتك ياهاشم .. ما تتكلم يا ولدي ؟
رفع جفونه المُثقلة بحقيقة اعترافـه عن كونه متزوج من أخرى غيـرها ، فتحمحم بفتور :
-خلاص يا أبوي سيبها على راحتها آكيد مش هنغصبوها يعني .
ربتت صفية على كتفها :
-أيه اللي غيـر رأيك إكده يا بتي بس !! اكيد اتحسدتوا ..هي عين وقاصداني في عيالي أنا عارفاها .. استهدي بالله وأقعدي خليهم يكتبـوا ونخلصوا .
تدخلت "زينـة" التي لا تعلم بحقيقة رحيـل زوجها وسفره لحبيبتـه واختيار قلبه الأول ، جرت ذيل فستانها وهي تتمايل بكيد :
-خلاص يا عمتي ، متغصييش عليها .. هي أدرى بروحها .. ما يمكن ما چادراش .
ثم نظرت لهاشم وأكملت باستحياء حرباءة تتلون كلون الموقف :
-هي حُرة ، يمكن مستحملتـش أنها تكمل في الچوازة دي وهي عينها من أخوك ..يووه يقطعني هي عمتي نَست لتقـول لك أن .
ثم زفرت باختناق وأكملت :
-عينها من هارون اللي هو چوزي مش سهلة تتچوز أخوه بردك يا ناس .._ثم نظرت لهاشم_أنتَ ربنا نجدك يا واد عمتي .. متزعلش روحك بكرة نچوزك ست ستها دي غاوية فقر من يومها .
صرخت هاجر مدافعة عن أخوانها أولًا ثم ابنة خالتها بوجه زينة :
-أنتِ اتچنيتي !! هو أي كلام عشان تولعيها وخلاص!! الله يسامح أمي في الورطة المهببة دي ، فينه هارون كان عرف رد عليكِ .. لو كان قاعد زمانه خلى المأذون اللي كتب عليكم ، طلقك وارتحنا منك ..
ثم نظرت لأمها بعتب:
-هي دي اللي اختارتيها لهارون أخوي !! روحي ياما الله يسامحك !!
وقف هاشم مدافعًا عن ابنة خاله ليسبق أصوات الجميع ويقف بوجه "زينة " التي أشعلت فتيل الفتنة أمام الجميع :
-أقفلي خشمك .. كلمة زيادة وهنسى أنك مراة أخوي .. الهبل اللي عتقوليه ديه يخرب بيوت !! أنتِ اتچنيتي !!
كحلت الدهشـة الأعين حولهم وتفاقم التهماس بين الحاضرين ، لطمت صفية على خدودها وهي تشد زينة التي لم تتزحزح خطوة :
-أنتِ ادبيتي !! عتقولي أيه يا بت !! تعالي يخربيت أمك وبيت الدايـة الـ سحبتك من لسانك .
اهتزت قوة "نغم" أمام الجميع ، تحاول أن تتماسك وأن تُكذب مسامعها ،أن تتغاضى النظر عن الوجوه التي تحرقها بالاتهامات القاسية ، ألا تنظر للسقف فترى خيبتها تُحلق فوقها..
"واقع مرير أن يكون الحُب هو إقرار بذُلك وذُل قلبك مدى الحيـاة "
إلى متى ستُعاني من دقة قلبها الأولى ، إلى متى ستدفع ثمن حُبها العقيم الذي لم تنجب منه إلا الخذلان ؟!
تجاهلت صدح الأصوات المعاتبة بكلمات تحاول تبريئها عكس أعينهم التي نفذت حُكمها عليها ، وقفت أمام زينة وهي ترمقها بأبشع النظرات التي لا توصف :
-هو أنتِ أيه يا شيخة !! أيه السواد اللي چواكِ ديه !! أيه قِلة العقل والرباية دي !! حقيقي أنا مشفقة عليكِ من نفسك .. مش هرد عليكِ وعلى واحدة ناقصة زيك ؛ لأنك مريضة يا زينة مريضة.. روحي يارب ما تتهني في حياتك بحق كسرة نفسي ..
ثم مسحت دموعها الجارفة وأكملت:
-أنا هفضل عايشة بس مستنية اليوم اللي ربنا هياخدلي حقي منك ، وساعتها مش هشمت فيكي بردك ، ساعتها هتصعبي عليّ عشان رد الحق لما يچي من فوق واعرة قوي ..
قبض هاشم على معصمها لفض النار المتطايرة بينهم وهو يرمق زينة باشمئزاز :
-خلاص ..متعملهاش قيمة دي واحدة قاصدة تقول أي كلام ..
ثم تنهد متفهمًا باستحالة الجمع بينهما مُشيرًا لأحد الخفـر الواقفين :
-تعالى وصلها على بيتـهم .
سحبت ذراعها ودارت نحوه بعينيها المحترقة وهي تخبره بعجز وتمتمت :
-عرفت ليه أحنا مننفعوش لبعض يا وِلد خالتي !! على فِكرة كلامها صُح.. بس مكنش بيدي زي ما أنتَ مكنش بيدك.
ثم سحبت نفسها من أمامه وأعلنتها أمام الجميع :
-أنا هروح على بيت أبوي وعمامي ، تِشكر يا خال صالح لغاية إكده ، ربيتني وعلمتني بس شكلك اتلهيت فيّ ونسيت تربي بِتك لغاية ما فَچرت ..
ثم جرت ذيل فستانها الرقيق للغاية متجاهلة نداءات الجميع ، وفي لحظة خروجها دخل جابر من الباب يبحث عن "الحج خليفة" الجالس مكانه مستندًا على عكازه بخزى لا يعلـم ما سيقوله بعد .. فتسلل من بين الحشد متمايلًا على آذانه :
-يا حچ فـ عروسة برة چمالها موردش عليّ قَبل إكده عتسأل عليك ، ووقعت مع سي هيثم وشكله هيعُك الدِنيا معاها .
-بت مين دي يا جابر ؟!
اقترب هلال من زوجته الواقفة بجواره محافظة على المسافة الفاصلة بينهم وقال بضيق :
-لو مش مرتاحـة تِقدري تركبي على أوضتك لغاية ما أشوف هاشم ..
نظرت له بخجـل وأردفت بتلقائية غير مقصودة :
-لا عادي ، واقفة چارك ولا أنتَ رايح مُطرح !!
ثم توترت لتبرر :
-اه صُح ، خلاص هروح أقف مع هاچر مينفعش أسيبها في الحالة دي ..
فرك حاجبيـه ليحاول استيعاب كمية المصائب الناشبة بهذا اليوم وما تطلع على يساره وجدها اختفت تمامًا من جواره ، فلم ير إلا خطواتها تتسابق لتهرب من سطو عينيه وسطو خجلها منه منذ لحظة إعلانها رفض قُربه منها …
استغفر ربه ثم جهر مناديًا على أخيه الذي أوشك أن يُفارق الساحة :
-هاشـم !!! استنى …
خرجت "نغم" في صورة مثيرة للشفقة وهي تستقـل السيـارة التي يقودها الخفير ، لتطلب منه قائلة :
-وديني عِند عمامي ، بيت الچباس .
تحيرت عيني " هيثم " حول توافد الخارجيـن من الداخل ، والعربة التي تنقل نغم من بيتهم ، فنظر لرغد التي يسحب حقيبتها بعيدًا عن مرمى الأنظار متمتمًا ليستكمل حديثه معها :
-الخير على أقدام الواردين هو في ايه !! .. قولتلي أنتِ مراة مين في أخواتي !! أوعى يكون هلال ..بس مش ذوقه لا !! الفرسة العربي دي ذوق أبو دبورة .. أنتو متچوزين بحق ولا عتشتغليني!
ثم صاح بسؤاله مُشيرًا لأحد الخفر :
-هو فيه أيه چوه يا وِلد !!
ركض الخفير إليه مُعلنًا :
-الدِنيا مقلوبة چوة يا سي هيثـم ..
تقدم خليفة بهيبتـه مستندًا على عكازه وه جابر ، فتراجع هيثم خطوة للوراء احترامًا لأبيه وهو يهتف:
-خير يا بتي ، أنتِ ميـن وعاوزة أيه !!
فقدمه إليها جابر :
-أهو الحچ خليفـة بنفسـه قصادك ..
نظرت له رغد بأعينها الغزلاني وشعرها المنسدل وهي تطلب منه:
-عمو من فضلك ممكن نتكلـم لوحدنا !!
تحيرت عيني خليفـة بشك حول أمرها ، فتطلع لهيثم قائلًا :
-خُدها على أوضة هارون الورانيـة من غير ما حد يوعالك ، وخليك چارها لغاية ما أجيـلك .. أفض الليلة دي الأول.
حمل هيثـم عنها الحقيبة وهو يدلها على الطريق ورأسه تصدح بغرابـة ما سمعه ، ووقع نتيجته أن كان صحيحًا ، فمال متسائلًا بهمس :
-أنتِ واعيـة لحديتك طب وعارفه ديتـه ! !
•••••••••••
""فأنتَ وحدَك مَن بالحُبِّ يسكُنني
وأنتَ أجـمل ما ضـمَّتهُ أقـداري.""
ظلت تتأمـل تفاصيـل الجُملة التي تعثرت بها صدفة وهي تُفتش بصندوق خفايـا سيارته أثناء رحلـة العودة إلى الأقصر ، فالتفتت له مستفسرة :
-واو !! مين كاتب الكلام ده ؟
رد دون الإلتفات إليها :
-دي كراسـة هيثم .. تلاقيه نساها عندي، هو اللي غاوي أشعار وحـديت مذوق ..
-حديت مذوق !!
تأرجحت معالم وجهها مقتنعة :
-صح هيثم .. قولت كده ، أصلها مستحيـل تكون بتاعتك يعني ..
حانت منه نظرة خاطفة :
-أشمعنـا !!
لكت الكلمات بفاهها ، وهي تبرر له :
-أصلها كلها أشعار حُب وغزل ، وأنتَ ، قصدي أنت مش بتاع الكلام ده ، ده بتاع ناس قلبها مرهف قلبها داب في الحُب ، يعني بحس الحُب مش بيشغلك .. ولا يشغلك !! هو أنتَ عندك قلب زينا ؟
تلاقت أعينه الثائرة بعينيـها المتوترة للثانيـة ثم هرولت معبـرة بخوف :
-مش قصدي أكيد ، بس شايفة قلبك قاسي كده والحُب مش بتاعك ، ولا فارق لك .. هو ده مش كلامك !! ولا أنا بعُك كالعادة ولا ايه !! اسكت ؟!
تبسم بسخرية وهو يراقب الطريق متجاهلًا نظراتها التي تتلهف رده بفضول ، فأتبعت معترفة وهي تعود بظهرها لمكانها بالمقعد :
-يبقى بعُك .. أنا مش هفتح بؤي تاني خلاص…
رد بإختصار دون الالتفات نحوها وهو يركز بالطريق أمامه :
-سمعتهم مرة بيقولوا يا ويل الزمن وأيامه لو الحب زار قلب القاسي .. سمعتيها قبـل إكده !
-تؤ أول مرة اسمعها ..
دارت نحوه بفضول :
-بس ليه يعني ؟!
تطلع بعينيها الملونـة مُجيبًا :
-عشان ساعتها هيهد الدِنيا بجبالها لو فكروا ياخدوا منه حبيبه .. أصل القاسي قاسي في كُل حاچة ، وما يسبش حقه لمخلوق .
تبسمت ببطء بعيني تبرق متذكرة نصيحة أبيها :
-بابي مرة قال لي الحُب زي الحرب ، الاتنين محتاجين رجالة .
فأتبع مؤيدًا ولكن حسب وجهة نظره قال :
-الحُب أوعر حرب تقابل الرجالة .. بس الاتنين مختلفين خلي في بالك .
سبحت في عُمق الحديث معه الذي لا يعلم من أين أتى به قلبـه القاسي المتمرد على أعراف الحُب ، فسألته ليلة :
-أزاي يا عُمدة ؟!
عاد ليركز بطريق أمامه مُكملًا :
-على الأقل في الحروب ، عقلك سايقك وسلاحك بيدافع عنك خطوتك لقُدام مفيش حاجة مسكاك .. لكن في الحُب بتكون ممسوك من قلبك متكتف ، كُل خطوة وخبطة بتكون حاسسها في روحك .
تأملته مليًا ، فسألته:
-لو خيروك مثلًا ، تدخل في حرب ولا تحب هتختار أيه !
شغل مساحات العربية بهدوء ليُزيح أثر الندى من فوق الزجاج وهو يقول :
-في الحرب بنحاربوا عشان الحُرية
لكن في الحُب بيحاربوا عشان الحبس .
ثم نظر لها معلنًا قراره :
-مفيش حد عاقل هيحارب عشان يتحبس يا ليلة !!
-بس أنك تتحبس بين أيدين حد بتحبه دي حُرية يا عُمدة ..
امرأة غلبت قسوته بجملتها ، فطفق يهز رأسه نافيًا والإنكار يحوم حول ملامحـه :
-وأنا راجل حُر ، مش عاوز حاچة تكتفني ….
فزع من شروده على صوت صبي البنزينـة التي يملأ فيها تانك سيارته وهو يطرق على الباب :
-أنا خلصت يا هارون بيه .
فلكزته هيام برفق :
-هارون يا أخوي ، عيقول لك خلص .
أخرج حافظة نقوده وعد بعض الورقات الماليـة ووضعها بيد الصبي ثم ثقلت قدمه وضغطت على البنزين ليفارق المكان بسُرعة جنونيـة إثرها انطلقت صرخة خائفة من قلب أخته:
-هارون طب على مهلك يا أخوي .. إكده مش هنلحقوها هنكونوا عاوزين اللي يحلقنا !!
أردف على مسامعها آمرًا بحدة :
-تقفلي محمولـك ومش عاوز حد يعرفلنا طريق يا هيام .
•••••••••••••
~مديـنة الإنتاج الإعلامي بالقـاهرة .
فتح" سالم "واحد من فريق الإعداد وموظفي القناة باب مكتب " الشناوي " مهللًا :
-شناوي بيه ، مصر كلها ملهاش كلام غير عن برنامج ليلة الجوهري ، الحلقة عملت بوم في كل مواقع التواصل والاعلانات نازلة ترف علينـا مش ملاحقيين ..
دون اكتراث لحالة الفتاة التي نُقلت للمشفـى منذ قليـل ، تحمس الشناوي قائلًا :
-اديهم كلهم مواعيد على بكرة ، وانزل بحملة دعاية محترمة ، في كل مكان تنزل صورها والبرنامج بتاعها ..
شد سالم المقعد وهو يتساءل:
-تفتكر من يوم ما قعدنا مع اللي اسمه هارون ده قولت لك في بينهم حاجة .. مفيش حد عاقل يدفع مبلغ زي ده لمذيعة مغمورة زيها .
الشناوي وهو يعاود الاتصال بهِ :
-وأهي فلوسه رجعت له أضعاف ، بحاول اكلمه ليا كذا يوم مختفي يا سالم ..
فأتبع سالم:
-رشيدي أبو العلا على أخره ، وكان مظبط الضيوف أنهم يوقعوا المذيعة فـالكلام على الهوا ، بس البنت اديته كُرسي في الكُولب وخطفت الكاميرا من الكل .. حقيقي طلعت شاطرة ..
سخر الشناوي قائلًا :
-خلي عصافير الحُب تزقزق وخلينا أحنا ناكلوا عيش .
ثم أشار بأصبعه :
-تسيب كُل اللي في أيدك واشتغل على برنامج ليلة .. الفترة الأخيرة مفيش برنامج فرقع كده عايزين نستغل الفرقعة ونطلع معاها كمان وكمان .. ااه وابعت ورد للإعلامية بتاعتنا وقولها تشد حيلها عندنا هوا الخميس الجاي عايزين نجهزله ..
-أوامرك يا شناوي بيه .. سالم هيبهرك بالتقيل ….
~بالمشـفى …
تقف " جوري " بمحاذاة ناديـة وتطمئنها أمام غُرفـة الفحص التي دخلتها ليلة :
-متقلقيش يا طنت ، إن شاء الله هتبقى كويسـة ..
مسحت ناديـة دموع التماسيح التي تنهمر من مُقلتيها :
-كله بسبب المتخلف الرجعي اللي اسمه هارون ده ، ياما حذرتها منه يا جوري ، عاجبك الفضايـح دي !! وسيرتنا هتبقى على كل لسان !!
-معلش يا طنت ، حضرتك عارفة أن ليلة عفوية ومش بتفكر كويس قبـل ما تتصرف ، المهم دلوقتِ نطمن عليـها ..
وقف رُشدي بنهاية الممر وهو يُشير لناديـة أن تأتي لعنده ، تأرجحت عينيها بتردد وهي تقـول لجوري :
-خلي بالك منها ولو خرج الدكتور طمنيني ، حماها رشدي بيه جاي يطمن عليها بنفسه ..
ثم تنهدت بخجـل :
-مش عارفة هواجه أزاي بعد كل اللي حصل ..
انتظرت "جوري" حتى غادرت نادية المكان ثم أخرجت هاتف ليلة الذي تركته معها قبل الهواء، وحاولت الاتصال مرة آخرى "بهارون" ولكن خاب أملها عندما وجدت رقمه ما زال مقفـولًا .. لم تيأس بعـد استمرت في البحث بحذر من أعيـن " نادية" وفي اللحظـة التي قررت أنها تطلب رقم " هيام العزايزي " ، امتلأت شاشة الهاتف بالاسم وسبق قلب المُحب التواصل ، بللت حلقها وتوارت بأحد الجدران لتُجيب على الفور :
-ألو !!!!
على الجهة الأخرى ؛ يقف رشدي الذي لم يكف عن توبيخـه لنادية ولومه :
-مكنش ينفع تسكتي يا نادية !! المهزلة دي مكنش صـح تكون على الهوا ، أنا غلطان .. غلطان إني سكتت على المهزلة دي من الأول .
دمدمت بقلة حيلة :
-حاولت اوقف البث معرفتش ، ودلوقتِ نتيجة التحاليل هتطلع وهيكتشفوا انها كانت بتاخد أدوية جدول يا رُشدي .. وهيستدعوني عشان أقول أقوالي .. لازم اخرجها ، ساعدني يا رشدي ..
-نادية، لو طلبوكي للتحقيق عايزاك تطلعيها مجنونة رسمي ، هي دي فرصتنا الأخيرة خلينا نخلص من الأرف ده !! أنا مش ورايا غير ليلة ولا ايه ..
خرت الدمعة من عينها :
-رشدي أنا قلبي بقا يوجعني عليها ، كفاية عليها أوي كده ، أنا أول ما أبيع لك الأرض هبطل الأدوية دي.. حرام البنت تتدمر كده .
-تموتي قلبك يا نادية !! دي لا بنتك ولا هي من دمك ولا تقربك ، بنت جابها رفعت الجوهري من أي مصيبة وورطك فيها وكمان خدت الجمل بما حمل ، والأول كنا مستحملين عشان سامح عايش ، دلوقتي ملهاش عندنا حاجة ، أنتِ مش هتربي بنت مش بنتك .. افهمي بقا ..
ثم دمدم بحرصٍ:
-تمنعي أيه اتصال بـ اللي اسمه هارون ده ، وأنا هتصرف معاه بنفسي.. حتى ولو وصلت أني هقتله يا نادية ….
ظهر العم "حسن" أمامهم فجأة بعد ما سمع مخططهم الدنئ بوجعٍ يأكـل بصـدره ، أخفى عنهم حزنه وغضبه منهم وقال بحزنٍ :
-أنا ركنت عربيـة ليـلة بتي تحت ، طمنوني عليها عاملة ايه ؟
صرخت نادية بوجهه والذعر يملأ وجهها :
-كويسة يا عم حسن وبعدين في حد يظهر لحد فجأة كده !! اف …
تدخل رشدي:
-الأوضة هناك أهي ، مستنين الدكتور ..
ما ولى العم حسن وجهه عنهم نظرت نادية بهلعٍ لرشدي وهي تقطم أظافرها:
-تفتكـر سمع حاجـة !!!!
••••••••••••••
~العـزايـزة ..
بعد ما رحل الجميـع عن الدوار ، تسلل الحج خليفة مستندًا على عكازه متجاهلًا أمر الجدال مع " هاشم " إلى أن يرى أمر هذه الفتـاة التي سربت الشك لأوصاله.. وصل لأعتاب غُرفة "هارون" فوجد هيثم واقفًا أمام الباب ويطوف الحزن فوق ملامحه وهو يمنع نفسه بصعوبة من إبلاغ "هاشم" بما علمه بناءً علي رغبة زوجته ، رفع جفونه بحزن وخيم وهو يهز رأسـه بأسف ، فسأله خليفة:
-فين الضيفة يا ولدي ، ومال وشك ؟!
حك ذقنه قائلًا:
-قاعدة چوة يا أبوي..أدخلها .
سبق عكازه خطوته وهو يصعد درجتي السُلم ويدلف من الباب ليلتقي بـ "رغد " الجالسة على مراجل من نار تتخبط أقدامها ببعضهما ، ما أن رأته وثبت من مكانها لتستقبله ، فهتف معتذرًا:
-اتأخرت عليكِ يا بتي !! خير أيه مُشكلتك وأحنا نحلوها !!
تبادلت النظرات بين هيثم ورغد بحيرة ثم بادرت مُقدمة نفسها :
-أنا رغد يا عمـو ، رغد الشيمي مراة هاشم.
هالهُ عُسـر ما سمعه للحد الذي كذب فيه مداركه متسائلاً :
-هاشم مين يا بتي !! هاشم ولدي ؟ أنتِ عتقولي أيـه !! طاا كييف ؟!
-ومش بس كده .. أم ابنه اللي لسـه جاي .
أومأت بخفوت وهي تُخرج من حقيبتها ورقة إثبات الزواج وقدمتها له :
-القسيمة أهي تقدر تتأكد بنفسك .. بس قسيمة مش متسجلة عشان ظروف شغله طبعا ، كان مأجل تسجيلها لحد مايعرفكم .. ويعلن جوازنا ..
مسح هيثم على وجهه المُحمر من هول الموقف وخوفه الشديد على أبيه متمنيًا لو كان هارون هنـا في هذا الموقف وحده من يملك حسن التصرف والثبات ، فتمسـك بكتفي أبيه الذي يطلع على الورقة بيده المرتعشة :
-أقعد يا أبوي وكل حاچة ليها حل .. آكيد هتتحـل ..
ما انتهى "خليفـة" من فحصه لصحة القسيمـة وعلامات الإرهاق والضجر تُثقل الكلمات على لسانه ، نظر العجوز لها بوجه عابس وبعيون مستنكرة :
-طاا كيــف !! كيـف هاشم يتمرد على ناسه ويعملها !! كيـف يا بتي!! أنتِ عارفة كلامك ديه يخرب بيوت عمرانة !!
كاد أن يتفوه هيثم ، فصرخ عليه قائلًا :
-تروح تشيع لهاشم وتچيب هلال معاه ، وتعاود محدش يشم خبر يا هيثم.. يلا استعچل .
رجت الصدمة كيانه وهو يجلس على أقرب مقعد منتظرًا عودة أولاده ، امتلأت عينيها بالعبرات وهي تروي له القصة كاملة حتى ختمتها قائلة :
-مش عايزة أي حاجة من هاشم غير يسجل اللي في بطني باسمه والله هسافر واسيب البلد كلها أنا وابني ، أصلًا مش طايقة أبص في وشه ولا عايزة منكم أي حاجة بس ابني ملوش ذنب يا عمو .. ابنكم .
~بداخـل القصـر ..
تقدمت " رُقية" لتضع العصير على المنضدة أمام الخالة " أحلام " و " هاشم" الذي اعترف لأخيه سرًا و للتو عن سبب رفض نغم للزواج منه ، فصمت الاثنين إثر مجيء رقية التي لاحظت الضجر على وجه زوجها وهي تقول:
-اتفضلو ، عصير اللمون يا شيخ هلال .
رد هلال بعرفان وهو يطوى صفحة صدمته في أخيه كي لا يلفت انتباهها لحُزنه :
-يسقيكِ الله من حوض نبيـه شربة ماء لا تظمئي بعدها أبدًا .
-أي طلبات تانيـة !!
تدخلت أحلام التي تغلي من وجع قلبها على ليلة وما حدث لها وتدعو ربها بأن يستدل هارون لطريقها :
-يسلم يدك يا بتي .
خُتمت جُملتها بصوت صياح "زينة" التي لا يُطيق هاشم النظر إليها وهي تجُر ذيل فستانها الكبير :
-ياشيخ هلال أومال هارون فينه !! ياناس ياهووه في عريس يسيب عروسته ليلة الفرح ومنعرفلهوش طريق.. ديه يبقى فال عفش.
كظمت أحلام غضبها بـصعوبة :
-ما تخفي ندب يا بت واتلقحي في أي أوضة لغايـة ما يعاود ، راسنا فيها اللي مكفيها ..مش ناقصين خوتتك .
اقتحم "هيثم" مجلسـهم ، فأول من اصطدم معها كانت زينة التي تلقته هاتفة باستغاثـة:
-وِلد حلال يا هيثم ، أنتَ اللي هتريح قلبـي وتچيب لي قرار هارون ، چوزي الأرض اتشقت وبلعته .. معارفهلوش طريق يا ناس .
رسم هيثم ابتسامة مزيفة من بين ما يحويه من الهموم وقال ساخرًا ليُشتتها عن جمعهم :
-بت حلال لساته قافل معاي ووصاني أبلغك إكده بالحرف ، قالي أمانة عليك يا هيثم تروح تقول لزينـة تسامحني هعوق ساعتين ومعاود ، متخليهاش تنام قبل ما أچي .
تشبث بذراعه بفرحة عارمة :
-وكتاب الله !! طب هات أكلمه اطمن عليه وأشوفه هملني وراح على فين .
-تكلميه أيه بس ، أنتِ يا دوبك تلحقي تطلعي تتذوقي وتحوشي وش المحاورة ديه من على سحنتك وتستنى چوزك يا عروسة ، ماهي الليلة ليلتكم .. هو أنا اللي هقـولك عاد يا زينة!! يا زينـة فتحي مُخك ..
ردت الفـرحة بكيانها وهي تؤيده :
-أنتَ صُح ، أنا هطلع واذوق واستناه وهو كِده كِده هيعاود هيروح فين يعني ملهوش غير حضن مرته .. عليا النعمة أنتَ أخوي وغالي عندي قوي يا هيثم ريحت قلبي ربنا يريح قلبك ..
دمدم ساخرًا :
-ربنا ياخدك ويريحنا يا بعيدة بفقر أُمك ديه .
كانت الأعين تحدق متعجبة من كذب هيثم على زينـة ، فانتظر حتى صعدت لغرفة هارون فتنفس بارتياح مبررًا :
-كان لازمًا أوزعها ..
فـ نظر لهاشم وهلال الجالسيـن أمامه مُشيرًا بسبابته :
-أبوي عاوزكم أحياء أو أموات ..
مسح هاشم على رأسه بتعب:
-أنا مش حِمل كلمة واحدة من أبوي ، روح قوله نمت ولا روحت في أي نصيبة..
-لا ماهي النصيبة چات لغاية عنِدك ..
حفظ هيثم السر وهو يتحدث بخبث:
-وبالذات أنتَ يا زعامة يا أبو دبورة أنتَ ! ماينفعش أعاود من غيرك .
تعجب هاشم من سخافته:
-ولاه أنا مش فايق لك حِل عن سماي .. وإلا هقوم أكسر عضمك ، أنا على آخري .
هتف هيثم بنبرته الجادة :
-وفر الصحة دي للمُر اللي مستنيك ..
ربت هلال على كتف أخيـه وهو يحمل الهم والغم عن حال أخيـه قائلًا :
-قوم قوم أنا معاك أهو خلي الليلة دي تعدي يا هاشم .. مش هنخلصوا من رطه .
تحرك الأخوان ، واحد منهم ينفث الدخان والأخر يهشه بحنق ، نادت أحلام على هيثم بصرامة :
-واد يا هيثـم ، أبوك عاوز أيه من هاشم مايسيبوا في حاله هو ناقص .
جثا هيثم على ركبته موشوشًا بمسامعها:
-أحلام ؛ هاشم مورط نفسه في موال ، قومي معاي محدش هيهدي أبوي غيـرك .. غفلقت يا أحلام من كُل حِتة .
ساندها لتقف على مهـلٍ وهي تستفسر منه :
-رسيني يا هيثم .. هاشم ماله !!
-تعالى وأحنا رايحيـن لهـم هحكي لك ..
في هذه الأثناء خرجت صفية من المطبخ وهي تعقد حزنها حول رأسها وتنوح :
-كنلك فين المُر ديه يا صفية !! لا واللي خلق خلق الخلفة دي ما على هواي ولا عرفت أربيها !! ليه يا ربي !! يعني الوكسـة تاچي في واحد !! تصيب الستة !! اتوكس في الستة يارب !!
ثم رمقت رقية التي تقف منكمشة تُراقب عبث صفية وهي تهذي ممسكة برأسها ، فنالت نصيبها من فقرة الندب:
-وأنتِ !! مبقاش صفية بِت الطحاوي لو ما چبت لك ضُرة !! مالك ميتانة وعدمانة إكده مش طايقاكِ لله في لله .. بت أنتِ اخفي من وشي عشوفك كأني شوفت عفريت !!
تفهمت رقية طبعهـا الحاد ، فاستقبلته ببرود وهي تسألها :
-راسك وچعاكي يا عمة أجيب لك بِرشامة !!
جلست على أقرب أريكة وهي تصيـح :
-راسي بس !! ديه حِزن مغلي في حِلل .. وبعدين وأنتِ أيش حشرك واحدة وقاعدة مع خيبتها أيش حشرك !!
اندفعت بهدوء :
-يقطعني يا عمتي ، معرفش أنها موچودة هسكت أهو .. كملي معاها براحتك ، أجيب لها حاچة تِشربها .
-بت أنتِ أنا مفروسة لوحدي مش ناقصاكِ ..
تدخلت هاجر التي لكزت رفيقتها بمكر هامسة :
-چدعة ، بدأتي تفهمي ، "عيش بارد تكسب صحتك" ، ديه شعارنا أنا وأبو الهياثم ..
ثم جهرت لتُخبر أمها :
-ياما اتصلت بهيام ألف مرة ماعتردش .. خلاص هي مش مع هارون قلقانة ليه ؟!
ثم أعقبت بأعين متأرجحـة :
-هما راحوا فيـن !! كلهم اختفوا مرة واحدة ؟!
وصل هاشـم أولًا ثم تابع هِلال خُطاه .. متسائلًا :
-أبوك من ميتى عيچي هِنه ؟!
قطع أول خطوة داخل البيت الخشبي ليتفاجأ بها جالسـة بجوار أبيـه ، اتسع بؤبؤ عينه من هول الصدمة ، تجمدت خُطى قدمه ، تأرجحت نظراته المندهشة على وجه المفاجأة التي تنتظره بأعين غير مُصدقـة ..
أن يُدرّب القلب نفسهُ على التخلي و السكوت أمام اغتيال الأيام لحبه بدون محاولة واحدة ، حبه الذي اغتاله بيده وفضلَ نفسه بدلًا منه ، وظن أن الحُب لعبة بيده يبدأها ويُنهيهـا حيثمـا يشـاء !! ولكن وحين يدق ناقوس الوقت المناسب للمواجهـة هنا قد تولى سلطان الحُب اللعبـة وبتُ وحدك خِصمه يا صديقي ، حينها تكون النار التي كوت ذلك القلب العنيـد قد أحرقت جزءً طويلاً من القصة ومن الحُب أيضًا ..
رفعت جفونها المُعاتبة له وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
-مبروك يا عريس !!
-رغـــد … !!
رفع أبيه عيونه إليه متأملًا أن يكذب حديث هذه الفتاة ، فسأله :
-تِعرِفها !!
تدخل هلال المتفاجئ حول هوية هذه المرأة :
-خير يا بوي !!
وثب خليفة بوجهه مُكررًا سؤاله بنبرة أقوى :
-أنطق تِعرِفها !
أعلن لسانه ملكيتها بجراءة:
-رغـد مرتي يا أبوي ..
تنفست الصعداء وهي تتأمل حبيبها الوحيد عن بُعد بقلب يتقطر دمًا من شِدة الشوق ، فأتبع خليفة موبخًا بصوتٍ مُرعد :
-وطالما معترف أنها مرتك ، هملتها وچاي تتچوز غيرها ليـه !! أنطق !! هما بنات الناس لعبة في يدك ؟! يعني طلعت بچح ومش هامك ناسك ولا عرف بلدكم ومتچوز من ورانا !! أطلع رچل معاها .. راچل لمرة واحدة في حياتك ..
تدخل هلال ليشد عضد أبيه :
-أهدي يا أبوي ، مفيش حاجة هتتحل بالحال دي!!
مسح على رأسـه متجاهلًا إهانة أبيه وقال لرغد :
-رغد ما ينفعش تُقعدي هِنه .. يلا نروحوا على بيتنا.
تحامت بكتف أبيه رافضة :
-أنا ماليش كلام معـاك .. كلامي مع باباك ..
صرخ عليها بحيرة :
-رغد افهمي وچودك غلط ماينفعش حد يعرف أنك مرتي …
رفعت رأسها مُعاندة وهي تضع يدها على بطنهـا :
-وأنا هنا مش بصفتي مراتك يا هاشم !! أنا ما بقتش عايزك خلاص، أنا هنـا بصفتي أم طفل هيجي الدُنيا وباباه ميعرفش عنه حاجة .
دق قلبه بلهفة احتضانها :
-رغد أنتِ حامل !!
تنهد هلال بكلل لثُقل الحِمل عليهم متمتمًا بسره بعد ما أطلع على ورقة إثبات الزواج :
-يالله !!
كاد أن يتقدم خطوة نحوها فأوقفه أبيه صارخًا :
-سايب مرتك وولدك وچاي تعيش حياتك عادي !! أنتَ مِلتك أيه !!
برر هاشم له:
-يا أبوي أفهمني .
ظهرت أحلام بصُحبة هيثم من الباب وهي تتلهف مستحلفة :
-حلفتك بالله لتهدى يا حچ وكله هيتحل !!
صرخ خليفة بأعلى صوته :
-أيه هو اللي هيتحل يا أحلام !! مرته حِبلى هنحلوا أيه بس !! هنرموا لحمنا ودمنا في الشارع يربوه الغُرب !! ولدي أنا وتربية يدي يعمل إكده !! ليه ؟! ليه العصيان يا ولدي ليه !! أحنا مش عارفين نكشفوا دفاتر الماضي .. تصعبها على أبوك ليه !
وصل صياح خليفة لمسامع فردوس التي كانت قريبـة من البيت ، فهمّت راكضة لتُبلغ صفية بالضجيج الثائر بهذه الغرفة التي لم تسمع إلا صرخات بدون كلمات واضحة … قاوح هاشم بوجه أبيه بنبرة تُعفيه من العبء:
-متشلش هم يا أبوي ، أنا هاخد مرتي وماشي ، ومحدش هيعرف لي طريق ومش عاوز حد يدخل!!
طالعه بذهول :
-هاه عاوز تكمل چوازتك في السر ، عاوز تخلف كمان في السر !! ناوي تعيش عمرك كله تسرق كيف الحرامية !! لو كان عليّ أطخك وارتاح من عمايلك .. طول عمرك الضلع العوچ في عيالي .. لكن عمري ما اتخيلت أنك تعمل إكده ..
لوح بيده ضاربًا بالكل عرض الحائط وهو يشد رغد من بينهم :
-أنا محدش واصي عليّ ، طول ما أنا قرشي من عرقي محدش له دخل يقولي أعمل ومتعملش ، أيه الجريمة اللي أنا عملتها !! اتچوزت !! ااه اتچوزت البت اللي حبيتها للدرجة اللي خلتني مهتمش بأصلها وفصلها !! أنا مش هعيش عبد تحت طوع أحكام وأعراف متخلفة زي دي !!
صرخ هلال بوجه أخيه واعظًا :
-هاشــم غلطان وعتقاوح !! متنساش روحـك وأعرف أنك عتكلم أبوك مش عسكري من بتوعك ..
شدها عنوة متجاهلًا صرخها وهو يعتصر معصمها :
-وأنا سايبهالكم وماشي طالما كلامي عيزعلـكم ..
حاولت رغد التملص من قبضة يده القوية صارخة :
-سيب أيدي يا هاشم مش هروح معاك في حتة ..
وصل بها لمقدمة البيت صارخًا :
-متخلنيش أفلت أعصابي ، لازمًا تمشي من هِنه !!وجودك غلط عليكِ .
دفعته بكل ما أوتيت من قهرة :
-والله خايف عليا !! كتر خيرك !!بعد أيه !! عايز تمشيني عشان تطلع لعروستك يا عريس !! أنا مش همشي يا هاشم حتى ولو على موتي .. ااه وبالمناسبة أنا بكرهك وبكره قلبي اللي في يوم حبك !! أنا إزاي ماشوفتش أنانيتك دي !! ازاي اتخدعت فيك كده !!
ثم ابتعدت عنه رافضة الذهاب معه وهنا صوت جهوري اندلع من عتبة الكوخ الصغيـر يمنعون خلفية الذي يمسك بمسدسه و أخرجه من سترته :
-أخذي الشطان يا حج ، ألحق أبوك يا هلال .
صرخ هاشم عليها :
-رغد مش وقت عنادك!!
سالت الدموع على وجهها:
-أنا مش هروح معاك حتة أحنا انتهينـا يا حضرة الظابط !! أنا مش عايزاك تاني في حياتي .. اللي بينا هو الطفل ده وبس ..
فوجئ بأبيه الذي يأخذه أنفاسه بصعوبة مصوبًا سلاحه بوجهه:
-اسمع ياد أنت ، مرتك مش هتروح حتة ولا هتخرچ من بيتي ، لو أنتَ مستغنى عن ولدك انا مش هضحى في حفيدي ..حفيد خليفة العزايزي هتبرى في خير چده حتى ولو التمن موتي .
عارضه هاشم:
-كيف يا أبوي دول لو شموا خبرها هيقتلوها !! كيف عاوز تفتح أبواب چهنم في وشنا دِلوق !!
جاءت انثى الغراب تنوح من بعيد وهي تركض كالمجنونة من هول ما سمعته وشاهدته ندبت صفية على وجهها :
-يا مُري !! نزل السلاح ديه يا حچ .. عمل أيه بس هاشـم !! چرى أيه لديـه كُله !!
تدخلت رغد الخائفة من هول الموقف :
-عمو بلاش ممكن تسيب السلاح ده ونتفاهم .
فترجته هاجر التي جاءت هي ورقية يركضن من الخلف:
-حرام يا أبوي السلاح يطول ..
صرخ هاشم بعصبية :
-رغد فضينا من الموال ديه ويالا بينا ..مش هقولها تاني .
عانده خليفة :
-قولتلك مش هتروح في حتة !! أنا مش هجيب "غفران العزايزي" تاني في بيتي !!كفاية حِمل أسرار وخبايا .. مش عاوز أموت وأنا شايل همكم ..
جحظت أعين الجميع حول هوية الاسم المذكور والمجهول ، تمرد هاشم على قول أبيه بوقاحة :
-وأنا محدش له كلمة على مرتي غيري .. وسيبنا نمشوا يا أبوي وبزياداك فضايح الحيطان ليها ودان ..
لطمت صفية الخدود :
-مراة مين ياهاشم !! يا وقعتك السودة يا صفية !! مرتك كيف يا ولد بطني !!اتچوزتها ميتى دي !!!
تدخل هلال وهيثم بمحاولة فاشلة لأخذ السلاح من يد أبيهم الذي جهر متوعدًا مستردًا قوته وجبروته :
-اسمع عشان أنا شكلي معرفتش أربيك ، أختك هتطلع تلم لك خلجاتك ويحرم عليك دخلتك بيتي طول ما أنا حي يا هاشم يا وِلد صفية .. أما مرتك فهي مش هتروح في حتة لغاية ما تولد ولا لك حديت معاها .. لحد ما تعرف قيمـتها وتعرف نتيجة عمايلك السودة دي !
تأرجحت عيني "رغد" بخوف وما كادت أن تقنع "خليفة" أن يسحب حكمه القاسي ، فصرخ الوجه الآخر من هاشم الذي لن يعتاد على أخذ أوامره من أحد :
-يعني ايه !! أنا هاخد مرتي ونمشوا ووريني هتمنعني كيف يا أبوي!!
صرخ هلال بوجه أخيه :
-ما تلم دورك يا هاشم مش كِده يا أخي …!!
زفر هاشم كاظمًا غضبه وهو يشد رغد متجاهلًا كلمة أبيه الذي لم يجرؤ أحد على كسرها من قبل ، فصرخ عليه خليفة :
-قولت لك مش هتروح في حتة !
-هاخدها يا أبوي ومش راچع البلد دي تاني ..
-حفيدي مش هيطلع من داري يا هاشم ..
-وأنا من حقي أحمي ولدي بطريقتي يا أبوي .
حذره بصرامه وهو يضغط على زناد مسدسه :
-وقف عقولك !!!
ما انطلق العيار الناري من مسـدسـه صرخت صفية بكلمتها الأخيرة قبل أن تسقط مغشيًا عليها :
-ولــدي !!
فلحقت بها هاجر صارخة :
-أخــوي !!
لتنفجر رغد بهلعٍ وهي تمسكه والهلع يتقاذف من عينيها :
-هــاشم !!
رواية آصرة العزايزه الفصل الثاني 2 - بقلم نهال مصطفى
رواية اصرة العزايزة الجزء الثاني2
الفصل الثاني2
بقلم نهال مصطفي
(2) "الحُب وحده لا يكفي 💥"
اتمنى ولو كان في الحُب بُوصلة تُدلني على شيء أعمق من روحي وأثمن من قلبـي لأهديته إليك ..
ولكن حظك التعيس أوقعك مع قلبٍ مشوش مثلي ..
قلب أحبـك
بنصف مُتعب
والنصف الآخر خائف !!
وروح تتفسح بموطنها الأصلي بيـن دروب الحزن والألم !!
.
••••••••••••••
~العزايـزة .
انطلق العيار الناري الطائش من مسدس خليفة الذي طغت الصـدمة على جوارحـه لتشق قمصه وتُحدث خدشًا سطحيًا على ذراعه .. رمى الأب السلاح من يده نادمًا عما فعلـه بتهور :
-ليـه يا ولدي ليـه تطلعني عن عقلي!! ليـه تعمل في أبوك كِده يا هاشم !!
ركض هيثم نحو أخيه المُصاب وجثى هلال على ركبتيـه ليفـوق أمه الراقدة .. لم يهتم هاشم بجُرح ذراعه بقدر تركيزه بـ اهتمام وخوف "رغـد" عليـه .. كانت تهذي تحت سمائه كمن فقد عقلـه ، حقًا فنـحن لا نعـرف قَدر الحُب إلا على أعتاب الوداع .. تسلقت كفوفها لوجهه بحالة من الهلع وهي تترجاه أن يُطمئنها :
-هاشم .. أنت كويس !! فيـك حاجة !دراعك صح !! يالهوي في دم يا هاشم !! تعالى تعالى نروح مستشفى ..
فحص هيثـم جُرح أخيه الواقف ليقـول بارتياح وهو يطالع أمه التي تهذى تحت ستار الصدمة :
-جت سليمـة ..خدش خفيف ، نشان أبوك شكله خِرب .
ثم ربت على كتفـه :
-بس لازمًا تتلف .. متعملش فيها چامد على صحتك .
فجهر :
-قومي يا صفية ولدك مفيهوش حاجة ..
فنادى على "رقية" التي يعلم بتلقيها للكثيـر من الدورات الطبية وقال :
-هاه يا دكتورة هتعرفي تلـفي الجرح ولا هتكسفينا زي كُل مرة !!
أخذت الأذن بعينيها من هلال ثم أومأت وهي تحت سطو نظرات زوجها المحرقة لتقول بتردد :
-هااه ، حاضر يا هيثم .
شد هاشم ذراعه بملل :
-خلاص يا هيثم جت سليمة كبر مخك .
فاقترب هاشم من أمه المرمية بالأرض مبرقة العينين تهذى :
-خلاص ياما مفيش حاجة ، قومي وبطلي ندب .
فنظر لرغد بنظرته الآمرة :
-يلا يا رغد !!
ابتعدت عنه رافضة الذهـاب معه بصمت وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا :
-لا يا هاشم ، باباك عنده حق .. أنا مش هروح في حتـة .. أنا مش عايزة أعيش معاك تاني في السر .. اللي رضيته على نفسي مش هقبله على ابني .
فتقدمت رقية بصوت خافت:
-جرحك لازم يتلف ، ماينفعش يتسـاب كِده !!
ربتت أحلام على كتف زوجها المهزوم من الحياة وذريته وقالت معاتبة :
-من ميتى سلاحك عيسـوقك يا حبيبي !! أهدى لتچرالك حاچة !! أحمد ربنا جت سليمة كانت ساعة شيطان وراحـت لحالها .
ما أطمئنّ قلبـه على ولده قال آمرًا :
-خدي البت أوضتك ومتخليهاش تمشي يا أحلام وهاشم ما يخُشش بيتي طول منا حيّ .. لغايـة ما نشوفوا حَل للورطة دي .
•••••••••••••
~مرسى علم .
في الثالثـة فجرًا ، فتح رؤوف باب شقتـه الواقعـة بالقُرب من مقـر عمله هو يحمـل " مازن " النائم على كتفـه .. فسبق الخُطى يشعل الأضواء متحدثًا بهمسٍ :
-هنومه في الأُوضة وأچيلك ..
طافت عينيها المذعورة بجميع الأرجاء وهي تخشى عاقبـة فعلها الجنوني ومصيرها المنتظر هي ووحيدها !! وما ستكون عاقبة قرارات القلـب يا ترى !! ظلّت مُسمرة الخُطى لا يتحرك بها خلجه واحدة بجسدها ، لحظات وعاد إليها رؤوف الذي انحنى ليمر من الباب لطوله المُشيد وتفاصيل جسده الرياضي المتكتلة تحت القميص ، تحمحم بحماس :
-لساتك واقفة عندك !! مالك ؟
لم تُخفى خوفها عنه :
-هكدب عليك لو قلت لك ماخيفاش ، بس أنا مرعوبة يا رؤوف !!
حك شاربه الكثيف بحيرة :
-أنتِ في حِمى راچل وعيب اللي عتقوله ديه يا نچاة .. أحنا عملنا الصُح .
-ناسي لو عرفوا هيقتلوني يا رؤوف ، عقلي كان فين بس وأنا عكلمـك !!
نال الذعر وجبته الكاملة من كيانها حتى باتت ترتجف من قسوته ، خرت منها دمعـه مُثقلة بالحُزن فتلقاها على راحته رافضًا نزولها :
-دموعك غالية عليّ يا نچاة ، اطمني رؤوف مش هيسيبـك ومش هيكرر غلطه مرة تانية .. الصُبح هاخدك ونكتبوا الكتـاب ، وساعتها مفيش دكر خلقه ربنا هيقدر يهوب منك أنتِ ومازن ، هاكله وكل ..
تطلعت إليه بعينيها المُحمرة بجمر الخوف وهي تحافظ على المسافـة الفاصلة بينهما :
-نكتبوا الكتاب !!
-أومال أنتِ فاكرة أيه جايبك اتفرچ عليكِ من بعيد !! زمن الفُرجة خُلص !! مع طلعة النهار ، هتكوني مرتي على قصاد ربنا .. أنا قضيت ٨ سنين بحلم باليوم ديه !! من ساعة ما قالولي نچاة اتچوزت ..
عاتبته برفق:
-مش أنتَ اللي اخترت شغلك وقلت أنك مش بتاع چواز وشوفي حال نصيبـك يا بت الحلال !
ابتسامة أسف على سذاجتـه ارتسمت فوق وجهه بندم يسكنه، فتأوه قائلًا :
-ااه لو تعرفي أنا دفعت تمنها قَد أيه ؟ وبعدين تعالى إهنه أنتِ ما صدقتي تمسكي في الكلمة وهوب تروحي توافقي على العريس!!
عادت نجاة لثوب الصعيدية المتمردة :
-أومال عاوزني أعمل ايه ! اقعد حاطة يدي على خدي مستنياك كـيف البيت الوقف !!
أيدها بنبرته الممازحة :
-دي الأصول ، تقعدي وتستنيني لغاية ما أعقل وارچع لك ، أفرضي عيل وغلط !! أيه نموتوه !!
انحسرت عبرات القهر بصدرها وهي تشكو له :
-اااه يا رؤوف ، أنا موتت نفسي وعشت أيام ربنا ما يكتبها على قلب بنات حواء ..
طبطب على كتفها بتردد وهو يقطع عهده على عينيها :
-بكرة هعيشك أيام تتدعي بيهـا لكُل بنات حوا ..
ثم رفع يده المترددة متحمحمًا :
-طب اسيبك عشان تاخدي راحتك في البيت ، وهتلاقيني قاعد في العربية تحت مستنى النهار يشُق ..
-أنا ممكن أقفل عليّ الأوضة جار مازن وأنت خليك في بيتك !!
رفض قطعًا :
-أنا راجل صعيدي وأفهم زين في الأصـول وشرع ربنا .. خدي راحتك ونامي زين ، والصُبح مش بعيد بس ربك يهون عليه ..
تساءلت بعفويـة :
-ديه ليه !!!
رد مندفعًا وهو يتأهب للذهاب ويضب حقائب صبره عنها حتى الصباح فقط :
-محوش لك كلام كتير في قلبي عاوز أقوله يا نوچا .. صدري ولع من دفنه سنين !!
أصابتها متلازمة الحُب التي جعلتها تُقبل إليه وهي تدفعه للخارج بتوتر يعُمه جنون العشق :
-رؤوف اطلع بره ، عاوزة أنام .. يلاه عقولك هقفل الباب .
•••••••••••
~بغرفـة هلال ..
تتقلب "رقية" في فراشها كالقُطة " السيامي " من كثرة ما تحمله برأسها من الهواجس حول قُربه وتجاوزه معها أساوره الذهبية التي تملأ يدها ، تفاصيل إعلانه صراحة برغبته فيها !! لا تنكـر مدى ارتياح قلبها بين يديه ولكن ما زالت أشباح الماضي تُلاحقهـا .. أشباح أعين الحاضرين هذه الليلة وهمساتهم ومجاورته لها طوال الوقت فلم يفارقها للحظة ، كيف نسى قسوتها وتلقاها بمنتهى اللين ؟! والأهم لِمَ تذكر كل هذا عند عودته لأعتاب الغرفة مرتديًا قناع الصمت !!
كانت كثيرة الحركة للحد الذي أزعجـه و طير دبابير النوم من عيني هلال الراقد على الأريكة بجوارها ..
آيضًا لم ينجٌ رأسها من التفكيـر حول أمر هاشم والمأزق الذي وضع نفسه به وما حله يا ترى !!
نزعت الغطاء من فوقها وهي تؤكد على عقـد لثام رأسها للوراء وتتقدم إليه بخُطى ثابتة لتجلس على طرف الطاولة الخشبية بقُربه و تفتح معـه حديثًا عشوائيًا:
-شيخ هلال!! أنت نمت ؟
حمل بقلبه هم رفضها وعدم تقبلها له كزوج برضاء شديدٍ ، وفتح جفونه المشتعلة بالحيرة وولى رأسـه إليها:
-لِمَ لم تنم لهذه الساعة ! تأخر الوقت .
ردت بعفويـة:
-ماهو أنت كمان منمتش ؟! عتفكر في هاشم أخوك مش كِده !
-يدبر الله الأمور من عنده يا رُقيـة ، ما باليـد حيلة !
فركت كفوفها ببعضهما :
-بس مكنش له حق عمي خليفـة يحلف عليه ما يخشش البيت .. ديه مهما كان ولده بردك!!زعلت عليه والله.
ثم بللت حلقها وأتبعت بعبث :
-ومرته كمان حامل ، دي قفلت من كله!! بس تفتكـر أيه في راس العُمدة !!
ثم قضمت على أظافرها متحيرة:
-وكمان الاستاذ هارون ملهوش أثر ؟! هو راح فين وسط القلبان ديه كُله !! محدش خبره ؟!
كان يطالعها بصمت شديد يُراقب فيه كيفية نطقها للكلمات ، فأكملت :
-بس مراة هاشم باين عليها بت ناس ، وغلبانة .. غير الحرباية اللي اسمها زينة .. شفت البجحـة عملت أيه في نغم بت خالها !! بچد ما شوفتش في بچاحتها .
اعتدل من نومته فجأة لتتراجع بظهرها للوراء كي لا تتعانق أنفاسهم المشحونة .. جلس أمامها وهو يسند مرفقه على ركبته ويحك ذقنه مردفًا بأسلوب راقٍ :
-ألا أخبرك من قبـل بأن النميمة حرام !! ونسيتي قول النبي أبلغه الله وملائكته مني الصلاة والسلام ؛ لا يدخل الچنـة نمام !!
تفوهت بعفوية :
-بس دي مش نميمة دي حقيقة !!
-رُقية لا تُجادلي في أمورٍ منتهية .. والأهم من ذلك أنها تأخذ من حسناتك وتعطيكِ من سيئاتها !
أحست بالندم قليلًا ، فاندفعت قائلة :
-خلاص ، متستهلش أديها حسنة مني حتى ، بس هي مستفزة بردك وتخرج الواحد عن عقله ..
-ادعِ لها بالهدايا .. ودعيها هي وشأنها ؛ فالنار عندما لا تجد ما تأكله ، تحرق نفسها ..
-عندك حق ، دي سماوية وحقودة وغلها هيحرقها !!
حدجها بعتبٍ :
-رُقيـة !!
تفهمت سريعًا :
-يلا بلاش نچيبو سيرة حد ، أهو أخوك هو كمان هچ منها وسابها ماهي من نيتها السودة !! أف خلاص والله قفلت خشمي متبصليش كِده ..
ساد الصمت لدقيقة بينهم وهي تعتصر رأسها باحثة عن مدخل جديد للحوار بينهما :
-ألا قـول لي ؛ هو أنتَ اضايقت مني عشان لفيـت جرح هاشم أخوك !! حسيتك مضايق وكمان لما رچعنا الأوضة متعود تقـول لي تصبحي على خيـر ما قولتش ..
بس أنا استأذنتك الأول ، يبقى ملكش حق تزعل .. وبعدين مش أنتَ لما راسك اتفتحت أنا قصرت معاك !!
دس غيرته الواضحة عندما اهتمت بأخيه وراء ابتسامة خفيفة وهو يقول بلطفٍ :
-ما بكِ هذه الليلة ، أأصابك داء الهاچر !! أم ترتفع حرارتك قليلًا !!
قالت وهي تتحسس جبهتها :
-يعني أيه لا حرارتي زينة !!! ااه تقصد أني رغايـة !! وانا كمان حاسة أني رغاية وكلت راسك !! بص أنا هقوم أنام وو
مسك كفها رافضًا قيامها لتتراجع على سؤاله مبرقة :
-رُقية ، أنتِ تعلمين جيدًا ما يُزعجني منك !!
شهقت بإنكار مزيف لتهرب من حول مأزق اليوم :
-أنا !! محصلش مش فاكرة أني قُلت حاجة تزعلك ، خالص.. بص شكلي صدعتك أنا هقوم أنام ..
ثم غيرت مجرى الحديث بتلقائية :
-هي مش الكنبـة دي صغيرة عليك !! مريحاك في النوم ؟
أومئ مؤيدًا ونظرات الدهاء تتلألأ من عينيـه :
-أمر مؤقت حتى ترضى عني زوجتي ..
ثم وثب عازمًا أمره وهو يسحبها من كفها المثلج خلفه ، ويُعيدها لمضجعها آمرًا :
-نامي يا رقية ، نامي .. وخفي قُعاد مع هاچر.
لبت طلبه على الفور وقفلت جفونها كي تتحاشى لمعان عينيه في الظلام ، ولكنه فاجئها بحركته التي اقتحمت حصون خصوصيتها وهو يرفع الغطاء من الطرف الآخر ويرقد بجوارها .. تحولت القطة السيامي لـ قطعة جبلية متصلبة بمكانها والقلق يحاصرها من كُل صوب وحدب ..
تحركت جفونها ببطء نحوه فقدرت المسافة الفاصلة بينهما بمقدار ذراع ومتبعًا سُنة نبينا للنوم على الجانب الأيمن ، فتحمحمت بذعر :
-شيخ هلال أنتَ هتنام هِنه ! چاري!
-أنتِ شايفة أيه !!مش لساتك قايلة الكنبة صغيرة !!
اختلج قلبهـا من مكانه وهي تتصرف بحركة طفولية وتهرب من البقعة التي تجمعهما معًا لتنام مكانه على الأريكة وهي تقول :
-كِده هرتاح أكتر ، بص دي حتى سايعة رچلي ، مش زيك رچليك طويلة وو تصبح على خير يا مولانا ..
-وأنتِ من أهل الخير يا رقيـة ..
فاستغفر ربه بسـره وهو يُناجيه :
-يالله ؛ يا ولي الصابـرين …..
••••••••••••••
~المشفـى .
في تمـام الساعة الخامسـة فجـرًا صف هارون سيارته تحت المشفى التي تقطن بأحد غُرفها ليلتـه .. دلف من سيارتـه ملهـوفًا بخُطى واسعة تتشاجر من الأرض من تحته وهو يطلع على رسالة " جوري " التي تصف بها الطابق والغُرفـة ، لحقت بهِ " هيام " :
-على مهلك يا خوي ..
بالطابق الرابع ؛ اقتربت " نادية " من العم "حسن " الجالس على أحد المقاعد يقرأ القُرآن بنيـة شفاء صغيرته الشقيـة بحزن ذاخر ، تثاوبت وهي تقول :
-روح أنتَ يا عم يا حسن ، وجودك مفيش منه داعي .. كده كده هاخدها ونرجع المستشفى بتاعتي فـ اسكندرية .
كيف ؛ كيف يتقهقر خطوة بعد ما سمعها ، بعد ما كشف سرهم وخبث نوايـاهم !! كيف يقدم لهم فتاة بنقاء زهرة الياسمين ككبش فداء .. هز رأسه رافضًا :
-رجلي على رجلها ، دي دي وصية سامح بيه مقدرش اسيبها ..
ثم قفل مُصحفه مستأذنًا :
-هروح أتوضى وأصلي فرض ربنا …
تمتمت نادية بضيق :
-طلعت لي منين أنتَ بس !!
تقدم العم بخطوات متمهلة وهو يفوض أمره لربه ويدعوه لحمايـة هذه الفتاة المنكسـرة ، وفي لحظة اختفاءه من الطابق ، ظهر الشبح الذي يُرعب نادية ، كان هارون يقبل صوبها بخطواته الثابتة ، سكن قلب جوري وهي تخفي ابتسامتها بمجيئه فأحست أنها قدمت هدية جميلة لتوعد صديقتها بأقرب وقت لصحتها .. ما رأته نادية تسابقت جيوش الرعب بوجهها وهي تحملق به موبخـة :
-وكمان ليـك عين تيجي لهنا !! ماشوفتش في بجاحتك !
من وراء فكيه المنطبقين تحدث باختناق:
-وأنا ماشوفتش فـ چبروتك ، لايمي دورك معاي عشان حسابك تِقل ..
فتدخلت جوري التي رحبت بهيام مجاملة بابتسامة خفيفة وقالت :
-طنت أحنا في مستشفى مش هينفع كده ، المهم نطمن على ليلة ..
تأففت كي تتجنت أي شجار يفتك بها أمامه ، فداعبت شعرها بضيق وهي تجلس على أقرب مقعد متوعدة :
-شكلك مش ناوي تجيبها معايا لبر بس أنا هعرفك أنا مين .. أوف !!
ثم قضمت على أظافر وساقها ترتجف :
-مكنش ينفع من الأول أسيبها تخرج من اسكندرية .. أنا السبب في المُصيبة دي ..
وقف من وراء الزُجاج يُراقب جسدها النائم يتساءل بأنين يُضنيـه "أتظنين أن كل تلك اللحظات التي عشنها معًا لم تترك بهذا القلب أثرًا ، أنا لم أعش الحب معك بل تجرعتـه كدواء مُر ولكنه شافي وكافي ليُطيب الداء الذي احتارت فيه الأطباء ؟! " ..
وضع كفه فوق اللوح الزجاجي الفاصل بينهما ويمنعه من أخذها بين ثنايـا أضلعـه ، يُراقبها كالقمـر بعيد جدًا ولكن تتسلل أضواءه للغُرفة فـي يتحقق قدسيتها على مفعول هذا القلب الذي استنشق رائحة قُربه وعودته !!
هذا اللوح الفاصل بينهما أقوى من ميثاق أعرافهم .. اعتصر جفونـه بعذاب الضمير الذي يجلده طالبًا عفوها :
-حقـك عليّ ، ورب القلب ديـه ما هسيبك تاني .. بس قومي متعمليش في قلبي كِده .
أيدي متشابكة وأعين متعانقة وقلوب مُتكاملة ومتكلمة ، نمشي معًا تحت سمـاء مضببة بالغيوم كالهموم التي تفصل بيننا في ليلة مُمطرة ، لنتأمل نجوم السماء ونجوم حضورك ، وأعلنها أمام عينيك ونجوم الليل شواهد والقمر بحُبي ناطق :
" لم تمنع حلول الظّلام لكنك أهديتني نجومًا"
هكذا هو حُبـك لا يمنع ثُقل أيام الدهر لكنه يجعلها أخف، أخف كثيرًا .. رفعت كفها الرقيق ليرسو فوق قلبه النابض بحُبها وقطرات عينيها ممزوجة مع قطرات حزن السماء فوقهمـا :
-أنتَ سبتني ليـه !! أنا ماصدقت لقيتك .
قبض بكفه الجاف من شقاء الأيام على مُعصمها وهو يدنوها منه معتذرًا :
-مش هسيبـك تاني ، أنا چيت لك أهو .. حقـكّ عليِّ.
-أنا وأنت مخترناش الحُب ده بس هو اللي اختارنا .. بس قول لي أيه ذنب قلبي يعيش متعذب طول كده عمره !!
-مفيش عذاب يا ليلة الـ أنتِ عايزاه علشانك هيكون !
تفوهت بنشيج الحُزن باستحالة كونهم معًا في يومٍ ما :
-تفتكر لو الليل بكى وخاف في يوم وطلب بس شعاع نور يونسه ؛ هيغير حاجة ؟! أهي هي دي بالظبط حياتنا مع بعض يا هارون بيه ..
أقسم لها بـرب هذا القلب وما يحويه :
-أنا قصادك أهو وعمري ما هسيب يدك تاني .. أنتِ مش مصدقاني ليه !!
هزت رأسها نافية والدموع تُغرق وجهها:
-بس ده حـلم مش حقيقة ، حلم عمره قصير أوي .. هفوق منه على وجع ملهوش آخر .
رعدت السماء فوقهمـا فألقى بها هول الصوت بين يديـه لتتحامى من قسوة الطبيعة في فسحة صدره الصلب اللين .. توارى الثنائي تحت ظل أحدى الأشجار وهو يلهث معترفًا :
-مش حلم يا ليلة .. ولا عمري هسيبك .. أنا أصلًا اللي ماصدقت لقيتـك .. قلبي عاش وحيد عمره كُله كأنه كان مستنيكي وحدك .. قلوبنا كانت متواعدة وخلاص اتلاقت .
أنكرت مُعترفة بالحقيقة التي تعلمها جيدًا وهي تسبح بفضاء حبـه :
-لا ده حلم يا هارون وأنت هتمشى ..
ثم تشبثت بملابسه بضعف :
-حلم وهينتهي ..
صرخ بها مُعلنًا :
-مش حلم بقول لك .. فوقي أنتِ بين يد هارون العزايزي !
صرخت بنبرة الزجاج المُهشم بروحها :
-حلم .. حلم وهينتهى ..أنتَ مش عايز تصدق ليـه !!
سـد فوهة صرختها بقُبلة مُباغـتة بسرعة عيار طلق ناري انطلق من قلبه واستقر بقلبها ، أطبق على شفتيها التي تُنكر حقيقة وجـوده ، زيف وعوده بقبلة قاسية كقسوة الحيـاة عليهما .. بات قلبه المُدجج يسقيها الحُب والوعود بإذعان لا يقبل إلا الرضوخ له ، ولأوامره ولأحكامه .. قبلة بمذاق المطر الذي يغسل الحزن عن أجسادهم .. وهبها قُبلة ساحرة دافئة وأدفأ ما امتلكت بحياتها .. خدش بكاره شفتيها بحبه لـ يثبت عدم رحيله عنها حتى ولو كان الثمن موته ، فالموت على ضفتها حيـاة .
تأجج قلبها الثائر ككرة مُلتهبـة تحت خلاياها النائمة والحالمـة بمشهى روحها ، ارتعشت الشفاه التي استمدت الحياة من قُبلة .. ضمت قبضة يدها المُعلقة بالمحاليل والتي تطبق على ذراعه بالحُلم وتترجاه ألا يُفارقها أبدًا .. تباطئت نبضات القلب وتعالت أصوات أنفاسها التي تتخذها بصعوبة بين الحُلم والواقع ، في الإثنين أنفاسها تُسلب منها .. رن جرس الجهاز المتصل بها ، فتراكض الجميـع واخترقت الممرضة الغُرفة لترى ما بها ..
دخلت نادية راكضة خلفها وهي تصرخ بها و تفحص الأجهزة وحالة ابنتها بنفسها :
-أنا قُلت لازم اخد بنتي من المستشفى دي !! فين الدكتور المختص دلوقتِ !!
الممرضة بخوف :
-يا دكتورة اهدي … هنشوف أهو ..هي كانت كويسة..
وقف هارون من وراء الزجاج يبرق بعجز ، وقلبه ينزف دمًا على حالتها وشعوره المُلح بالذنب وعذاب الضمير خاصة بعد إقرار الطبيب بالإفراط في تناول الأدوية العصبية الذي التقى بهِ أولًا ..سحب ذراعه من يد أخته التي تترجاه ألا يتدخل بالأمر ، اقتحم الغرفة خلف الطبيب المختص بحالتها .. متجاهلًا نداءات الاعتراض على دخوله .. شد نادية من مُعصمها صارخًا بها :
-عملتي فيها ايه !! انطقي ؟ والله لو حصلها حاچة ما هرحمك ..
عارضته باستنكار مزيف:
-أنتَ مجنون !! دي بنتي .. أنتَ أزاي ماسكني كده !! فين الأمن يرموا المجنون ده بره .
صرخ بهما الطبيب وهو يباشر فحصه لليلة النائمة وأشار للممرض الأخر :
-من فضلكم اخرجوا برة ، مش عايز أشوف حد هنا .. خرجهم بره ..
سحب "هارون" نادية خلفه دون الاكتراث لصرخاتها ، وصل بها للممر الخاص بالغُرف وهو يكرر سؤاله متهمًا :
-عملتي ايه فيها !! طبعًا استغليتي حالتها ورجعتي تسرسبي سمك لراسها ، ادعي بس ليلة تقوم منهـا بالسلامة عشان واللي خلق الخلق ما أدفنك غير حية فـ قلب الجبل ، وما هيكفيني موتك ..
دفعته بقوة والذعر يحوم حول ملامحها وهي تتلجلج بالكلام :
-أنتَ ازاي بتكلمني كده يا مجنون أنتَ !! ده بدل ما تعترف بالمصيبة اللي أنت عملتها وأنك السبب في رقدتها دي !! طالما أنتَ مش أد كلامك وهتسيبها علقت البنت بيك ليه !! أنتَ أصلًا جاي تعمل أيه هنا .. أبعد عننا ..
رفع سبابته بوجهها :
-اللي حايشني عنك رقدة الغلبانة دي چوة ، وشكلي فعلًا غلطان ومخونتش ، قولت هتخافي وعلى مستقبلك وهتكشي .. وو
قاطعته صارخة :
-أنتَ عايز أيه من بنتي !! خلاص سيبنا في حالنا بقا ، أطلع من حياتنا اللي هتخسرني بنتي بسببك ..
-ما بزياداكِ كدب !! أنتِ مِلتك أيه !!
طافت عينيه متوعدة بصوت يدفن بركانًا من الغضب ومن خلف فكيه المنطبقين دمدم وكاد أن يُخبرها بالحقيقة وأنه يعلم أنها لم تُنجب بحياتها ، فقطعته هيام برفقة العم حسن بعد ما أنهى صلاته :
-هارون الدكتور طلع وقال حالتها مستقرة دلوقت..
فتدخل العم حسن بين جسر الأعين التي تتبادل بالتهديد :
-تعالى يا ولدي عاوزك ، أمشي معاي ..
شده العم عنوة متجهًا فتدخلت هيام معتذرة من نادية بأسف :
-متزعليش روحك هو بس قلقان على ليلة وو
أخرستها نادية محذرة:
-اسمعي يا بنت أنتِ تاخدي أخوكي وتروحي في ستيـن داهية تاخدكوا ، أنا بنتي هعرف أخلى بالي منها كويس أوي ..
رمقتها هيام بضيق ثم ولت مغادرة لتجلس على أقرب مقعد وهي تلهو بهاتفـها لتتحاشي الحوار مع هذه السيدة الحمقاء .. وصل هارون برفقة العم إلى بوابـة المشفـى وبادر قائلًا :
-طول منا في السكة مع ليلة بتي مبطلتش كلام عنك وعن جدعنتك ، وكانت متفقة معاي أني لازم اتعرف عليك عشان أتاكد من كلامها ..
ثم ارتسمت الابتسامة البشوشة على وجهه وأكمل :
-مع أني كنت واثق قوي ،كانت بتتكلم بلسان قلبها وأن عمره القلب ما يكذب .. ولما قابلتك ما خيبتش ظني فيك ..
أخرج هارون سيجارة ليُشعلها كوسيلة لتنفيس الهم عنه ، فسأله هارون :
-أنتَ من زمان معاهم ؟!
-من وقت ما ليلة دي كانت حتة لحمة حمره ، رفعت بيه مكنش يفرق بيني وبين سامح ابنه ، منا أبويا كان شغال عنده بردو .
ثم رفع جفونه المنكمشة له وسأله مستحلفًا بالله :
-كلمة وعهد قصاد رب العالمين؛ حبيتها يا بني ؟!
تصلبت تعابير وجـه هارون لمواجهته بهذا السؤال الذي لم يجرؤ الجواب عليه ، قرأ العجوز لمعـة عيناه ووصل لمسامعه صوت ضربات قلبه ، فعلم أنه لم يجنٍ من صمت هارون الجواب ولكنه عثر عليه .. تنهد برتياح وهو يربت على كتفه :
-يبقى تتصرف وتاخدها وتمشي .. نادية ورشدي ناويين للبت على نية سودة..
ثم تلألأت العبرات بعيني العجوز بشفقة معترفًا بالحقيقة :
-نادية مش أمها ورُشدي سماوي وبخ سمه في راس بت عمه ، وناويين يجننوا البت .. يمكن أنت اللي تلحقها أنا عملت اللي عليّ قدام ربنا .. أنا راجل في حالي وعاوز اربي عيالي.
بدأ هارون أن يثق بالعـم حسن وهو يلقى سيجارته ويهدسها بمشط قدمه :
-أنتَ عارف ؟!!
هز رأسه معترفًا بحزنٍ :
-رفعت بيه كان شغال في الصعيد وحد اداله البت دي أمانة بس مات بعدها واللواء رفعت قرر أنه هيربي هو البت ويكتبها باسم ولده ، ومرتي وقتها كانت والدة جديد فهي اللي رضعتها لانها مكنتش قابلة أي لبن صناعي وحلفت له أن السر ديه مش هيطلع حتى لليلة..
شعر بتميل بجسده إثر شفقته عليها:
-متعرفش مين الجدع اللي عطاله البت في الصعيد !! رفعت الچوهري كان شغال في قِنـا عندينا ..
ثم توسل له :
-عم حسن افتكر !! مين يضحى في بته ويديها لراچل غريب وليه يعمـل إكده !!
طأطأ رأسه بخزي :
-مش هقدر أفيدك يا ولدي ، بس اللي فهمته من رفعت بيه أن البنت لو رجعت لناسها هيقتلوها زي ما قتلوا أهلها ..
-يعني أيه !! وليه الألغاز دي !! اللي هموت وافهمه ليه نادية عاوزة تعمل فيها كِده وتموتها !! ليــــه !!
دفن هارون وجهه بداخل كفه بملامح مُحمرة من كثرة الحزن والعجز ، ربت العم حسن على كتفه وأكمل :
-من عشرين سنة كان في أرض كبيرة في العلمين لما كانت صحرا ، ملك لـ صفوت أبو العلا أبو رشدي ، الراجل ده كان خمورجي ونسوانجي وضيع كل فلوسه على الستات زي ولده ، في يوم اتعذر في فلوس واضطر يبيع الارض دي ، ووقتها خدني "رفعت بيه" وقال لي ياد " حسن" تعالى نشوف الارض دي لو عجبتنا نشتريها ، وسافرنا والأرض عجبته واشتراها بسعر قليل وكتبها باسم ولده سامح بيه ووصاه الأرض تروح لليلة وعيالها من بعده .. آخر كام سنة سعر الأرض دي وصل السحاب وبقيت مطلوبة بأي تمن من الشركات اللي حوليها ، ومن ساعتها ورشيدي هيتجنن على الأرض دي .. الـ "ليلة" رافضة تفرط فـ شبر منها .
جاءت هيام راكضة لعند أخيها لتُخبره :
-هارون الدكتور طمنا و قال حالتها مستقرة ومفيش داعي للقلق .
اعتصر قلبـه حُزنًا وهو يأمر العم حسن :
-عم حسن ، تركب للي اسمها نادية دي تقولها إني دفعت حساب المستشفى ومشيت .. وحاول على قَد ما تقـدر تمشيها من عندك ..ولما تمشي رن علىّ .
تحرك العم منفذًا طلبه فأوقفه :
-هتعبك تشوفلنـا شقـة مفروشة بأي تمن ..
هز رأسه متفهمًا :
-سهلة دي ! شَقة ولدي مسافر برة البلد وقافلها ، هاخدكم على هناك ..
ثم دار لأخته آمرًا بعجل :
-كلمي لي عمار !!
رفعت حاجبها محرجة :
-دِلوق يا هارون !! نزعجوه ليه !
انفجر بوجهها غاضبًا وهو يشد الهاتف من يدها ويضع بدلًا منه مفتاح سيارته :
-روحي استنيني چوة العربيـة يا هيـام …
••••••••••••••
~العـزايزة .
كانت " زينة " ترتدي قميصًا طويلًا خاصًا بالنوم يليـق بمناسبتها كعروسة متنقلة على مراجل من نار بكل أرجاء الغرفة ، بين الساعة المعلقة والنافذة تترقب عودته .. شت طائر العقل من رأسها وهي تكرر الاتصال "بهيثم" النائم بالأرض بالقرب من هاشم أخيـه والاثنان بغرفة هارون الخاصـة بناءً عن حكم العمدة "خليفـة العزايزي" ورأيه مدعومًا بالقسم بأن أقدام ابنه لا تطأ منزله ..
رمت " زينة " الهاتف من يدها وهي تتساءل:
-طب راح فين!! استرها يا رب …وهات العواقب سليمة .
ثم انحنت مرة آخرى وفتحت هاتفها وهي تُفتش بأخد المواقع فتوقفت عند البث المسجل لليلة التي تعترف أمام العالم كله بحبها .. مرت لحظات التسجيل المتقطعة كجمر متقد يتساقط على قلبهـا حتى انتهى ، فواصلت حملة البحث والتفتيش عن بقية التسجيلات وهي تسبها علنًا:
-الفاچرة ، طالع تحكي خيبتها قصاد الكل!! وربنا كنت حاسة أن عينها من هارون!!
ثم ضربت على فكها بحسرة:
-ليكون هارون هملني وراح لهـا !!! لا ميعملهاش!! ولا يعملها !! أومال هيكون راح فين!!!
رمت غطاء رأسها بعشوائية وفتحت باب الغُرفة وظلت تصيـح بأعلى صوتها لتوقظ جماد البيت قبل سُكانه :
-تعالوا الحقوني وشوفوا قِلة الحيا .. هو فيه فُجر للدرجة دي !!!!!!!الحقيني ياعمة !! تعالي شوفي الخيبة التقيلة اللي أنا فيها !!! يالهووووي ….يا بختك المنيل يا زينة !
•••••••••••••••
~القاهرة .. مسـاءً.
"مهما تخيلت فـ لن تصدق كم مرة وأنا أهرب من شعوري تجاهك لكن الدائرة مغلقة ومُعقدة للغاية ، مهما فررت منكِ عودت اليكِ من جديد .. "
منذ أن قام باختطافها من المشفى بمساعدة الممرض المرتشي والعم "حسن" ، وتواصل مع طبيبها الخاص الذي جاء لعندها بعد محاولات مكثفة من هارون ومبالغته في أجره ..
فحصها بعناية وأكد أنها لست بحاجة للمشفى .. من الساعة التي غادر فيها الطبيب ورافقه هارون ليُحضر أدويتها ويسترد رقم شريحة هاتفـه ويبتاع العديد من الطلبـات التي تلزم أخته للطهي ..
قضى قَرابة -الست ساعات- مُرافقًا لها ، لم يترك يدها النائمـة أبدًا ، كان مقعده ملاصقًا بالسرير الذي ترقد عليه "ليلة " المتغيبة عن وعيها ولا تعي الحياة حولها ؛ ولكنها تتنفس بارتياح لأن صدرها استنشق رائحة قُربه فاطمئن .. يتابعها بأعين تُكذب حقيقة كونهما اثنين .. مفترقين ، فقلبه بداخله يُعانقها كثيـرًا ..
لم يتحمل رؤيتها بهذه الصورة فاختلس قُبلة حنونة بداخل كفها المسجون بين راحتي يده وصدره يتنهد حرارة غياب صوتها عنه:
-قومي عاد ، قلبي أتربى وبزيادة.. متبقيش جاحدة.
ثم ألقى نظرة على هاتفه المُضيء الذي لم يتوقف عن الرنين بدون صوت ، وثب لينحني بالقرب من وجهها النائم ويُزيح بعض الخصلات عن وجهها ويتأملها بحُرية ..
ملامحها التي تشُع نورًا من سطع بياضها كقطعة من الثلج ..دومًا ما تغلب الحنية كل شيء يسكننا .. كان ابهابه يُغازل جبهتها فأحس بظُمئ جوفه للنيل منها طمعًا .. طبع قبلـة اعتذار طويلة فوق جبهتها بشفتيه المُزرقة من قسوة بُعدها عنه !! فمن أين جئتي بكُل هذا الحب يا فتاة .. ؟!
قطعت خلوته مع روحها النائمة صوت أخته التي تتهامس معاتبة :
-هارون يا أخوي .. متنساش روحك ، دي مش حلالك ، چرالك أيه هو أنا اللي هقول لك !!
لم يعارض أخته فيما قالته ، اكتفى بهز رأسه متفهمًا أنها لم تحل له ولكنها حلّت قلبه بحُبها !! ربتت على كتف أخيها :
-"تانيـك قاعد جمبها من الصُبح ، روح أفرد ضهرك يا حبيبي .."
أخذ هاتفه من فوق الكومود وسحبها على مهل لخارج الغُرفة بصمت تام وهي تحمل فنجان قهوته :
-صفية مش مبطلة رن يا هارون وأنا قفلت محمولي من مكالماتها يكش ترتاح ..
ثم قدمت "هيـام" القهوة لأخيها الذي أنهى مكالمة للتو وهو ينفث أبخرة غضبـه :
-روق يا خـوي ، چرى أيه لديه كُله !! يا ريتك ما چبت محمول أديك رچعت لوچع الرأس من تاني .
مد يده ليأخذ منها فنجان القهـوة وهو يجلس على الأريكة :
-محدش هامه حد ، أقولهم عيانة ومش دريانة بالدِنيـا يقولولي ترندات وفلوس وحديت فارغ !!
شاركت الجلوس مع أخيها على نفس الأريكة وهي تربت على رُكبته :
-هدى روحك ياحبيـبي ، المهم أنا بردو معرفتش أنتَ ناوي على أيه !! هارون أنتَ واحد متچوز دِلوق !! أيه اللي في ضميرك يا أخوي! مينفعش اللي في راسك ..
زفر بامتعاض وهو يشكو همه الفائض من صدره :
-وكملت كمان بأمها اللي نزلت عملت محضر في القِسم إني خاطف بتهـا ؟! هي الولية دي مِلة أبوها أيه !!
-يا مُري يا هارون !! دي فيها سين وچيم !! حقا مالكش حق وو
قطع جملتها الآخيرة أنين صوت "ليلة" التي تقف على أعتاب باب الغُرفة وهي تستند على الجدار متشبثة برأسها بهزل وتفرك جفونها :
-هي مامي فين !! أنا ميـن جابني هنـا ؟
انخلع قلـب العاشق من مكانه وهو يفزع من مجلسه خائفًا عليها وذائبًا في تيه ملامحها المُرهقـة :
-ليلة أنتِ زينة !! في حاجة وجعاكي قوليلي أجيب لك داكتور؟
فسبقت "هيام" الخُطى إليها لتُساعدها في السير ممسكة بـمرفقها :
-حمدلله على سلامتـك عاد!! كِده تخلعي قلوبنا عليكِ .. حملي عليّ وعلى مهلك .
رمقتها بنظـرات مندهشة ثم تطلعت نحو هارون الذي يرمقها بقلب مهشم من وجعه عليهـا ، حانت منها نظرة غاضبـة :
أصدرت نشيجًا مكتومًا :
-مامي فين وأنا أيه جابني هنا !! و أنتَ أيـه جابك هنا أصلًا !! هيام أنا مش عايـزة أشوفه بليز قوليلو يمشي .
تدخلت هيام معاتبة :
-حقا ما ليكِ حق يا ليلة ! ديه هارون همل الدِنيا كُلها وفرحه وچالك مخصوص تقوليله كِده !
سحبت ذراعها من يد هيام وهي تُرمقـه بخسةِ :
-والله كتر خيره !! أنا ما كنتش عايزة أشوفه أصلاً .. ولو سمحت رجعني بيتي أنتَ خاطفني ولا أيه !! وأيه الشقة دي !! أحنا فين ؟
أشار نحو أخته بهدوء متجاهلًا ثرثرتها العبثيـة :
-هيام روحي أعملي لها كوباية لمون تروق دمها بيها ..
تمسكت بها كأنها أملها الوحيد للنجاة:
-لا بليز يا هيام خليكي معايا .
عقد حاجبه متعجبًا:
-خايفة مني إياك؟!
صاحت بوجهه متمردة ، بل على الأصح متوترة يسكنها الخجل من التطلع إليه بعد ما تعرت أمامه من جملة مشاعرها المشحونة بحُبه ، دنت منه خطوة وهي تتجاهل صداع رأسها الخفيف مستردة كبريائها :
-أنتَ أيه جابك لعندي !! هااه ؟! مش مشتني وقالت لي ارجعي يا ليلة !! رجعت تاني ليه !! أنا أساسًا كنت ناوية مش هعرفك تاني من اليوم اللي رفضت فيه حُبي يا هارون بيه !! فاكر!!
أحست هيام بأن الحديث اتخذ مسار الخصوصية فانسحبت بهدوء لترفع عن أخيها ستار الخجل محتجة بصنع العصير .. تراجعت ليلة خطوة للوراء لتفسح لها الطريق وهي تمسح دموعها ثم أتبعت ساخرة ودمع القهرة يتقطر من عينيها :
-أنتَ فاكر أنها سهلة على أي بنت تيجي تعترف بمشاعرها لرجل وبعدين تترفض !! دي مش بتوجع بس ، دي بتقتل القلب ألف مرة في اليوم يا عمدة !! أنت عارف …أنت عارف مامي حذرتني منك كام مرة ؟
أحس باهتزازها وعدم اتزانها فتقدم عارضًا المساعدة عليهـا بلغة الإشارة فأبت بإصرار وهي تستنـد على ظهر أحد المقاعد وترتجف مكملة :
-أنا عمري ما فكرت اني هعمل كده في يوم !! بس الحب والحيرة كانوا أقوى مني ، عارف يعني أيه نفسك توصل للبر ومش قادر !! حلمت حلم جميل ونفسك أنه يكمل !!أنا ما كنتش عايزة منك حاجة على فكرة غير على الأقل …
ارتجفت شفتيها بحزن عميق وأكملت جولة عتابه :
-لو جواك مشاعر ليا توعدني أنك هتحاول .. أو كنت طلعت صريح يا أخي وقولي أحنا صحاب بس وأنا اللي فهمت غلط !! لكن انتَ خلتني أمشي من عندك وانا شايلة في قلبي ألف ليه !!جيت لك محتارة مشيت من عندك مجنونة !!
خرج عن صمته قائلًا وهو يحاول أن يمسح على شعرها كي تهدأ :
-وأديني چيت لك زعلانة ليـه !! ليلة أهدى ونتكلمو بالعقل .. بلاش عصبية غلط على صحتك.
أردتك وليفًا لا يستطيع أن يهزمه الزمن ، فهزمتنى !! انفجرت صارخة بوجعٍ وهي ترتعش كقطعة قماش في مهب الريح :
-جيت متأخر ..
جيت بعد ما خذلتني فيك ..
جيت بعد ما بقيت مش عايزاك ..
ثم أعلنتها صراحة بقلب بريئ مما تقوله وهي تخفي عينيها عنه :
-بقيت بكرهك وبكره كُل حاجة جمعتني بيك بجد .. مش عايزة أشوفك قُدامي.. قلبي بيوجعني أوي .
تقهقهرها للوراء حصرها في زواية صغيرة بين الحائط وسور بنبته التي يحاصرها ، مسح على كتفها :
-ممكن تنسي اللي فات وتهدي وكله هيتصلح ، مش حابب أشوفك في الحالة دي .
تنتفض وتنتحب أمامه وهي تتحاشى النظر إليه لتقول بحُرقة :
-أنا بكرهك .
اعترافها بكُرهها إليه لم يحرك إلا قوانين امتلاكها بداخله مهما كان المُقابل الذي سيدفعه .. مسك مرفقها وجذبها إليه لتتطلع بوجههِ جبرًا:
-اللي بيكره حد عـ يقولها في وشه .. وبعدين ميتى كرهتيني !! أيه نمتي صحيتي لقيتي نفسك كرهاني !!
تذكرت تفاصل أن حتى النوم لم يخلٌ طيفه منه تفاصل قبلته بالحلم و التي تؤلم شفتها لهذه اللحظة ، بل كان ملازمًا لقلبها وعقلها في اليقظة والمنام ؛ توترت من داخلها ، فظهر على ملامحها ببراءة طفلة :
-تقصد كلامي على الهوا صح !! كلامي اللي لو استنيت دقيقة بس قبل ما يغمى عليا كنت هعترف قُدام العالم كُله أني بكرهك وبكره الحب وأنه أسوأ شعور ممكن يلمس قلب الواحدة مننا .. كنت هرجع أؤيد كلامك فاكره !! فاكر لما قولتلى ديه حديث فارغ !
ثم رمقته بدناءة :
-هو فعلًا حديت فارغ لمـا يكـون مع الناس الغلط ، ناس اتخدعنا فيهم .. للأسف أنتَ اخترت الطريق السهل واخترت واحدة مش بتحبها ..
قاطعها بحدة :
-اسمعي ..
-اسمع أيه !! هاه !! أنا أصلاً ولا عايزة أسمعك ولا أشوفك ولا أعرفك تاني ..
ثم رفعت سبابته بوجهه :
-أنتَ مهما عملت ومهما اعتذرت أنا عمري ما هسامحك يا هارون بيه .. أنتَ نزلت من نظري أوي .
ثم دارت أمامه كالطفلة لتفر من سطو أنظاره المُحرقة :
-أرجع لبلدكم ولأعرافكم اللي هتعيش ميت جواها .. وأنا ليا ربنا .. كالعادة لازم ادفع نتيجة سوء اختياراتي، مامي كان عندها حق في كُل كلمة.
حتى الأمل الذي ركضت خلفه كالمجنونة ما زال يتلاعب بي ، تارةً يُحيِّيني، وطورًا ما يقتلني.. فـ هبت بـرأسها فكرة نسيانها الأبدية فدارت إليـه وهي تضرب بقبضة يدها على صدره بقهرة :
-أنتَ تنسى أنك قابلتني ، بقول لك أيه أنتَ تـ ..
باغتهـا بضمـة مفاجأة وهو يسلسل معصيها بكفيه ويسحبها لعالمه جاهرًا بصوته المُرعد القاطع لكل العوائق التي تبعدها عنه وعن أحقية امتلاكها :
-بقول لك أيه أنتِ ..
صرخت بوجه وكأن أصابها داء جبروته من قُربه :
-ما أنتَ قولت كل حاجة ، هتقول أيـه تاني !!
فك أسر معصمها لينتقل لأسر خصرها النحيل وضربات قلبه تصدح وتدوّي بصدرها ، لقد فاض من عينها حزن شفيف وهي توجه العتب لعينيه الذي أغرمت بهما بدمدمة خافتة :
-أنتَ عايز مني أيه ؟! سيبني.
صدحت عينيه بكلمات درويش ؛ إني أُحبك رغم أنف قبيلتي ومدينتي وسلاسل العادات؛ فـ جلى حلقـه عاقدًا نيته على اقتران قلوبهما لآخر العُمر متمردًا على الزمان ، فمال حد مسامعها هامسًا بمهـلٍ ، بهدوء ، ببطء شديد وبحرارة :
-تتچوزيني ………..!
"تستحقين أن تقام لأجلك حروبًا ليحظى قلبي بحبك ."
يحكي جنُدي الحُب المسئول عن قصتهم ، غرباء ثم لقاء عبثي ثم تشابكت الكلمات ثم الأيادي فانبهرت الأعين وشهقت الأنفاس وتناغمت الخطوات والضحكات وتعانقت الأرواح المغلفة بحكاية حُب مجهولة المصير !!
رواية آصرة العزايزه الفصل الثالث 3 - بقلم نهال مصطفى
-تتچوزيني ………..!
كان وقع الكلمة على جسدها المرهق بمثابـة ماس كهربي ضُرب برأسها وجرى صداه بكاحلها .. أحس بانتفاضة قلبـها الذي وقع براحة كفه الذي يحوي ظهرها من الخلف وهي تقول بنبرتها المهزوزة :
-أيــه .. !!
كرر عرضـه مرة ثانيـة ، بنبرة صوت مسموعة عن تلك المتهامسة التي أحدثت بجسدها زلزالًا .. تطلع بعينيها قائلًا :
-تتچوزيني …. !!
ثم جلى حلقه الجاف من وهج مشاعره :
-مالك ؟! عاوزك تبقي مرتي وحلالي قِدام ربنـا !!
صوت الكاسات المهشمة التي ارتطمت بالأرض لا تختلف كثيرًا عن صوت ضربات قلبها التي ارتطمت بسور الكلمـة التي قالهـا ، صرخت "هيام" من الخلف معترضة :
-أنتَ عتقـول أيه يا أخوي !!
فرت العصفورة من عِشها وهي تتدفعه بكُل ما أوتيت من نار ورماد متكدس بصدرها ، ولت وجهها عنه وهي تستند على ظهر المقعد بكفوفها المرتعشة ، فتولت هيام خلق الأسئلة التي تُعيد له وعيـه :
-هارون أنتَ واعٍ لـ حديتك !! أخوي ما ينفعش هو أنا اللي هقـولك !! أنتَ .
صاح بوجـه أختـه :
-أنا عارف عقول أيـه وهعمل أيه .
-طب والعزايـزة يا أخوي ؟!
دوّى صوته الأجـش :
-تولع العزايزة بمجالسها بأعرافها ، أنا مش هسيـب ليلة يا هيـام .
رجت الكلمة كيان " ليلة" فشدت بُساط الحوار من تحت قدمي "هيام" لتنهي الحديث متمردة على الشعور الذي ملأ صدرها فجأة :
-من أمتى الكلام ده !! ومين قال لك أني موافقة .. أنا مستحيـل هوافق اتجوزك حتى ولو كنت آخر رجل في الدنيا دي .
ثم دنت منه خطوة بغرور العشق وتمرده :
-هي فرصة واحدة ، وأنتَ كان لازم تحترمها يا هارون بيه .. أنا مش لعبة في ايدك ، خلاص مبقتش عايزاك .
رفع حاجبه ببرود :
-خلصتـي !!
هزت رأسها بالإيجاب :
-اه خلصت ، وقراري أظن واضح .. وهو لا .. طلبك مرفوض .
ارتاح قلب هيـام للحظات عند رفضها لطلب أخيها الذي يحمل الموت بنهايته ؛ تنهد بارتياح وهو يتحرك ليجلس على المقعد المبطن واضعًا ساق فوق الأخرى بغرور:
-جبت لك شنطتك من الأستديو هتلاقيها چوة في الأوضـة خشي أجهزي عشان المأذون مسافة السـكة ويچي !!
برقت عينيها بذهول يكاد أن يجن عقلها :
-مأذون أيــه !! شكلك مسمعتش أنا قلت أيه !! أنا قولت لا يا هارون بيه ولو كنت آخر راجل في الدنيا دي كلها مش هتجوزك ..
فأتبعت هيام مقترحة :
-هارون يا أخوي ممكن تروق دمك وتفكر بعقل ، مفيش مشكلة ملهـاش حل وو
قاطعها بحـدة :
-هيـام !! سمعتي قلت أيه !! أنا مش هاخد أذن حد ، ومش عاوز حد يچادلني..
تعكزت ليلة على أحد المقاعد لتجلس على الأريكة المجاورة لمقعده والعِبرات تتلألأ من عينيها :
-أنا عايزة أرجع بيتي ، ومش عايزة اشوفك تاني ..ممكن ؟
-مش بكيفك ..
صرخت بوجهه ففجرت برِكة الدموع من عينيها:
-ولا بكيفك ، أنا مش تحت أمرك ، تقول لي ارجعي يا ليلة ، نتجوز يا ليلة !! أنتَ أيه ؟! بتعمل فيا كده ليه !! حرام عليك !! مصمم تعذبني !! مش كفاية الوجع اللي أنا فيه بتزوده له !!
نحن نقع في الحب كي تُضمد جروحنا لا لفتح جروح جديدة غيـرها ؛ نقع بالحب لتُقرأ أعيننا بمـا نحويه بدون ما نضطر لشرح كل ما يؤلمنا ، الحُب أيضـًا علاج لكنه يحتاج لطبيب ماهـر يصفـه .
تُشعل النيران بعود كبريت ، وتلتهب نيران قلب الرجل بدمعة إمرأة من عيني امرأة أحبها ؛ قفل جفونـه متخذًا نفسًا طويلًا ثم أتبع :
-ومتزوديش النار في قلبي وبزياداكي قول وعيد ممنهوش فايـدة !!
كفكفت دموعها بكفوفها المرتعشة :
-طيب ازاي ، يعني لنفترض أنا وافقت على الجنان ده!! أنتوا مش عندكم أعراف بتمنع الجواز ده !! أيه عايز تتجوزني من ورا أهلك زي ما أخوك اتجوز وفي الآخر ساب البنت المسكينة وابنها !! أنا مش هكون رغد رقم اتنين يا هارون !!
انصب دلو مثلج فوق كل من هارون وأخته التي أتبعت مندهشة :
-چبتي الحديت ديه منين يا ليـلة !ألحق يا هارون ؟! هاشم !!!!
أيدتها ليلة بحزن وخيم :
-هي دي الحقيقة ، أخوك متجوز واحدة في مرسى علم اسمها رغد ، والبنت بتتواصـل معايـا ، وكانت النتيجة أيه أخوك سابها وراح يتجوز نغم !!! لكن أنا عمري ما هقبل أكون مكان رغد ، أنا شوفت حزن في حياتي يهد جبال لكن المرة دي مش هتوجع تاني يا هارون..
تشبثت هيام بكف أخيها الذي احتقن وجهه بدماء الغضب :
-هارون أنتَ مصدق الحديت ديه!! هاشم أخونا ميعملهاش .. يا وقعة لو كان اللي عتقوله ليلة ديه صُح.
طوى صفحة أخيه برأسه فكيف يلومه على تصرفٍ يكوى بقلبه بقلب حارس هذه الأعراف نفسـه ، تعكز على فعل هاشم الذي كسر عُرفهم وأتبع خُطى أخيه قائلًا بصرامة :
-وأنا مش هاشم يا ليلة .. وسواء برضاكي أو غصب عنـك مش هيطلع عليكِ نهار چديد غير وأنتِ مرتي .. خلص الكلام .
صاحت جيوش اعتراضها التي تخُر دمًا ولست دمعًا :
-أنتَ مش طبيعي !! فجأة خدت القرار ، ولا كأن ليا وجود ، طيب تمام اتفضل هات المأذون وأنا هقف قدامه وأقوله أنك خاطفني ومتجوزني غصب عني ، ووريني هتعمل ايه !! وبعدين أيه السبب هاه بص لي !! مش كنت هتتجوز زينة ، حصل ايه غير رأيك سبتها وچيت لي ليه ، صعبت عليك ؟! قولت يا حرام أما اتجوزها واكسب فيها ثواب .. أنا مش هتجوز واحد عشان صعبت عليه ؛ ومش هتجوز واحد مش بيحبني لمجرد أنه عايز يريح ضميره اللي علقني بيـه وهو رافضني من جواه .. أنا مستحيل هوافق.
اعتصرت اتهاماتها القاسيـة قلبـه وهو يطوي بُساط الحب المفروش لها بقلبه ليقول بهدوء منكرًا الاعتراف برغبته الكاملة فيها :
-ليـلة ، أمـ.ك ، قصدي نادية أبو العلا مقدمة بلاغ فيّ إني خاطفك ، والبوليس قالب الدِنيا علينـا ، الحل الوحيد عشان نخلصـوا من الورطة دي اكتب عليكِ ، عشان في القانون مفيش حد هيخطُف مرته !
اغرورقت العبرات بعينيـها بحزن ، فهي كانت منتظرة اعترافه بحبها ، اعترافه بأنه أحبها مثلما أحبته ، على الأقل يبتر جدور اتهاماتها من رأسهـا ، رمقته بخيبة أملٍ :
-والله !! يعني عايز تتجوزني عشان تحمي نفسك من الحبس !!وبس ؟!
خيم كذب أقواله على معالمه :
-أصلو مفيش حل تاني !! لو يرضيكي أني اتحبس ارفضي ..مستقبلي في يدك وبكلمة منك .
تمردت على حزنها بجزل طفولي وهي ترمقه بخذلان :
-ااه يرضيني ، وأيه رأيك أنا كمان هنزل اشهد أنك خاطفني وبتهددني ، أنت أصلًا ، أصلًا حلال فيك الحبس عشان تخطف بنات الناس تاني !!
فتدخلت هيام التي تحصد خيبات أخواتها أمام عينيـها :
-يعني أيه يا هارون مفيش حل تاني عشان تطلع من الورطة دي غير بجوازكم !! طب والبلد وناسنا وو
أشاح بنظرة خبيثة مواصلًا لعبة استعطافها حتى يصطاد قُطته الشرسـة :
-هي ورقة هتتكتب يا هيام عشان نخلصوا من حوار أمها ، وبعدين هنقطعوها وأرمي عليها اليمين .. وكل واحد هيروح لحاله .. كتب كتاب وبس ..
صرخت عليه بتجُبر :
-انا مش رخيصة كده عشان ألعب معاك اللعبة دي ، وكفاية بقا عشان أنت نزلت من نظري أوي .. يا ريتني ما عرفتك بجد .. وأقول لك حاجة كمان ، أنت تستاهل الحبس عشان تتعلم الأدب هناك وتعرف يعني أيه مش كل حاجة لازم تمشي بمزاجك وبس ..يعني أيه بنات الناس مش لعبـة .
ثم نهضت حاسمة أمرها بثرثرة وذعر ينهش بدنها :
-أنا هروح أغير لبسي وهرجع بيتي .. ومش عايزة أعرفك تاني ..محاولش توصلي تاني وإلا المرة الجاية أنا هنزل أبلغ عنك بنفسـي .
في تلك اللحظة دق جرس الباب بسُرعة رهيبة قذفت الرعب بقلبها وهي تنظر له مضطربة :
-أحيه ده البوليس صح جاي ياخدك !!!
نهض من مرقده متأففًا متأهبًا لفتح الباب :
-هريحك مني أهـو ..
ارتمت في حضن هيام وهي تعض على أناملها خوفًا أن تتحقق عاقبة أقواله وهي ترتعش:
-هيام ، أنا خايفة ..
-ربنا يجيب العواقب سليمـة يارب..
ما فتح هارون الباب فتنفست ليلة الصعداء وهي تتمتم لهيام بفرحة :
-ده عمو حسن مش البوليس .. الحمدلله .
ما رأته فارقت حضن هيام على الفور وهرولت مرتميه بين يده لتشكو له أوجاعها :
-عمو حسن ، أنتَ هنا ، تعالى ألحقني …
قفل هارون الباب بضيقٍ لرؤيتها بحضنٍ رجل غريب ولكن هدأت دواخله على الفور عندما تذكر أنه شرعًا بمكانة أبيها لأن زوجته مرضعتها السـرية .. ألتفت لشكواها وهي تُلقيها على مسامع العم :
-شوفت اللي بيحـصل فيا يا عمو ؟ شفت .. أنا تعبت أوي ، من فضلك خدني أنا عايزة ارجع لمامي .. مش عايزة أقعد هنا تاني .. ده عايز يتجوزني بالعافية يا عمو بلطجة .. بيبلطج عليـا فاكر الدُنيا هتمشي على مزاجه وبس ، لو سمحت ارفض وقوله لا عرفه أن ليـا حد في الدُنيا دي ، مشيني … أنا عايزة أزور قبـر بابي ، محتاجاله أوي بجد .. خدني على هناك.
خيم الأسف على وجه العم حسن وهو يربت عليـها بشفقة ويطالع هارون الواقف جنبًا وكل جوارحه تتطوق لسجنها بين ذراعيـه ليقول بحزنٍ:
-لازم تفتحوا التلفزيون حالًا ، دكتورة نادية طالعة على القناة اللي اتذاع عليها برنامج ليـلة ، كانوا مشغلين البرنامج في القهـوة و
-مامي !! ليه ؟! افتحي بسرعة يا هيام .
فتحت هيام التلفاز بناءً على إشارة واحدة من أخيها ومنحته الريموت ، بحث سريعًا عن القناة فما فتحت الشاشـة على صورة نادية التي تصيح على الهواء مباشرة :
-يا استاذ بـدر ، أنا بنتي طالعة من مصحة نفسـية ليها ٤ سنين بتتعاطى جرعات مكثفة من الأدوية عشان تقدر تقف على رجليها وتتعامل مع البشر ، غير مؤهلة لأي تصرف أو قرار ، الجدع ده استغل حالتها وضحك عليها وكلنا شوفنا انهيارها على الهوا ، فين حق بنتي !! انا هوصل صوتي لأعلى مسئول في الدولة ، هارون ده مجرم لازم يتعاقب .. أنا من بكرة هقدم الوصاية على بنتي ، بنتي بتضيع مني يا بـدر ، أنا أم قلبها محروق لازم حقي وخق بنتي المسكينة يرجع ….
ضربت نادية بالكل في عرض الحائط بناء على تفكير وتخطيط رشدي الذي بذل أقصى جهوده لتوفير فقرة لها بأحد البرامج التلفزيونية ، كي يتخلص من هارون وليلة بضربة واحدة ..
من المنطق ألا تضع حدودًا للصدمات ، ألا تقول اكتفيت هذا أبلغ شيء قابلته بحياتي ، لا تصف حدثًا بأنه الناهيـة ، الحيـاة ثرية بالمواقف التي تجعلُك تصل إلى قناعةٍ تامة بأن كل الاشياء ممكنة ومُتوقعة .. وقاتلـة .
أطلق هارون سبـات علنيـة رجت عظام صدره قبل جدران الشقة ، ثم التفت لليـلة التي أوشكت أن تنهار من صدمتهـا الشديدة بأمها وهي تهذي كالمجنونة :
-هي ازاي مامي تقول عليا كده وتدمـر مستقبلي !! ازاي تفضحني قُدام الناس كلها وتقول أني مريضـة !! لا لا لا آكيد في حاجة غلط ، أنا لازم اكلمها ؛ عمو حسن اديني موبايلك أقولها توقف الجنان ده!! مستقبلي ضاع .
خيمت علامات العجز على وجه العجوز وهو يراقب هارون متحيرًا حاول ضم الفتاة ليُطيب جرحها وهو يقول :
-استهـدي بالله يا بنتي .. متعمليش في نفسـك كده ..
صرخت بحرقة وسيلان عينيها وأنفها يتدفقان في آنٍ واحد .. تبادلت أنظار الأخوة فبنظرة واحدة أخرس هارون أخته وهو يقف أمام "ليـلة " ويمرر طرف كُمه على ملامحها المبللة بالآهات ويزيح من عنها ماء خذلها في أمها المُزيفة ثم تفوه قائلًا :
-طول منا چمبك مش عاوزك تخافي من حاچة واصل ، الدنيا دي أطربقها فوق راس اللي يزعلك حتى ولو كان مين ..
رفعت جفونها المبللة إليه وهي تشكوه :
-أنتَ أكتر واحد زعلتنـي .. كلكم بتزعلوني كأن مفيش غير ليـلة تقسوا عليها ، أنتـوا بتعملوا فيا كده ليـه !
مسح على شعرها المُرهق مثلها وقال :
-كله هيتحـل ومحدش هيقدر يزعلك طول منا نفسي في الدِنيا ، حتى ولو كُنت أنا .. ليلة مفيش وقت للمقاوحـة أوثقي فيّ المرة دي وبـس .
تدخل العم حسن والحزن يقرض قلبه وهو يربت على ظهرها :
-وافقي يا بنتي عشان قلبي يطمن عليكِ وافقي لحد بس الفترة دي تعدي وبعدين لو عايزة تطلقي أنا بنفسي اللي هقف معاكي .. حرام هارون بيه يروح في داهيـة وأنتِ في أيدك الحل ..
ما زالت تحت تأثير صدمتها ترتجف وتبرر تصرف أمها :
-بس مامي مستحيل تقول كده !! هي آكيد في حاجة خلتها تقول كده وانا لازم أعرفها .. صح !! هي بتقول كده من خوفها عليا!
كيف يخبرها بأن هذه الأفعى ليست أمها !! قفل مخزن أسرارها بقلبه كي يواجهانها معًا ، أراد أن يملكها أولًا ، تمسك بمرفقيها كي تهدأ ، كي يُعجل بتمهيد الطريق إليها ، أن يحلل ضمة يده التي ترفع عنها حِمـل جبال من الهم عنها :
-ليلة ، بصي لي ، كل الكلام ده مش وقته .. مفيش قدامنا وقت ..
حركت رأسها يمين ويسارًا والخزى يحيط بملامحها ، فأتبع متوسلًا :
-ليلة ؛ باللي عملته نادية قلبت الدنيا علينـا ، أنا مش خايف من حبس ولا نيلـة ، أنا مش عايز أسيبك لوحدك ، نادية لو رفعت قضية هتكسبها ، أنا فاهم بقولك أيه وساعتها مش هقدر أساعدك ماليش حق ؛ لازم نكونوا سابقين بخطوة .
أخذ يتأملها متمليًا في تفاصيلها التي آسرته منتظرًا موافقتها ، فرفعت جفونها إليه بعجز :
-يعني مفيـش حل تاني غير .. غيـر الحل ده !
بدّ الارتياح على ملامحه التي استشعرت موافقتهـا و رغم الحلول المتعددة التـي تتسابق في عقله نفى تمامًا وجود أي حل غير أنها تُكتب باسمه :
-مفيش يا ليـلة .. لو في كُنت هقوله مش هستنى سؤالك ..
فتدخل العم حسن متوسلًا :
-هاه يا بتي ، قـولتي أيه !! نتوكل على الله وانزل أجيب المأذون !!
حانت منها نظرة خاطفة لهارون ثم خيم الارتباك والحزن على ملامحها وهي تُخبر العم قائلة بيأس متأهبة للاختباء بالغُرفة منفردة بهمومهـا :
-أي حاجـة ، أعمـلو اللي عايـزينـه مبقتش فارقـة .
ولكنها تراجعت لتقف أمامه عاقدة شرطها :
-بس ليا شرط واحد ..
تلهف لسماعها:
-هاه !!
-الجوازة دي تفضـل في السـر محـدش يعرفها غير هيام وعمو حسن .. لأنها مش هتطول ، زي ما قال هارون بيه ورقة وهنقطعها .
••••••••••••••
~العـزايـزة 💥
-بس الحال ديه ما يرضيش حـد يا عُمدة ، ولدك غايب له يوم بليلة ومحدش عارف له طريق !! لو بت من بناتك يرضيك يحُصل فيها إكده !!
صدحت أصوات العتـاب والشكوى من صدر زينـة التي نفذ صبرها ، رمقها خليفـة بجفاء:
-أنتِ اللي اخترتي قضاكِ يبقى تشربي !!
-يعني أيـه يا حچ !!
ضرب عكازه بالأرض :
-يعني الدِنيا مش هتمشي على كيفـك ، ولما تاخدي حاچة مش حقك استحملي عقابها ..
تدخلت صفيـة التي لم تتوقف عن الصياح والندب:
-من نقـرة لدُحديرة ويا قلبي لا تحزن !! واحد هچ ماعارفوش طريق ، والتـاني حالته تحزن اللي ما يحزنش!!
نظرت زينة لعمتها تشكوها:
-ما تخفي ندب وتقولي حاچة ياعمة !! وبعدين هي مين البت الخوچاية اللي قعدت لنا في الدار دي !! أحنا خُلصنا من المذيعة لما تچيبولنا المشغلعـة دي!! هو فيه أيه يا حچ !!
صاح خليفة بوجهها:
-فيه أنك بت قليلة الرباية أبوها معلمهاش يعني أيه البيوت ليها كبير يحكم فيهـا ، فيه أنك حاشرة روحك فـ اللي مالكيش فيـه !! فيه أنك عقاب ولدي في الدنيـا وأنا اللي هريحه منك ومن خوتتك !! اسمعي يا بت ، الكلمة هنه كلمتي ومفيش مخلوق له الحق يقول مين يقعد ومين لا غيري!! يعني تكتمي وتحطي جزمة في خشمك ، ومش عاوز أشوف وشـك لغاية چوزك ما يرجع!
عارضته ببجاحة :
-چوزي!! چوزي اللي هملني وراح ورا واحدة لا هي من دمه ولا تحل له ، بدل ما تشوفي أراضي ولدك فين چاي تبكتني وتغلطني ..
فزعت صفيـة لتقف أمام ابنة أخيها التي كانت ستنالها لطمة العجوز متوسلة :
-خلاص يا حچ دي عيلة عبيطة وأنا هفهمها غلطها .. متعكرش دمـك .
ثم نظرت لزينة وجهرت:
-اركبي على أوضتك مش عاوزة أشوف وشـك لغاية چوزك ما يعاود .. يلا يا بت وبطلي قِلة عقل..
جرت زينة ذيول قهرتها وغادرت ، دارت صفية لزوجها متحدثه بخوف :
-ما عنديها حق يا حچ ، البت محتارة مش عارفة تروح لمين وبعد المفضوحة اللي طلعت على التليفزيون وحكت اللي حكته ليها حق تتچنن !!
رفع سبابته محذرًا :
-فكرك نسيتلها اللي عملته ! البت دي هيتعاد ربايتها من أول وچديـد يا صفية ؟! شكل أخوكي مرباش ..
عاتبته بحسرة :
-ماهي أحلام ربت يا حچ ، كانت النتيجة أيه !! ولدك الكبير محدش عارف له طريق وواحد أخته معاه !! والتاني طلع متچوز في السر ومرته هتفتح علينـا أبواب نار ، والتالت چايبلي واحدة بفضيحة ، والرابع صايع ومحدش موقفه !! قول لي ألاقيها منين ولا منيـن !!
هز رأسه مدركًا الحقيقة:
-واضح أن مش بت أخوكي بس اللي ناقصة ربايـة يا صفية !! لايمي دورك معاي .. وإلا متلوميش غير روحك.
-طب سيبك من البت دي ،وسيبك من هارون ولدي عاقل وعارف حدوده زين وأكيد راح يوقف البت المذيعـة دي عند حِدها ، نيچوا للبت الخوچاية اللي چايبها ولدك !! دي لو حد شم خبـرها هيتاويهـا هي وولدي ، أحب على يدك يا حچ خليه يطلقها ويا دار ما دخلك شر ، محدش سمعنا .
حدجها باعتراض:
-وحفيدك يا صفية ، أيه عاوزاه يتربى من غير ناسه ولا أبوه!!
-ديه وِلد حرام مش عاوزينه !! الچوازة اللي تخالف قوانيننا حرام ، مصير ماهر ومرته كان ايه ، اتقتلـوا، وأنا مش هسكت لغاية ما يقتـلوا ولدي يا حچ !!
-طب اكتمي ووطي حِسك وأوعاكِ تچيبي سيـرة قِدام بنت أخوكي ، فاهمـة يا صفيـة.. والعيل ديه غصبًا عنك وعن العزايزة ولدنا ومش هنرموه في الشـارع ..
~بغُرفـة أحلام .
-ياحبيبـتي كُلي لُقمة هتفضلي مسرِتـه ورايحـة في ملكوت تاني لغايـة ميتى !!
أردفت أحلام جُملتـها بتوسل على مسامع رغد المُقيمـة بغُرفتها منذ الأمس .. وهي تضُم ساقيها إلى صدرها:
-بفكر يا طنت !! أنا بين نارين ، بين أني مش عايزة ابني يعيش نفس حياتي ويتربى بعيـد عن أهله ، وبين أن قوانين أهله ترفض وجوده !! أعمل أيه ؟! قوليلي ..
تمسكت أحلام بقلبـها إثر نغزة الحزن التي انتابتها :
-العمل عمل ربنا يا حبيبتي ، ربك هو اللي في يده الحـل ؛ كُلي واهتمي بصحة ولدك وبعدين نشوفوا رأي الحچ خليفة ..
مدت يدها للطاولة لتقطم قطعة من الخُبز وتضعها بفاهها ثم ولت متسائلة :
-كلمت هارون كتير على موبايلـه قبل ما أچي هنـا ، رقمه مجمعش خالص، هو راح لعند ليلة ؟!
تعجبت أحلام :
-وأنتِ كمان عتعرفي ليـلة ؟!
لكت اللقمة بفمها بمرارة :
-ااه ماهي اللي ادتني العنوان ومنها عرفت بخبر فرح هاشم وو ، طنت أنا مش غلط !! واللي بعمله هو الصح !!
ردت أحلام متحيرة :
-والله منـا عارفـة يا بتي .. هارون وهاشم شِيلتهـم تقضم الضهر هما الاتنـين ..
تنهدت بحزنٍ وهي تُخبرها :
-ليله بتحب هارون .. كان باين أوي من قبل حتى ما تعترف بده…
تنهدت أحلام بحُرقـة :
-وهو كمانه عيحبها وغرقان فيها لشوشتـه .. الحُب ديه غريب قوي ، مايچمعش غير اللي بينهم مسافة سما وأرض ..
قطع حديثهم صوت دق الباب الذي نادت أحلام بصوتها لتمسح للطارق بالدخـول ، فإذًا بهيثم الذي يخفض وجهه بالأرض قائلًا :
-ياساتر!!
نظرت له رغد نظرة مبهمـة فترجمها معتذرًا :
-والله أنا وشي منك في الأرض وچاي اعتذرلك بنفسي!!
تدخلت أحلام مستفسرة :
-عملت معاها أيه أنت كمان !
تبسمت رغد بهدوء وهي تشكو منه لأحلام :
-يرضيكـي يا طنت يعاكس مراة أخوه ..
شـد ياقة جلبابه متحمحمـًا وهو يلقي اللوم عليها :
-طب زمري اطلقي عيارين في الهوا ولا في نفوخي عشان أعرف أنك تبع الزعامة ..
تدخلت أحلام معاتبـة :
-أنتَ هتعقل ميتى يا واد أنتَ !
-لما اتچوز اللي فـ بالي يا أحلام ، هي اللي هتعقلني .. ادعي لي هبابة كيف ما بتدعي لهارون وهاشـم .
أحلام بسُخريـة :
-بحالك ديه مش هتعمر في چواز يا وِلد صفيــة ..
-ما بلاش تبوظي سُمعتنا البايظة دي أكتر من كِده قصاد الأچانب يا أحلام ..
ثم نظر لرغد الجالسة بينهما وذهنها مُشتت هنا وهناك :
-أنا في عرضك اللي حصل يبقى سـر بيناتنا هاشم ما يشمش خبر ، أنا شاب مخشتش دِنيا وهموت وأخشها .. وديه الهزار معاه تذكرة سفر للأخرة .
~بالخارج .
-يلا يا هاشم ، حِب على راس أبوك وراضيه .. وأنا هروح أخلي صفية تعملنا شـاي ..
استسلـم هاشـم لطلب أخيه وأنحنـى ليُقبـل رأس أبيه قائلًا :
-حقـك عليّ يا أبـوي ، أيوة أنا غلطت مش هنكـر .. وأنتَ ليك حق تموتني بس أعمـل أيه حبيتها يا أبوي وقلبي ساقني !!
حدجـه بعنفـوان وهو يوبخـه :
-وسبتهـا ليـه !! مطلعتش راچل للآخر ليه طالما أنتَ فاقـد ومش هامك حد ، ولا خلاص اتعودت تاخد كُل حاجة وتسيبهـا لما تزهـق منها !!
-يا أبوي أكيد مكنتش هعمـل إكده ، سيبك من اللي فات ، وخلينا نكلمو في اللي چاي ، قوللي أنتَ ناوي على أيه !! أنا عاوز أكلمها سيبني سيبني أحلها مع مرتي وبلاش تدخل وو
قطع جابو حوارهم راكضًا :
-ألحق يابا الحچ ، صديق قالب البلد على نچاة وعيقول أنها هربت مع الظابط رؤوف وِلد غالب ، والدِنيـا مقلـوبة قَلب ..
فرغ خليفة من مجلسه لما سمعه وهو يطلب من هاشم قائلًا :
-أخوك مش قاعد ، قوم تعالى معاي دِلوق !! هات العواقب سليمـة يا رب …..
~بالمطبـخ .
-من فضـلك كوباية شاي يا أم هارون ، نفوخي هيتفجر .
أردف هلال جملته بعد ما فارق أبيه الجالس على مراجل من نار بسبب المشاكل المتكدسة فوق رؤوسهم ، جلس على طرف المقعد الخشبي ونهضت أمه لتعد له كأسًا من الشاي بلهفة :
-چرالكـم أيه بس يا ولاد بطني ، محسب عليكم !! دي عيـن ، ورب العزة عين وأنت لازمًا ترقي البيت كُله يا هلال !!
ثم عادت إليـه متهامسه :
-بيني وبينك ، أنا بشوف كوابيس عِفشة وعيون عيون كِده مرقعـة الحيطان ومهمًا ما أبخر ولا حاچة محوقـة !!
هز رأسه ببشاشة :
-استهدي بالله يا أم هارون ، جميعها ابتلاءات واختبارات من عند المولى عز وچل ..
هنا اقتحمت زينـة المكان وهي تتمايل يمينًا ويسارًا والحقد يعقد خيمتـه فوق رأسهـا :
-خير يا عمتي، رغم انه باينلو مش خير واصل باللي عنسمعوه ، شوفتي نچاة واللي عملته !!
ثم شدت المقعد لتستريح على طرفـه :
-يامـا تحت السواهي دواهي بحق !! يرضيك اللي حُصل ديه يا شيخنا !! دي هربت مع عشيقـها والفضايح بقت قايدة واللي ماسمعش شايف دُخانها !
كور قبضة يده مغلولًا وهو يتحاشى التحاور معها هاتفًا بضيق:
-يامـا ، أسرعي الله يجازيكـي خير الواحد رأسه هتنفجر مش ناقص قـول وعيد !!
وضعت الشـاي بالكأس وهي تقول :
-أومال چرالك أيه أنتَ ومرتك العدمانة اللي مش نازلالي من زور دي ، من صُبحيـة ربنا رايحة چاية على الحمام تتقيا .. تكونش حِبلي يا ولدي!! يا وقعة !!
لم تمهله تلقي الصدمة فاقتحمت زينـة الحوار بسُمها وهي تلوى شفتيها أقصى اليمين وأتبعـت :
-ويـا عالـم حِبلى من چوزها ولا من اللي منـه ، يووه مش قصدي يا وِلد عمتى بس أنتَ قابلتها كام مرة عشان تِلحق تِحبل !!
طاحت يدي هلال ابريق الماء الزجاجي ليرتطم بالأرض وينتشر فتاته في كل الأرجاء وهو يقف كالسد المنيع بوجه زينـة التي يعاني في كظم غضبه عنها ولكن عينيه لم تفشل في ترهيبها حد تراجعها خطوة للوراء رافعًا كفه المتحمل بالجمر بوجهها الذي أطبق أصابعه بقسوة إهانتها في حق زوجته ، فانفجـر بوجهها قائلًا :
-لسانك لما يچيب سيرة مراة هلال العزايـزي يعرف حدوده زيـن ، ولو متعدلش أنا هعدله .. رقيـة ست البيت ديه واللي مش هيحترمها ويشيلها فوق رأسه هيلاقينـي في وشه ويا ويله !! فاهمة !!
تدخلت صفية لتربت على صدره بفـزع :
-هدي يا حبيبي دي عبيطة ومتقصُدش ، صل على النبي كِده ..
تجاهل حديث أمه الذي لـم يتغلغل لمسامعه فحرقته ثورة غضبه وهو يدنو خطوة منها مُكملًا :
-تعرفي حدودك زين ، مرتي مفيش عليها ذرة غبارة واحدة ، هي مش زيك الدور والباقي على اللي غارق في الوحـل ومش عارف يطلع منه ، هارون لما يرچع ليّ حديت تاني معـاه ..
ثم ركـل المقعد بقـدمه بعد ما أنصب الرعب بأوصالها وهي ترتجف قائلة بكهن والدموع الكاذبة تتراقص على مصل أهدابها :
-وأنا كُنت قُلت أيه يا عمتي!! لا ناقص يسفخني قلمين !! حقه منا ماليش راچل يقف في وش اللي يزعلنـي ، الحق على چوزي اللي مهمـلني ومعارفلهوش طريق !
-تقدري تقول لي يا عمـة أنا قولت أيـه غلط عشان ولدك يتحمق إكده !
-ماقولتيش ، وأصلا دي عدمانة وميتانة ، دي ولا حِمل حبل ولا نيلة دي ناصبة عودها بالمـرار !!
ثم استيقظ ضمير الأفعى بداخلها وهي تضرب على سطح الطاولة :
-بت سُهنة ونابها أزرق ، وديني وما أعبد منـا ساكتة ولا هعديهـا !!! وهتشوفي زينة بت صالح الطحاوي هتعمـل أيه عشان ولادك زودوها !!
دبت صفية على صدرها هاتفهـا على مسامع الحية المغادرة :
-يشندلك ! خُدي يـا حزينـة .. يخـربيت أمك !
أكل " هلال " خطاوي الأرض وهو يتسابق مع الأفكار التي تُلاحقه ، ففتح الباب بدون إذن مسبق كعادته مناديًا :
-رُقيـة !!
كانت ترقد بجسدها النحيـل ملتفـة باللحاف على الأريكـة خاصته وهي تعدل مُجيبة بتعـب :
-خير يا شيخ هلال !!
رفع اللحاف من فوقها وتغلغل ذراعه تحت رُكبتيها والأخر وراء ظهرها وحملها عنوة وخوفـه يُقاسـم معالـم وجـهه :
-قومي معاي !!
حملها على قلـبـه وهو بفتح باب المرحاض فوقع غطاء رأسها من عشوائية حركته :
-فيـه أيه فهمني طاب !!
أنزلها برفق وهو يفتح الصنبـور بالماء الفاتر ويغسل وجهها براحـة يده قائلًا :
-صفية قالت لي إنك عيانـة، هوديكِ لداكتور يلا البسي ..
رسى كفها الصغير فوق يده بهدوء وهي تبتلع بمرارة وجع عذرها الشهري المؤلم :
-مفيش داعي أنا زينـة والله ، شكلي خدت شوية برد من نومة الكنبـة !!
أغمض جفـونـه للحظة ليزيح عن رأسه فتيل النار الذي أشعلته زينة :
-رقية ، قولت هاخدك للداكتـور يلا ومش عاوز مناهدة!!
-مش مستاهله عقولك ، على بكرة هبقى كويسـة أنا عارفة روحي ..
ثم تحررت من سطو أنظاره وهي تتمسك بشرط الحبوب المُسكنة :
-شوف هاخد بِرشامة كمان وهبقى زي القِردة !! متكبرش الموضوع .
خطف الشريط من يدها واطلع على اسمـه متسائلًا :
-ديـه بتاع برد ومغصن ..
ثم شدت الشريط من يده بعد ما صوره على هاتفه و بهرولة لتقول مشتتة ذهنه لتقول بمزاح :
-ما أنت ليك كاتير عتنام عالكنبة !! اشمعنا أنا أول ما نمت عيت !! يلا عمومًا هي صحة ولا أنتَ مكنتش مسامح !
تمتم بسره وراء جفونه المقفولة :
-لا حول ولا قوة إلا بالله ..
توارت راكضة من أمامه لتحتمي بلحافها :
-رقيـة ، يلا هنروحوا للداكتور واسمعي الحديت !! أنتِ عتحكي كتير ليه !!
خشيت أن ينكشف سرها أمامه فرفضت قطعًا :
-مش رايحة حِتة .. هاخد البرشامة وهبقى زينة قلت لكَ .
أخرج هاتفه باحثًا عن اسم الدواء الذي تتناوله بفضول ليطمئن على حالتها ، فوجده مُسكنًا لكثير من الألآم منها آلام الحيض وغيرها ، فتنفس الصعداء وهو يخرج من المرحاض قائلًا :
-متأكدة انه برد ولا في حاچة تانية وأنتِ مش عاوزة تقـولي !!
-بردت والله ، متشغلش راسك ..
حك ذقنـه وهو يرمقها بنظرات المكر التي تحاوط أعينـه :
-طب قومي صلي معاي العشـا تاني وأرقيكِ لتكوني واخدة عيـن !!
ما أكمل جملته فتعرقلت قدمه بطرف السجادة متأوهًا :
-يااالله !! قل أعوذ برب الفلق !
فزعت من مرقدها ملهوفة :
-في أيه !!
-عين ، عين مقمـرة احتلت سمائي يا رقية !
تأرجحت عينيها بتوجس :
-مين حسدك بس !! تيچي أرقيك طاب !!
-شوفي أنتِ !! مش كِده يا رقيـة بس على مِهلك عليّ أنا لساتني عريس مخشتش دُنيا !! المهم دعك مني وشأني ؛ أنتَ كيـف حالك !
-زينة عقول لك ، وأنتَ مكبر الموضوع ليه تعالى أما ارقيـك ..
-دعي الرُقية لصاحبها ..
فتبسـم بوجهها قائلًا :
-صليتي!
ردت بخجـل وهي تتراجع للوراء وتهز رأسها يمينًا ويسارًا :
-لا .. قصـدي مِش عصلي !! بس هنام طوالي أهو وهصحى زي الفل ، كنت عيانة قوي العصر ووو
أمسك بمرفق كي يوقف رحيلها :
-نامي على سريـرك ، كي لا يستفـرد بكِ الشتاء بعد !
-وأنتَ ! هتنام فين ؟!
-هنام چارك ، اظن أن استفرد بكِ أهون من أن يستفرد بكِ برد الشتـاء !!
لطخ الخجل وجنتيها :
-وه!!! لا البرد أهون !
-أنا لا أمرضك لكن البرد يُمرضك !!
اندست تحت لحافهـا هاربة من سطوه :
-لا أنا عاوزة أمرض ، متشغلش بالك .. تِصبح على خير …
استغفر ربه سرًا ثم اندلعت منه تنهيدة ساخنة حرقت هواجس رأسه التي بختها بها الحيـة واقترب منهـا جالسًا على رُكبتين ليزيح الغطاء عن وجهها متصلص النظر لشعرها اللامع من كثرة نعومته ، تبادلت أعينهم المتوجـة ببيادر الحُب لتتهامس:
-فيه أيه !!
وضع رأسـه فوق جبهتها وهو يقـول بلطف :
-ألف لا بأس عليكِ ..
ثم بلل حلقه وأتبع معتذرًا :
-أسف عن أي تصرف صدر مني في غير أوانه ! لكن ما دخلي بهِ ، والله صب الشوق أحر من صبابـة أغسطس.
-شوق لميـن !!!
-لأمي .. لأمي ، صفية عارفاها !!
تلونت ملامحه بزهو الشوق المتوق إليها فارتعشت برهبة من ذلك النور المنبعث لها وحدها ، تمسكت كفوفها الصغيرة باللحاف والخجل يلتهمها ويتراكض الح :
-شيـخ هلال بلاش تبص لي كِده !!
كسا الحب ملامحه وهو يغازلها بملامحه بعد ما ارتاح قلبه من شكوكه ؛ قائلًا :
-أخبريني كيف للعين أن تتطلع في حقل الجمال ما دام الجميل يربكه نظرتي !
بللت حلقها الذي جف من وهج كلماته وأنفاسـه المحرقة بقلبـها :
-كبرت الموضوع ليه !! قصدي أقول لك عاوزة أنام .. تصبح على خير ..
اومئ رأسه متفهمًا حالتهـا ثم اكتفى بطبع قُبلة طويـلة على جبينها وقال متيمًا بشوق مدفون :
-تصبحي على الخير ونعيمه يا دكتـورة .. ربنا يهديكي !!
-يهديني لفيـن !!
-لطريقي !!
••••••••••
~القـاهرة .
تتشاجر "هيام" مع الأطباق بيدها لتفـرغ طاقـات الأسئلة التي تفتـقر الرد بداخلها حتى وصل صوت ضجيج الصحون لمسامع أخيها الذي يرتب شاله على كتفيه ، فاقتحم المطبخ قائلًا :
-ما علـى مهلـك يا هيام ديه مش مطبخ أبونا !'
-هطق يا هارون !! شايفاك عتغرز وأنا مش قـادرة ألحقك ولا أفوقك !'
أجابها ببـرود :
-ديـه ليـه يعـني !!!
جزت على فكيها بضيق:
-ليه !! هارون أنتَ كُنت هتطبق على روح وِلد عمك رفاعي لما بس قال أنه رايد بنت ماهياش من دَمـنا !! جرى لعقلك أيه شقلب حالك وكيانك !!
شبح ابتسامة متمـردة بدت على ملامحـه :
-عشانه چبان ، خاف من الموت وساب البت اللي رايدها !! الشعور القايد في قلبي ديه لو كان فـ قلبه قلبي وسابه يبقى حمار ومايستاهلش البت !!
-خايفة عليك يا أخوي !! أنتَ من ميتى عتفكر بقلبك دي !! دانت أبو العقل كُله !
-وعقلي مش هيفرط في البت اللي هچبته بردك يا هيام ، أهدى وأفردي بوزك دي ، أخوك عريس ولا أنتِ واخدة عرق من صفيـة وعاوزة چنازة تشبعي فيها لطم .. فكي لغـاية ما أشوف ليلة ..
زفرت بضيق:
-طـب يا أخوي ، طب ربنا يسترها والله قلبي ماهو مطمن بس ماشي ..
رفع سبابته محذرًا :
-هيام ، چوازتي من زينة دي كارت محروق ، ليلة ما تشمش خبر !! سامعة!!
انصرف هارون من المطبـخ تحت نظرات أخته المحترقة عليه وهو يطلق صفيرًا هادئًا لا يتناسب مع عصف المـوقف ، فتـح الشُرفة بأحد الغرف المجاورة وأخرج هاتفـه ليسجل رسالة صوتيـة لنادية بعد ما دس بطاقة المحاماة بجيبه ليقول بصوته الزئير :
-اقسم بچلالة الله لو المحضر اللي مقدماه ما اتسحب لـهلففك محاكم مصر كُلها ، من بكرة البلد كُلها هتعرف أن دكتورة نادية أبـو العلا معتخلفش وبالدليل ومش بس إكده دي حاولت تقتل البت اللي طالعه تقول أنها بتها عشان حتة أرض خايبة ، ورب العزة لهخليكِ تتمنى الموت ولا هطوليـه … أنت وقعتي مع اللي مبيحرمش مخلوق في الحـق !!!
ثم أرسل رسالتـه الصوتيـة وقفل هاتفـه ووضعـه بجيبـه وفارق الغُرفـة متجهـًا نحو الغرفة التي تختبئ بها " ليلة " ، دق الباب مرتين فهتفت ليـلة بصوتها المبحوحٍ :
-تعالـي يا هيـام ..
هتف من وراء الباب قبل أن يفتـحه :
-بس أنا هارون ، مِش هيام !!
رج الاسم قلبها وهي ترفع رأسها الملطخـة بالعِبرات :
-عايز مني أيه تاني !!
فتح الباب بهدوء وتسلل منه فوجدها تتكور بزاوية الأريـكة دافنة وجهها بمعصمي يدها وآثار الدموع جفت على وجنتها، دنى منها متحيرًا :
-وبعدهالك عاد!!
-أنتَ عايز أيه تاني !! هاااه .. مش كفاية اللي حصل لي !! مش كفايـة كده!!
ثم تدلت أقدامها لتُلامس الأرض هاتفة:
-هارون يا عزايزي أنت أفهم بقا ، أنا مش عايـزة اتچوزك !!ولو وافقت ده بس عشان الورطة اللي أنتَ فيها.
جلس بجوارها بهدوء:
-بس أنا عاوز ..وبكيفي .
أجابته بنفاذ صبر :
-وأنا لا .. مش عايزاك ..الله!!
-ليه يعني !!
لكت الكلمـات بفاهها :
-عشان !! عشان هتجوز شريف أنا خلاص أديتهم كلمة ..
رد ساخرًا :
-بليهـا وأشربي ميتها ، ولا بلاش ميتها دي مية عِكرة وأحنا مش ناقصـين !!
عاتبته بجزل طفولي:
-أنتَ كده هتطلعني صغيرة ومش أد كلمتي!!
رفع حاجبه بدون أي اندهاش:
-وأيه الجـديد !! طول عمرك صغيـرة ومش كد كلمتك!؟والدليل أهو ، فچاة نسيتي مين هو هارون !!
رمقته بسخرية وهي تمحو أثر الدمع من على وجهها :
-اااه ، شكلي اتعلمت منك !!
شبح ابتسامة خفيفة بدّ على وجهه:
-أنتِ كُل الزعابيب دي عشان خاطر شريف أبو العلا!! أومـال لو كان شريف منيـر كُنتِ هتعملي أيه !!
أغمضت عيونها بوهنٍ وهي ترفع وجهها للسقف :
-بردو بتهزر !! ليك نفس تهزر وأحنا في الظروف دي !! انا واحدة حياتها كلها ادمرت حتى … حتى حلقتي اللي مكسرة الدنيا وكل الناس بتتكلم عنها أنا مش قادرة أفرح بده!!
ثم أغرورقت الدماء بعينيها من جديد وقالت بندم :
-أنا كان نفسي بس أوصل رسالتي لشخص واحد وهو أنت!! فجأة لقيت نفسي قدام ملايين من الناس !! أنا اتورطت وورطتك معايا وورطت مامتي !! أنا مكنتش متخيلة أن كُل ده هيحصل !!
مسك ذقنها بأصبعيه وولى وجهها الباكي إليه:
-ينفع تبطلي تفكيـر وتقومي تغسلي وشِك ديه !! عم حسن والمأذون على وصول !!
-أنتَ مالك بتتكلم كأننا عرسان بجد !! أحنا بنعمل كده عشان بس أخرجك من ورطة أنت مش لاقي لها حل!!
ارتدى قناع العجز المزيف:
-مفيش في يدي حل غيره!! لو أنتِ عندك ألحقيني بيه!!
اعتصر الحزن قلبها وهي تسأله:
-يعني أنت بس هتتجوزني عشان متتحبسش!
احتل الحب جوارحه وهو يجفف دموعهـا بإبهاميه وبتعمق بعينيها الذابلة :
-أنتِ هتفضلي عاملة نفسك مش شايفة لغاية ميتى ! فكرك واحد زيي هيخاف من الحبس!! فكرك مش عارف أن أمك هتعمـل إكده ، آكيد مش هتعدي على محامي زيي!! ومتوقع الحركة اللي هتعملها أمك ومع ذلك كملت !!
لقد فاض صبرها منه:
-هاه بقا هو ده اللي عايزة أعرفه !! كملت ليـه!! وعشان أيه؟! عشان واحدة قلبك رفضها !!
اندفع بوجهها معترفًا :
-عشان واحدة قلبي رفض الكل وماقبلش غيـرها.
دلو مثلج انسكب فوق رأسها إثر انفعاله ، اعترافه ، هيئته التي تتصبب عرقًا ، لهفة صوته في إعلان حبه بطريقـة ضمنيـة ، خفف قلبها من مكانه وهي تسأله ببكاءٍ الصدمة :
-الواحدة دي تبقـى أنا !!!
غير مسار الحديث مؤجلًا اعترافه حتى تصبح ملكًا له أمام العالم :
-ليلة ، شايفة جزاة معروفي معاكِ أني اتحبس !! وأنتِ في يدك الحـل !!
ردت ساخرة وهي تتجرع آهات الامل المهشمة بصدرها بحرقة:
-لا ميصحش ، كِده هابقى ناكرة للجميل في نظرك طبعًا !! هو ده كل اللي هامك! طيب يارب تتحبس العمر كله ، وأنا خلاص مش مكملة ….
هنا اقتحمت " هيام " الغـرفة لتخبـر أخيها بقلق:
-أخوي ، الباب عيخبط .. عم حسن والمأذون شكلهم وصلـوا ….
••••••••••
"كنتُ دومًا أهفو إلى ماهو أبعد من وجودك ، كُنت اتوق إلى شعورٍ يمنح الدفء لجزءٍ من من قلبي أعتاد برد الوحـدة ، إلى صوتك خاصة عندما ينطق حروف اسمي ، إلى ارتداد شروق شمس تزورنا ونحن ما لبسنا كُنا رفاق للقمر طوال إلليـل ، إلى حكمتك ونصح الدائم لي أنك تفهمني من إيماءة واحدة بدون حاجة لتخرج الكلمات مني .. وبعد أعوام وأعوام ها أنا أمسك بين يدي ورقة الملكيـة ، ورقة إثبات ملكيتي لك لآخر العمر .. ها أنا أنعم في كنف الرحمـة والحُب كما وصفه قاضي الحب ، ها أنا أصبح ملك رؤوف القلب وصاحبه الأول ؛ شعور جميلٌ حد الرعب …
فتح رؤوف باب شقته الجديدة التي أجرها اليوم ، وبعد يوم طول قضاه برفقة نجاة وأبنها وفاتحته التي كانت بعقد قرآنهم ، ثم باشر تفاصيل يومهم بالتجول بالمولات والمتجرات التجاريـة وغيـره ..
كان يحمل صغيرها على كتفـه وبيده بعض الحقائب التي ابتاعها لهما منذ قليل ، وكانت تتبع سيره وبيدها الكثير والكثير من الحقائب وما خطت قدمها أعتاب الشقـة الجديدة القريبة من مكان عملـه ، وانغلق علي الحبيبين بابًا واحدًا .. تسلل رؤوف برفق لينيم صغيـرها وشرعت هي في تفقد الشقة المتكـونة من ثلاثة غُرف وصالة كبيرة إلى حدٍ مـا .. تركت الحقائب من يدها وأخذت تتجول بالمكان وأول ما قادتها قدمها إليه كان المطبـخ .. تسللت بهدوء لتتفقد أثاث الراقية والبسيطة وما تاهت في تفاصيله ، استدلت على خريطة شقوق يده التي حاصرت خصـرها بغتــةٍ .. فشهقت بصوت مكتوم :
-رؤوف !! عتعمل أيه !!
هام في تفاصيل حِجابها وهو يضمها إليه قائلًا :
-تعرفي أنا حلمت بالحضن ديه كام سِنـة ! اف ، طلع أحلى ما حلمت تِصدقي!
حاولت التملص من قبضته القوية متمتمة :
-رؤوف ، مازن يصحى بَعِد يدك بلاش الحركات دي !!
تغلغل في تفاصيلها أكثر وكأنه أراد إثبات ملكيتـه لها لآخر العُمر :
-مازن وأم مازن هيناموا الليلة دي في حضني ، تفتكري هعوز أكتر من كِده أيه !!يا بختي .
-رؤوف !! أنا هنام فـ أوضـة مازن وأنتَ هتنام في الأوضـة التانيـة .. مفيش الحديت ديه .
-تعالي نتفقوا اتفاق عشان شكلك هتغلبينـي !!
-طب هو الاتفاق ماينفعش غير وأنتَ مأنكشني كِده !!چرالـك أيه !!
-بالظبط ماصدقت قفشتك ،و ما ينفعش غير وأنتِ تحت يـدي كِده وحاسس بنبض قلبك … اسمعيني !!
تبسمت بارتياح وهي ترفع جفونها لعنـده :
-عاوز تقول أيه !!عيب الحركات دي على فكرة ديه مش اتفاقنا .
-عاوز أقول أني هنفذ كُل حاچة تحتاجيها حتى ولو كان لبـن العصفـور هچيبهولك ، إلا ..
تنهدت بخفوت والحب يبرق من ملامحهـا :
-هااه إلا أيه عاد !!
رد بحزمٍ :
-إلا أنك تعلميني أحبك كيف !! أنا هحبك على كيفي وأنتِ تقـولي آمين !! سبيني أعوض سنين غيابك عني !
خفق قلبها بتـوتـر :
-رؤوف ، أنتَ اتچننت !!
-بيكِ !!
ثم تحمـس قائلًا :
-تعالي أفرچك على أوضتنا ، هتعچبك قوي ..
خيم فطر الخوف على ملامحها :
-رؤوف !! استنى أنا خايفة ، زمانها البلد مقلوبة علينـا..
-تتقلـب وهي من ميتى كانت معدولـة !! المهم مش عاوزك تخافي من حاچة وأنا معاكِ .. أنا عحمي بلــد مش هحمـي مرتي وحبيبـة قلـبي .. !!
ما كادت أن تتحرك خطوة فصادفت مازن الواقـف أمام باب المطبخ يفرك بعينـيه قائلًا :
-أمـا أنا خايف ، تعالي نامي چاري !!
تحررت من يد رؤوف وهي تهرول لصغيرها بعد ما أرسلت له نظرة اعتذار :
-تعالى يا قلب أمك ، هنام أنا چارك .. قول لعمك رؤوف تصبح على خير ….
عض رؤوف على شفتـه متنهدًا :
-وأنتَ من أهله يا مازن أنتَ وأمك …
ثم دمدم متحسرًا :
-دي عين هاشم ورشقت..كان لازمًا تتسحب من لسانك وتقوله !!
•••••••
”ما لي وما للدُّنيا، ما أنا في الدُّنيا إلَّا كراكبٍ استَظل تحتَ شجرةٍ ثمَّ تأتي الريـح وتقتلعهـا من جذورها ، هذا هو سُلم حياتي باختصار ، خطواتي هزائم تُلتـى فوق قلـبي وعمري "
كانت تتوسط ذلك الفراش للذي يحويها دافنـة وجهها بين ركبتيها وتبكي بدون صوت تنتحب من شدة القهر ، دخل "هارون" من الباب بعد ما أخذ حمامه الدافئ وبدل ملابسـه الصعيدية لـ الرياضية السوداء التي ابتاعها قبل ساعات ، فلم يسمح لأخته أن ترافقها هذه الليلة ، فضل أن يتولى أمرها بنفسـه لقد زالت الحواجز بينهما .. ترك الباب خلفه مواربًا ثم تقدم إليها بمهـلٍ وهو يتأكد من قفل النوافذ كي لا تَبـرد .. كي لا يستفـرد بها صقيع الجو فيُضنيها أكثر يكفي ما سكن الهم بدواخلها .
جلس بجوارها وأخذ يمسح على ظهرها بضميـر مرتاح أنها أخيرًا بقيت له وملك يده بدون أي عتاب لصوت الضميـر القاتلة التي تبعده عنها .. نادى باسمها هامسًا :
-ليــلة ..
رفعت وجهها الشاحب والمبلل :
-نعم ..
-الدموع دي مش قولتلك مش عاوز أشوفها !! قولتلـك طول ما أنتِ معاي متعتليش هم ؟ مش طمنتك واتفقنا يا بت الناس!
دمدمت بخفوت :
-عايزني أعمل أيه يعني !! خلاص كُل حاجة راحت ، حاسة إني في كابوس ..
ثم أحست بصقيع البرد فمسحت على كتفيه برعشـة :
-كل حاجة في حياتي غلط ، أنا بحاول افتكر يوم واحد بس الدنيا صالحتني فيه ، مش فاكرة !! حتى أنتَ كنت مفكرة أني خلاص لقيت الشخص المناسب لكن أنتَ كمان خذلتني وكسرتني ، ده سوء اختياري صح !! مش كده ؟! انا اللي غبية وبمشي ورا قلبي من غيـر تفكير .. ولما اتجوز ؛ اتجوز علشان أنتَ متتحبسش !! شفت سخرية الزمن مني ومن قلبي!!
شدها برفق كي تقترب منه ، فدارت كزهرة عباد الشمس نحو مصدر طاقتها الأساسي عاقدة ساقيها وهي تكفكف دموعها ، تولى مهمـة إزالة الحزن عن ملامحها وسألها برفق وهو يعانق عينيهـا :
-أنتِ للدرچة دي شيفاني وحش!! طب قلبك مصدق الاتهامات اللي شغالة تحرقي بيها صدر هارون ديه من الصُبح !!
ارتعشت اكتافها وهي تنفي عملها:
-معرفش .. قلبي ده مش هسمع كلامه تاني خالص ، عشان هو اللي بيوجعني .. هو السبب في كُل حـاجة بتحصل لي !!
-معاي أنا وبس لازمًا تسمعي صوت قلبك .. عارفة ليـه !!
-ليـه!! ليه اشمعنا أنتَ !
أشار لقلبها بسبابته :
-عشام هو الوحيد اللي هيقول لك هارون مش إكده ، وهارون بردك مش اللي يوعدك بوعد وهو مش عارف هينفذه ميتى !! هارون لو فتح لك قلبه هتلاقي نار قايدة بتاكل فيه ، ميغركيش كلامي لانه عمره ما كان يشبهني ولا يشبـه الـ چواي .. أنا اتعودت على كِده !
عارضته معاتبة :
-أنتَ لو بتتكلم بجد كان لازم أعرف أنا كل ده! مش أحنا كُنا صحاب ؟ أنا مكنتش بخبي عنك حاجة ، أنتَ أهو اللي بتخبي!! كان لازم تبقى صريح معايا من البداية .. وحتى لما اتجوزتني اتجوزتني عشان مضطر لكده !! يعني مش عشان قلبك عايز ده !!
هز رأسه ولأول مرة يتفوه مندفعًا بدون تفكير ولكن بمنطوق قلبه قال :
-الراجل غير ، الراجل بفعله مش بقوله يا ليلة أنا اتربيت كِدِه ، أنا كُنت عكلمك في المحمول وبنضحكو وفي نفس الوقت قصاد باب المجلس داخلهم نناقشوا حوار چواز الدم من قبل حتى ما تقوليها كنت مقرر .. كنت مفشكل چوازتي مع زينة من اليوم اللي سألتيني فيه فين دبلتك .. من اللحظة اللي قلبك دق فيها في صدري!! فِكرك محستهاش !!
تلهفت لسماعـه بدموعٍ متأملة ومتألمـة :
-طيب وعملت أيه مع المجلس بتاعكم غيرت حاجة ؟!
رد بأسف:
-حاولت ألغيه الدِنيا اتقلبت .. اتورط أبوي يقول إني هتجوز زينة معرفتش اكسر كلمته رغم أني مش قاري اللي في راسـه .. لما جيتي البـلد كانت المشاكل حاطة فوق كتافي !! مكنتش قادر حتى اتكلم معاكي عارف أني هتهزم قَصادك ، مشيتك لغاية ما أعرف هعمل أيه !!
سرت بجسدها رجفـة العشق التي احتلتـها وهي تسأله بآهات مكتومـة :
-يعني أنا كنت صح !! يعنـي اللي حسيتـه أنتَ كمان كنت حاسس بيـه ومستني تظبط أمورك !! طيب ليه ما قولتش كده !! ليه مدتنيش أمل واحد أعيش عليـه ..
اعتدل في جلستـه ممسكًا بكفوفهـا المرتعشـة ، رفعهما لمستوى ثغرها ، فانحنى بشفتيـه المذمومة ليطبع فوق كل واحد منهم قُبلة طويلـة ، قبلة من نسيج خيوط العنكبوت التي تصنع ملجأ ومأوى لقلوبهـما ، قبلـة تنسج الوصال الأبدي بينهمـا .. فأبلغها الجواب بأسمى المعاني وأرقهـا .
فجأة تغيرت درجة حرارة كفها المثلج ليتحول لقبضتيـن ملتهمبتين كأن بداخلهم جمر ولست قُبل .. أحست بخشونة شفتيه التي ابتلت من نهرها .. أنفاسه تتدفق لعروقهـا بدون إذن حتى توقد القلب مع كفوفها ..
ظلت في غيبوبة السحر حتى فرغ وهو يراقب أعينها المهزوزة ويقـر ملكيته إليها:
-من اليوم أنتِ مراة هارون العزايـزي مش عاوزك تخافي من مخلوق خلقه ربنـا ..فاهمة؟ وكُل اللى چيه عليكِ هطفحه سنين عمره الباقية !! وديه وعدي ليكِ .
شدت كفوفها بارتباك :
-ولا حتى منـك !!
كسر جفاء الحديث بينهم بابتسامـة خفيفة :
-لا مني لازمًا تخافي ..
-يعني ايه !! أنتَ ناوي تزعلني تاني ؟!
-لا ما أنت هتخافي بس على زعلي .. يعني دموعك دي لما أشوفها بتچنن اللي چابوني بكون عاوز أكسر الدنيا بناسها وأجيبها تحت رچليكِ ..
تسربت ابتسامـة الرضا لقلبها بابتسامة أمنـة بطيف وجوده مغيرة مجرى الحديث:
-هي هيام فين !! مش سامعة صوتها؟
-نامت ..
أومأت بقلق تسلل لقلبها تود الهرب من أمامه :
-وأنتَ مش هتنام ! قصدي هتنام فين الشقة أوضتيـن بس!!
استغل حيلـه الماكرة لقضاء أطول وقت ممكن معهـا :
-قولت أچي اطمن عليكِ و أنومك وهقوم أنام في الصالة متقلقيش .
احتلت الغرابة ملامحها :
-تنومنـي !!
-مستغربـة ليـه !!
ثم تراجع للوراء مستندًا على ظهر الفراش صانعًا بركبتيه زاوية قائمة فجذبها برفق مثلمـا كان يفعل أبيها من قبـل ويداعب خصلات شعرها ، رغم خجلها الشديد إلا أنها استسلمت لعرضه لأنها في حاجة شديدة لتستشعر الأمـان .. لبت طلبه بهدوء وسندت رأسها على ركبته كحمامـة سلام تنكمش أمنة في موطنها بعد ما تحرر بعد أعوام من الخوف والتحليق العبثي.. شد الغطاء فوقها تغلغلت أناملـه بين خصلات شعرها برفق ، انسكبت دمعـة من عينيها على بنطالـه فأحس بارتعاشها ، مسح على جبينها وقال :
-نامي ومتفكريش في حاچة ..
تركت جفونـها للنـوم وترك يدها تتنقل بين جذور شعرها بحُرية وهو يربط برأس الأفكار المُشتتة :
-يعني أيه لو رچعت الصعيد لناسها هيقتلوها !! ومين ناسها اللي ضحوا في بتهم ورموها !! طب وأيه علاقة أبوي بنادية !! وأيه الأمانة اللي عيدور عليهـا !! وأبوي عرف منيـن اسمها !! كان عينادي عاوز يثبت لروحه حاچة أنا مش فاهمها !! وچاب منين الثقة اللي يقول لي هچوزهالك !!
قفز الفكر القانوني برأسه الذي يخبره :
-معقـول تكون هي نفسهـا الأمانـة اللي عند رفعت الچوهري وعيدور عليها أبوي !! يعني ليـلة تبقى عزايزيـة من دمي ولحمـي !!
زفر بامتعاض وهو يعتاب نفسه :
-چرالك أيه يا هارون !! أنتَ هتتچنن !! عتدور على حچة تقضي على اللي عملته !! فوق ومتستسلمش لأوهام ، الحرب قويـة !! ولازمًا تكون كِدها سيبك من الأوهام والحچچ دي…..
ثم تمتم لنفسه :
-وكمان أيه حوار هاشم واللي عمله !! بس ارچع له !! لكني هعاتبـه كيــف وأنا محروق بنفس النـار بتاعته !! يارب حِلها من عنـدك !!
كان يفكر في مصيرها المجهول تارةً ويتأملها طورًا يدقق في الياسمين المنثور فوق ملامحها و يسيل منها دمُ الليل أَبيضَ . يستشق رائحتها ضعفـه وبغيتـه ، حيث كان الطريق لقلـبه مثل لدغة أَفعى .
ذلك الشعر البنـي ، الأشبه بأوراق الخريف المتساقطة .. رغم كونه أول إمراة يلامسها بل كان يروضها ببراعة بخبرة رجل حاصل على الدكتوراة بأمور النساء ، كان قلبه يتبـع صدح مشاعرها قبل أن تئن بهـا ..
مرت قرابة السـاعتين حتى تراجع رأسـه للوراء وغفت لدقائق معـدودة لن تطول إثر فزعها من النوم وهي تصـرخ مناديـة على أبيهـا برعبٍ ، فتح جفونه على صوتها مذعورًا :
-ليـلة مالك !! ليلة متخافيش ديه آكيد كابوس !!
كانت ترتعش كقطعة قماس متهريـة في مهب الرياح وهي ترتمي بحضنه لتخبره برعبٍ :
-الراجل جيه تاني .. جيه تاني عايز ياخدني من بابي …
دار ليناولها قرصًا مهدئًا وكوب الماء :
-طب اشربي واهدي !! خدي ..
تجرعت جرعتها من الدواء وهي تنتفض تحت يده التي تُسقيها الماء ، ارجع الكوب مكانه وسألها :
-شوفتي ايه !!
-حلم بيتكرر كتير أوي معايا ، من وأنا صغيرة ، في راجل بيجي في المنام شكله غريب بيكون عايز ياخدني من جدو أو بابا معرفش ليه ، وبيقولهم دي بنتي أنا .. وكل مرة بكون خايفة وتايهه ومش عارفة الراجل ده عايز مني أيه !!
ثم بثت شكواها إليه :
-هارون أنا ليه بيحصل معايا كُل ده !! أنا تعبت خلاص مش قادرة !! تعبت من كتر ما أنا بنام خايفة ! حتى النوم مش عارفة ارتاح فيه !
قبـل جبينها بعد ما تأكد من حديث العم حسن وإعترافه بعدم نسبها لعائلة الجوهري .. ضمها لصـدره وأخذ يربت على كتفها بحنان ذاخر وهي مستسلمة ، لا يزور الخوف أو الخجل قلبها ، بل كانت كالطفل الصغير الذي يستشعر كل الروائح باحثًا عن أمه من بينهمـا ، سُلبت من عالمها برمته وأوجاعها التي حطّمت أصولها وهو يقرأ على رأسها فاتحة الكتاب كي تهدأ بين يديه حتى غرق الاثنان في نوم عميق وكلاهما متشبثًا بالآخر …… كل منهما وجد ضالتـه آخيرًا ..
••••••
~صبــاحًا .
تسللت "زيـنـة" في الخفاء وبعيدًا عن أعين الحرس لتخرج من دوار الحج خليـفة وتواصل سيرها لمقـر المجلس الذي يبعد مدة قدرها ربع ساعة سيرًا على الأقدام ، لتقـف أمام شيوخ وكبرائهم لتشكو ظُلمتها :
-أنا زينـة بت صالح الطحاوي ، هارون العُمدة بتاعكم هملني ليلة دُخلتي وطلع رمـح على البت البحراويـة ، أنا عاوزة چوزي وعاوزاه يبعـد عن البت دي قبل ما تبُخ سمها في راسها وتغويـه ونخسروا عمدتنـا وكبيرنا … أنا عاوزة چوزي يرجع لي …….
رواية آصرة العزايزه الفصل الرابع 4 - بقلم نهال مصطفى
رواية اصرة العزايزة الجزء الثاني2
الفصل الرابع4
بقلم نهال مصطفي
"ألاَّ رُبَّ خَصْـمٍ فِيْـكِ أَلْـوَى رَدَدْتُهُ "💥
اعتدتُ أن أعطي الفرص الأخيرة ، لا انسحب من أول صفعة قلم ، من أول جولة ؛ الحيـاة بالنسبة لي فُرص ولكنها محدودة للغايـة حتى لا يتحول العطاء لاستغلال !! أن أمنح لمن خذلني فرصة والثانيـة والثالثة فحسب لأنني ببساطة لم أخشى فقدانه بل لأنني أعلم جيدًا إذا رحلت لن أعود مهما حدث ! أدفع الثمن كبريائي لتبقى ، لنطوي صفحات الخطأ لـ تكون بنظري آمنًا دون تشويه صورتك في خيالي .. لتختار أنتَ بنفسك النهايـة وأبتـر بنفسي ساق الحنين كي لا يطأ عتباتي مرة آخرى …
_نهال مصطفى .
•••••••••••
-"فين العروسـة يا عـم حسن ؟!"
أردف المأذون هذه العبـارة بعد ما ترك كاسـة الصودا التي قدمتها هيام ورحلت ، تأرجحت عيني هارون بقلق لتلتقي بعيني العم حسـن ، وسرعان ما ظهرت أخته من باب الغرفة التي تختبئ فيها العروس الرافضة له بإصرارٍ ، خيم فطر اليائس على ملامح هيام فتفهـم هارون الأمر سريعًا ووثـب مستئذنـًا :
-هشـوفها حالًا يا مولانـا ..
مر بجانب أخته التي ترتعد من الخوف طالبًا منها كي لا تتبع خُطاه للداخل :
-هيـام شوفي قهوة مولانا عيشربهـا ايه .
ثم تقدم بخطواته الثابتـة للداخل وقفل الباب خلفه فوجدها تجوب خطاوي الأرض كالنحلة التي تفتش عن مأوى ولم تجـد، ما رأته دارت نحوه محذره وبوجهها الشاحب أمرته:
-أنتَ تخرج تمشي عمو المأذون من بره ، قوله العروسة مش موافقة .. ومفيش جواز ولا كتب كتاب ، مفيش حـاجة خالص.
ثم اندفعت بجنون متأهبـة لمغادرة الغرفة فكان ذراعه كالحصن المنيـع أمامها ليلتقطها قائلًا :
-اهدي اهدي !! مالك بس ؟مزرزرة ليـه ؟!
وقفت تحت مظلة أهدابه وكفها مُعلقًا بمعصمه لتقول برجفة :
-مش عايزة اتجوزك !
رفع حاجبه مسايسًا الابتسامة الخفيفة تجتاح وجهه :
-ليـه !! خايفـة مني؟!
ثم كفكف دمعة متمردة مثلها من فوق وجنتها وأتبع :
-بصي في عيني وقوليها .. خايفة مني ولا مش واثقـة فيّ ؟
انتابتها رعشة مباغتـة وهي تتطلع لشمسه المضيئة :
-هتفرق!!
-آكيد! لو إنك خايفـة هطمنك بطريقتي .. مش واثقـة دي عاد فيها حديت تاني !!
أومأت رأسه بالإيجاب وخرج صوتها المذبوح وهي تتعلق بحبل نظراته الممتدة :
-أنا خايفة .. كل حاجة حوليا تخوف .. أنا لو في غابة لوحدي مش هكون خايفة كده ! كل الناس وحشة بشكل مرعب ؛ كفاية مش عايزة اتصدم في حد تاني ..
-بس أنتِ مش في غابة ومش لوحدك عشان أنا چمبك ومش هسيبك مهمـا حُصل.. غصب عنك أنا چمبك .
ثم أرجع خُصلة من شعرها وراء آذانها وأتبع :
-بطلي چلع عيال ويلا المأذون مستني ..
بللت حلقها الذي جف وهي تبتعد عنه خطوة وتقف أمامه :
-طيب ما تيجي نفكر في حل تاني غير الجواز ده ..
-زي أيه مثلًا !!
-يعني سيبني أروح لمامي وأقنعها أنك معملتش كده وهي هتسحب المحضر وبس .. وأنت مش هتتسجن .
تلعثم لسانه باختناق من براءتها المتزايدة :
-ولو مرضيتش !! وحكمت راسها .. هيكون أيه الحل ؟
فكرت لبـرهة :
-مش عارفة بس أنا هقنعها والله .. طب قول لي انت لو اتحبست هتاخد كام سنـة !! عشان لو مدة صغيرة ..
قطعها بخطوة منه كانت كافية أن تبتلع بقية كلامها :
-وههون عليكِ تسبيني اتحبس حتى ولو يوم وأنتِ في يدك الحل !!
توترت:
-اه عادي ، السجن للجدعان .
استغرب أمرها قائلًا :
-دا أنتِ مكنتيش تعرفيني وكنتِ هتلبسي في جريمة آثار !!
لكت الكلمات بفمها مع ارتعاشة تلك الشفاة التي يود قطمها بفكيه وهي تقول بعبرات منسابة :
-أنا مابقتش فاهمة حاجة وكل حياتي بقيت كئيبة ومملـة .. قول لي أعمل أيه !! أنا خلاص ضعت .. والدنيا كلها بقيت عارفة إني بتعالج .
-دي حاچة متعبكيش يا ليلة ، وأنتِ زي الفل ، مسألة وقت وهتبطليها .. يلا عاد.
-طب استنى ، لو اتجوزنا دلوقتي هنطلق أمتى!
رد هارون بمسايسة:
-بكرة أخر النهار .
طوت شعرها للوراء وتقدمت مرتدية " بيجامتها " القطنيـة وقالت بفتور :
-تمام .
-استنى هنه ، كيف طالعة بالبيچامة دي!!روحي شوفيلك هِدمة عِدلة .
-مالها ماهي بكم وواسعة !! ولو مش عاجباك خلاص كنسل الموضوع ومش هطلع .
تأفف بضيق:
-ليــلة .. قولت غيري لبسـك .
" أضيـعُ من قمـر الشتاء "
هكذا كان الوصف الكافي والوافي لحال قلبـه الذي عاش طويلًا يستنكر الحُب ، بعيدًا عن سماءه ، لا أحد يقترب من قلبه المجحف لأنه كثير البرودة ، مخيف ، الجميع يفر منه ..
هل تعلم أن :
للنجوم طريقةٌ في النوم دونَ إساءةٍ لليل تسهر نجمةٌ وتنامُ أخرى
كي يظلَّ الضوءُ في ميزانه تجري الملائكةُ الصغارُ وتفتح الآفاقَ ثمةَ سهرةٌ تضفي على نوم النجوم ، هكذا هو حال القلوب العاشقة تمامًا .
تأرجحت عيني "هارون" النائم والذي يتذكر تفاصيل ليلة الأمس وكيف أقنعها كي تكف تمرداً على طلبه .. كانت نائمة ورأسها تقطن بقاع صدره وبالأخص فوق قلبه تحديدًا للحد الذي جعل قلبه يتنهد قائلا :
-أدركت أن القلب لا يُسمى فؤادًا إلا عندما يسكنه الحب ورأس من تحب !!
كان كفه الأيسر مندساً بين خصلات شعرها .. والأيمن يضم على كفها الصغير الراسي فوق بطنه .. تغلغلت رائحتها لأنفاسه وهو يتأمل روعة شعور أن تنام بحضنه إمراة تمناها من صميم قلبه .. تأمل تفاصيل ملامحها المقفولة والنائمة كالملائكة وهي تنعم بنوم هادئ بين يديه .. مما جعل قلبه يخلق العديد والعديد من الاسئله .. أي قدر ألقى بك لقلبي يا فتاة ؟! ماذا فعلتي ليخضع لك الجبل ويتمنى الموت بين يديك ؟ أي قدر هذا الذي جمعني بك تحديدا ولِمَ أنا بالأخص ؟! ما هو سره وماهي هي خبايا الزمن !!وما هو الحد لتلك المشاعر التي خانت صاحبها وتمكنت من قلبه على سهوة ؟!
شد رأسه ليطبع قبلة خفيفة على رأسها متأوهاً بمرارة:
-عملتي أي في حياتك عشان تقعي في جُحر تعابين زي ديه ؟! طيرة عمية زيك هتعمل أيه بروحها في الغابة دي !!
راق الأمر لكفه أن يداعب خصلات شعرها بحنان واجتاحته ابتسامة نعيم الحب في ظل حبيبك وهو يتنفس بارتياح :
-يا أبوي لو تعرفي أنا حاسس بأيه دلوق طلع عندِكِ حق يا أحلام وأنا اللي كُنت مغفل !! أحساس أني عاوز أخدك من الدنيا كلها ونهربوا لبعيد .. لأجل عينك ما تشوف وجع الكسرة تاني !!
تنهد واعدًا :
-واللي خلق الخلق لأعيشك في چنة هارون العزايزي للدرجة اللي تنسي فيها كل اللي فاتك !!
ثم زفر بحزن بالغ :
-كُنت مفكر أني هتچوز عشان أخلف لي عيليـن ، بس ربنا رزقني بعيلة متشعبطة في قلبـي وأنا المسؤل عنها كأنها مني !! شوف ياخي الزمن !! ملهوش مسكة ولا كبير .. لوعى دراعي وقلبي !!
أحس بحركتها وهي تتململ ببطء بحضنه كطفل يمرح بأمان أمه فقل جفونه بحرص كي يهرب من سطو تمردها على الريح التي جمعتهما في فراش واحد وفوق قلبه النابض بحبها .. تحركت جفونها المستيقظة على صوت ضربات قلبه الهادئة واحتوائه كلها ولأوجاعها .. تأرجحت عينيها بتيه في حقل الشعور الغريب الذي يسكنها .. رغم كل المصائب المتكدسة فوق رأسها ألا أن شعور ليلة العيد كان يهلل بقلبها ..
ملأت جيوب صدرها من رائحته ثم ألقت نظرة على كفها الصغيرة المختبئ بقوقعة كفه .. الدفء الرهيب الذي يغمرها بدلاً من برودة الوحدة .. رمت كل خيباتها من سنوات العمر وراء ظهرها وظلت تتأمل تفاصيل حضن ذلك الرجل الذي آمنت بداخله .. رفعت جفونها ببطء لتلقى نظرة على تفاصيل وجهه النائم .. فوجدت نفسها كمن ألقى نظرة على الجنة من نافذة قريبة جدًا :
-قلبي لا يتذكر شيئًا سوى أنه فتحت الباب فدخلت كل هذه الأيام غير المفهومة وتُهت بين دروبها .. أي مسار اتبعه القدر ليكون صدرك وسادتي يا رجل !!
لطخت حمرة الخجل وجهها فكانت أول مرة ترافق رجل في مرقده بعد أبيها وجدها .. ولكن ماذا عن كم المشاعر المتدفقة إليه ؟ انعقد حاجبيها بذهول حول أمرها لأنها بالفعل لا تود التزحزح إنشا عنه .. قفلت جفنيها ثم فتحتهما مرة آخرى وهي تتسائل :
-هو أزاي حلمي اتحقق بالسرعة دي!! هو أنا بحبك ولا بكرهك ؟! طيب أزاى أنا مستسلمة لحضنك كده أنت عملت فيا أيه بس ! أنا مش خايفة ليه !!
ثم أطلقت تنهيدة خفيفة داعبت ملامحه النائمة بتصنع وغمغمت لنفسها وهي تتجاهل صدح قلبها :
-جرالك أيه بس يا ليلة فوقي !! ياريتني ما حبيتك بجد !! عمري ما اتخيلت أن الحب ده بيوجع أوي كده .
ثم نفت اللوم على قلبها سريعاً :
-لا لا ده يا بختي بحب رجل زيك .. أنا أصلا عمري ما هقابل راجل يملا قلبي زيك بعد ما نطلق !!خلاص أنا اكتفيت بيك لآخر عمري يا هارون يا عزايزي أنتَ .
ثم جحظت عينيها بخوف لتتذكر أمر طلاقهما المفروغة منه :
-نطلق !!!
فزعت من حضنه ملدوغة بسُم الحقيقة ففتح عيونه للتو فتلاقت الأعين المغرمة والذائبة ببعضها ليزيد من حد توترها وهي تتساءل :
-أنت مين نيمك هنا ؟! ده مش اتفاقنـا!!
ثم أرجعت خصلة متطايرة من شعرها وراء اذنها وأتبعت متمردة :
-مين سمح لك بده !! ولا أنت فاكر عشان كتبنا الكتاب بقيت متاح ليك في أي وقت خلاص !! لا انسى وانسى كمان ليلة بتاعت زمان .. أنا مابقتش هبلة خلاص .. بقيت عارفة كل حاجة وبعرف اتصرف .
فبللت شفتيها اللاتي جفت من حرارة نظراته إليها ليزيده الرغبة في تقبليهما وهو يعتدل من نومته منصتاً لثرثرتها المحببة لقلبه .. فأتبعت مبررة :
-أنا مش فاكرة حصل أيه أمبارح عشان أنام جمبك بس اسمعنى ومش عايزاك تجادلنني أنت فاهم !! تنزل دلوقتي تقدم ورقة جوازنا دي في القسم وبعدين ترجع تطلقني !! أهو هبقى مطلقة بسببك عشان ترتاح .. وبعدين يا دار ما دخلك شر .. أنت من طريق وأنا من طريق .. وكفاية لحد كده.
ثم توترت شفتيها متأهبة للرحيل من جواره :
-وبلاش تبص لي كدة عشان بتوتر ونفذ كل الكلام اللي قولته لو سمحت ..وو
صبت بقية كلماتها بصدره الذي جذبها إليه عنوة لترتطم بصخرة ضلوعه التي تفتك بمشاعر أنثى رقيقة مثلها .. تأملها ملياً وهو يداعب أطراف شعرها بابتسامة لا تتناسب مع لهب تمردها وثرثرتها :
-صباح الخير ..
تمتمت ببلاهة وهي تغرق به وبنظراته وبأنفاسه التي تشعلها نارًا ونورًا :
-صباح النور ..
أتبع هارون متسائلا بحـبٍ :
-نمتي زين ؟؟
أومأت بخفوت وهي تستلذ النظر لملامحه الهادئة التي لم تراها من قبل وقالت :
-أيوة نمت .. حضنك حنين أوي على فكرة .
تذبذبت ضربات قلبها كما بد صداهم على شفتها وهي تبرر بسرعة :
-حنين زي حضن بابا بالظبط .
دارت لتفر من سطو تجردها وسذاجتها أمامه فأمسك بها ليمنع رحليها لتعود لصدره مرة ثانية وهو يرمقها بلهفة الشوق .. فغمغمت خائفة :
-في أيه تاني !!
جلى حلقه فتحركت تفاحة آدم برقبته ونظراته تتلألأ قائلاً :
-مكانك ودايما مفتوح لك ..
برقت عينيها بدهشة :
-لا مش عايزة !! قصدي يعني ممكن تسيبني عايزة أقوم ..
رفع حاجبه ذائبًا في شربات ملامحها التي يود ترجعها دفعة واحدة :
-ليه !!رايحة فيـن ؟
-عايزة أروح الحمام ... لو مفيش مانع يعني .. ولا فيه !
رُسمت ضحكة ساحرة على معالمه وهو يحرر معصمها من قبضته مشيراً بيده أن تذهب ..ولكنها لم تتزحزح أنشا واحدا من جواره .. تمنت ولو يقف بهما الزمان والمكان على حدود نظراته ودقات قلبه .. فخلقت حوارا عبثيا معه :
-هتنزل النهاردة تروح القسم وتقولهم أحنا اتجوزنا !!
رد ببرود :
-ليه !! أنا ما عروحش لحد !! واللي عاوزني يجيلي لغاية عندي وهرزع ورقة چوازنا فـ عينه .
فأتبعت بارتباك:
-أحم !! قصدي يعني عشان هتطلقني أمتى !وأرتب أموري وكده .
حك ذقنه متجاهلاً عبثها وقال :
-أعملي حسابك هننزلوا في تصوير حلقة ليكِ .. وهتنزلي معاي العزايزة آخر النهار ..
زام ثغرها بصدمة :
-نعم وانت عرفت ازاي !! قصدي مستحيل !! لالا أنا مش هروح هناك تاني أبدا .. عمري .
-دي بلد چوزك يعني بلدك !بالعربي مطرح ما چوزك يروح رچلك على رچله .
وقفت مدارك عقلها على حد الجملة وهي تتسائل بحماقة :
-مين جوزي !!
تعلقت بحد أهدابه المشدودة فلحقت نفسها :
-أه أنت صح نسيت معلش مش متعودة !!
أردف بصرامة :
-تتعودي !!
-هاه لا أنت مش جوزي .. أحنا هنطلق بعد تصوير الحلقة على طول صح!
-ديه مين اللي قال كِده ؟!
-انا قلت ؟؟ قصدي أن ده اتفاقنا ولا انت نسيت ولا أيه !! أف متوترنيش لو سمحت .. أنتَ نسيت؟!
اتكئ على راحة معصمه ومرفقه مستندا على ركبته الثنية وهو يغازل أطراف شعرها بهدوء :
-ومين قال لك أني ناوي أطلقك ؟
رُدت الكلمة كالرصاصة بقلب ليلة :
-أحيــــه !! يعني أيه ؟
غمز بطرف عينه معلنا ملكيتها لأخر عمره :
-هو انا نسيت أقول لك أن في عرفنا مفيش طلاق !!
-يعني أيه مفيش طلاق ؟!أنت بتقول أيه !!
كرر " هارون" جُملته بهمـلٍ حاسمًا أمره معها :
-يعني أنا مش هطلقك .. و أنسى الحديت ديه من راسك .
-ومين قال لك أني هسمح بالجنان ده !! عرفكم ده في بلدكـم مش عليا ..
-تؤ انسي !!
قاسم الرعب ملامحها وهي تنتفض وتتراجع للوراء لتتخذ نفسها بصعوبة بعيدًا عنه من وقع الصدمة :
-انسى أيه بالظبط !؟
-أنسي الدِنيا كلها ومتفتكريش غير حاچة واحدة وبس .. هي أنك مراة هارون العزايزي .
••••••••••••••
~العزايـزة .
تكـدسـت المشاكل بالعزايزة لتتحول لكرة ملتهبة تحاصرها النيران من كل صوب وحدب ، كل بيت يخفي تحت سقفـه دخان حرائقـه من جُملة الكوارث المُحيطة .. أشعـل خبـر هروب " نجاة " البلدة بأكملها ، وأعلن أهلها وأولاد عمومتها قتـلتها هي ورؤف وانتشروا في ربوع البلدة يبحثون عنها .. وتضاعفت الأحداث بشكوى زينـة التي فجرت بقلب المجلس وقدمت الفيديو التسجيلي الخاص بحلقـة " ليلة " للمجلـس وترجت شيوخه بألا يكشفون أمرها .. فهي كل ما تُريـده عودة زوجها لبيتـه بعيدًا عن سُم هذه الحيـة ..
خرجت " صفيـة " من غُرفـة المخزن بعد ما حسبت قدر المحصول الذي يحتاجه البيت من القمح .. ألتقـت "بهلال" الذي يحمل بين يـده مائدة الفطار لزوجتـه ، فعلى صوت اعتراضها :
-خُد خُد .. أنتَ واخد الوكـل ديـه ورايح بيه على فين يا هلال !
رد بهدوئه الذي لم يخلٌ من ابتسامته التي لم تتناسب مع شرارة المواقف دائمًا :
-ديـه فطوري أنا ومرتي يامـا ..في أيه ؟!
صاحت بوجهه متمردة :
-وأنا معنديش حريم يطلع لها الفطور لغاية سريرها يا هلال !! والچلع ديـه مايلدش عليّ .. دي مش قِناية حريم تعيش في بيـوت .
-دي مريضـة يا ما ، ولازمًا تتغذى زين !! أيه نچوعوها !!
لوحت بكفها بضيق:
-مريضة وعيانة وميتانة منچلعوهاش يا ولدي ، يا وِلد بطني !! نغيروها .. المراة الصُح ما تستموتش قصاد چوزها .
ثم وشوشت له بنصـح :
-أسمع كلام أمك ، سيبك من السهتانـة دي وأچيب لك واحدة عفيـة تملي عيـنك وتشد حيلك .. تصـدق غوث بت النچعاوي برقبتها .
تنهد دافنًا إهانة أمه بحق زوجتـه قائلًا بنبرته الاستفزازية :
-وأن چاءت من تملأ العين !! من أين نأتي بمن تملأ القلب يا صفيـة ؟!
-سهله ، أچوزك التالتة والرابعة .. أهي واحدة تملى القلب والتانية تملا العقل واللي تملي العين .. ولدي قدها ، وسيبك من اللي مفهاش حيـل تملا كوباية ميـة دي !
هز رأسه مقتنعًا :
-رقيـة ماليـة حياتي كُلها ياما ، وفكك منها لوچه الله ، دي غلبانة ويتيمـة .
-والله ما حـد غلبان غيرك !بلفت عقلك.
ثم شدت منه مائدة الطعام :
-وهات الوكل ديه ! مش هنچلعـوا الحريم أحنا ونمرعوها علينـا .. قولها تندلى تاكل وسطينا .
-ما نچلعوهم ياما !! أحنا چايبينهم من بيت ناسهم نعذبوهم يعني !!
أبى أن يعطي له المائدة متقبلًا الأمر بمزاح ؛ فغير مجرى الحديث :
-وأنتِ مزعلة روحك ليه !! هو أبوي عمره ما چابلك وكل لغاية السرير ولا أيه !
رفعت أصبعيها بوجهه مستنكرة وهي تبث شكواها :
-ولا عمره عملها في حياته ، كنش يعملها غير لأحلام على طول سايقة العيا ، أما أنا كنت قوية ومش مستنية حاچة من حد !! لكن مش عارفة أبقى حما قوية للحريم المچلعة دي!!
انضم " هيثم " لهما وهو يعبث بمفاتيـحه :
-حسكم عالي ليـه !! مالك بمولانا يا صفيـة .. ما تسيبي العريس في حاله .
ثم تفقد الطعام وهو يلتهم قطعة من الخيار :
-لمين الوكل ديه !! ليّ ؟!
حدجه هلال :
-خليـك في حالك أنتَ كمان مش ناقصاك !كفاية أمك .
-أنتوا عتقولوا أيه ؟!
تدخلت صفية لتشكو لهيثم :
-احضرنا يا عاقل أنتَ يرضيك أخوك القيمة والسيما ديـه يطلع الوكل لغاية فوق لمرته !! ما تقول حاچة يا هيثم !! عقله ووعيه !! قوله مش عاوزين الحريم تركب وتدلدل فوق رووسنا .
فأعقب هلال ليهرب من حصار أمه :
-وأنتَ يرضيك يا هيثـم أبوك ولا مرة عملها لأمك وكان تملي يعملها مع أحلام !!
ثم غمزه له وهو يتأهب للذهاب :
-شوف الموضوع ديه ولازمًا تحله ..
عادت "زينة" من الباب ، ما رأها هلال انقلبت ملامح وجهه بامتعاض وولى ظهره مستغفرًا ربه كمـن رأي جنيـة .. دارت صفية إليها :
-يشندلك !! كُنتِ فين يا بت من صباحيـة ربنـا ومن غير ما تقولي لحد !
ارتبكت لتخفي سرها:
-كنت في الأجزخانة عچيب حاچة .. هطلع فوق بالأذن ياعمتي .
تسللت زينة بهدوء لتختفي من ساحة البيت بعد ما فجرت قنبلتـها بقلب المجلس ، نظر هيثم لأمه قائلًا :
-البت دي مالها !! وش الملايكـة دي مش لايق عليها !دي في مصيبة من تحت راسها!!
-دي غلبـانة .. الدور والباقي على العقارب اللي چايبينهم أخواتك اللي چايين بالخراب !! ولما نشوفوا وقعتك أنتَ يا موكوس..
هز رأسه فارحًا :
-وقعتي چميـلة بأمر الله يا صفية ولون عينيها أخضر وهي اللي هتچيب لك من الآخر ..
-والنعمة ما خايفة غير منك .. يابختك المايل في عيالك يا صفيـة .
رن هاتف " هيثم " في هذه اللحظة ليجيب على الفور:
-قول يا مرسي !!
-ألحق يا سي هيثم ، وِلد الفاو متقدم للست چميلة وچايين يقروا الفاتحة الليلة …
جحظت عينيه بتوعـد :
-چيه لقضاه .
فصاحت صفية باختناق:
-كلم أخوك قوله يعاود يا هيثم ، أنا خلاص تعبت منيكم يا ولاد بطني .
هتف هيثم مستنكرًا :
-ولا أعرف طريقه ياما ..
~بغُرفـة هلال .
-مـاله هيثـم ، حـِسه عالي ليـه تحت !
اعتدلت رقية في نومتها وهي ترفع القربة الطبية عن بطنها والتي ابتاعها خصيصًا لها هلال بعد أداء صلاة الفجر ، قفل الباب خلفـه وهو يقول بمزاح :
-عاوز يبقـى عم ، معرفش مستعچل على أيه !! الواد ديه من يومه وهو متسربع حتى اتولد على ٧ شهور من السربعة بتاعته .. اتولد ناقص نمو وعقل ..
قال جملته وهو يترك المائدة على الطاولـة الصغيره فصعقته بالجواب :
-كلها كام شهر وهيبقى عم ، هو نسى مراة أخوكم ولا أيه !
تجمدت ملامحـه :
-ااه مراة هاشم!! صح !! شكله نسى .. المهم يلا قـومي افطري قبل الوكل ما يُبـرد .
ثم أتبع محذرًا :
-رقية ، زينة متعرفش حاچة عن مراة هاشم ، دول قالولها قريبة ليلة لغاية أبوي ما يشوف حل .
-ماليش حديت معاها ، دي بت تعبانة في راسها .
وقفت بجسدها الهزل أمامه بحزن :
-وأنت معندكش حـل لأخوك ، حرام والله حالتهم تقطع القلب.
تنهد بكلل :
-هاشم صعبهـا على روحه يا رقية ، متقفلة معاه من كُل ناحية ، بس آكيد هتتحل بس يعاود هارون وهنقعدوا نحلوها .
بللت حلقهـا متفهمـة:
-أن شاء الله تلاقوا الحـل .. بس أنتَ چايب الوكـل بنفسك ليه تعبت بس.
قسم الخبر بينهما ليأخذ نصفه ويمد لها النصف الأخر :
-تعبـك راحـة للقلب يا رقيـة .. اشربي اللبـن الأول يدفيكي .
امتد كفها المرتجف من حِدة نظراتـه وهي تهز رأسها بالإيجاب فوقع عنها حجاب رأسها ،فلكت اللقمة بفمـه متفوهًا :
-يالله !!
كان الكوب سيقع من يدها من شدة الارتباك ولكنه تلقاه بيده ليقول معاتبًا وهو يتأمل خصلاتها الحريرية المتدلية على وجهها :
-انتبهِ ..
توقفت عن محاولة تغطية رأسها بدون خجل أمامه وتركته كما هو لتقول بحماس:
-النهاردة هعملك كيكة هتحبها قوي .. دي عشان أنتَ مسبتنيش طول الليل وفضلت قاعد چاري لغاية ما نمت .. يعني هقولك شكرًا بس بطريقتي .
أشرق الفرح من وجهه:
-يابركة دعواتك يا صفية !
-عمتي صفية !! ليه قالت لك أيه عني ..
ارتشف رشفة صغيرة من الماء مستغفرًا بسره لكذبه الأبيض المتكرر :
-قالت لي يا زين ما اخترت يا ولدي .
~بالحديقـة .
-مالها عمالة تتقفـل من كُل حِتة كِده يا أبو هارون!! قول لي ناوي تعمـل أيه مع هارون وهاشم وكملت بالبت نجاة ، وكمان البت نغم اللي راحت بيت الچباس دي !!
أردفت " أحلام " جملتهـا بحيرة على مسامع خليفـة الذي أجرى مكالمة مع شخص مجهول بالنسـبة لمسامعها ، فتنهد مشتتًا :
-صديق مصمم يخلص على البت والواد .. وربنا يسـتر وما يلاقوهاش .. المهم طمنيني مراة هاشم عاملة ايه !!هي اسمها ايه يا احلام !!
-اسمها رغد يا حچ ، والبت حالتها عدم ومسكينة وفضلت طول الليل تحكي لي عن حال ناس في البدو .. بس ما قولتليـش .. هتعمل معاها أيه ومع ولدك .. دي مش طايقاه وراسها وألف سيف يطلقها.
حملق النظـر بزوجته مُعلنًا :
-قبل أي شيء مچلس العزايزة لازمًا يتشال .
ضربت أحلام على صدرها بخوف:
-وديه هيتشال كيف!! دي الناس روحها في المچلس اللي فاتح بيوتهم يا حچ .. ولما يتشال مين يتولى أمر الناس اللي معندهاش لقمة عيش دي.
-مفيش حد في العزايزة معندهوش اللي يكفيـه هو وعياله يا أحلام !! المچلس بيدوهم اللقمـة عشان يكونوا تحت طوعهم ..
تشبثت بيد زوجها :
-في أيه في راسك يا حبيبي ..
رفع جفونه إليـه :
-لازمًا نتصالحـوا مع بيت الچباس .. وبالخصوص بعد ما البت نغم قادت النار في قلوب عمامها وناويين على الشر .
فأردفت أحلام متوترة:
-دول واعرين و مقاطعين البلد بمچلسها ومعروفين أنهم متمردين على العزايزة كُلاً وو
فتمتم بحسـم :
-يرچع هارون وهقوله نعمـلوا أيـه …
أخرجت أحلام زفيـر الهم من صدرها :
-لازمًا تتحل قبل ما يعتروا على نچاة وولدها .. وقبل ما مراة ولدك تولد يا حچ ، والغلبان الطايح في بحري ديه ورا قلبه مش ناوي يرجع !!
وقف الحج خليفة مستندًا على عكازه وهو يقول آمرًا :
-أحلام ، كل البنات اللي عيشتغلوا هِنه مشيهم ، متخليش غير فردوس ، مش عاوزين سرنا حد يعرفوا ..
~بغُرفـة أحلام .
اقتحمت صفية حصون الغرفة بعد ما تأكدت من خلائها من أحلام لتغتنـم الفرصـة وهي تقفل الباب خلفـها ، اعتدلت رغد في جلستـها ؛ حتى انفجرت صفية قائلة :
-اسمعي يا بت أنتِ ، الحال المايل ديه ما يعچبنيش ، أنتِ من بكرة تاخدي بعضك وتروحي تشوفيكي مكان تاني بعيد عنينا ..
تركت رغد الريموت من يدها بصدمة :
-يعني أيه الكلام ده يا طنت ؟! أنا قاعدة هنا بأمر عمو الحج وو
قبضت صفية على معصمها وهي ترجها بعنفوان :
-شوية السهوكة دول ياكلوا مع هاشم اللي ضحكتي عليه وياكلوا مع ابوه كمنه قلبه طيب ، لكنهم مش عليّ .. سمعتي قولت لك أيه !! أنتِ لا من توبنا ولا شبهنا ولا عاوزين عيال منك …
شدت رغد ذراعها بصعوبة وهي تتأوهه معارضة :
-ده حتى حفيدك !! أنتِ عايزاني أوديه فين وباباه عايش .. أموته !! ولا اكتبه باسم راجل تاني؟!
-ماهو زي ما أنتِ خايفة على ولدك، أنا كمان خايفة على ولدي .. وحفيدي ديه هيچي ويچيب في رچليه الخراب .. أنا اخنقك بيدي أنتِ وولدك ولا أن ولدي يچراله حاچة من تحت راسك ..
ثم أخذت تنزع في أساور يدها وتصبهم بكفوف رغد :
-عاوزة فلوس ودهب ، خدي .. خدي كل دول ، بس بعدي عن ولدي .. أنا معنديش استعداد أخسره ، انا چاية اكلمك بالمعروف قبل ما تشوفي الوش التاني لصفية ..
ألقت رغد الأساور على السرير بملل وهي ترمقها بنظرات الخِسة :
-وأنا مش جاية عشان فلوس ، أنا چاية عشان جوه بطني في دم ولحم جاي بارادة أبوه ، أنا محملتش من ورا ابنك ، هو بنفسه اللي كان عايز الولد ده .. وأنا مش هضحى بابني ولا هروح حتـه ، عشان أنا معملتش حاجة غلط اخاف منها ..
ثم تحدتها بجراءة وهي تضع كفها على بطنها :
-اللي غلط ومحتاج يتعاقب بجد هو ابنك هاشم بيه .. مش أنا .. مش هلومك عشان أنتِ أم وأنا بدأت أحس بيكي وبمشاعرك واللي هيفكر يقرب من ابني أنا هقتله .
قفل هاشم المكالمـة مع رؤوف بعد ما أبلغه عن أوضاع البلدة الثائرة ، فاقترب من " هاجر" التي كانت تكتب لشريف المختفي من ليلة أمس على الواتساب وما رأت أخيها فزعت قائلة :
-أنتَ زين يا أخوي وريني دراعك ..
تجاهل اهتمامها وقال بعجـل :
-خليكِ هنهِ هخش لرغد وو
وقفت أخته أمامه لتعترض طريقه :
-أمك عنديها چوة وقالت لي مخشش وو
زاح أختـه من أمامه واندفع نحو الغرفة التي فتح بابها بدون استئذان، فوجد ثورة النيران متقدة بين الاثنيـن ، تأرجحت عينيه بقلق :
-في أيه ياما !! مالك بيها !
لملمت أساورها المرمية بعجلٍ وهي تقترب منه مختنقة :
-خلصنا من التُهمة دي قبل ما ريحتها تفوح ، محناش ناقصين هم يا ولدي ..
أوقف أمه التي كادت أن تفارق الغرفة قائلًا بحسـم :
-رغد مرتي ياما ، غصبٍ عن عين أي حد .. خدي الباب في يدك وأنتِ طالعـة وحسابنا بعدين.
دارت " رغـد " بوجهها عنه وهي تحملق بالسقف لتبتلع عِبراتها ، كي لا ينكشف ضعفهـا أمامه ، تأكد من إغلاق الباب ثم خطى بمهـلٍ لعندها مردفًا :
-رغـد .. بصي لي ..
احتدت نبرتها وهي تصرخ عليـه :
-أطلع بره يا هاشم مش طايقاك ولا طايقة حتى ريحتك .. ولا جاي تكمل كلام مامتك !! عايزني أمشي مش كده !!
لكل إنسان مهما بلغ من الحُب فله طاقة محدودة من تحمل الأذى -بمعناه الواسع- وقد يأسرك فيه تغافله، فهو لم يعد محملا تجاهك بالودّ والشوق ككل مرة، لكنك ستبحث يومًا ما خلفك، وستجده أيضًا بقدر حبه إلا أنه يتحاشاك، وهذا هو ردّه .. خطى ليقف أمامها متغاضيًا عن طردها :
-وحشتيني ….
تراجعت للوراء رافضة أن يلمسها:
-متلمسنيش ، ولو سمحت كلامنا منتهي ، كفاية ، كفايـة يا هاشـم لحد كده.
-هو أيه اللي كفاية !! ما تحطي نفسك مكاني يا رغد !! عايزاني أعمل أيه؟
صرخت عليه بحرقه وخيبة الأمل تحرق قلبها :
-تعمـل أي حاجة إلا أنك كنت تستغنى عني وتسيبني ، إلا أنك تتجي وتتجوز عليا وترميني بالرخص ده .. عايز تعرف كان لازم تعمل ايه !! كان لازم تواجهني ونتملم ونشوف حل ، مش يمكن أنا اللي انسحب واعفيك وقتها !! أهون من أنك تسيبني !!
ثم ضربته بقبضتها المغلولة منه والبكاء يسيل من عيونها :
-أنتَ محبتنيش يا هاشم ، أنا كُنت بالنسبـة لك ساعتين حلال على السرير بتقضيهم وتختفي بالشهور .. أنت لو حبتني مكنتش هتخليني اشوف الإهانة دي كلها .. انا لولا اللي في بطني كنت هموت نفسي عشان ارتاح من الدنيا دي وارتاح منك وارتاح من قلبي اللي في يوم حـب واحد أناني زيك .. هاه عايز أيه مني !! بص في عيني وقول لي مستني أيه !!
حرقت قلبـه بحالتها المحزنة وهي تشكو منه إليه :
-رغد بلاش تعملي في روحك كِده كله هيتحل بس أهدي ونتكلمو بالعقل !!
حاول أن يضمها لصدرها ولكنها أعلنت رفضها له صارخة :
-بقول لك متلمسنيش يا هاشم ، أنا بكرهك ، ولعلمـك البيبي اللي جاي ده أنتَ علاقتك بيـه هتكون مجرد اسم في شهادة ميلاد ، لكن أنت مش هتشوفه ولا هتربيه ، أنا هفهمه أن باباه مات من اليوم اللي قتلني فيه .. مش عايز تروح تتجوز روح اتجوز وانسانا ، انسانا واطلع من حياتنا يا هاشم .
حك جدائل شعره متأففًا ومندفعًا بلهجته الصعيديـة :
-يعني أيه اللي عتقوليه ديه !! أنتِ لساتك مرتي واللي في بطنك ديه ولدي ..
حدجته بآهات موجعـة :
-والله !! مراتك !! لسه فاكر ؟! ويا ترى مراتك حبيبتك أم ابنك .. ولا راجع لمراتك اللي تنام في حضنها كام ساعة وتختفي تاني !! قولي !! أنا أيه واحدة فيهم !!
ثم أطلقت ضحكـة ساخرة :
-ماتبصليش كده، الإجابة باينة زي الشمس يا حضرة الظابط .. عايزة أقولك أنسى أنا أه مراتك بس ده في خيالك وبس يا هاشم .. اللي بيني وبينك ابني وبس غير كده أنا مش عايزة أشوفك ، اطلع برة ومتحاولش تكلمني تاني .. عشان كل ما بشوفك بشوف خيبة أملى وكسرة قلبي فيك!! يا خسارة يا هاشم ..
•••••••••••
~القـاهــرة .
-ده بيهددني يا رشيدي !! الولد ده مش سهل وأحنا لازم نقف له !! أنا مش هستنى لما يروح يبلغ عني!!
انفجرت " ناديـة " بجملتها الآخيرة والرعب يتقاذف من عينيها، فتدخل رشدي معاتبًا :
-تقومي تسحبي البلاغ يا ناديه !! ليـه ؟! ليـه تعمـلي كده !! خوفتي من تهديده !!معقولـة !!
فأعقب شريف الذي قطع المسافات على وجهه ليلحق جملة المصائب الغارق فيها كل من أبيه ونادية :
-هو الجدع ده عايـز مننا أيه ولا وقع في طريقنا من أي مصيبة !! على فكرة اللي عملته طنت نادية صح !! ده دماغه داهية وأحنا مش عارفين ممكن يكون بيفكر ازاي دلوقتي!! كده أحنـا كسبنـا وقت .
رفع رشدي أصبعـه مؤيدًا حديث ابنه :
-أحنا لازم نكون سابقين بخـطوة ، ولازم نقفـل في وشـه كل السكك اللي تمكنـه من ليلة !!
توقفت نادية والرعب يتقاذف من ملامحها :
-بتفكر في ايه يا رشدي!!
فأتبع شريف والغضب يتطاير من مُقلتيـه :
-أنا هوديه في ستيـن داهية .. وهفضحهم كلهم .. وهخلي سمعة العزايزة في الأرض .
حرك رشدي أصبع سيجارته مُشيرًا نحو هدفه :
-يبقى الاول لازم يبقى في عقد جواز بينك وبين ليـلة بتاريخ قـديم ، وبناءً عليـه أحنا هننسف اللي اسمه هارون ده من على وش الأرض ….. للأسف هو اللي اختار اللعب مع اللي مش أده .
~بشقـة العـم حسـن .
-تعالــى ألحقي يا هيام ، وشوفي أخوكِ ده بيقول أيه!
فرت " ليلة" من الغرفة لتقتحـم المطبخ الذي تقف به هيام تعد وجبة الفطار لهم ، فتركت عُلبة الحليب المغلفة من يدها تتساءل :
-ماله هارون !! حصل أيه ؟!
تابع هارون خُطاها وهو يقتحم المطبـخ متجاهلًا ثرثرتها ليعد فنجـان قهوتـه ، فوقفت ليلة على مراجـل من نار تشكو لها بنبرة موشكة على البكـاء :
-بيقـول لي أنه مش هيطلقني ، عشان عندكم مفيش طلاق..
أتبع هارون من الجهة الأخرى وهو يحضر قهوته :
-قوليـلها يا هيام مفيش عندينا طلاق .. يكش تهدى .
ردت هيام مغلوبة على أمرها :
-والله يا أخوي لا في عندنا چواز ولا طلاق في حالتك دي..
اتسعت عيني ليـلة :
-يعني أيـه يا هيام !! ده ضحك عليـا واستغلني ، هو ده جزاتي عشان مرضتش أخليه يتحبس ، بليـز قوليـلو يطلقني .
ألقت نظرة حائرة على أخيها الذي وضع قهوته على النار وقالت متحيرة إثر تظرة أخيها القاطعـة :
-مش هو قال لك مفيش طلاق عندينا ..اسمعي الكلام.
زفرت بضـيقٍ :
-لو طبقنا قانونكم بقا وانتِ أهو قولتـي مفيش جواز ، يعني جوازنا باطل يعني أنا أصلا كده مش مراته ، يعني أنا مطلقة !! أنتوا عايزين تجننوني صح !! ما تقول حاجة أنتَ محامي أزاي !!
تدخل هارون بعد ما أعد لها فنجان من القهوة معه وقال ساخرًا :
-أنتِ اللي عاوزة تچنني روحك.
رفعت كفها بوجهه كي تضع له حدًا :
-أنا كلامي مع هيام ، هيام من فضلك قوليلو ملهوش دعوة بيا ولو مطلقنيش أنا هنزل بنفسي ابلغ عنه وأقول أنه خطفني ومضاني بالقوة على ورقة الجواز دي .
تحمحم بحزم وهو يراقب فوران قهوته :
-هيام فهميها معندناش حريم تنزل من غير إذن چوزاتها .. وخليها تلم دورها .
صرخت عليه ليلة :
-هيام أنتِ ساكتة ليه !! ما تتكلمي مع أخوكي ده اللي محدش بيعرف بتفاهم معاه أبدًا.
وجدت هيام نفسها بالمنتصف بين الثنائي لتصيح شاكية :
-بالحال ديه أنتـوا اللي هتچننوني معاكم .. چرالكم أيه !! في أيه يا أخوي ..
ثم انقذها صوت الهاتف :
-يا فرچ الله محمولي بيرن هشوف مين !!
هتف هارون مؤكدًا:
-لو حد من البيت ردي عليه و قوليلو راچعين الليلة .. متزوديش يا هيام .
ركضت هيام من المطبخ فوجدت ليلة بمفردها في مواجـهة الأسد ، اقتربت منه بخطوات سُحلفية :
-أنت بتقول كده عشان بتهزر معايـا وبس ! لكن أنتَ عادي هتطلقني أول ما المشكلة تخلص .
ألقى نظرة على الفقاقيع الصغيرة المحيطة بوجه القهوة ومثلها عينيها المقمرة التي تحدثه بهما ليقول :
-أنا مابحبش الست اللي تچادلني .. قولت مفيش طلاق .. وشيلي الفكرة من راسك .
تمسكت بشعرها مغلولـة :
-بطل بقا الاسلوب الاستفزازي ده !! فهمني ليه مش عايز تطلقني يعني؟! أيه غير رأيك من امبارح للنهـاردة!
دنى منها آخر خطوة فاصلة بينهما ليقول بخفوت وعينيه تنيرين صدرها :
-اكتشفت أن في حاچات كِدِه اتخلقت مع الحياة عشان تحيينا معاها ، شمس هوا ميـه .. حضنك مثلًا .
بللت حلقها :
-أنتَ مجاوبتش على فكرة !! ليه مش عايزة تطلقني!
تدلت جفونه لمستواها متهامسًا :
-عچبتني النـومة في حضنك ..
اهتزت أمامه باضطرابٍ:
-حضن مين !! حضني أنا عجبك !!
اسلوبها الطفولي أشعل لهيب العشق بقلب رجل يتوق لفض غشاء البراءة عن وجهها وليحولها من طفلة مدللة لأنثى مجرمـة في ساحة حـبه ، مط شفته وهو يطوق خصرها بلهفة هادئة :
-ولساتك كمان قايـلة أن حضني طلع حنيـن وو
أومأت بتيه في سماء قربه :
-زي حضن بابا بالظبط…
-أديكي قولتيـها ، يبقى ليه نطلقـوا ؟!
-وليه ما نطلقش ؟!
روض ثغرها على رائحة القُبـل وهو يعلنـها صراحة :
-عشان نويت من الحضن ديه مش هخلف غيـر عيالي ..
فتاة لا تعرف الكثير عن الحب ، مصدرها الوحيد كان أفلام أبيض وأسود ، لِمَ لم يخبرها أحد من قبل بأنه عبارة عن دينامو كهربي يتوصل بأطراف القلب ليمد الجسد بأكمله بطاقات عجيبـة، عاد لها رشدها فجاة وهي تتحرر من يده مع ضربة قوية على صدره وتتهمه قائلة :
-على فكرة أنتَ طلعت قليل الأدب .. عيب اللي أنت بتقـوله ده .
فارت قهوته وفرت قطته من بين يده ، فلم يطل بلح البُن ولا عنب الحُب .. قفل المقود مناديًا على أخته:
-تعالي يا هيام ألحقي…..
تحرك متبعًا خُطى ليلة نحو الغرفة التي توارت بالحمام وصفعت الباب خلفها بقوة ، تمتم لنفسه :
-وماله !! خبطي ورزعي براحتك هو مال أبونا ..
ثم التفت لرنيـن هاتفه ، فكان من أخد الخفر اعينه الخفية بالمجلس ليخبره قائلًا:
-ألحق يا عُمـدة ؛ الست زينة چات المچلس واشتكت عليـك وقالت أنك لامؤاخذة لايفـة عليك بت من بتوع بحـري …..البلد قايدة حريقة يا عمدة لازمًا تاچي.
-دعنا نترك العالم برُمته جنبًا ونحيا معًا بالجانب الآخر منه ، عالمنـا .. أنتَ وأنـا ونجوم الليـل ضيوفنا .
•••••••••••
يأتي وقت على المـرء يفتقد فيه نسختـه القديمة من نفسهِ رُغم أنها كانت حمقاء وأكثر غباءً ولكنها كانت أكثرَ سعادة .. أكثـر راحـة ، ينام ليـلهِ خالٍ البال ..
تكورت أصابع قدم " نغم " وهي تراقب مائدة الطعام الصغيرة التي أحضرتهـا زوجة عمهـا ، وجلست بجوارها تربت على كتفها :
-ليكِ يومين مدوقتيش الزاد يا بتي ، استهدي بالله ومدى يـدك ، يلا بسم اللهِ..
هزت رأسهـا بالنفي والحزن يعُم على جسدها :
-ما قادراش يا مراة عـم ، ماليش نفس ..
-يابتي خسيتي وشكلك بقي يحزن !! عمك كل هبابة يسأل عليـكِ وأنا عقـوله نايمـة وسيبهـا ترتاح هبابـة ، بس بحالتك دي هنركبولك محاليـل..
ثم مدت السيدة ذات الرداء الأسود والزي الصعيدي الأصلـي لتشق الفطيرة لنصفين :
-خدي ، سمـي الله وكُلي لقمـة ومتفكريش في حاچة ، عمـك مش هيسيب حقك وهيطلعـوا من عنيـن العزايزة ..
بللت حلقها الذي يجري به لعاب الصبار :
-أنا اللي قليـلة بخت يا مراة عم ، العزايزة ملهمش دخـل .. كله هيبقى زين ..
ربتت على كتفهـا بتوسل:
-ورحمة الغاليين عنـدك كُلي ، يلا يا بتي ريحي قلبـي متشيلنيـش هَمك ..
مدت كفها المرتعش لتتناول منها قطعة الخبز التي يتقطر منها الزبـد وما رفعتها لمستوى ثغرها وقطمت قطعة بحجم شق التمـرة ، ففوجئت بقـدم قوية ترفس الباب دون احترام لحرمتها ليظهر منهـا شابًا في السابعـة والثلاثين من العمر ذو ملامح حادة يعترك مع الهواء الذي يتسلل لصدره ، يرتدي جلباب صعيدي باللون الأسود ويزأر بصوته الأجش :
-مش كُنا فضناها السيرة العِكرة دي !!
انتفضت أمه ونغم من مكانها ، ولم يمهل الفرصة لأحـد أن يعارضه فأتبع وهو يرفع قدمه على طرف الفراش الذي ترقد فوقه نغم ويخرج دخان الغضب من معالمه :
-أنتِ أيه رچعك !! مش اشتريتي ناس أمك ومشيتي !! مش بعتي ناسك واخترتي صالح الطحاوي !! اسمعي .. أنا بت عمي ماتت من زمان ، بيتنا مش مفتوح لك بكيفك ، روحي للي بدتيهم عنينـا ، مالكيش عيش في بيتنـا ..
فزعت أمه كالملدوغة من مرقدها :
-عتقول أيه يا فارس يا ولدي .. وحد الله مش كِده !! هنرموا بت عمك في الشارع ..
جهر بوجه أمه :
-نرموها للي اختارتهم زمان .. دي ملهاش عيش في بيت أبوي .. دي واحدة نچسـة وملهاش خير فـ حد ..
ثم زاح أمـه من أمـامه وهجم على ذراع نغـم التي تتلقى خبر طردها من بيت أبيها وجدها بصدمة لا توصف .. سحبها بعنفوان وقدميهـا تتمسح بالأرض محاولة التملص من قبضته ، اندلعت أمه بصرخات النواح والاستغاثة … وما وصل لعتبة غرفتها رماها كقطعة القماش الباليـة :
-تروحي ترچعي لولاد خليـفة عشان يوم ما أچيب رشاشي وأفجره فيهم هتكوني أول واحدة هخلص منيها ..
استندت " نغم " على السور الخشبي المحيط بالطابق وهي تستجمع قوتها أمامه متغاضية عن آلامها النفسية والجسدية :
-أنا مش قاعدة في بيت أبو حد يا فارس ، ديـه بيتـي وبيت أبوي ، غصبٍ عنك وعن اللي ينكر الحديت ديه ..
رج صوته أرجاء البيت موبخًا ورزاز الانفعال يندلع من شدقه وهو يخرج سلاحه من سترته :
-حق أبوكي أنتِ اتنازلتي عنه واخترتي ورث أمك وبقيتي تابعة لجهل العزايزة ، أنتِ مالكيش حق عنـدي .. الحق الوحيد اللي بينا دمك … ديه وعدي ليكِ آخر مرة لو شوفتك راچعة هِنه هقتلك يا نغم ..
وجهت فوهـة السلاح على رأسها وهي لا تخشاه وتقول بحرقة تأكل كل إنشًا بجسدها لتنفجر صارخـة :
-تبقى ريحتني من الدِنيـا كُلهـا يا وِلد عمي ، أنا قِصادك أهو دوس على زنادك وخلصني عقول لك … لكن أنا مش هسيب بيت أبوي .
فتح الباب المجاور لغرفة نغم لتظهر منه فتاة صاحبـة السبع سنوات من عُمرها وهي تركض نحو أبيها مفزوعـة :
-في أيه يا بوي .. أنا خايفة قوي ، عتصرخ ليـه !!
خفى سلاحه عن ابنته التي فقدت أمهـا منذ ولادتها وانحني ليحملها معتذرًا عن الصخب الذي أحـدثـه لها وهو يعود بها للغـرفة :
-حبيبـة قلب أبوهـا .. تعالي تعالي متخافيش أنا چارك ..
اندفعت السيدة زُبيدة لعندها وهي تأخذها في حضنها وتربت على كتف نغم التي ترتجف من الخوف :
-حقك عليّ يا بتي ، متزعليش من فارس ولدي ، هو إكده من يوم ما ماتت مرته وهو عصبي وطايح في الكُل ، لما يچي عمك أنا هقوله وهو اللي هيقف له .. تزعليش ياحبيبتي .. تعالي تعالي چوه …
•••••••••••••••
~القـاهـرة .
قد يحـدث أن يخونك الشـعور الذي يملأك ويخرج من عينِيك ، لأن داخِلك لم يِعُد يتسعه .. كانت تمرر قطرات الماء الباردة على وجهها وهي تردد حروف كلماته بعدم تصديق :
-بيقـول لي حضني عجبه !! هو قصده أيه يعني أنه بيحبني !! ولا بيعاكس ولا قصده حاجات عيب متصحش !!
ثم غرقت وجهها بالماء البارد مرة ثانيـة وهي تنتفض وتوعي نفسها :
-طيب أنا متوترة ليه !! أنا مش عايزة أشوفه خلاص .. وجوده متوترني .. وبعدين بقا !! ليـلة خلاص أجمدي ولازم تاخـدي موقـف منـه ، لو كلمني نص كلمـة مش هرد ، ومفيش حاجة اسمها ينام جمبي دي !! أصلًا عيب وهو بيلمح لحاجات غريبة ..
ثم تنهدت بارتباك طاح بقوتها :
-بس هو قصده أيه بأنه مش هيخلف ولاد غير من حضني !! هو ناوي على أيه بجد !!
فضربت الأرض بقدميها المتوترة :
-خلاص بقا ، المرة دي بجد ولازم أخد منه موقف وأوقفـه عنـد حده .. أنا هتجاهله كأنه مش موجود ..
رفعت كُمها ليمر فوق ملامحهـا كي تُجفف قطرات الماء ، فارتسمت البسمـة بتلقائية على وجهه عندما اخترقت أنفاسه المندسة بملابسها لصميم صدرها ، فذابت في عِطره وهي تقول لنفسها بإعجاب شديد:
-البرفيوم بتاعه يجنن !! اف ليلة خلاص بقا .. مش هنكلمـه قرار نهائي .
فتحت الباب ببطء شديد وهي تمد أنظاره لتُفتش عنه ، فوجدته واقفًا أمام الأريكة يخرج ملابسـه من الحقائب التي ابتاعها ، سارت بهدوء متجاهلة وجـوده متجهة نحو حقيبتها المغلقـة لتعـد ملابسها لأخذ حمامها الصباحي .. نادى هارون عليـها :
-ليـلة …
قفلت جفونها بصعوبة وهي تتمتم سرًا :
-مترديش .. مش هرد لا..
فكرر النداء مرة آخرى بنبرة أحـد :
-ليــلة … !!
زفرت بضعف وهي تحاول الثبات على مبدئهـا لتقول بتمرد وهي تدور إليـه :
-مش بكلمك ..
تلقى تمرّدها بابتسامة مسايسة فلم يلتفت إليه بل خاض في خضم الموضوع وهو يعرض أمامها قميصين بلونين مختلفين :
-قوليلي القميص الأسـود ولا الأزرق !!
تأرجحت عينيهـا باهتمام لتقول بتلقائية :
-الأسود طبعًا ، الأسود أصلًا يجنن عليـك .
تمددت ابتسامتـه وهو يلقى القطعتين على الفراش ويلتفت إليها ، أدركت خطأها للتو فزفرت بضيق من نفسها ومن ضعفهـا أمامها ، تراجعت خطوتين فتقدم نحوها ثلاثـة وهو يحك أنفـه متسائلًا :
-قوليـلي .. بالحق هو حكمت بتاعك ديه عمل أيه !!
عقدت ذراعيها وراء ظهرها وهي ترتطم بالحائط وتتأمله برعبٍ :
-حكمت ميـن !! معرفش حد بالاسم ده ..
تحمحم بفتـور وهو يسند كفه بقُرب رأسهـا :
-التمثال اللي حطينا عنده خواتمنا واتنشلت وفضلتي تقولي آساطيـر وبتـاع وو
ارتاحت معالم وجهها المشدودة وهي تستقبله بحمـاس :
-آآه ساكمت .. أسطورة ساكمت ،مالهـا ..؟!أحنـا كُنا بنلعـب ونهزر سوا وو
أفصح عن حُبـه بطريقـة عفـويـة :
-لعب وهزار أيه بس !! من يومها وأنا مش على بعضي !! ديه لو سحر قوليلي أخلي الشيخ هلال يرقينـي ونفكوه لكن حالتي دي معچبانيش .
ظلت تعض في شفتـها السُفليـة بتوتر والصمت يعقد سحابتـه فوقهمـا ، فأردف متعجبًا :
-ساكتة ليه !!
-بحاول أفهم كلامك بس..
-طب وفهمتي ؟!
هزت رأسهـا ببلاهة ومازالت مُعلقـة بطيف عينيه اللامع :
-تؤ مفهمتش حاجـة ..خالص .
رفع حاجبه متعجبًا وهو يسند كفه الأخر فوق الحائط بقُرب خصرها لتقـع كُلها تحت حِصاره ، تنفس بهدوء :
-هفهمـك !!
بللت حلقها الذي جف من شدة الارتباك :
-يــاريت .. بس أنتَ مقرب جامد كده ليه !! أنا متوترة على فكرة .
-ماهو الكلام اللي هيتقال مش هينفع يتقال غير وأنتِ تحت يدي !!
أحمر وجهها من شدة الخجل :
-هارون بيـه !! اتكلم على طول بلاش تلعب بأعصابي .. عايز تقول أيـه ؟
هز رأسه وهو يزن وقع الكلمة بتعجب :
-هارون بيه !! المهم أنتِ لمـا شربتي من قهوتي في الليلة أياها ، كان ليه ؟!
أطلقت ضحكة طفوليـة لتعترف :
-عشان تجري ورايا .. بس كنت بهزر آكيـد مفيش الكلام ده يعني وو
-ليـه مفيش !! ماهو حصل … حصل وسبت الدِنيـا كُلها وچريت وراكي .. السر فيكي ولا فيهم !! سحرتيني ولا سحرتيلـي!!
كانت أمواج الحُب رقيقة ، أسدل أنامـله على أطراف شعرها وهي يتنفس قُربها الطاغي والذائب به وأتبـع :
-هاه !! عملتي أيه في قلبي الصخر عشان يليـن لك !! هوى الحريم عمره ما كان كيفي .. بس بيـكِ هويت الحُب وذُله .
لم يبقى لديها شيء سوى الصمت وهي ترى كلماته وتسمع أعيـنه التي تتجرد أمامها ، شعور مُهيـب ، شعور حارق أن يقف أمامك رجل مثير مثله مُعلنًا رضوخه وخضوعه لقلب إمراة هشة مثلها .. ارتفع صدرها بتنهيدة عاليـة متشوقة لسماع المزيد منه ، المزيد الذي سيقف به قلبها ذات كلمـة ، أتبع هارون والعرق يتصبب من جبهته :
-عمر يدي ما لمست واحدة مش حلالي .. ولا عمر قلبي مال لواحدة واتمنى تقاسمه فرشته غيرك ، لكني چيت عندك واتبدلـت ، شوفتك بتي اللي لساتني مخلفتهاش .. أنتِ چيتي من أي أرض أنت وحُبك اللي مزلزل صدري ديه !!
ثـم يدفأ قلب المحب ذات اعتراف لا شيء يبقى باردًا للأبد ؛ خرت دمعة من عينيها وهي تكذب مسامعها لكن لم يكذب قلبها أحساسه ، اهتزت شفتها بلهفة :
-هارون ، أنتَ قولت أيه ..
استند بمعصميه على الحائط خلفها ليبتر ساق الهواء الفاصل بينهما وأكمل:
-قولت أنك لو مستعچلتيش و مچتيش وقولتيها ، كنت هاچي وأقولها أنا ، هاچى وأخدك غصب عنك ..
ثم تلعثمت الكلمات وهو يخرجها :
-كنت هقولك أنتِ البت اللي أحلام كلمتني عنيها كتير ، لما قالت لي مسيرك تقابل واحدة من كتر خوفك عليها هتكون عاوز تدفنها چواة قلبك ..
ثم ضم خصرها بغتـة ليدخلها بين ضلوعه المرتعدة شاهقـة وهو يعترف لها وعرق التتوق إليها يتقطر من جبهته :
-تعالى اسمعي وحسي بنفسك ، شوفي حال قلبي والدوشة اللي أنتِ عاملاها ، اسمعي صوته وكد أيه عويـل من غيرك ، حسي النار القايدة جواي ومش عارف أطفيها !!
ثم سرق كفها ووضعه فوق قلبـه الصاخب :
-شوفي وصلتيه لأيه !! حتة الصخرة اللي چوة صدري بقيت طير اتجنن بيتخبط في قفصه عاوز يتحرر بين يدك .
كادت أن تنطق من بين معالم وجهها المنتفض من كثرة البكاء ، فألجمها معترفًا :
-بعت عمري والدِنيـا كلها واشتريت ساعة في حضنك ..
ثم تنهد ليخرج دخان احتراقه :
-مش عارف ألومك ولا ألوم قلبي اللي سايرك .. بس للأمانة مش قلبي وحده اللي سايرك دي كل حتة چواي اتفقت عليكِ ..
من حسن الحظ أن تكون مطرًا وتنهمر على قلب خصبٍ لينمو بهِ كُل شيء ، كانت كالطير الذبيح تنتفض بحضنه ، نجح في تحريك كل ساكن بجسدها الضعيف ، قوتها لم تكن كافيـة لتواجه بركان الحُب الثائر أمامها ، كادت أن تتفوه فأخرسها وهو يبتلع ملامحها معترفًا وهو يشير نحو قلبها:
-السيف اللي اضرب هنِه هو نفسه اضرب چواي وما باليد حيـلة يا بت الناس ..
ثم بلل حلقه فتحركت تفاحة آدم :
-ليـلة أنا عاشقـك ..
اندفعت ببلاهة من هول اعترافه الذي أحدث ربكـة عظمى بكيانها :
-أحلف كده .
-وحياة عيونك الحلوة دي ، عاشـقك .
قال جملتـه وهو ينتوي إثبات ملكيتها ، ليطبع أول قُبلة ببوابـة قلبها .. بجفون مقفوله لأن قلبه يشفق على كونها حبيبته ، من فرط برائتها .. فكيف يمكن للنار أن تقترب من قطة برقتها !! لم تمهله الفرصة من شدة توترها بل فرت من حضنه بخوف وهي تتحاشى قربه ، ابتلع قُبلته بصدره بتنهيدة مسموعة وهي تحدثه بصوت متهدج :
-يعني أنتَ بتحبني بجـد!
-بعد كل اللي اتقال ديه ؛ عتسألي !!
اهتزت أمامه :
-مش مصدقة بس !!
-بكرة الأيام هتثبت لك ..
دمدمت بتوتر :
-طيب ليه أنكرت لما جيت لك !! ليه مطمنتش قلبي !! ليه طلعتني موهومة وو ، هنت عليـك تمشيني من عندك وقلبي مكسور ..
ثم مسحت على وجهها المحمر من شدة التوتر وعادت لتسأله من جديد :
-قول كده تاني الكلام اللي قولتـه !! أصله كان كلام كتير كده وانا تهت منك في النص وو
تائه في فنٍ حبها العظيم ، تائه في تفاصيل المثيرة لجوارحه ؛ جذبها من خصرها بكفوفه عنوة :
-ايـه اللي مسمعتهوش ، أنا قلت أني عاشقك يا ليـلة ، وصخري لااان على يدك ، وأني عاوز أقضي باقي عمري كله معاكِ !!
ترجته بأنفاس متقطعه وهي تلملم مشاعرها المبعثرة في حقل حبه:
-خلاص كفاية ما تقولش حاجة تاني ، خلاص والله قلبي هيقف .
-مايقدرش يقف وأنا موچود ..
-ليـه !!
-عشان هنعشـه ..
-أزاي !!
أطبق على شفتيـها ليمارس دوره كما يجب أن يكون في مشفى الحُب ، ملكها ، وامتلك حركتها ، اعتصر شفتيـها بين فكيه من شدة الشـوق ، ضغط على خصرها براحة يده القويـة كأنه يحفزها أن تتجرأ ويحفز قلبـه على عادة لمسها بحرية ، أن تقترب منه أكثر ، تتنفسـه ويتنفسها ، تمرح على أرضـه ، ثبت أقدامها بمشطي أقدامه كأنه يُجبرها أن تطيـل البقاء لا تهرب كعادتها ، صب نهر حبه بشدقه ليبلل قلبها الجاف ، ضمها أكثر فأكثـر ليجذبها لقصر حبه ، تعالى ، اقتحمي حصون قصـري الذي ساكتشفه معك للتـو ..
أحدثت قبلتـه في قلبها صدى رهيبًا ، مربكًا ، قاتلًا لبراءتها التي لم يقترب منها أحد من قبـل ، ظلت ذبذبات قبلته تتردد بداخلها وبأصابع يدها المرتجفـة ، تئن بصرخات مكتومة لأنها أضعف من أن تتحمل سطوته العاتيـة ، قبلـة تساوي عمره الضائع ، أنعشت قلوبهما من جديد وفتحت لهم بوابات الحياة ، تحررت من حضنه بمعاناة وهي تحاول أن تستوعب تصرفه الجنوني ، أغرورقت العبرات بعينيها وملأ الخوف والحب قلبها ، خيم الحياء على معالمها ، فأردفت بتوجس تحت تأثير مخدر قبلتـه الساحر التي لا تختلف عن قُبلة منامها :
-أحيــه !! أنتَ عملت أيه !!
برقت عينيـه بذهول وهو يسترد أنفاسه المكتومة ، ففاجأته بضربة قوية من قبضة يدها على صدره وهي تعلن تجديد حبه بقلبها بعتب ، بتمـرد :
-بكرهك .
قبض على معصمها والابتسامة تشـق أساريره :
-ولا تقدري ، ألعبي غيرها ….
أدق ما كتب أنسي الحاج لوصف حالة الأنثى العاشقة :
"أنتِ أجمل من العالم لأنكِ تبتسمين تحتَ جفوني تحتلين الحاضر
تكتشفين فيّ نورًاويمشي مصيري بين نظراتكِ مشيَ الغيوم حولَ القمر ".
•••••••••••••
~مرسى علـم .
صوت زجاج مهشم ارتطم بالأرض فتناثـر فتـاتـه في ربوع المكان وكأنه إشارة لما ينتظر أبطالنا في المستقبل ، بعد ما دفع مازن الكرة فاصطدمت بالزجاج أثناء لعبـه المتهامس مع رؤوف كي لا يزعجنا أمه النائمـة والتي نهضت مفزوعـة إثـر رؤيتها لكابوس ختمته بصوت الزجاج .. هرولت بشعرها المبعثـر لخارج الغرفة وهي تنـادي على ابنهـا :
-مـازن !!!!!!
فوجدته أمامها واقفًا على أحد المقاعد وهو يطمئنها :
-متقلقيش ياما أنا زين ، عمي رؤوف هو اللي كسر القزاز !!مش كِده
رمقه رؤوف بتـوعد وهو يحمل المكنسة اليدوية :
-ولاه أنتَ مش چدع !! أمـك أجدع منــ
ثم دار ليرى شعرها المطوى والمحرر والذي ينعكس فيه ضوء المصباح من شدة لمعانـه ليبتلع بقية كلماته متأوهًا :
-وأحلى منك كمان !!
رفعت كفها عن صدرها بتنهد :
-حرام عليكم والله !! أنا لو كُل يوم هصحى على الفزعة دي هموت منكم ..
هرول نافيًا :
-بعد الشر عنك .. شالله أنا وأنتِ لا ..
اقتربت من صغيرها وقبلت كفوفه لتملأ رئتها بعطر قربه :
-مازن حبيبي أنتَ زين !!
ثم مسحت على وجهه المُلطخ بالحلوى والشكولا :
-وايـه الوش ديه !!
أشار الطفل نحو رؤوف:
-عمي رؤوف هو اللي وكلني حلاوة كتير !!
عض رؤوف على شفته متوعدًا :
-ولاه لِم دورك معاي !! دانا خفيت منه الحلاوة يا نچاة .. والنعمة لاربيك !!
ظلت تمسح في كفوف صغيرها بعتب :
-حرام عليك يا مازن ..
فلم تجد حلًا سوى حمله وهي تقول:
-أنتَ تنزل تحت الدُش بشكلك ديه !!
فنظرت لرؤوف:
-رؤوف هلمها أنا متتعبش روحك ، هوديه بس الحمام يسبح .
تنهـد رؤوف بتوعد لمازن في ظهر أمه :
-خليك فاكر أنتَ اللي بدأت وغلاوة أمك هوريك ..
غمز له مازن مترجيًا أن يفوتها لأجل خاطره فأتبع رؤوف :
-دِلوق فاكر أننا صحاب !!انسى .
أدخلته نجاة الحمام وساعدته في نزع ملابسه في تلك اللحظة لملم رؤوف الزجاج المهشـم بالأرض ، فتحت الصنبور لصغيرها وطلبت منه أن يبقى تحت الماء حتى تحضر ملابسه وتعود إليه خرجت من المرحاض بعد ما قفلت الباب معتذرة :
-أسفة يا رؤوف على اللي عمله مازن بس ملكش حق تلعبوا كورة فـ البيت !! مفيش لعب كورة تاني ..
تاه في سحر جمالها الطبيعـي وهي تقف أمامه بهيئتها القاتلـة لفؤاده المُتيـم .. تسلقت أنامله جدار عنقها وهو يغازلها بشوق :
-وبعدهالك !! هترضى عني ميتى !
ابتعدت عنه كالملدوغة بماس كهربي :
-رؤوف يدك .. مازن .
تأفف بحرارة شوقه المدفـون متسائلًا :
-المفروض هصبر لميتي !! قوليلي يوم ، أسبوع ، سنة .. حددي معاد عشان أقعد أعد نجوم الليل لغاية ما يچي ..
تمتمت بهمس وهي توقفه بنظراتها المحرجة :
-رؤوف !!
اقتحم المسافة الفاصلة بينهمـا وهو يحاصرها بأحد الزواية قائلًا :
-الليلة تنومي مازن من المغرب ..
-ليــه !!
تلعثم لسانه بنفاذ صبـر وهو يقول مداعبًا ويده تتنقل فوق ملامح وجهها :
-هو أيه اللي ليه !! ياستي ناوي ألعب ماتش كورة مع أمه ، يكشي نچيبوا چون ويچي لمازن أخت ولا أخ يونسوه ..
ما ذابت في حصن عشقه ففاقت على نداء مازن الذي اخترق الصابون عينيـه باكيًا:
-يامـا تعالى ألحقيني …..
تنهد رؤوف بعد ما فاض صبره :
-الصبر يا صاحب الصـبر .
•••••••••••
~القاهـرة .
""تخيّل أن يكِنّ لك أحدهم حُبًّا كَالذي في قلبِك ، تخيّل أن يُلقيك القدر بقلبٍ يُشبهك ""
عودة لعصافـير الحُب ؛ عمت أجواء خاصـة ، علقت أجنحة اعترافه لترفرف أمامه كفراشـة تلونت بأزهى ألوان الحيـاة ، تحوم حوله بوجه خجـول يملأه الابتسامات ثم ـه فرار أرنب كي تتجنب الخُطى التي تجمعهما ، بين كل دقيقة والآخرى تضع أناملها على شِدقها لتتذوق حلاوة قبلته المسروقة ، شعور لاذع كالليمون ، حامض ، لذيذ .. تأبى المزيد منه لتذكر حقيقة كونه حارًا أم باردًا أم شعور دافئ تود التماس المزيد منه.. تتأكد من مذاق قطعة السُكر التي وضعهَا القدر في كأس أَيامِها المُرة ، ألقت نحوه نظرة معجبة بالمرآة التي تتزن أمامها
لقد كان غريبًا مألوفًا كأبطال الروايات ، تتهافت عليه القلوب ويمطر الحب فوقه من كل من يقرأه ، يحمل مفاتيح الأفئدة ويفتحها على مصراعيها ويدخل من أي باب شاء ، يشبه حنين الغروب وسكينة الليل ونور الفجر ، يشبه قهوة الليل في ليلة ملبدة بالغيوم والمطر .. لتقـول بهدوء وهو يرتدي سترته الشتوية :
-الطقم قـمر أوي عليـك !! يجنن .
بنظرته التي انغمست في سائل الحُب وهو يفصح بها معلنًا عن صوت قلبه الذي أتى إليها بما أتَسعت مخيلتي .. واللحنُ غنوة ترنمها أعينهما ، هذا هو صوت قلبي .. ولكَ ما شِئت من عزف البداية والنهاية معًا ، تحمحم بخفوت :
-بتعاكس !!
تركت الفرشاة من يدها :
-دي مجاملة لطيفـة ! متفهمش غلط.
تنهد بارتياح وهو يرمى عبلة السجائر بالسلة ، فلم يعد بحاجة لها بوجودها وقال معاتبًا :
-عينك من الصُبح هربانة ليه !!
توتر بخجل :
-عشان مش بكلمك .. مخاصماك .
-قمـر والله ..
دنى منها بهمـل وهو يخبرها :
-وموضوع مخاصماني ديه هنشـوفوه فـ العربيـة ، يلا عشان متتأخريش على تصويرك .
اتسعت عينيـها بدهشة :
-أنتَ عرفت أزاي أنهم عايزيني عشان أصور ..
-منا اللي قايـلهم ..
ثم ابتلع اعترافه :
-قصدي كلموكي على محمولك ، مردتيش كلموني !!
عقدت حاجبيها بتعجبٍ :
-وهما عرفوا أزاي أننا مع بعض !! وكمان عرفوا رقمك أزاي ؟!
لكت كلمات الكذب بفمه وهو يقول بنفاذ صبر :
-أنتِ بتتذاكي في حاچات غريبة ، وفـ المهم بتضربي ورقة بفرة .
-هارون بلاش كلام مش مفهوم !! كلمني زي ما بكلمك .. بليز.
تأرجح حاجبيه :
-ماهو مفيش وقت للحديت .
ثم مد كفه إليها :
-يلا عشـان منتأخروش ..
وضعت كفها بداخل كفه الممتد لهـا بطاعة وشعور الملكيـة غمـر قلبها ، فما خطت خطـوة ثم توقفت قائلة بقلق :
-هارون استنى …
وقف أمامها هيئته الجذابـة والساحرة لأي فتاة تقع عينيه عليه ، رجل اجتمعت فيه خِصال الرجال كما يجب أن يكون :
-متخافيش من حاچة وأنا معاكي ، هتطلعي قدام الكاميـرا ومتعمليش حساب لحـد ، زي ما اتفقنـا .. رزع الاستديو بكاميراته.
جلى حلقها بتوتر :
-استنى بس ، بشويش عليـا ..
ثم ملأت صدرها بالهواء ، بعطره تحديدًا :
-أنتَ بتحبنـي بجد ، يعني أد أيه مثلًا ؟!. أوف ؛ معلش استحملني والله بس أنا حاسة بحاجات غريبة كده ، مش مصدقـة ، قصدي أول مرة حد يعترف أنه حبني !! لالا هما اللي حبوني كتير أوي ، بس دي أول مرة يحبني اللي بحبـه !! أنتَ فاهم ؟!
كانت معاناته الحقيقية براءتها ، قاتلة مجرمة ، مهلكة لرجولتـه ، عقد حاجبيه ممازحًا كي يخرجها من حالة الارتباك التي تجتاحها :
-الراجل اللي هيفكر يبص لك بس ، أنا همحيـه من على وش الأرض .. واتعدلي .
أصابها غرور حبه وهي تقول بفرحة:
-كده هتخلص على كل الرجالة ..
-ما هو بسببك ..
مسكت كفوفه بحُرية :
-نتكلم بجد !! أنا عايزة وعد ..
كان كفيها كقطعتين من القطن بيده:
-أنتَ تأمري وأنا أنفذ ..
حاورت عينيـه:
-تحبني لآخر عمرك ..
-مفيش مفر ..
ليلة بتضرع:
-عمرك ما هتزعلني !!
-أموت قبلها ..
-لا بعد الشر عليك طبعًا .. بس حبني على طول ، وكل يوم وكل ساعة ، عوض قلبي عن كل اللي فاته .. هارون أنتَ بقيت كُل حاجة بالنسبـة لي .. مش عايزة حاجة تخوفني تاني ..
لمس وجنتها برفق :
-وأنا مش عاوز مراة هارون العزايزي تخاف من حاچة في الدِنيا كلها ، خبطي ورزعي في اللي ميعجبكيش وتعالى إداري في حضني .
-أنت ازاي كده!!!!!
رفرف قلبه من طاقة أمانـه التي سلطها عليها، فقالت بصوت متهدج :
-آخر سؤال أنت حبتني عشان أنا ليلة ولا عشان ساكمت هو عمل كده والأسطورة اتحققت !!
ضحك بخفـوت وهو يقر معترفًا :
-أنا حبيتك عشان ديه قدري ومكتوبي من قبل ما أجي الدنيـا دي ياليـلة .. الحُب قـدر .. وأنتِ قدري .
تنهدت بارتياح ولا تعرف ماذا ستقوله أمامه حبه العاصف ، فدمدمت بعفوية:
-أنا قولت لك أن شكلك حلو والطقم حلو !!
ضم رأسها صدره وطبع قُبلة خفيفة فوق رأسها وهو يسحبها للخارج والسعادة ترفرف بأجنحتها فوقهما ، مسك كفها قبل ما يفتح الباب ، فألقتى بأخته الجالسة أمام التلفاز وما رأته فزعت من مكانها برهبة ..ترك يد ليلة ثم اقترب من أخته وقَبـل رأسها بحنان :
-لِمي حاجاتك عشان هنرچعوا العزايزة الليلة..في بهايم طايحة في البلد عاوزة تتربى .. مش هتأخر عليكي ولو عوزتي حاجة تطلبيها بالتليفون الأرقام كلها عندك .
بنبرة مذعورة قالت :
-هارون أبوك عاوزك ضروري ..
-هكلمه… بس قوليلي وشك ماله .. مش عاچبني .. ما عتاكليش!!
هبت معترفة على الفور :
-هقولك بس متزعلش مني يا هارون ، دكتور عمار اتصل يطمن على ليلـة ، وفضل يرغي في أي حديت كِده ملهوش علاقة ببعضه بيچر رچلي ، بس أنا طلعت أذكى منه وو خفت وقفلت في وشه السِكة !! هو هيتسلى ولا أيه !! بص خد كلمه قوله مايتصلش بي تاني …عرفه أن وراي رچالة يا هارون .
تراقصت نظرات ليلة وهارون لبعضهم ، فقل عين وفتح الآخرى قائلًا بتوعد مطوى بالخبث لرائحة الإعجاب التي تفوح من عيني أخته :
-داكتور عمار !! وماله .. نربوه هو كمان ..هي چات عليه.
هبت ملهوفة :
-هتقتله !!
-ليه أخوكي قتال قتلى !!
ثم تحمحم بحماس:
-يلا يا ليـلة …. يالا… نامي يا هيـام الله يهدي أمك .
سحب ليـلة من كفها وغادر الثنائي الشقة وترك الحيرة برأس أخته ، أمام المصعد مالت ليلة على مسامعه مُقرة :
-على فكرة دكتور عمار شكله معجب بهيام وهي متلخبطة..
فتح باب المصعد كي تدخل أولًا وهو يقول بثقة :
-منا عارف وقاريـه من يوم ما خش بيتنا ..
ثم ضغط على الزر :
-لولا أنه محترم وأبوه غالي عليّ كان زماني معلقه في زقلة .
تأرجحت عينيها بعدم فهم :
-مش سهل أنتَ بردو .. بس يعني ايه زقلة؟!
-هوريهالك لما نرچعوا .
ما فُتح باب المصعد فهبت مقترحة :
-أيه رأيـك نزور مامي بعد تصوير الحلقة ونشرحلها سوء التفاهم اللي حصل!!!!!
فتح سيارته بالريموت الالكتروني وبنبرة حاسمة قال :
-ليلة ؛ متفكريش غير في حلقتك وبس .. اركبي .
ما استقل الثنائي السيارة ، نزع هارون نظارته الشمسية وهو يطلب منها:
-عاوزك توصليني بمراة هاشم أخوي ، عشان ناوي أكسر نفوخه على عملته المهببة دي …..
•••••••••••••
~العـزايـزة .
ببيت جدة جميـلة ؛ والتي تُعد أذكى الأطعمة الفواحـة لعريس حفيدتها الذي سيأتي المسـا برفقة أهله لقراءة فاتحتهـا.. اتبعت" جميلة " رائحة الطعام المنتشرة في ربوع البيت وهي تهلل :
-يا سنيـة متتعبيش روحك قولت لك !
قلبت الحساء بالمطرقة الخشبية :
-ولو متعبتش لچميلة حفيدتي هتعب لمين !! ديه يوم المنى يابتي ..
تنهدت جميلة بضيقة:
-عاوزة أريحك يا سنيـة وبعدين أنا قلبي مش مطمن .. حساها زي كل مرة.
-ليه يابتي ، الواد شكله زين ومتربي ، وكمان أنتِ قعدتي معاه وقولتي أمين ..
بثت شكواها لجدتها:
-قولت أمين ، وبيقبوا هيتهوسوا عشان أوافق عليهم ، يچوا يوم قراية الفاتحة ويختفـوا .. ملبوسة أنا يا سنية !!
-لا أنتِ زي الفل .. بس أنا قلبي متفائل خير المرة دي..واكيد خير.
رفعت أصبعها لتعقد اتفاقها معها:
-العريس ديه لو طفش هو كمان انا هقفل باب الچواز دي بضبة ومفتاح ، اتفقنا يا سنيـة.. مش عاوزة اسمع قول وعيد في الحوار ديه .
تمتمت سنيـة مع نفسها:
-يارب لا متكسرش خاطرها يارب .. ريح قلبها ويكون ديه العريس اللي فيه الخير يا رب .
~على الطـرق ..
تغبرت الأجواء إثر تقاطع سيارتين على الطريق الرملي ليسب وليد الفاو ذلك الأحمق الذي قطع عليه طريقه فجأة .. وما أن ظهر هيثم أمامه سحـب حبل شتائمه لتتحول لنـدمٍ :
-يا هيثم !! مش هتبطل غباوة في السواقة ياخي !! حد يطلع في وش حد كِده !!!
دنى هيثم منه والابتسامة تعلو ملامحه :
-حبيبي يا وِلوو ، فينك يا راچل ولا الكويت خدتك منينا ، فينك وفين أراضيك!! أول ما سمعت إنك نزلت قولت لازمًا أچي اسلم عليك بنفسي..
هبط وليد من سيارته وصافحه قائلًا :
-نزلت أخطب وياستي وعلى اخر الشهر هكتب عليها .
هز رأسه بخزي :
-عرفت ، عرفت أنك قايل على چميلة بت الخواچة!!
-للدرچة دي مفيش سر عيدارى في العزايزة !!
رفع هيثم سبابتـه قائلًا :
-هو مفيش سـر يدارى على هيثم العزايزي ، تفرق … وعشان كِده اشتري اللي چاي عشان أقولهولك ..
ثم طوق رقبته قائلًا بنبرة مبطنة بالنصح :
-أنتَ سألت زين على چميلة دي !!
-سألت وكله شكر فيها بت كيف الچنيه الدهب ، وقالوا دي غلبانة !!
صاحت صرخة الاعتراض من جوف هيثم وهو يخبره قائلًا :
-هما ضحكوا عليك أنتَ كمان !! چميلة دي غلبانة !! دي عتتغدا بالعُمال في المشتل عندينـا.
بد الذهول على الرجل :
-لا يا شيخ ، ما يبنش عليها ، هي واعية ااه لكن بت ناس متربية .
أكمل هيثم مسرحيته :
-ما نقدروش نقولوا كلمة في حقها ، بس خُد التقيلة ، لولا أنت بس غالي عليّ كنت سبتك تلبس ، بس لا يا وليد مستحيل اسيبك تقع الوقعة دي..
-قلقتنـي يا هيثـم !! هي البت مالها..تعرف أيه عنيها!
وشوش له هيثـم بدهاء:
-البت عليها واحد مخووت .
-كيف الحديت ديه !! مين عينيه عليها وأنا أقتله بيدي!!
ضرب هيثم على جبهته :
-وطي حسك ، ماهو لو عايش على الأرض معانا كنا قتلناه من زمان .
-أومال عايش فين !!
أشار بأصبعه لأسفل لدمدم بحسرة :
-عايش تحت الأرض ، بيني وبينك عليها بسم الله الرحمن الرحيم ، كل رجل يقرأ فاتحتها يقوم هو وعشيرته يقروا عليه الفاتحة ، هوب ما تطلعش عليه شمس .. ونسمعوا خبره .
قذف الرعب بصدر الرجل :
-الكلام دي حقيقي يا هيثم !!
-وأنا هخُمك ليه !! لولا أني عارف أنـك غريب عن البـلد ليك مُدة مكنتش چيت نورتك ووعيتك ، اسمع نصيحة أخوك ومتعتبش دارها ، عشان أنتَ متراقب … خاف على عمرك يا وليد يا أخوي وبنات العزايزة على قفا مين يشيـل !!!!!
قفز الرعب بقلب وليد :
-وعلى أيه !! هي ناقصة عفاريت !! ابعدنا يا عم .. ملبوسة لروحها الله يهنيها .. بس چميلة دي چميلة قوي يا هيثم خسارة والله ..
لكزه والغيرة تتطاير من عينيه :
-طب وطي حسك وما تقولش چميلة دي ، دول ولاد مچانين وعيغيروا ، قفل على السيرة اللي تقصف العُمر دي… وتعالى أرشحلك بنات في العزايزة ، دانا عارفيهم واحدة واحدة …….
•••••••••••••
-بركان وانفجر في وشي يا أحلام ! دي حتى مش طايقـة أحط يدي عليها !! عملت أيه أنا لكُل ديه !! مش فاهمة أنها كانت ساعة شيطان وراحت لحالها.
رفس هاشم بقدمه الطاولة البلاستيكية من أمام أحلام في الجنينة وهو يجوب الأرض ذهابًا وإيابًا ، حتى صرخ غاضبًا :
-دي عتقولي أنتَ مجرد اسم على شهادة ميلاده !! عاوزة تحرمني من ولدي يا أحلام !! هي چاية تقتلني بسلاح بارد وتمشي!! فاكراني هقف اتفرچ عليها!
فركت أحلام كفوفها بغـلٍ :
-بلاش عصبيـة يا هاشم !! اهدي يا ولدي بلاش شيطانك يسوقك زي كل مرة !!
لوح بذراعيـه وهو يشكو منها ومن شوقه إليها :
-أنا سبتها بس عشان هي حامل مرضتش ازعلها ، لكن قسمًا عظمًا أنا لو عاوزها دلوق ما حد هيقدر يمنعني عنيها حتى هي نفسها ! شوفي يا أحلام أنتِ تعقليها .. وإلا ..
فاض صبر أحلام من عصبيته :
-يخربيتك أمك ، كِّن وأقعد على حيلك دوختني !! أنا مش عارفة أنتَ وارث التورة دي منين !!
عض على شفته السُفليـة مغلولًا وهو يتفقد خلاء المكان حولهما ، ليبوح معترفًا :
-وحشاني !! وحشاني ومش قادر حتى أخدها في حضنـي يا أحلام !! هتچنن !!! من ميتى رغد منعت نفسها عني !!
طيف ابتسامـة خفيفة استقرت على ثغر هاشم الذي اعترف علنًا بشوقه بحبه ، بنار رفضها له التي تحرقـه :
-طب روق وسيبها تهدى !!
-أحلام !!! أنا أجازتي يومين وهتخلص ؛ مش هتحرك غير ورچلي على رچلها ..
ثم صاح منفجرًا :
-عقليها وقوليلها كلمتين !! وإلا ورب الكعبة ما هعمل حساب لحمل ولا لمخلوق .. أنا عتحرق وهي محساش بي يا أحلام !! راسي هتنفجر ومش قادر أحلها معاها !!
تأرجحت عيني أحلام بتساؤل:
-أنتَ عاوز أيه يا هاشم !!
قطعت حديثهم مجيء هاجر التي جاءت تركض من الخلف بنفس واحد وهي تستغيث بهِ :
-ألحق يا هاشم ، مرتك مغمى عليها ودمها متصفى ، شكلها عتسقط ….
•••••••••••••
~مدينـة الإنتاج الإعلامي .
انتهت "ليـلة" من ارتداء ملابسها الخاصة بتصوير الحلقـة ، وانتهت من وضع المكياج المتناسق مع ملابسها وهي تتساءل عن اختفاء هارون الغريب كل فتـرة ولم تجد جوابًا ، حتى هاتفه يرن بدون رد منـه .. زاد توترها وهي تحفظ بعناوين الحلقـة وتراجع تفاصيـل نصائح هارون :
-مننفيش كلام دكتورة نادية ، أي حد بيتعرض لفقد حد غالي عليه لازم بيدخل في دوامة نفسية وده اللي حصلي لما فقدت بابا -ثم تبسمت لتجود من عندها -بس ربنا بعتلي الشخص اللي يصالحني على الحياة من تاني !! وأظن إني دلوقتي مش محتاجة الأدوية دي تاني.
ثم أخذت نفسًا عميقًا وأكملت :
-مامتي حصل سوء تفاهم بس ومن خوفها عليا قالت الكلام ده !! لـكن أن مشيت مع هارون بيه بمزاجي ، لأني كنت متابعة مع دكتور تاني كان لازم اروح له ، هو اللي فاهم حالتي !!ومامي لو عرفت مش هتوافق من خوفها عليا .
ثم ضربت الأرض بقدمهـا :
-أنتَ فين كل ده يا هارون بس !! هو ده اتفاقنا …!
طرق الباب فظهر أحد المعدين ليخبرها :
-ربع ساعة ونكون جاهزين يا استاذة ..استعدي.
بدّ القلق يُقاسم ملامحها :
-راح فين بس !! مش عايزة أبقى قلقـانة عليه ..
ما ولى المُعد ظهره فجاء بدلًا منه هارون ، فما رأته استردت روحها من جديد وهي تشير لفتاة التجميل أن تخرج من الغرفـة ، انتظرت حتى غادرت الفتاة لترتمي بحضنه بارتياح تائه عثر على موطنه للتو :
-كنت هتجنن عليـك !! كده بردو ؟! روحت فين يا هارون ..مش متفقين هتكون معايا ومش هتسيبني ..خضيتني عليـك .
كلمـا وجَّهتُ بوصلة قلبي وجهةً يأتي غرامك ملوحًا أوَّل وجهاتي .. و كلما نويت الصيام عن حُبك حتى يرفرف بالعلن رمقتني فتراجعتْ وتخاذلتْ نيّـاتي ولعنتها ، لعنت أي شيء يبعدني عنك خطوة واحدة .. من أنتِ يا فتـاة ، ليـلة !! لكنك ليالٍ عديدة وأنا التائه بدروبك !! لعبتَ بهيبتي ! اخترقتي قوانيني فخالفتُ فيك مجامعَ الأعراف والعادات .. مسح علي شعرها بحنانٍ :
-الحضن الحلو ديه عشان غبت عنك ساعة بس!!
ثم أمسك بذقنها ورفع وجهها لمستواه ليطبع قُبلة طويلة على وجنتها التي طغت حمرة خجلها في التو ، فبررت :
-خفت عليك ، روحت فين فجأة كده .
-أخرني ديه يا ستي !
أخرج من جيبه علبة فخمـة من القطيفـة وفتحه أمامه ، فسطع من داخل العُلبة خاتم مرصع بالألمـاس جعلها تشهق من جماله منبهرة :
-واو !! ده ألماس !! يجنن !! بس لمين !!
عقد حاجبيه بامتعاض :
-لامي صفيـة !! أصلها بتتوحم على ألماس ..
ثم تنهد :
-يا صبر الصبر !! بتيچي عند حتت وماينفعش فيها الفصلان أبدًا ، هاتي يدك ..
أطلقت ضحكة خفيفة وهي تمد أصبعها :
-الله !! ده طلع عشاني !! يجنن !! بس بمناسبة أيه !!
أدخل خاتم ملكيته الفخم الذي يتجاوز سعره المائي ألف جنيه بأصبعهـا وهو يقول :
-ماينفعش تطلعي على الهوا ويدك فاضيـة ..
ثم غمز بطرف عينه :
-إعلان ملكيـة يا ستي لغاية ما تختاري شبكتك بنفسـك ..
-شبكتي!!!!!
تقاذفت طيور الفرحة فوق معالمها بعدم تصديق وهي تتأمل روعة الخاتم بيدها بانبهار :
-خطيـر بجد .. شكرًا .. هدية حلوة أوي .. بس ده غالي !!
زين يدها بالخاتم وبقبـلة خفيفـة وهو يقول :
-الدنيـا كلها ترخص ليكِ ، مبروك عليـكِ ..
ألقت نظرة خافطة على عينيها ومثلها على الخاتم الذي طوق يمينها وقالت بخجل :
-مرسي أوي …كلامك حلو.
طرق المُعد الباب فتفرق جمعهما خطوة وسمحت له بالدخول وهو يخبرها :
-أحنا جاهزين يا استاذه اتفضلي .
-هااه جايه حالًا ..
ثم نظرت لهارون :
-يلا !! بس استنى هما هيوافقوا يدخلوك !!
رد بثقة :
-هو أنا لازم كل هبابة أفكرك أن اللي قِدامك هارون العزايزي …!!
لكزته بدلال وهي تغادر الغرفة الخاصة بها :
-عرفنا أنك جامد خلاص ..
تحمحم من ورائها بمكر :
-بس لسه ماشوفتيش !
-يعني أيه !!
-في بيتنا هقول لك ..
تقدم احد الرجال ليطلب منه :
-هارون بيه ، الشناوي بيه مستنيك في مكتبه !!
-چايله !!
ثم نظر لليلة :
-اسبقيني أنتِ وهحصلك !!
-استنى هو عايزك ليه !!
-بعدين يلا عشان متتأخريش..
أومأت بطاعة وسارت مع المُعد وهي تتساءل بصوت عالٍ :
-يا ترى الشناوي بيه عايزو في أيه ..أنتَ تعرف!!
فرد المُعد بتلقائية :
-آكيد مشكلة في الإنتاج!!!
دارت نحوه مستفسرة :
-وهارون بيه أيه دخله !!
أقر المعد بعفوية :
-ازاي!! هارون بيـه اللي ممول البرنامج كله ……
••••••••••••
~باستقبال الفنـدق .
تقدمت ناديـة بخطواتها الثابتـة نحو مجموعة الرجال الذين يسألون عليها متأملـة :
-اتفضل يا حضرة الظابط ، في أخبار عن بنتي !!لقتوها.
خيم الأسى على وجهه الظابط قائلًا :
-دكتورة ناديـة ؛ اتفضلي معانا .
-ليه !! بنتي حصلها حاجة !! طمني؟
-لا ، بنتك بخيـر .. بس في بلاغ متقدم فيكي للنائب العام ، ولازم تتفضـلي معانا ….
تكدس الذعر بعينيها :
-ايـــه !!!!!
رواية آصرة العزايزه الفصل الخامس 5 - بقلم نهال مصطفى
رواية اصرة العزايزة الجزء الثاني2الفصل الخامس5بقلم نهال مصطفي
"الحُب ؛ وكفى …"✨
من أعظم الهبات الربانيـة التي جاءت من أنهار الجنة وهي مجرى شريان القلب حينما يتدفق بهِ سائل الحُب ، يحول قلبنا الصلـد لأرض خضراء تمرح بها فراشـات الحيـاة ، الحبّ يضيء روحك في مواقفك الصعبة، في اللحظات التي تتنكر فيها روحك التي بين جنبيك من الهمّ، ولا يتنكرّ صفوه ودفئه وحنانه، يضيء؛ يضيء حين تصفعك الظلمة، ويستحيل بابًا في المغالق، ومركبَ نجاة في يمّ الحياة ودروبها الوعرة ..
••••••••••••
-"مع نهـاية حلقتـنا بحب أوجه الشكر لضيوفي النهاردة ،وكمان أنا حابـة اطمنكم عليـا وأني دلوقتـي في أحسن حال وبالنسبة لاتهام مامتي أنا وضحته في بداية الحلقة .. أنا عمـري ما كُنت كويـسة زي الأيام دي "
ثم أخذت نفسًا طويلًا وتبسمت وهو ترسل له نظرة من وراء الكاميـرا فاستقبلها بغمزة طريفة من عينيه :
-عشان قلبي خلاص اطمن ولقى اللي بيدور عليـه من زمان .. مرة حد قالي أن الحُب هو الرزق الوحيد اللي مينفعش يتاخد لا بالسعى ولا بالقوة والجـاه .. ولا بالحيـل والخطط ، الحُب هو الرزق اللي يدق بابك وأنتِ تحت لحافك بتتفرجي على فلمك المفضل …
"الرزق أنواع .. نوعٍ تسعى إليه وآخر يسعى إليك"
كانت معاكم ليـلة الجوهري من حكاوي ليلة .. وكل أسبوع حكاية ؛ استنوني .. باي باي"
ختمت " ليلة" حلقة برنامجها بعد ما تمردت على مشاعرها المشتتة حول الأمر الذي اكتشفت حقيقتـه قبل ساعـة ، ساعدتها الفتاة في نزع الميكروفون وما زالت عينيها مفتوحتين لعنده ، كان واقفًا بشموخ يراقبها بفخـر وإعجاب .. ما وثبت من مكانهـا فك ذراعيه المعقودتين وتبسم بوجهها ، أقبلت نحوه بحماس :
-كُنت حلوة !! ولا أيـه رأيـك ؟!
داعب بأصبعيـه ذقنهـا بلُطفٍ :
-أنتِ على طول حلوة يا ليـلة !!
أحمر وجهها لمجاملته المدججة بالحُب:
-مرسي ..
فهزت رأسهـا وبلعت غصتها منه وقالت :
-هجيب شنطتي وأحصلك … اسبقني .
أصدر إيماءة خفيفة :
-ماشي هستناكي في العربيـة ….
ثم أوقفها مستفسرًا :
-فيكي حاچة وشـك مش عاچبني وعينك حيرانة !مش دي ليلة اللي أعرفها ؟!
أنكرت غصتها وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا:
-لا أنا كويسـة .. مش هتأخــر عليـك .. هرجع بسرعة.
مرت قرابة النصف سـاعة عليهمـا في سيارتـه التي يقودها بسرعة معقـولة ، كان الصمت يخيم عليهما كغيوم السُحب من فوقهمـا ، تتكور بداخل المقعد وكل ما تحسم أمرها حـول معاتبته تتراجع في آخر لحظـة .. تتراجع مُطلقـة زفيـر حيرتها وتعود لتتأمـل الطريق من وراء النافـذة مرة آخرى ، كانت نظراته ثاقبـة ؛ فاحصة ، كاشفـة لأمـرها .. أدرك أنها تخفي أمرًا ما عنـه .. فوجئت بـه يقوم بصف السيـارة جنبًا على "كورنيش النيـل" ، فنظرت له تتساءل:
-أنتَ وقفت هنا ليـه ؟!!
قفل ماتور سيارته متسائلًا بهدوء يخفي ضيقه الذي لا يتحمـل شحوبها :
-ليـلة ؛ مالك ؟!
هزت كتفيها بارتباك متقنـة بأن ساعة المواجهة قد حانت :
-مفيش !! ليه بتقول كده ! أنا عادية على فكرة
تنهد بغضب مدفون :
-ليلة .. لما أسألك مالك تردي على طول .. في مخلوق داس لك على طرف وأحنا هناك !
شاحت بنظرها بعيدًا عنـه :
-لا مفـيش ..
أكل شفته السُفليـة وهو يدلف من سيارته متجهًا للرصيف حاملًا جيوش غضبه كي لا تنفجـر بوجهها ، كي يحميها من خوفه المُبالغ عليها .. وقف أمام النيل يتأمل صورته التي ينعكس فيها الضباب ، كضباب الحقيقة المجهولة عنه .. زفرت "ليلة" بضيق ولحقت بهِ بخطوات واسعة لتسأله باختناق :
-أنتَ نزلت ليه !! أحنا مش بنتكلم .. مش أسلوب ده على فكرة .
رد دون الإطلاع عليها :
-ومينفعش أكون عكلمك وتولي وشك الناحية التانيـة .. كام مرة المفروض أقولك ماينفعش تخبي عني حاچة!!
أدركت خطأها بخُصلة شعرها التي أرجعتها وراء أذنها وهي تبرر :
-أنا عملت كده عشـان …. -ثم غيرت مجرى الحديث-هارون أنت بتزعق ليه كده !! وانا كام مرة المفروض أقولك أن الصوت العالي بيوترني .. أف!! متزعقش.
ثم لوحت بكفها بضجـرٍ :
-ولا أنتَ خلاص فاكر نفسك عشان بقيت جوزي بتشخط براحتك .. على فكرة أنا لسه موافقتش على العلاقة دي وو …
قفل جفونه بكـلل ثم نظر لها ليضع حدًا لهذيانها :
-أنا چوزك غصبٍ عن عين أي حد ، حتى لو كُنتِ أنتِ !!
عقدت ذراعيها أمام صدرها بخيبة أمل :
-بلاش يا هارون الكلام ده !! عشان أنت عارف أنه مستحيل ، بلاش تعيشني حلم أخرته كابوس نصحى عليه أحنا الاتنين ..
ثم استردت قوتها بوجهه :
-وحتى ولو جوزي ده يديك الحق تزعق لي وتتعصب عليا كده فالشارع !!
كز على فكيه :
-ليـلة !! أنا متعصبتش !! أنا أضايقت من طريقتك .
تراقصت الدمعـة على رموشها :
-هارون أنتَ كمان شايفنـي فاشلة !!
عقد حاجبيه مندهشًا وهو يدنو منها ماسكًا مرفقها بلطف :
-أيه لزمته الحديت ديه !! وبعدين فاشلة كيف وبرنامچك مكسر الدِنيا كُلها والعالم كله بيحكي عنِــه ومش ملاحقين على الإعلانات !! مين چاب الأفكار الشوم دي في راسك !! ولا هو نكد وخلاص!!
جلى حلقها باختناق:
-أنتَ اللي ممول البرنامج !! ما قولتش ليه !! على فكرة أنا بابي سايب لي اللي يخليني أعمل بدل البرنامج عشرة ، بس أنا مكنتش عايزة كده ، كنت عايزة أنجح عشان أنا ليلة ، مش عشان واسطة وأخد مكان حد !!
ثم هزت رأسها بخزى :
-بس الواضح أنك عشان تنجح في البلد دي لازم حاجتين مهمين ، لازم يكون معاك فلوس وحد تقيل يحركك ، وده سبب أننا متأخرين ، لأن مش كل واحد يستحق المكان اللي هو فيه … ليـه عملت كده !
وقف أمامها وهو يحجب عنها شعاع الشمس الخافت :
-وليـه حسبتيها كِده !! ليه مش دفعة لقُدام عشان تظهري للنور!
عاتبته:
-ميصحش اللي أنتَ عملتـه وكمان من غير حتى ما تاخد رأيي .. أنتَ كده عملت زيهم ، صحاب المحسوبية والواسطة .
-وأنا كُنت عملت أيه !! ديه شُغلي تتدخلي فيه ليـه ؟!
أصرت ليلة معترفة :
-شغلك في البلد ، في العزايزة مش هنا ، أنتَ مالك بالإعلام والتلفزيون وو
مسك ذقنـها ليرفع عيونهـا لعنده وقال بغمز:
-شُغلانتي أني لما أعتر على صفقة مربحة زيك أكلبش فيها بيدي وسناني .. ديه شُغلي .. وديه شُغلانة رجل الأعمال الناچح .
أحمر وجهها وهي تهتز خجلًا أمامه وتتأرجح عينيها بتشتتٍ:
-كلمني اسكندراني .. عشان مش فاهمة .. أو أنا فهمت والله بس عايزة أسمعها تاني وو .. هارون …..
قربها منـه أكثر حد تعانق أنفاسهـم والبسمة ترتسم على محياه ويقول :
-أنتِ شغلي يا ليـلة …
أحمر وجهها بتوتر :
-هارون !!
رفع ذيل حاجبه :
-ليـلة !!
-نعم !!
-دي مش عيشـة !! كل ما أجي أقول كلمتين وشك يقلب ألوان الطيف وأحسك هتقعي مني ، أجمدي عاد ….
ثم وضع كفها على قلبه وأكمل :
-فيـه حديت متعبي و متشال هنـه بالكـوم لازمًا أقوله .. وبحالتك دي متنفعش..
ألجمها سيف النظرات ورنق الكلمات فشهقت مبتعدة عنه :
-أحيــه !! هارون !! أحـنا في الشارع …..
ما كادت أن تخطو خطوة فتراجعت تتساءل من جديد :
-يعني أنتَ عملت كده عشان أنا شطورة واستاهل بجـد ، مش مجاملة منك ؟!
حدجها بلومٍ :
-أنتِ هتثقي في روحك ميتى !! عقولك أيه الحال ديه مايعجبنيش .. مراة هارون العزايزي لازمًا تكون كيف الچبل مش كل هبابة ريح يهزوها .
بللت حلقها عندما طبع على قلبـها وسام ملكيتها إليـه وقالت بارتباك :
-خلاص علمني بقى .
-هعلمك …
مسك كفها بعد ما زينـهُ بقبلة خفيفة وهو يسحبها نحو السيارة ويقول معاتبًا بلطف :
-لما يكون في حاچة جواتك تيچي طوالي تحكيها ، مش عاوز أشوف الـوش اللي فات ديـه تاني، فاهمـة ؟!
استقلت السيارة بمساعدته وما اتجه ليستقـل مقعده نظرت له متساءلة :
-أحنا هنروح فين !
-أنتِ عاوزة تروحي فيـن ؟!
بللت شفتها التي جفت وقالت بقلق:
-عايزة اكلم مامي ، قلقانة عليها أوي … وكمان نفهمها يا هارون سوء الفهم اللي حصل .. عشان أنتَ متبقاش زعلان منها وهي كمان..
بلع غصة براءتها التي عُدمت من هذا الكون وقال :
-بس هي سافرت ، عنِديها مؤتمـر كام يوم لما تعاود هخليكي تشوفيها …
-بالسرعة دي؟! بس أنتَ عرفت ازاي!!
-عرفت وخلاص يا ليـلة …
ثم حرك مقود السيارة أقصى اليمين وانطلق بسيارته وهو يتطلع بالمرايـا حوله وأتبع :
-هنروحوا للدكتور عندك معاد ، و الليلة هنتحركـوا على العزايـزة …
بخوف:
-ليه العزايزة طيب ؟!
•••••••••
~المشفــى بمحافظـة قِنـا .
خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو ينزع الماسـك الطبي عن وجهه ويتنهد براحة ، فأقبـل نحـوه هاشم متلهفًا للإطمئنان على صحة زوجته :
-طمني يا داكتور ..
حرك الطبيب رأسه وقال :
-واضح إنها اتعرضت لضغط نفسي هو اللي سبب لها نزيف .. هي والطفل بخيـر بس لازم ترتاح راحة تامـة .
ثم نظر للممرضـة بإشارة ما :
-وهتفضل تحت عنينـا الكام ساعة الچايين وبعدين تقدر تروح البيت ..
فأعقبت الممرضة تتساءل:
-أنتَ چوزها !!
تدخلت هاجر على الفور لتلحق أخيها قبل ما تحكمه العاطفة :
-دي چايلنا زيارة من بحري .. وتعبت وچوزها مسافر ووو
فلكزت أخيها :
-ولا أيه يا هاشم يا خوي!!
حرك الطبيب رأسـه :
-عمومًا هي بخير وتقدروا تخشولها بس بلاش ضغط نفسي او أي حاجة تزعلها …
انتظرت هاجر حتى غادر الطبيب ومساعدته فدرات نحو أخيها :
-هاشم وحياة أمك وأبوك ما تقول حاجة خلي اليـوم يعدي بالسـتر .. أحنا مش ناقصين .
بدأ يحصد عاقبـة أخطاءه وأولهما عجزه بالاعتراف بزوجته وابنـه .. بات جسده عبارة عن جمرة مشتعلـة من الغضب انعكس تأثيرها على وجهه المُحمـر .. زفر بامتعاض :
-أنا مش هينفع اسكت يا هاجر، دي مرتي واللي في بطنها ولدي!!أنا مش هخاف من حـد .
ردت ساخطة عليه :
-علي صوتك يا خوي واللي ما عرفش يچي يسمع ويبقى وديت روحك ومرتك في داهية .. وحد الله بس لغايـة ما نحلوها.
فرك عينيـه متحيرًا :
-خليكي هنه ، هخشلها …
تحرك متجهـًا نحو غرفتها ، فأول ما فعلته هاجر وهو تسجيل مقطع صوتي لأختها :
-هيام طب ردي عليّ أنتِ التانية ! أنتِ واخوكي فين يچي يشوف النصيبة دي ويلحق أخوه قبل ما يدب ويتصرف من نفوخه ، هاشم طلع متچوز ومرته هِنه والبيت قايد نار ، قولي لهارون مش عارفة اوصله … ابقي كلميني يا هيام وبطلي شغل عبد المأمور ديه ، عشان أنا واثقة أن هارون اللي قايلك متروديش عليّ !! بس ترچعي ..
ثم أرسلت رسالة لشريف بلوم خفيف :
-على فكرة أنتَ مش صاحب چدع وأنل هصرف نظر عن الصحوبية دي يا حضرة الظابط..
قفل هاشم باب الغرفـة خلفه وتقدم اليها ، كانت تتكئ على وسادتهـا والمحاليـل مُعلقـة بيدهـا وما اخترقت رائحته أنفاسها نظرت له معاتبـة بحرقة :
-عاجبك اللي إحنا وصلناله ده يا هاشم !! رغد تستاهل منك كل ده ؟! ده جزاتي أني حبيتك تعمل فيـا كل ده .. شوفت وصلنا لأيه ؟
جلس على طرف فراشها وأول ما فعله هو طبع قُبـل اعتذاره على كفها ، تنهد أسفه وحُرقـة قلبـه المنفطر عليهـا ، تراقصت الدمعة من عينيها وهي تتأمل تفاصيله التي اشتاقت إليهـا كثيرًا .. رفع جفونه المُحملة بالهمـوم إليها واعدًا :
-كُل هيتحـل .. وحياتك كُله هيتحل !!
خيم اليائس على ملامحها :
-أيه اللي هيتحل !! بابا ؟! للأسف مش هعرف اتخلص من نسبه ، عيلتك وقوانينها !! للأسـف دول لو شموا خبر هيقتلونا .. الثقة ما بينـا ؟! حتى دي بقيت معدومة يا هاشم … قول لي أيه ولا أيه اللي هيتحل !! ولا هو ده أمل كداب بتحاول تحايلني بيه !! هاشم أحنا بقينا قُدام أبواب النار وحتى المواجهـة مش حل ..
-رغـد .. ينفع متركزيش في أي حاچة وقولت لك كُله هيتحـل … ولو على الثقة ما بينـا كله هيتصلح طالمـا الحُب لساته موجود ..
تقطرت دمعة من طرف عينها :
-بتحلم يا هاشم .. ألف مرة أقولك اللي بينا هو ابني وبس .. وأول ما تسجله أنا هسيب لك الدنيا كلها وأمشي ..
طوق ذراعـه خصرها وهو يهيـم بتفاصيلها شوقًا ، رائحتها التي كانت تتربع بساحة صدره ، صوت ضحكاتها الذي كان يزيح غمامة الهموم عنـه وعن أيامه ، حـن للياليهم المختلسـة من بين فكي الزمن ، حن لحنين قلبه الذي كان يهرب من شغله وأهله لعندها ، حن حنينـه لمحميتها النادرة التي أسرته من العالم .. سبح في بركتي عينها :
-مين سمح لك تقرري مصير ولدي ومرتي ؟!
-ابنك ومراتك !! معلش أنتَ تقدر تتجوز وتخلف بداله عشرة ، لكن أنا للأسف مش هقبـل لراجل تاني يلمسني بعدك .. البيبي ده هدية حبي ليك يا هاشم اعتبره مكافأة نهاية الخدمة .. أما أنتَ …
قاطعها:
-أما أنا !! أمـا أنا نفسي أجيب لك نجمة من السما بس ترضي يا رغـد .. أنسى كل اللي فات واللي چاي هنحلوه.. وبعدين ما أنتِ عارفـة أني متهور وعصبي ووو
تملصت من حصاره متمردة على حنين قلبها الذي زادت ضرباته:
-هاشم .. كلامنـا انتهى ؛ أنا هعفيك من كُل ده وطلقنـي وكل واحد مننا يشوف حياتـه زي ماهو عايز وو
ثم رمقته بخيبة :
-روح اتجوز اللي تقدر تعيش معاها في النور مش فالضلمـة زيي..
مسح على وجهها بكفه الخشـن :
-رغد ؛ قولت لك مسألة وقت وكله هيتحـل بس ساعديني ..
حدجته بحدة تحمل الخذلان :
-أنا مش عايزة منك حاجـة يا هاشـم ؛ خلاص أنتَ اخترت .. وأنا معنديش حاجة تانية ممكن أقدمهالك !!
ثم انفجرت وهي تلومه :
-افهم بقا ، أنا مش هقدر أسامحك ، زي ما أنتَ مش هتقدر تتقبل حقيقة ارتباطك بواحدة أبوها هيأذيك في شُغلك ، خلاص يا هاشم متصعبهاش عليا وعليـك أكتـر من كـده .
اقتحمت هاجر الغُرفة وهي تقول :
-اسفة .. بس هاشم عاوزينك في الحسابات تحت ..
••••••••••••
~دوار الچباس .
تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين ، يكسو الارتباك خُطاها كما يغلف التوتـر ملامح وجهها ، وصلت " نغم " لنهاية الدرج بعد محاولات عديدة من بين التقدم والتراجع ، بين الخوف والقوة ، التغلب والهزيمة ،مُشتنة بين أن تتمسح بالجدران كعادتها القديمة التي تربت عليها أم تهد هذه الجدران التي تفصلها عن الحياة فوق رؤوس كل من يعوق طريقها .. كل من يتعدى حده معـها ..
بأعيـن متذبذبة تتفحص أرجاء البيت الصعيدي الخالي من المارة لكنه لا يخلو من أصواتهم المترددة من بعيـدٍ ، وضعت كفها المرتعش فوق مقبض الدرج الخشبي وبقلب يتنفض يلملم شتات قوتـه قبل ملاقاة الأسـد ، شهقت مذعورة إثر لمسـة رقيقة من كف " غنـوة " ابنة فارس الجباس على كتفها وهي تدلف من أعلى؛ انفجـرت " نغم" صارخة بوجهها وهي تحت تأثيـر رجفتها شاهقة :
-حرام عليكِ !! في حد يفزع حد إكده !!
اتسع بؤبؤ عيني الصغيرة التي تلألأ الدمع بعينيها وهي تتأهب راكضة :
-وربنا لأقول لأبوي أنك صرختي عليّ ..
فرت كالعصفورة من أمامهـا فلم يوقفها همس نغم التي تُنادي عليها حتى ظهرت السيدة " زُبيدة" الخارجة من المطبـخ تهلل لرؤيتها بسـاحـة المنزل :
-أيوة إكده انزلي وعيشي في دوار چدك وأبوكي ، هتضلك حابسة روحـك لميتى !! الحبسة ممنهاش فايـدة .
أحكمت ربط حجابها :
-عندك حق يا عمتـي ، هو عمي فيـنه ..عايزاه ؟!
-عمك قاعد مع فارس بره والبت راحت تشيع له ، هبابة وتلاقيهم عاودوا ، أصلًا الغدا چيه وعمك وفارس عيحبـوه بناره ..
ثم ربتت على كتفها :
-تعالي أقعدي وأشبعي من زاد وخير عمك وأبوكي .. اللي مايشبعش على طبليـة أبوه عمره ما هيدوق طعم الشبـع في حياته .. وأنتِ حالك أهو يغم ويوچع يا كبدي ..
ثم سحبتها من كفها برفق حتى وصلت بها للمائدة التي تضم أشهى المأكولات واللحوم وسحبت لها المقعد وهي تربت على كتفها :
-أقعدي ، أقعدي وارتاحي يا ضنايا .. ماتتكسفيش .. ديه بيتك يا حبـة عيني وحدش يتكسف في بيتـه .
-شالله تعيشي يا مراة عم ..
ختمت " نغم" جملتها بحمحمة قـوية من صوت عمها الذي جاء مستندًا على عكازه مُهللًا بقدومها :
-وه وه يادي النور اللي حَل على دارنا ، نورتي بيتك يا بت أخوي..
وقفت نغم بعجلٍ لتنحني وتقبل يد عمها الذي يبلغ الثامنة و الستين من العُمر :
-تعيش يا عمي .. الدار منور بيـك وبحسك فيه .. اتوحشتك .
ربت على كتفها والابتسامة تداعـب وجهه :
-واللي يتوحش حد يهمله طول السنين دي كلها ، بس ولا يهمك أنا مسامح والمهم عنـدي راحتك ياغالية يابت الغالي ..
ثم شد مقعده وأشار لها :
-يلا أقعدي وكلي چاري .. چار عمك وشدان الچباس .
بحركات مهزوزة جلست "نغم" بجوار عمها ، شاركتهم زُبيدة وهي تنادي على أحد الفتيات :
-شوفي فارس و فايـد فينهم .. يچوا يتغدوا ..
شرع العـم في تناول وجبته بعد ما حمس ابنة أخيـه على الإقبال .. كان الحزن يملأ قلبها وينعكس صداه على ملامحها الباهتـة وحركة فاهها وهو يراقص اللقمة بداخله بمرارة .. لحظات وأقبـل فارس الذي يحمل ابنته التي اشتكت على نغـم وما رأتها أشارت بأصبعهـا بذعر :
-هي دي يا أبوي اللي زعقت فيّ .. مشيها.
وقعت الملعقة بما تحويه من حبيبات رز من يد نغم وهي تنظر مصيـرها من ذلك المتعجرف الذي يقف لها على شفا خطأ .. ترك ابنته فوق أحد المقاعد وهو يرمقها بنظرات الذئب قبل الانقضاض على فريسته ، رفعت زبيدة جفونها :
-أقعد يا ولدي قبل الوكل ما يُبرد ..
ضرب بكفه الضخم على سطح الطاولـة بنبرة مرعدة :
-أبا .. مين سمح لها تخش البيت ديه !! مش كُنا قفلنا عليها ودفناها من زمان ..
وثب أبيه مذهولًا :
-أباي ؟! چرالك أيه يا فارس!! دي بت عمك وديه بيت أبوها ومش عاوزة أذن عشان تخُشه …
جعـر بغضبٍ دفين :
-أبوها والله يرحمه ، مات .. وهي باعت أصلها ومشت ورا هواها وباعتنا .. يبقى خُلصت يا أبوي … راچعة لنا ليه؟
برق الأب مندهشًا :
-أنتَ هتنسى روحك يا فارس!! أيه كبرتك على نچعك كُله عشان تكبـر على أبوك !!
-أنا مش هقعد مع نغم بت شدوان في بيـت واحد ..
حدجه بعفنوان :
-فـارس …
انكمشت نغم بحضن زوجة عمها بنوبة من الهلع وهي تراقبـه بذعر ، لم يوقفه نداء أبيه بل أشعل بركانًا من الغضب بجوفه :
-اللي عندي قُولته يا أبوي … تغور في ستين داهيـة بعيد عنينـا .. مش عاوز أشوفها في بيتي.
ثم طاحت يده لتشد مفرش السُفرة بدون احترام لأحد لتتهشـم محتويات الطاولة بأكملها بالأرض بصوت ينافس طبقات غضبـه ، ينافس كسـرة قلبه الذي احتفظ بحبها لسنوات وهي باعتـه بدون ثمنٍ .. صرخ بوجه الجميع :
-قعدتها على الوكل سممته .. مالها عيش عندينـا يا أبوي ، ولو طلع عليها شمس وهي لساتها في بيتي هقتلها بيدي .. سامعين!!
هول الموقـف أخرس الألسن ومدد بؤر العيـن وكتم الأنفـاس ، تركت نغم حضن عمتها واخترقـت فتات الأطباق المُهشمة بقدمها الحافيـة لتقف أمامه معاتبة والدمع يتراقص بعينيها :
-ليـه!! ليـه تصعب الحياة عليّ أكتر من إكده !! ليـه مش كفاية الزمن طفحني سنين عُمري أنت واليِتم عليّ !!چاي تكمل عليّ …
ثم ارتعشت شفتها وأتبعت متحدية :
-أنا مش ماشية يا فارس ، عشان بصريح العبارة أنا مش قاعدة في بيت أبو حـد ، وأنت لو مش عاچبك قعادي تقدر تهملنا وتروح من هنه ، لكن أنا مش هكرر غلطتي وأسيب بيت أبوي .. سمعت !!!
ثم صرخت باكية :
-سمعت يا فارس يا وِلد عمي!! يا مربيني!!!!
سكبت فـ قلبـه زيف مشاعره المعكوسـة ، لمست نقطة ضعفه ، تذكر ولادتها وهو صاحب الثانية عشر من عمره وتركتها أمه أمانة بين يديه حتى يشيعان جثمان أمها ، تذكر تفاصيل بكائها المتواصل وضعفها .. تذكر تفاصيل نومهما في فراش واحـد لأسابيع قبل أن تأخذها خالتها صفيـة .. اعتصر شفته من شدة الآهات المتفجرة وأعلن الانتقام من قلبه الذي أحبها وهو يجهر متوعدًا :
-يبقى تتلقى اللي هيچرالك مني………
أنتـى اللي اخترتي …..
••••••••••••
~القـاهـرة .
-تمام يا مدام ليـلة .. هنمشي على الأدوية دي شهرين وأشوفك .
ثم نظر لهارون مؤكدًا :
-هارون بيـه ، المواعيد.. كل علاج بميعاده ..
هز هارون رأسه :
-متقلقش يا داكتور ، هديهولها بنفسي وو
تبسمت بهدوء وهي تلتفت للطبيب مستفسرة :
-دكتور ، أنا أمتى هبطل أخد الأدويـة دي وأعيش طبيعي..أنا تعبت أوي ..
تبسـم الطبيب بارتياح :
-دي في أيدك أنتِ ، في ناس بتاخد ٦ شهور وتتعافى وقبل كده كمان وفي ناس بتاخد سنين ومش بتتعالج ، كله يتوقف على حالتك أنتِ النفسية .. ساعدي نفسـك بنفسك وأنتِ اللي مش هتكوني محتاجة الأدويـة دي بعد كده..
ثم طالع هارون مؤكدًا بنظرات ذكوريـة لا يفهمـها إلا معشر الرجال بين بعضهم البعض :
-هارون بيه .. مش محتاج أعرفك أن العلاقـة الزوجيـة ضرورية و أهم عامل في العلاج .. هيساعدها كتير في التخلص من أي استرس وو
أحمر وجـه ليلة بخجـل فلم يصل لمداركها ما يقصده الطبيب بل تفهمت على سجيتها العلاقة المتبادلة في التعامل مع الطرفيـن ، فتدخلت بفطرتها فارحة :
-دكتور هو حضرتك عرفت منيـن أننا متجوزين ؟! هو باين علينـا أوي كده ..!!
عقد الطبيب حاجبيـه متعجبًا :
-أنا عارف الظروف اللي حصلت وخلتكم تستعجلوا بالجواز ، وده أسلم حل .. وأحيي هارون بيه عليه و
ثم اتكئ على مقعده ناصحًا:
-من رأيي تأجلوا موضوع الخلفة الفترة دي شوية، لأنه هيبقى صعب مع الأدويـة لحين بس ما الحالة تستقر وو
وثبت من مكانها كالملدوغـة بارتباك يعُمه الخجل :
-دكتور ممكن نمشي !!
قرأ الطبيب حالتها المهزوزة والتي تُنكر زواجهم الفعلي .. فتبسم متفهمًا وهو يضـرب الجرس للطبيبة المساعدة التي دخلت على الفور :
-مدام ليلة اتفضلي مع دكتورة ريم..
وقف هارون ليتأهب بالمغادرة مستأذنًا ، فأوقفه الطبيب قائلًا :
-هارون بيـه ، من فضلك استنى … عايزك .
تأرجحت عينـي الثنائي بتردد ، فدنى هارون منها ليُطمئنها وهو يمسح على كتفهـا بحنان :
-روحـي وأنا هحصلك …
-متتأخرش عليا ..
انتظر حتى غادرت ليلة الغرفة بخطواتها المهزوزة فالتفت للطبيب متسائلًا :
-خيـر يا داكتـور ؟! هي ليلة فيها حاجة …؟
-متقلقش يا هارون بيه ، اتفضـل بس هاخد من وقتـك دقايق ..
جلس هارون على مضض وهي يتحفز لسماع تقرير الطبيب المعالج حول حالتهـا الصحية ، فشرع الطبيب النفسي في تشخيصها :
-هارون بيه ، مدام ليـلة مشكلتها الأساسية معشتش طفولتهـا زي أي بنت في سنها ، فهي وصلت للسن ده ولسه بتعاني من العلة دي ، العلـة مسيطرة على تفكيرها ومسببلها أزمة نفسيـة كبيرة لدرجة أنها مش عارفة تعيش بروح الأنثى اللي جواها .. هي تايهة بين البنت اللي عندها ١٢ سنة وبين الليدي اللي المفروض تعيشها .. وده للأسف علاجه مش أدويـة ومش عندي ..
احتدت معالم وجهه وهو يستمع له ، فسيطر القلق على ملامحه :
-كيـف يعني مش عندك !! أومال عند مين ؟!
-عندك أنتَ …. خطوة الجواز دي كانت أهم حاجة في سلم العلاج وبالأخص من شخص فاهم حالتها كويس ، زيك بالظبط..
كور يده مغلولًا :
-بالراحـة كِده يا داكتور وفهمني !! أنا كيف يعني ؟! المفروض أعمل أيه…
نزع الطبيب نظارته الطبيـة متنهدًا :
-اسمح لي اتكلـم معاك كأب أنتَ زي ابني ، وليلة زي بنتي ، ليلة محتاجـة تحس بأنوثتها ويشغلها فطرتها اللي ربنا خلقها بيها .. لازم تفجر طاقة الست اللي جواها ده بعد ما تسحبها من عالم الطفلة اللي هي مفتقداه .. بس الأهم وقبل أي خطوة لازم نتأكد من حاجـة مهمـة ..
ثم تنهد وأتبـع :
-حبها ليك حُب عاطفي أم حُب أبوي ؟!!!
استغرق الطبيب قرابة النصـف ساعة في حواره مع هارون وكيف سيكون التعامل بينهما كي تتجاوز فترة مرضها العصيبـة ، خرج هارون من غُرفة الكشف فكانت "ليلة" تنتظره على مراجـل من نار ، هرولت نحوه متوترة :
-الدكتور كان بيقـول لك عليا أيه !!
مسح على شعرها براحـة كفه وهو يطبع قُبلته على جبينها وقال بلطف يتلألأ من عينيـه :
-بيوصيني عليـكِ يا ستي ، ومايعرفش أن قلـبي عليكِ متـوصي .
(5)
<الجـزء الثانـي من الفصل >
"الحُب ؛ قبل كل شيء …"✨
قبـل أن يأتي حُبك لم أحلم مرة بفرح هائل، بحكاية فائقة الغرابة، بصورة للحب تشع كضربة شمس، كان يكفيني فقط الهدوء والسلام.. ولكن كل ما طرأ علي فجأة من مطامع جميعها بسببك أنتَ ….
••••••••••
~مقـر النيـابة العامـة .
-"أنا من حقي أفهم ، ليا ٤ ساعات هنـا ليه وبتهمة أيه !! أنا مش هسكت على اللي بيحصل ده .. "
انفجرت " نادية " بوجه وكيـل النائب العام بنفاذ صبر خاصة بعد تأخـر رشدي عليـهـا .. ثنى النائب عقب سيجارته بقلب المطفأة بهدوء:
-دكتورة نادية أهدي وهتفهمي كُل حاجـة دلوقتي !
-أفهـم أيه؟! افهم أن بنتي مخطوفـة ومش عارفة طريقها وأنتوا هنا متحفظين عليـا !!
فتح النائب شاشـة هاتفـه وبالأخص " الفيديو " الترويجي لحلقة ليـلة المسـاء .. عرض المقطع أمامها قائلًا :
-افتكر المفروض تطمني دلوقتِ بنتك لانها بخير .. وأهو شوفي بنفسـك .
تلقت ناديـة الخبر بذهول وهي تستمع لتأكيد ابنتها على موعد الحلقة ومقتتطفات من البث حديث التصويـر .. تركت الهاتف من يدها وهي تحت تأثيـر صدمتهـا :
-يعني ايه ؟!!! طيب أنا هنا بتهمة أيه ؟! حد يرد عليـا….؟
قلب النائب بعض الأوراق بيده وهو يخبرها :
-نقابة الأطباء والطبيب المُعالج لبنت حضرتك مقدمين بلاغ بإفشاء أسرار مريض على الهوا… عندك علم بعواقب تهمة زي دي يا دكتورة …. !!
-أزاي يعني ؟!!!
قفز الذعر بمقلتيها وهي تجلس بمحملة بأحجار الهم والورطة التي حلت بها :
-أنا ممكن أعمل تليفون ضروري.
••••••••••
-"العيـار اللي ما يصبش يــدويش يا عمـة "
عودة للعـزايـزة وبالأخص لنسوة الحج خليفـة اللاتي يحملن هم الورطة التي ورط هاشم بهـا نفسـه .. ظلت صفية تطلم الخدود وتضرب على فخذيهـا بحرقة :
-بس كانت فين النصايب دي بس ياربي، وأحنا ملاحقيـن !! يارب أنت عالم بحالي وحرقة قلبي .. يارب انا مش عاوزاه العيل اللي هيجي بالخراب ديه ، خده عندك يارب وتبقى جات من عندِك !! خده وريح قلبي .. وأنا ندرًا عليّ هخليه يطلقها ويغورها من هنه العايقة الملعلعة دي !! أنا مش عارفة ماله ذوق عيالي ، زغللوازعنيهم بنات بحري ..
توقفت أحلام عن لف أحجار سبحتها وهي تستغفر ربها :
-بطلي قويق وفقـر وتفي من خشمك .. أنتِ عتقـولي أيـه !! ديه ولدنا ومن دمنـا !! أتهوستي!!
-ديه هيخربيتنا لو چيه يا أحلام!! أنتِ عتفكري كيف !! مجلس العزايزة لو شم خبر هيخلونا فِرچة للخلق .. يا غلبـك الـ مستنيكي في ولادك يا صفيـة !!
حدجتها أحلام بعنفٍ :
-اقفلي خشمك يا صفيـة .. وطلعي روحك من الموضوع ديه ، عشان ولدك مش هيسيبها وماسك فيها بيده وسنانه .. خفي خوتة يا تغوري من چاري أنا مش ناقصـاكي .
هبت صفية مفزوعة :
-مش بكيفه !! مش بكيفه يا أحلام ، أنا أمه وله حق عليّ ومُچبر يسمع كلامي .. البت دي ملهاش عيش وسطينا لا هي ولا ولدها ، يارب خده عندك ويريح قلبي يارب .. مش عاوزاه .
ثم ولولت بحرقة :
-وهارون التاني اللي ماعارفهوش طريق!! دي حتى مرته بت الحسب والنسب ما خش عليها !! دِلوق جرستنا هتبقى جُرسة في النچع كُله !! سايب عروستـه وداير على هواها بحري!! ديه كمان واخدلي البت معاه يا أحلام ..
-يخربيت فقر أهلك على اليوم اللي دخلتي فيه بيتي .. ما تخليكي في حالك يا صفيـة وتلمي روحك وإلا هقوم أكسرلك راسك الناشفـة دي .. وأنتِ فكرك ولدك هيقرب من البت الفاچرة دي بعد عملتها المقندلة !! قوليلها متحلمش.
لوحت بكفها فدق ناقوس الأساور الذهبية :
-أومال متچوزها ليه !! لااا مش بمزاجه أنا اللي هقف له يا أحلام ابعدي سمك بس عن عيالي اللي حالهم اتشقلب من يوم وليلة ووو
كادت أن تجادلها فجاءت " زينة " لتقطع حديثهم :
-مالك يا عمة شايل الطين ليه !! هو مفيـش خبر على هارون ؟! يا عمة وربنا ما ينفع الحديت ديه ولا يرضي حد.. دي أيه دخلة الندابـة دي..دي فال شوم ..
ربتت صفية على كتفها :
-تعالي اقعدي يابتي ومتزعليش روحك ، عمتك فـ ضهـرك … هارون هيروح فين مسيره معاود . و
ما جلست لتعبث بفوضى الحديث مع عمتها فجاءت "رقية" بهيئتها الضعيفة لتقول :
-خالة أحلام ، شيخ هلال عيقـولك هو نازل البندر لـ هـ -ابتلعت جملتها وأتبعت- ، ماعاوزاش حاچة !!
-شالله يعيش يابتي ، قوليلو بس يخلي باله على روحه ويسوق على مهله ..
تدخلت صفية بحرقة :
-وأشمعنا أحلام !! هي مين فينا اللي مراة أبوه .. قوليلو أمك عاوز بسبوسة وهو معاود يچيبها .. أهي حاچة تحلى خشمنا المُر ديه ..كفاية المرار اللي طافحينه .
اقترحت رقية بحماس:
-ما أعملهالك أنا يا عمة .. دي هتعچبك قوي !! تچربي ؟!
لوحت بكفها بضجر :
-مش عاوزة حاچة من يدك ولا من وشك …
رفعت حاجبها مستقبلة إهانتها بمرح :
-بس أكيد خالتي أحلام نفسها تدوق !! أيه رأيك يا خاله هعملك بسبوسة وهعمل لشيخ هلال كيكة .. وتقولي رأيك.
-أعملي يابتي ، أهي حاجـة تحلى خشمنا ..
ضربت زينـة كف على الأخر وهي تتهامس مع عمتها :
-بقا ياعمتي البت السهتانة دي نايمة ومتهنية في حضن چوزها وكمانها هتعمله كيكة وأنا قاعد أندب حظي چارك !! يكون في معلومك هارون لو مچاش من عشية أنا هروح بيت أبوي ، أمي كل هبابة تكلمني وأنا مش عارفة أقولها أيه !!
ضربتها صفية على كتفها بجزع:
-مش ناقصاكي أنت وأمك وأهمدي هبابة ..
~بالخارج .
توقف هلال على أعتاب البوابة ويجلس أبيه بجواره الذي أصر أن يطمئن على حفيده بنفسـه ولكن أثر رؤيتهم لرجال المجلس أمام البوابة هبط من سيارته متسائلًا :
-في أيه هنه !! أنتوا عاوزين ايه..
رد كبير الخفر :
-هارون بيه فينه يا شيخنا ؟! عاوزينه .
هلال بضيق:
-هارون عنديه شغل في بحري ومعاود .. حصل أيه يعني للغاغة دي !!
هز الرجل رأسه وهو يناظر مساعدينـه :
-المچلس عاوزه الليـلة دي ، والأحسن له يعاود قبـل دخلة الليل .. دي أوامر.
جهر الحج خليفـة معنفًا من النافذة المفتوحة:
-اقفل خشمك يا وِلد ، ومتنساش أنك چايب سيرة كبير العزايزة يعني سيدك وسيد أبوك .
طأطأ الخفير رأسه كإيماءة اعتذار منه وهو يقول متواريًا :
-حقك علينـا يا عُمدة بس أصلوا اللي عيتقال يمخول الراس .. عيبة متطلعش من الكبير يا عمدتنا .
أرخى العجوز سدوله مستفسرًا :
-قصدك أيه يا وِلد المحروق أنت؟!!!
••••••••••••
~مســاءً ..
تجلس " ليلة " برفقة "هيام" أمام التلفاز بصمتٍ تام لا يقطعه إلا صوت المقرمشات ، ألقت نظرة سريعة على الساعة وهي تقول بتوجسٍ :
-هيام ؛ هارون اتأخر ولا أنا متهيألي؟! الساعة جت ١٠ وهو لـسه مرجعش .. أنا قلقـانة عليه .
خفضت هيام صوت التلفاز :
-هو قال هيعوق هبابة يا ليلة .. خشي نامي أنتِ .
-لاطبعا مش هعرف أنام وهو لسـه برة ..
ثم جذبت هاتفها بلهفة :
-أنا هكلمـه ..
جرت المكالمـة فكان صوت رنيـن هاتفه بالخارج ومع أصوات المفاتيح هبت متحمسة وهي تقترب من الباب :
-أهو جيـه .. هقوم افتح له ..
ما فتح الباب فوجد قمرها ساطعًا أمامه .. تبسم بهدوء:
-دانتي حارسة الباب !!
تنهدت بارتياح وهي تعاتبه بصوت متهدج:
-كنت مستنياك .. قصدي كُنت فين كُل ده !! قلقت عليـك .. أنت كويس ؟!
دنى منها وأصابعه تعزف على جدار رقبتها تحت مظلة شعرها بلمسات حنونة طابعًا قُبلة طويلة على وجنتها سرت بها قشعريرة مباغتة وهمس :
-اتوحشتك ..
رفعت جفونه بحياء:
-وانت كمان ووحـ
ثم تراجعت إثر مجيئ هيام لهما، وهي تقول:
-هارون حمدلله على سلامتك ؛ أخيرًا چيت تعالى عاوزاك ..
أحست ليلـة بثقل وجودها بين الأخوة فأتبعت قائلة :
-أنا اطمنت عليـك، هروح أنام بقى .. تصبح على خير ..
رمى مفاتيحه على الطاولـة بفتور وقال بصوت ماكر :
-متناميـش ، چايلك …
أومأت بخفوت وهي تفارق عينيه ببچامتها السوداء القطنيـة التي تبرز تفاصيلها الفاتنة لقلبه ، ما وصلت لباب الغرفة فأرسلت له ابتسـامة خفيفة ثم قفلت الباب بهدوء ، وقفت خلف الباب تتحسس نبض قلبها المتسـابق ، تتذكر تفاصيـل قُبلته الساحرة التي كانت هنا ، في أحد أركان الغرفة تحديدًا ، تتذكر حالة قلبها الخاضع لأوامره ولا يجادله أبدًا ، شعور ما يتلهف المزيد من لمساته الحنونة .. تفتقد الساعات التي تغرب شمسه عنها .. تسارع الادرينالين بصدرها وهي تركض أمام المراة تتفحص هيئتها وتتساءل هل هي مناسبة أم لا !! هل ستعجبه أم لديها الأجمل .. أمسكت بحمرة الشفاه القوية ورسمت ثغرها كدعوة صريحة منها لتراوضه على القُبل .. أخذت تتأمل هيئتها مع الحمرة الطاغـيـة فأحست بالخجل الشديد وهي تسحب منديلًا مُبللًا وتمسح شفتها :
-أيه الجنان ده !! ليلة عيب كده !! أنتِ شاغلة بالك ليه .. واللون ده كمان بيعصبـه .. أف !! ده مش بيتمسح ليـه !! أنا أنسب حل أنام .. أنام قبل ما يجي ..
-"وبعدين يا هيام "
بعد ما انتهى من ارتشافه للماء بالمطبخ وأخته تتلو على مسامعه أخبار البلدة وأهلها التي يعرفها جيدًا أردف جملته الأخيـرة بملل ، فأعقبت :
-هارون عقولك البلد مقلوبة قلـب وكله قايد في بعضه وكانوا مستنينك الليلة .
رد بهدوء لا يتناسب مع ثورة أختـه:
-عارف!!
-عارف يا هارون وعشان كِده لغيـت السفر وأچلته لصُبح! …
ترك الزجاجة من يده جاهرًا :
-عشان مش هارون العزايزي اللي يمشي تحت طوع حد يا هيام .. وهاشم أخوكي ديه حسابه لما انزله ، المهم ولده زين دِلوق !!
فاض صبر هيام من. تصرفات أخوتها العبثية:
-عليا النعمة صفية لو جرتلها حاجـة هتبقى من تحـت راسكم !! حرام عليكم يا هارون أنتَ وهاشم .. الست طافح كيلها ..
-هيام خشي نامي ..
-هنام كيف وكل النصايب دي مستنياكم ..
عارضها ساخرًا :
-وسهرك هو اللي هيحلـها يعني !!
-يوه يا هارون .. مش وقت مِقلدة أنا هموت من خوفي عليكم وأنتَ ليك نفس تهزر .. أقولك روح شوف مرتك أحسن لك وسيبني في حالي ..
رفع حاجبه وكأن الفكرة راقت له:
-أهو ديه الحديـت الموزون ..
ما خطى خطوة فتراجع :
-دكتور عمار لو رن تاني مترديش وتقوليـلي… سامعة!
هزت رأسها تحت صدى خفقان قلبها وبثرثرة عفوية :
-لا والله هو مرنش من ساعتها ، وطلع محترم وعيفهم في الأوصول ، أو شكله طفش لما وقفته عن حده.. متخافش يا أخوي أختك بمية راچل وو بس هو بعت رسالة وقال اسف وانا بردو والله ما رديت ، تحب تشوف محمولي .. ولاا هارون خلاص مش هچيبلك سيرته تاني انسى .. ديه باينله غلبان مش هنعملو عقلنـا بعقـله وو
ربت على كتف أخته وهو يقبـل رأسهـا :
-روحي نامي يا هيام الله يهديكي أنتِ وأمك عليّ ……
تعلم أن للنجوم طريقةٌ مميزة في النوم دونَ إساءةٍ لليل ، قد تسهر نجمةٌ وتنامُ أخرى كي يظلَّ الضوءُ في ميزانه تجري الملائكةُ الصغارُ وتفتح الآفاقَ
ثمةَ سهرةٌ تضفي على نوم النجوم …
ما سمعت صوت خطواته يقترب من مدخل الغرفة ركضت محتمية باللحاف الأبيض .. قفلت جفـونها وشدت الغطاء فوقها وهي تنتفض من شدة الحُب واللهفة .. فُتح الباب فوجدتها تتكور تحت لحافهـا التوى ثغره بابتسامـة خفيفـة وقفل الباب بهدوء .. شرع في التفتيش عن ملابسه على الضوء الخافت وهي تراقبه بأعين متلصصة تحت الغطاء .. انتظرت حتى أخذ حمامه الدافئ وخرج ليُكمل ارتداء ملابسـه بالخارج حتى انتهى به الأمر لارتداء ملابسه الرياضية السوداء كانت تتأمل تقاسيم صدره الأشبه بلون حبة القمح القاتمة وتفاصيله التي حركت كل ساكن مجهول بداخلها .. قفل هاتفه المكدس بالمكالمات التي لم يلتف إليها ونزع نعله وهو يتأهب للنوم بجوارها .. ما أحست بقُربه فوثبت كالملدوغة من مكانها ، فسألهـا :
-هو أنا مش قولت استنيني متناميش !! من أولها عتكسري كلمتـي!
فزعت والخجل يكسوها متأهبة للذهاب :
-نمت .. قصدي منا صحيت اهو ، أنتَ صحتنـي خلاص .
تبسم لتشابك كلماتها مع تيـه نظراتها التي حيرته :
-استنى .. على فـين ؟!
بدّ الارتباك على ملامحها وهي تشتت أنظارها المتراقصـة عنـه وتهز كتفيها بخجـل:
-ولا حاجـة ، هسيبـك تنـام في السرير ؛ لوحدك ، هترتـاح أكـتر .. وو
ثم حانت منهـا نظرة خاطفة نحو كفه القابض على معصمهـا :
-أنتَ ماسكنـي كـده ليـه !! هارون بتـوتـر والله ..
تراقص حاجبـه بإعجـابٍ وبنظراته التي تُربكـها أكثر :
-أيه متوترك !!
ليـلة بتردد وهي تجلي حلقهـا مرات متتاليـة :
-أنتَ ، أنتَ بتوتـرني .. هيام ؛ هروح اطمن علي هيام … هي لسه صاحية مش كده .
التقـط حقيقة هروبها الطفولي منـه وقال بهدوء مشاكس:
-هيـام نامـت ، وأنتِ كمـان لازمًا تناميلك هبابة قبل ما نسافروا الصبح ..
-منا هنام ، لازم أنام ، بس أنام فيـن وأنت هتنام هنا فـ السرير ؟!
رد هارون بتريث:
-في حضني !! أومال هتنامي فين يعني ؟!
كتمت أنفاسها بكلا كفيها وبرقت عينيهـا بذهول:
-احيه !! لا طبعا عيب؟! أيه حضنـك ده!! مفيش الكلام ده .. انسى .. يالهوي!!
تمددت ملامحه بدهشة :
-ياصبـر الصبر !! على أساس كُنتِ مبرطعـة في حضن مين ليلة إمبارح !!
أحمر وجهها من شدة الخجل وانفجرت مثرثرة بوجهه :
-ايه!! يعني ايه مبرطعة دي!! لالا انتَ لازم تفهم إني لسه زعلانة واللي حصل امبارح كان لظروف خاصـة وأنت .. أنت أصلًا ضحكت عليا وأخدتني فـ حضنك بالأونطـة وو
احتدت نبرته :
-ليلة ؟!
بنظرات أرنب مذعور :
-نعم والله ..!
شبح ابتسامة خفيفة ظهر على شفته وهو يجذبها لحضنـه برفق و يتخذان وضع النـوم معًا :
-حلوة الأونطة مش كِده !!
اندس نصف وجهها بصدرها وهي تبتلع ضحكتها التي يدثرها بالغطاء فوقهـا بحنان ذاخر ، فمـا تلاقت ملامحهم المدججة بالحُب الثائر بينهمـا ، تراقصت جفونها وهي تحاول التملص من قبضتـه لتهب مقيمة خيمة شروطها :
-خلاص هنام في حضنك بس بشروط ، الأول تكون مؤدب وأكيد فاهم أقصد أيه ، ومتبصليش كده بعنيك الحلوة دي وتوتـرني أقول لك غمض عينيك دي خالص ، ثانيـا ، ممنوع اللمس …
-ودي تتعمل كييف يا فالحة !!
-خلي أيدك جمبك يا عمدة ، سهله أهي ..
-أومال هعمل أيه؟!!
ثم فزعت من مكانها وأكملت بدلال وهي ترفع سبابتها بوجهِه :
-هحكي لك حواديت ، تسمـع ؟!
اتخذت من ذراعه مسندًا لرأسها وعينيها تتأرجح في كُل الاتجاهات حتى استقرت على خاتم يدها :
-الخاتم حلو أوي كل شويه ابص له وابتسم .. لايق على أيدي صح !!
بلمسات طريفة من يده تدرك هدفهـا جيدًا تتنقل هنا وهناك لتحدث بها عواصف وعواطف جمـة خاصة بعالمهما الفريد .. كانت تنهيداته كالريح الخفيفة لا يود إغراق السفن بل يود النجاة على متنها ، تغلغلت أنامله بين خصلاتها بحنو وهو يتأمل طريقة نطقها للكلمات وهي تتاظره قائلـة :
-أنتَ عارف أن شهرزاد هي اللي عرضت الجواز على الملك !! كانت حجتها عشان تنقذ بنات القريـة من ظُلم الملك اللي خانته مراته وقرر ينتقـم من كل البنات اللي هيتجوزها .. بس اللي الناس متعرفهوش بقا .. أن شهرزاد كانت معجبـة بالملك من زمان كان هو فارس أحلامها، وبقوته وذكائه ومع أول حجة ليهـا استغلتهـا وعرضت عليه الجواز …مش سهلة شهرزاد بردو ..
أنصت لهـا باهتمام وهو يداعب ملامحها :
-وبعـديـن ، والملك وافق على طول كِده !
تململت في حضنه بخفة وهي تتأمل خاتمه بأصبعها :
-شهرزاد كانت جميلة أوي يا هارون .. كل الرجالة كانوا بيتنافسـوا عليها ، وأول ما شافهـا الملك وقع في غرامهـا ..
ثم عضت على شفتهـا التي سقاها برحيقه من قبل ورفعت جفونها لعنده :
-الجمال هو الفخ الحقيقي لأي راجل مايقدرش يرفضـه أبدًا .. أنت نفسـك آكيد قابلتك بنات حلوين واتمنيتهم ..
مسك كفها المُزين بخاتم زواجهـم ووضعه جهة قلبه قائلًا :
-أنا ما قابلتش وماتمنتش غيرك ..
-والله العظيم ولا بتسرح بيا !!
أصابتهـا رعشـة الخجل والحُب معًا وهي تتأمله بنظرات انبهار :
-مش قصدي ، تعرف أول مرة أحس أن مامتي داعية لي!!
تمتم بسره:
-وايه لازمتها السيرة العِكرة دي!!!
-بتقول أيـه !! مسمعتش ..
ثم اعتدلت من نومتهـا بنصف زاويـة ومازال كفها مستندًا على صدره :
-أحنا مش كنا هنسافر قنا الليلة !! غيرت رأيـك ليـه ؟! أحلام وحشتني وهيثم و
تعانقت الأعين كما تود قلوبهما أن تسبح في فضاء الحُب ، رفع صدره على الوسادة وهو يقبض على كفها ولا يود أن يفارق مكانـه أبدًا ؛ وقال ممازحًا :
-ماليش ، قولت أسرق من الزمن ليلة زيادة في حُضنك ..
اهتز قلبها من اعترافه الصريح :
-بجد.
ثم تجرأ كفه ليحتل خصرها المتقوس ليثير بها غرائز حبـه وأتبع :
-مش ضامن اللي مستنيني في البـلد ..
خفق قلبها برعب:
-هارون متقلقنيش .. أنا كل ما أحاول افكر بس في اللي ممكن يحصل بتجنن ، ممكن أطلب منك طلب …
-أنت تؤمري ..
سحبت كفها بخوف من المستقبل :
-بلاش نعرف حد أننا اتچوزنا ، أنا فعلًا كنت معترضة الأول أني أكرر غلطة رغد ، بس هستفيد بأيه لما النـاس تعرف وتروح مني .. بص خلاص خلاص أنا موافقـة والله هقضي عمري كله معاك في السر بس بلاش تروح مني … أنا مش عايـزة أخاف ..
اعتدل من اتكائه جالسـًا وهو يلمس تفاصيل وجهها بحُرية ويقول :
-وأنا مش هعيش عمري كله معاكِ غير في العلن ، مش هارون العزايزي اللي يدارى في حضن واحدة وهو خايف ، أنا أخدك في حضني قصاد الكُل ومحدش له حق ينطُق كلمة في حقنا ..
تشبث كفها بعضلات ذراعه الأيسر بتوسل :
-هارون ، متقلقنيش…عشان خاطري بلاش حتى وضع مؤقت تمام ، وأنا والله مش هضغط عليـك ، بس المهم أن آخر كُل ليلة اتونس في حضنك حتى ولو فالسـر والله راضيـة .. أنا خلاص فكرت.
-فالسـر والعلن وكُل الأحوال أنتِ مرتي يا ليـلة ..
اعتدلت في جلستها وهي تضم رُكبتيهـا صدرها وتستند بذقنها عليهما وتُقر معترفـة :
-تعرف أن الجواز كان فكرة مرعبة أوي بالنسبة لي .. كان الكابوس اللي كل فترة أهرب منه أو أأجله .. بس معاك غير .. هارون أنا مش خايفـة من حضنك ومش متهابـة وأنا مستغربة ، أنا أزاي كده .. هو مش طبيعي أبقى خايفة ومخضوضة !! لا أنا نفسي العُمر كُله يفوت وأنا معاك وأفضل باصة لك كده ..
ثم أشاحت بأعين قطة لا يليق بها الهدوء في فناء المشاعر :
-برغي كتيـر !!
ثم قاطعته بعفويتها :
-تعرف أني عمري ما حسيت بشريف ده أنه هيبقى چوزي وو
تحول الرجل المدجج بالحب أمامها لثور هائج عند ذكرها لاسم رجل مثله ، جحظت عيناه بحدة أرعبتها :
-الاسم ديه تمحيـه من نافوخك وو
لم تتحمل البقاء أمام نظراته العاتيـة أكثر ففزعت راكضة :
-هو أحنا مش صحاب وبفضفض عادي .. هارون متبصليش كده وو
-لا أنا رجل صعيدي ومخي ديه قفل مصدي …
لحق بها متبعًا خُطواتها بآخرى واسعة :
:
-أنتِ متعرفيش تتمي حاچة عِدلة لآخرها واصل !!
احتمت بظهر المقعد الخشبي تتوسله :
-والله آخر مرة مش قصدي .
حاول الإمساك بها ولكنها فرت كالأرنب من قبضته ضاحكة :
-هارون اخر مرة بقول لك ، خلاص والله انا اصلًا معرفتش حد بالاسم ده لا شريف ولا شهاب ولا شـ
هجر والغيرة تكسوه وهو يشـد حزامه الجلدي :
-شكلك مش ناوية تفوتي ليلتك ..
هبت صارخة والضحكة تتقاذف فوق ملامحها:
-يخرب عقلي أنا بصلح ولا بعُك ، خلاص يا هارون سيب الحزام ده أنتَ هتعمل عقلك بعقلي .. عيلة وغلطة أيه نموتها !!
لف الحزام الجلدي حول خصرها ليجذها إليه بغتة مُطلقة صرختها بصدره محاولة الهرب منه :
-أنت بتغش والله .. هارون بقا …
برقت عيناه محذرًا :
-تنسي الرجالة العرة دي كلها من نافوخك ، بصي افقدي الذاكرة العِكرة وهركبلك واحدة جديدة وبورقتها .. ذاكرة مكتوب فيها هارون العزايزي وبس ..
فرت من قبضتـه راكضة لتصعد فوق الفراش من جديد :
-خليك أوبن مايند شوية.. متقفلنيش منك …
رمى الحزام من يده وهو يعض على شفتيه متوعدًا ويراقب هيئتها المرحة وهي تتنقل هنا وهناك كالفراشة التي تسود الجمال على المكان ، حاول أن يمسك كفها ففزغت صارخة فاختل اتزانها لتقع فريسته في مصيدته :
-هتهربي تروحي فين يعني!!
مددت في منتصف فراشهما وهي ترفع قدميها وتضمهما لصدرها وقدميها يتحركان بالهواء صارخة بأصوات يعُمها الضحك مُعلنة هزيمتها وعيناها تتراقص نحوه :
-والله بهزر .. خلاص بقا أنتَ كسبت..
نصب أعمدة خيمته حولها وباتت أسيره لمرفقيه اللاتي يحاصرونها من اليمين واليسار ، تحت سطو نظراته المالكة .. كطاووس يحمي عصفورة من غدر المناخ .. تعانقت الأعين فانخفض صوتها وبجزل طفولي تترجاه :
-بهزر ، سوري مش هتتكرر تانـي عمري ..
بتبرته التي يرتد أنفاسها بوجهها :
-لو سمعتك بس جبتي حرف الشين على لسانك هتزعلي ..
-وههون عليـك ؟!!
احتدت نبرته :
-ليلة …..!!
اربكتها أنفاسها ونظراته التي لا يفصلها إلا مبادرة منه
-هارون موترني .. خلاص والله .. مفيش ..
رفع حاجبـه مؤكدًا :
-مفيش أيه ؟!
ردت بدهاء:
-مفيش غيرك أصلًا .. هارون بيـه العزايـزي .. حافظة أنا أهو .
أرضت غروره كي تنجو من فخه المنصوب فسقطت عيناه على سُرة بطنها المُتعرية ، وحمُرة شفتها التي تحرشت بغرائزه ، تنهد مؤكدًا :
-ولو غلطتي تاني …؟!
-أحيــه !! ليـه وأنا عبيطة !! حرمت خلاص .. وعد آخر مرة ..
كلمتـها الأخيرة بدلالها المُفرط وأسلوبها في التغنج تحت يده مفعولهما كالسحر على رجل مثله بدون أي بوادر مُعلنـة أطبق قُبلته على شفتيها فكانت برقـة النسيم الذي لا يُثلج الجسده ولا يدفأه ولكنـه كافيًا لاشعال ثورة مجهولة من المشاعر .. من هول صدمتها بلعت صوتهـا لتتحول لقُطة راضخة لتلك المشاعر الغريبة التي تتسرب إليها .. قفلت جفونها لتذوب معه في عالم الخيال وهي ترخي سدول أعصابها التي تُقاومـه ، فكان كالفنان الذي يلون شحوب لوحته ببراعـة ، ما حرر ثغرها المتورم بهدوء لينقل لجدار الفاصل بين قبلها وثغرها ولت وجهها جنبًا مستسلمـة بمشاعر مدفونـة عنه تخجل بالإفشاء بها ، تمادى وتزايـد في نقش حبه على لوحتها البريئة حتى اشتعلت نيران حارقة بجسد تلك الطفلة التي تجهل تفاصيل ما وراء الحُب .. ظلت تكتم وتخفي بمشاعرها حتى فاض الدمع من مُقلتيها وهي تتمتم متحيـرة بين اللذة والألم :
-هارون ..
ما تلاقت أعينها الغارقـة في بحر عشقه الذي فجره للتو واكتشفته على دكة لمسته الخاطفة كادت أن تتفوه والعبرات تكسو وجهها وجسدها يتنفض تحت عينيه عاد من قصر الحُب متعجبًا لهيئتها العصيبة حيث باتت كالحمامة المذبوحـة تحت يده ترتعش وترتجف فسألها :
-مالك !
حاولت أن تبرر حالتها :
-معرفش .. انا متوترة شوية بس وو
ثم دفتعه متمردة على قربه لتهرب من احتلاله محتمية بالحمام بارتباك :
-انا هروح الحمام….
•••••••••••
~مرسـى علم .
ما تأكدت نجـاة من نوم صغيرها تسللت بخفة شديدة من جواره بعد ما طبعت قبلتها الحنـونة على رأسـه .. تركت النور الخافت بجواره.. سارت على أطراف أصابعهـا حتى غادرت الغرفة وقفلت بابها بحرص شديد .. تنفست الصعداء وهي تتوجه صوب غُرفـة رؤوف الذي ينتظرها على مراجل تحرق ، يقطع خطاوي الأرض ذهابًا وإيابًا ، تنهدت بارتباك شديد وهي تدق باب غرفته بقبضة يده والذي كان واقفًا خلفه ، على الفور فتح بابها مزفرًا بحماس :
-لو مكنتيش چيتي كُنت هاچيلك وو
جلت حلقها بارتباك:
-چعان أجهزلك وكل !!
شدها من كفها قاطعًا المسافة الفاصلة بينهما لتتوسد حضنه المتعري شاهقة وباليد الآخرى أحكم غلق الباب عليهما وهي يتنهد تنهيدة الوصول الأخيرة:
-آخيرًا…… !
•••••••••••••
~العزايزة .
-"نورتي بيتـك يابتي ، وخلي بالك من روحك من اللي في بطنك ، سلامتكم تعز علينا "
بغُرفة أحلام احتشد الجميـع حول رغد العائدة من المشفى ، زام ثغر صفيـة متراقصًا بضيق ، فتدخلت أحلام :
-سلامتك يا بتي .. يكش ما تشوفي مكروه واصل في حياتك ..
كان هاشم واقفًا بمحاذاة النافذة ينفث دخان سيجارته حائرًا في سُحب الفكـر خاصةً بعد انقلاب البلدة على أخيـه لمجرد إشاعة أطلقت عليه ، فتدخلت مزمجرًا :
-حچ خليفة ، أحنا هنسكتوا على اللي داير يتقال علينا في النچع !!
رد خليفة بارتياح خاصـة بعد عثوره على ورقـة رابحـة لتبرئة ابنه :
-سيب اللي يقول يقول وركز في روحك يا هاشم ..
فأكمل بحدة :
-كلم أخوك قوله يعاود وبزياداه قعاد في بحري.. وشوف رؤوف صاحبك خد البت وراح على فين ، قوله عاود يا رؤوف وبطل لعب عيال …
فأعقبت صفية بقهرة مدفـونة :
-ما خلاص ولادك مبقاش ليهم رابط يا حچ ، كل واحد مطلوق على كيفه وبكرة نقولوا ياريت اللي چرى ما كان …
تجاهل الحج عويلها ثم نظر لرغد :
-وأنتِ يابتي تؤمري بحاچة أشيع هيثم يچيبهالك ..
-ولا حاجة يا عمو ، ربنا يخليك .
دخل هيثم برفقة أخيه الشيخ هلال الذي لا يرفع عينيه من الأرض متحمحمًا :
-ألف لا بأس عليـكِ يا زوجة أخى ..
خيمت الحيرة على وجه رغد لتحدثه بالعربية و ردت مجاملة :
-شكرًا لحضرتك ..
فأعقب هيثم مغازلًا :
-سلامتك يا مراة الغالي .. وأم الغالي .. وو
فحدجه هاشم محذرًا ليبتلع بقية جملته :
-لسه ماقولتش حاچة غلط أنا .. بس ناوي أقول ..
زفر هاشم بضيق من داعبة أخيـه المُغايرة لأوانها ، فأتبع هيثم يزف الخبر لأبيه بفرحة :
-العزايزة ملهلبة برة على هارون ، هموت وأعرف الخبر ديه طلع منين !! ديه واحد مركز قوي معاه .. بس مش وِلد سويلم .
فأتبع هلال باختناق :
-هارون يرچع ولازمهم واقفـة من حديـد يا أبوي .. دول محدش هاممهم ..
-الكُل هياخد حسابه يا ولدي .. طول بالـك .
دخلت رقية حاملة بيدها مائدة معدنية بها أطباق صغيرة من الحلويات " كيك وبسبوسة" صنعتها بيدها وهي تمشي على مهلٍ فما دار هلال ووجدها حمل المائدة نيابة عنها معاتبًا :
-ما قولتيش ليه كنت چيت قَليتها بدالك ..
فعاتبتها أحلام بنُصح :
-يابتي متشليش حاچة تقيلة لتكوني حبلى .. بالعدل على روحك ..
تبدلت ملامح صفيـة بسخط :
-ضربتين في الراس يوجعوا يا عمة ، ماهي ناقصـة !! ناقصة نكد على راس صفية واللي چابوها.
وضع هلال المائدة على الطاولة متجاهلًا تلميحات أمه :
-بس أيه الچمال ديه كله يا رقية ، يسلم يدك ..
تقدمت رقية بحب وهي تحمل طبقًا من الحلوى وتمده لحماها قائلة :
-اتفضل من يدي يا عم الحچ ، يارب يعجبك .. تحب أعملك شاى جنبيه ..
أخذ خليفة الطبق منها بيده المرتعشة من الكِبـر وشكرها :
-شالله تعيشي يا بتي .. ناكلوا في الفرح .
ارسلت له ابتسامة مجاملـة ثـم ولت لرغد المستندة على الفراش ومنحت لها طبقًا:
-أنا عملت عشانك أصلا ، لازمًا تاكلي وتتغذي زين عشانك أنتِ واللي في بطنك . يلا خدي من يدي .
اعترضت صفية الجالسة جنبًا بحرقة :
-علموكي في المدارس اللي دخلتيها إنك تكبري الصغيرة على حماتها ..كان فين المُر دي يا ربي..
عارضتها رقية بخفـة تحمل نكهـة المرحٍ :
-مش أنتِ قولتي مش عاوزة حاجة لا من يدي ولا من وشي يا عمتي!! رچعتي في كلامك ليه ! ولا يدي ووشي بقوا حلوين دِلوق .
تمتم هيثم لهلال أخيه :
-مرتك عتحفـر قبرها مع أمك .. خش ألحقها .
ضربت صفية كف على الأخر وهي تراقب الأعين التي تحاصرها خافيـة ضحكها وقالت :
-مقصوفة الرقبة دي عترد عليّ الكلمة بكلمتها .. وربنا لو ما اتعدلت لأعدلهالك ياهلال .. دي عتكيدني!!
تحمحم هلال متدخلًا في خضم حوارهم متغزلًا بها :
-بيضاء رعبوبة ، بالحُسن مكبوبـة بالمسك مشبوبـة ، يقُال عنها ذات رقبة مقصوفة!! ماتديها نضارتك يا أحلام شكلٍ المقاسات عند أمي بعافية ولا تحبي تاخدي عيوني تشوفيها بيها يا أم هارون!!
-كفاية عليك أنت يا خوي !! نضارة الحُب متعوسة ، وأنا تعسة ولادي بالكوم .
همهمات من الضحك اندلعت من الأفواه لتقول صفية مغلولة:
-يلا أهي حمارتك العرچة تغنيك عن سؤال الكهين… اللي ما يعرفش يقول عدس …
ثم زفرت بقهرة:
-ياخيبتك في ولادك ياصفية، كل واحد وقعته أنقح من التاني، ياريتني چبتكم كلكم بنات وارتحت من همكم …. مالها البت مش فاهمة !!
ما بين أصوات ضحكهم المتعالي اقتحمت البومة مجلسهم وهي ترمي على رأسهـا الوشاح بعشوائيـة :
-ما تضحكوني معاكم ولا هي الوكسة والخيبة التقيل عتحط على زينة وبس ..
تأفف هلال وهو يقرب زوجته منه بلطفٍ :
-سلام قولًا من رب رحيم.
تهامست رقية مع زوجها :
-دايما عتعارك دبان وشها البت دي ..
-رقية ؛ دعك منها ومن شأنهـا ، ركزي معي .
-كيف منا معاك أهو ، بشتكيلك بس ، أنت نفسك لسه قايل سـ.
ضغط على خصرها بحرص لم يلحظها أحد ومن خلف فكيه المنطبقين تهامس:
-باقي الكيكة دي طلعيها الأوضة أنا لسه مكلتش ومن شكلها عاوز أكلها وكل هي واللي عملتها ..
همت فارحـة :
-و الله عچبتك ؟!
برق الغزل بعينيـه :
-هي عاچبني من زمان .. بس تحن هبابه لوچه الله وشفاعة بقلب عبده .
جلست زينة على طرف الفراش الذي ترقد فوقه رغد :
-بردك مش هتعرفوني مين الحلوة حتى نضايفوها ونقوموا بالواچب !! ما تقوليلي أنتِ مين ومالك ملمومين كلهم حوليكـي ليه!! دأنتِ لو چايبـة لهم ولي عهد ما هيحتفلوا بيكي إكده !! هي مين دي ياعمتي ..
كاد هاشم أن يقف لها فتدخلت أمـه واقفة أمامه :
-قولنالك ضيفـة وبعدين أنتِ سايبة اوضتك ونازلة ليه !! في عروسة تهمل أوضتها إكده..
فأتبعت ساخرة تشكو حالها :
-وهو عدم اللامؤاخذة فينـه العريس يا عمتي!! فينه اللي نقفلوا علينا بابنا وكافيين خيرنا شرنـا ..
ثم عادت ناظرة لرغد :
-وأنتِ مش هتقولي مين ! ولا زي المذيعة اللي چات مخولت راس الكبيرة وهچت !! ماهي نفس العياقـة والشخلعة !! ياترى راسمة على ميـن هِنه !! هاشم ولا هيثم !!!
أعقب هيثم ساخرًا :
-والله هيثم كان نفسـه بس چيه متأخر ..
حدجه هاشم بعنفوان فلحق نفسه هيثم قائلًا :
-ما تتمسي عالمسا يا زينة !!
ضرب الحچ خليفـة الأرض بمؤخرة عكازه آمرًا :
-يلا كُل واحد منكم يروح يشوف مصالحه مش عاوز حد يزعل ضيفتي .. وأنت يا هاشم تعالى عاوزك ..
فركت زينة كفوفها ببعض:
-ما تردي ياختي أنتِ مين ولا لسانك بالعاه القُطة !!
تأرجحت عيني رغد بذهول فهي لا تدرك كيفيـة التعامـل معهـا فتدخلت رقية قائلة :
-مش باين عليها عيانة ومفهاش حيل للمناهدة !! لا في دم ولا نظر أومال في أيه ؟! هموت وأعرف !! سيبي الضيفة ترتاح وحلي عن راسهـا يا زينة …
-حوش حوش، رقية أبو الفضل بقالها حِس وصوت منفوش..!!
تدخل هلال بحزمٍ وهو يمسك كف زوجته:
-يلا يا رقيـة ..
••••••••••
~القـاهـرة .
قرأت نصًا قديمًا في أحد الدفاتر الباليـة :
هناك أشخاص في الحياة يأتون كاعتذارات عن العمر المنسي، عن المتاهات والوقت الضائع، عن حماقات البشر، وقساوة الواقع.
فتشعر وكأنهم يمتازون بخفة لا توجد إلا فيهم، كـ نسيم بارد في عنفوان حرارة الصيف، أو كـ طيف دافئ في ليالي الشتاء الجميلة، كـ بلسم للزمن الجاف وكـ الرزق لسنين العمر العجاف.
ظلت تغسل وجهها حتى كاد أن يذوب حزنه من كثـرة الماء الفاتر وهي تغرق في عُمق المجهول وعُمق العالم الذي طلت عليه من بعيدًا معـه عالم رغم جماله إلا أنه مُربكًا للغايـة ، دق الباب بقلق لتأخيرها بالداخل :
-ليلـة !!
أخذت نفسًا عميقًا وهي تقفل الصنبـور وتدور لتفتح البـاب والخجل يعُم على ملامحهـا ، فما رأته تصلبت مكانها فتلهف مطمئنًا :
-فيكي حاچة !! متقلقنيش عليكِ .
بللت حلقها ثم اندفعت لحضنه كالغريق المتعلق بقشة النجاة وهي تقفل ذراعيها حول خصره كأنه شيء مهم لا تود خسارته أبدًا .. أخذ يمسح على رأسها :
-أنا معاكِ أهو هروح فين !! متخافيش .. چرالك أيه..؟!
ثم انحنى ليحملها بين يديه بدون مجهود يُذكر لخفة وزنها ، حاول التدقيق فـ ملامح وجهها ولكنها دفنته بحضه وهي تتعلق برقبته ، فأردف ممازحًا :
-كُل ديه عشان حِتة بوسة !! دانتِ قلبك خفيف قوي هتچمديـه ميتى !!
ضربته على كتفه برفق :
-هارون خلاص بقا اسكت وإلا ..
تحرك نحو فراشـه بهمـلٍ :
-ما بلاش وإلا دي محدش عيفرفر غيرك !!
ثم جلس على طرف فراشه وهمس معتذرًا :
-حقك عليّ و
رفعت جفونها بخجل :
-هارون أنا عايزة أنام لو سمحت ..
لبى طلبها بدون جدال وتحرك ليضعها بمكانها ثم انحنى هامسًا بآذانها :
-مش عاوز أشوف الخوف اللي شوفته ديه في عينك مرة تانيـة ، أنتِ مرتي ومحدش هيصونك قدي ومتخافيش مفيش حاجة هتحصل بينا غير فالعلن وكل الناس هتكون عارفـة .. هيتعملك أكبر فرح في مصر كُلها .
ثم غمز لها بطرف عينيه وأتبع :
-واعذريني أصلي أنا من الرجالة اللي بيغويهم الچمال ، قصادك حسنك ربنا يصبرني لغاية ما يچي اليوم دي..
ثم طبع قُبلته الطويلة بين حاجبيها :
-ديه وعدي ليكي.. وعد هارون العزايزي ..عايزة حاچة أبعت أجيبهالك من تحت ..؟
هدأت ضربات قلبها ولمع الحُب بوجهها وهي تمسك كفه طالبـة منه بدعوة أمان صريحة :
-هارون .. عايزة أنام في حضنك وبس .
•••••••••••
-هو هاشم عصبي ومتهور بس غلبان والله يابتي ، أقعدي معاه واسمعيـه .. يكش المية تعاود لمجاريها..
أردفت أحلام بنبرتها الحنونة وهي تربت على كتف رغد وترق قلبها على هاشم، فتراقصت العبرات بمُقلتيها:
-اتجرحت منه يا طنت ، ومامي مستحيل هتوافق، دي أصلا مفكرة إني كل ده فالبيت والطيارة فاتتني وو
هبت أحلام ناصحة:
-يابت يا عبيطة دي چوزك وأبو ولدك اللي چاي ، زعلانـة منه ربيه ولاعبيه لكن مش تقاطعيه، متزعلهوش لغاية ما يهج من عشك ..
ردت بضيق:
-أنا مابقتش عايزة هاشم يا طنت خلاص.. أنا مستحيـل أسامحه مهما عمل …
ختمت جملتها بصوت الباب الذي فُتح على مصرعيه بعد ما تأكد من نوم سُكان البيت اقتحم غرفة أحلام التي هبت مفزوعة :
-يكش تاكل أمك !! ايه دخلة المُخبرين ديه !!
بدون أي مقدمات هجم على مرقدها واخترق حصونها وحملها متجاهلًا صرخاتها وتحذيراتها:
-هاشم أنتَ اتجننت !!بتعمل ايه؟!
حاولت أحلام أن توقفه عن فعله الجنوني ولكن أن انطلق سهم القلب من يرجعه .. حملها وغادر الغرفة بنظرات تحذيرة واتبع :
-رغد ولا كلمة !!
تهامست بحذر :
-هاشم نزلني !! أنت فاكر إني كده هسامحك !بلاش جو البلطجة ده خلاص مش هياكل معايـا.
رفع حاجبـه بحسمٍ وهو يتجه صوب غُرفته معاندًا :
-على أخر الزمن أن حد يقول لي اتعامل كيف مع مرتي!! ليه !!
-هاشم نزلني بقول لك مش خايف حد يشوفنا !!
وصل لغرفته وأنزلها برفقٍ ثم قفل بابها بالمفتاح حاسمًا أمره :
-وأدي الباب يا رغد ، مفيش طلوع من الأوضة دي غير وأنتِ فاردة بوزك …
-هاشم !!
-رغد !!
تحركت نحو فراشه واتخذت وضع النوم لتتجاهل وجوده تمامًا :
-ماشي، اتكلم مع الحيطان بقا وكسر ورزع مع نفسك ؛ أنا حامل ولازم أنا وارتاح …
زفر بامتعاض بعد ما أشعلت ثورة محرقـة بصـدره :
-رغد بلاش أسلوب العيال ده!! وكلميني زي ما بكلمك ..
تحدته بعناد كي تهرب من ضعفها أمامه ورضوخها الواقع لا محالة رغم مصائبه الفادحة:
-أقفل النور يا هاشم ….
•••••••••••••
~صباحًا …
ضُبت الحقائب وعُزم أمر الترحال وبعد محاولات متعددة بإقناع ليلة بالعودة معه يومين لا أكثر وافقت على مضضٍ ، خرج من مدخل العمارة فكان العم حسن بانتظاره، سلم عليه وشكره وأرجع له مفاتيح شقة ابنه ، ساعد العـم حسن هارون في وضع الحقائب بمؤخرة السيارة ، اعترض هارون على مساعدته وحاول اعطاءه بعض النقود الورقية ولكنه رفض قطعًا وقال موصيًا:
-ليلة بنتي يا ولدي ، أمانة عليك خلي بالك منها البنت ملهاش غيرك دلوقتي.
-في قلبي وفي عيني والله يا عم حسن والله، اطمن ..
رن هاتف العم فاستأذن ليجيبه وأكمل هارون تجهيز سيارته للانطلاق للعزايزة .. جلس على مقعده الأمامي يفحص بنزين السيارة التي حتمًا سيملأها قبل أن يتحرك ففوجئ بفوهة سلاح مصوبة نحو رأسه وصوت شريف يصدح من ورائها قائلاً :
-مش بالسهولـة دي يا عزايزي …..
(5)
<الجـزء الثانـي من الفصل >
"الحُب ؛ قبل كل شيء …"✨
قبـل أن يأتي حُبك لم أحلم مرة بفرح هائل، بحكاية فائقة الغرابة، بصورة للحب تشع كضربة شمس، كان يكفيني فقط الهدوء والسلام.. ولكن كل ما طرأ علي فجأة من مطامع جميعها بسببك أنتَ ….
••••••••••
~مقـر النيـابة العامـة .
-"أنا من حقي أفهم ، ليا ٤ ساعات هنـا ليه وبتهمة أيه !! أنا مش هسكت على اللي بيحصل ده .. "
انفجرت " نادية " بوجه وكيـل النائب العام بنفاذ صبر خاصة بعد تأخـر رشدي عليـهـا .. ثنى النائب عقب سيجارته بقلب المطفأة بهدوء:
-دكتورة نادية أهدي وهتفهمي كُل حاجـة دلوقتي !
-أفهـم أيه؟! افهم أن بنتي مخطوفـة ومش عارفة طريقها وأنتوا هنا متحفظين عليـا !!
فتح النائب شاشـة هاتفـه وبالأخص " الفيديو " الترويجي لحلقة ليـلة المسـاء .. عرض المقطع أمامها قائلًا :
-افتكر المفروض تطمني دلوقتِ بنتك لانها بخير .. وأهو شوفي بنفسـك .
تلقت ناديـة الخبر بذهول وهي تستمع لتأكيد ابنتها على موعد الحلقة ومقتتطفات من البث حديث التصويـر .. تركت الهاتف من يدها وهي تحت تأثيـر صدمتهـا :
-يعني ايه ؟!!! طيب أنا هنا بتهمة أيه ؟! حد يرد عليـا….؟
قلب النائب بعض الأوراق بيده وهو يخبرها :
-نقابة الأطباء والطبيب المُعالج لبنت حضرتك مقدمين بلاغ بإفشاء أسرار مريض على الهوا… عندك علم بعواقب تهمة زي دي يا دكتورة …. !!
-أزاي يعني ؟!!!
قفز الذعر بمقلتيها وهي تجلس بمحملة بأحجار الهم والورطة التي حلت بها :
-أنا ممكن أعمل تليفون ضروري.
••••••••••
-"العيـار اللي ما يصبش يــدويش يا عمـة "
عودة للعـزايـزة وبالأخص لنسوة الحج خليفـة اللاتي يحملن هم الورطة التي ورط هاشم بهـا نفسـه .. ظلت صفية تطلم الخدود وتضرب على فخذيهـا بحرقة :
-بس كانت فين النصايب دي بس ياربي، وأحنا ملاحقيـن !! يارب أنت عالم بحالي وحرقة قلبي .. يارب انا مش عاوزاه العيل اللي هيجي بالخراب ديه ، خده عندك يارب وتبقى جات من عندِك !! خده وريح قلبي .. وأنا ندرًا عليّ هخليه يطلقها ويغورها من هنه العايقة الملعلعة دي !! أنا مش عارفة ماله ذوق عيالي ، زغللوازعنيهم بنات بحري ..
توقفت أحلام عن لف أحجار سبحتها وهي تستغفر ربها :
-بطلي قويق وفقـر وتفي من خشمك .. أنتِ عتقـولي أيـه !! ديه ولدنا ومن دمنـا !! أتهوستي!!
-ديه هيخربيتنا لو چيه يا أحلام!! أنتِ عتفكري كيف !! مجلس العزايزة لو شم خبر هيخلونا فِرچة للخلق .. يا غلبـك الـ مستنيكي في ولادك يا صفيـة !!
حدجتها أحلام بعنفٍ :
-اقفلي خشمك يا صفيـة .. وطلعي روحك من الموضوع ديه ، عشان ولدك مش هيسيبها وماسك فيها بيده وسنانه .. خفي خوتة يا تغوري من چاري أنا مش ناقصـاكي .
هبت صفية مفزوعة :
-مش بكيفه !! مش بكيفه يا أحلام ، أنا أمه وله حق عليّ ومُچبر يسمع كلامي .. البت دي ملهاش عيش وسطينا لا هي ولا ولدها ، يارب خده عندك ويريح قلبي يارب .. مش عاوزاه .
ثم ولولت بحرقة :
-وهارون التاني اللي ماعارفهوش طريق!! دي حتى مرته بت الحسب والنسب ما خش عليها !! دِلوق جرستنا هتبقى جُرسة في النچع كُله !! سايب عروستـه وداير على هواها بحري!! ديه كمان واخدلي البت معاه يا أحلام ..
-يخربيت فقر أهلك على اليوم اللي دخلتي فيه بيتي .. ما تخليكي في حالك يا صفيـة وتلمي روحك وإلا هقوم أكسرلك راسك الناشفـة دي .. وأنتِ فكرك ولدك هيقرب من البت الفاچرة دي بعد عملتها المقندلة !! قوليلها متحلمش.
لوحت بكفها فدق ناقوس الأساور الذهبية :
-أومال متچوزها ليه !! لااا مش بمزاجه أنا اللي هقف له يا أحلام ابعدي سمك بس عن عيالي اللي حالهم اتشقلب من يوم وليلة ووو
كادت أن تجادلها فجاءت " زينة " لتقطع حديثهم :
-مالك يا عمة شايل الطين ليه !! هو مفيـش خبر على هارون ؟! يا عمة وربنا ما ينفع الحديت ديه ولا يرضي حد.. دي أيه دخلة الندابـة دي..دي فال شوم ..
ربتت صفية على كتفها :
-تعالي اقعدي يابتي ومتزعليش روحك ، عمتك فـ ضهـرك … هارون هيروح فين مسيره معاود . و
ما جلست لتعبث بفوضى الحديث مع عمتها فجاءت "رقية" بهيئتها الضعيفة لتقول :
-خالة أحلام ، شيخ هلال عيقـولك هو نازل البندر لـ هـ -ابتلعت جملتها وأتبعت- ، ماعاوزاش حاچة !!
-شالله يعيش يابتي ، قوليلو بس يخلي باله على روحه ويسوق على مهله ..
تدخلت صفية بحرقة :
-وأشمعنا أحلام !! هي مين فينا اللي مراة أبوه .. قوليلو أمك عاوز بسبوسة وهو معاود يچيبها .. أهي حاچة تحلى خشمنا المُر ديه ..كفاية المرار اللي طافحينه .
اقترحت رقية بحماس:
-ما أعملهالك أنا يا عمة .. دي هتعچبك قوي !! تچربي ؟!
لوحت بكفها بضجر :
-مش عاوزة حاچة من يدك ولا من وشك …
رفعت حاجبها مستقبلة إهانتها بمرح :
-بس أكيد خالتي أحلام نفسها تدوق !! أيه رأيك يا خاله هعملك بسبوسة وهعمل لشيخ هلال كيكة .. وتقولي رأيك.
-أعملي يابتي ، أهي حاجـة تحلى خشمنا ..
ضربت زينـة كف على الأخر وهي تتهامس مع عمتها :
-بقا ياعمتي البت السهتانة دي نايمة ومتهنية في حضن چوزها وكمانها هتعمله كيكة وأنا قاعد أندب حظي چارك !! يكون في معلومك هارون لو مچاش من عشية أنا هروح بيت أبوي ، أمي كل هبابة تكلمني وأنا مش عارفة أقولها أيه !!
ضربتها صفية على كتفها بجزع:
-مش ناقصاكي أنت وأمك وأهمدي هبابة ..
~بالخارج .
توقف هلال على أعتاب البوابة ويجلس أبيه بجواره الذي أصر أن يطمئن على حفيده بنفسـه ولكن أثر رؤيتهم لرجال المجلس أمام البوابة هبط من سيارته متسائلًا :
-في أيه هنه !! أنتوا عاوزين ايه..
رد كبير الخفر :
-هارون بيه فينه يا شيخنا ؟! عاوزينه .
هلال بضيق:
-هارون عنديه شغل في بحري ومعاود .. حصل أيه يعني للغاغة دي !!
هز الرجل رأسه وهو يناظر مساعدينـه :
-المچلس عاوزه الليـلة دي ، والأحسن له يعاود قبـل دخلة الليل .. دي أوامر.
جهر الحج خليفـة معنفًا من النافذة المفتوحة:
-اقفل خشمك يا وِلد ، ومتنساش أنك چايب سيرة كبير العزايزة يعني سيدك وسيد أبوك .
طأطأ الخفير رأسه كإيماءة اعتذار منه وهو يقول متواريًا :
-حقك علينـا يا عُمدة بس أصلوا اللي عيتقال يمخول الراس .. عيبة متطلعش من الكبير يا عمدتنا .
أرخى العجوز سدوله مستفسرًا :
-قصدك أيه يا وِلد المحروق أنت؟!!!
••••••••••••
~مســاءً ..
تجلس " ليلة " برفقة "هيام" أمام التلفاز بصمتٍ تام لا يقطعه إلا صوت المقرمشات ، ألقت نظرة سريعة على الساعة وهي تقول بتوجسٍ :
-هيام ؛ هارون اتأخر ولا أنا متهيألي؟! الساعة جت ١٠ وهو لـسه مرجعش .. أنا قلقـانة عليه .
خفضت هيام صوت التلفاز :
-هو قال هيعوق هبابة يا ليلة .. خشي نامي أنتِ .
-لاطبعا مش هعرف أنام وهو لسـه برة ..
ثم جذبت هاتفها بلهفة :
-أنا هكلمـه ..
جرت المكالمـة فكان صوت رنيـن هاتفه بالخارج ومع أصوات المفاتيح هبت متحمسة وهي تقترب من الباب :
-أهو جيـه .. هقوم افتح له ..
ما فتح الباب فوجد قمرها ساطعًا أمامه .. تبسم بهدوء:
-دانتي حارسة الباب !!
تنهدت بارتياح وهي تعاتبه بصوت متهدج:
-كنت مستنياك .. قصدي كُنت فين كُل ده !! قلقت عليـك .. أنت كويس ؟!
دنى منها وأصابعه تعزف على جدار رقبتها تحت مظلة شعرها بلمسات حنونة طابعًا قُبلة طويلة على وجنتها سرت بها قشعريرة مباغتة وهمس :
-اتوحشتك ..
رفعت جفونه بحياء:
-وانت كمان ووحـ
ثم تراجعت إثر مجيئ هيام لهما، وهي تقول:
-هارون حمدلله على سلامتك ؛ أخيرًا چيت تعالى عاوزاك ..
أحست ليلـة بثقل وجودها بين الأخوة فأتبعت قائلة :
-أنا اطمنت عليـك، هروح أنام بقى .. تصبح على خير ..
رمى مفاتيحه على الطاولـة بفتور وقال بصوت ماكر :
-متناميـش ، چايلك …
أومأت بخفوت وهي تفارق عينيه ببچامتها السوداء القطنيـة التي تبرز تفاصيلها الفاتنة لقلبه ، ما وصلت لباب الغرفة فأرسلت له ابتسـامة خفيفة ثم قفلت الباب بهدوء ، وقفت خلف الباب تتحسس نبض قلبها المتسـابق ، تتذكر تفاصيـل قُبلته الساحرة التي كانت هنا ، في أحد أركان الغرفة تحديدًا ، تتذكر حالة قلبها الخاضع لأوامره ولا يجادله أبدًا ، شعور ما يتلهف المزيد من لمساته الحنونة .. تفتقد الساعات التي تغرب شمسه عنها .. تسارع الادرينالين بصدرها وهي تركض أمام المراة تتفحص هيئتها وتتساءل هل هي مناسبة أم لا !! هل ستعجبه أم لديها الأجمل .. أمسكت بحمرة الشفاه القوية ورسمت ثغرها كدعوة صريحة منها لتراوضه على القُبل .. أخذت تتأمل هيئتها مع الحمرة الطاغـيـة فأحست بالخجل الشديد وهي تسحب منديلًا مُبللًا وتمسح شفتها :
-أيه الجنان ده !! ليلة عيب كده !! أنتِ شاغلة بالك ليه .. واللون ده كمان بيعصبـه .. أف !! ده مش بيتمسح ليـه !! أنا أنسب حل أنام .. أنام قبل ما يجي ..
-"وبعدين يا هيام "
بعد ما انتهى من ارتشافه للماء بالمطبخ وأخته تتلو على مسامعه أخبار البلدة وأهلها التي يعرفها جيدًا أردف جملته الأخيـرة بملل ، فأعقبت :
-هارون عقولك البلد مقلوبة قلـب وكله قايد في بعضه وكانوا مستنينك الليلة .
رد بهدوء لا يتناسب مع ثورة أختـه:
-عارف!!
-عارف يا هارون وعشان كِده لغيـت السفر وأچلته لصُبح! …
ترك الزجاجة من يده جاهرًا :
-عشان مش هارون العزايزي اللي يمشي تحت طوع حد يا هيام .. وهاشم أخوكي ديه حسابه لما انزله ، المهم ولده زين دِلوق !!
فاض صبر هيام من. تصرفات أخوتها العبثية:
-عليا النعمة صفية لو جرتلها حاجـة هتبقى من تحـت راسكم !! حرام عليكم يا هارون أنتَ وهاشم .. الست طافح كيلها ..
-هيام خشي نامي ..
-هنام كيف وكل النصايب دي مستنياكم ..
عارضها ساخرًا :
-وسهرك هو اللي هيحلـها يعني !!
-يوه يا هارون .. مش وقت مِقلدة أنا هموت من خوفي عليكم وأنتَ ليك نفس تهزر .. أقولك روح شوف مرتك أحسن لك وسيبني في حالي ..
رفع حاجبه وكأن الفكرة راقت له:
-أهو ديه الحديـت الموزون ..
ما خطى خطوة فتراجع :
-دكتور عمار لو رن تاني مترديش وتقوليـلي… سامعة!
هزت رأسها تحت صدى خفقان قلبها وبثرثرة عفوية :
-لا والله هو مرنش من ساعتها ، وطلع محترم وعيفهم في الأوصول ، أو شكله طفش لما وقفته عن حده.. متخافش يا أخوي أختك بمية راچل وو بس هو بعت رسالة وقال اسف وانا بردو والله ما رديت ، تحب تشوف محمولي .. ولاا هارون خلاص مش هچيبلك سيرته تاني انسى .. ديه باينله غلبان مش هنعملو عقلنـا بعقـله وو
ربت على كتف أخته وهو يقبـل رأسهـا :
-روحي نامي يا هيام الله يهديكي أنتِ وأمك عليّ ……
تعلم أن للنجوم طريقةٌ مميزة في النوم دونَ إساءةٍ لليل ، قد تسهر نجمةٌ وتنامُ أخرى كي يظلَّ الضوءُ في ميزانه تجري الملائكةُ الصغارُ وتفتح الآفاقَ
ثمةَ سهرةٌ تضفي على نوم النجوم …
ما سمعت صوت خطواته يقترب من مدخل الغرفة ركضت محتمية باللحاف الأبيض .. قفلت جفـونها وشدت الغطاء فوقها وهي تنتفض من شدة الحُب واللهفة .. فُتح الباب فوجدتها تتكور تحت لحافهـا التوى ثغره بابتسامـة خفيفـة وقفل الباب بهدوء .. شرع في التفتيش عن ملابسه على الضوء الخافت وهي تراقبه بأعين متلصصة تحت الغطاء .. انتظرت حتى أخذ حمامه الدافئ وخرج ليُكمل ارتداء ملابسـه بالخارج حتى انتهى به الأمر لارتداء ملابسه الرياضية السوداء كانت تتأمل تقاسيم صدره الأشبه بلون حبة القمح القاتمة وتفاصيله التي حركت كل ساكن مجهول بداخلها .. قفل هاتفه المكدس بالمكالمات التي لم يلتف إليها ونزع نعله وهو يتأهب للنوم بجوارها .. ما أحست بقُربه فوثبت كالملدوغة من مكانها ، فسألهـا :
-هو أنا مش قولت استنيني متناميش !! من أولها عتكسري كلمتـي!
فزعت والخجل يكسوها متأهبة للذهاب :
-نمت .. قصدي منا صحيت اهو ، أنتَ صحتنـي خلاص .
تبسم لتشابك كلماتها مع تيـه نظراتها التي حيرته :
-استنى .. على فـين ؟!
بدّ الارتباك على ملامحها وهي تشتت أنظارها المتراقصـة عنـه وتهز كتفيها بخجـل:
-ولا حاجـة ، هسيبـك تنـام في السرير ؛ لوحدك ، هترتـاح أكـتر .. وو
ثم حانت منهـا نظرة خاطفة نحو كفه القابض على معصمهـا :
-أنتَ ماسكنـي كـده ليـه !! هارون بتـوتـر والله ..
تراقص حاجبـه بإعجـابٍ وبنظراته التي تُربكـها أكثر :
-أيه متوترك !!
ليـلة بتردد وهي تجلي حلقهـا مرات متتاليـة :
-أنتَ ، أنتَ بتوتـرني .. هيام ؛ هروح اطمن علي هيام … هي لسه صاحية مش كده .
التقـط حقيقة هروبها الطفولي منـه وقال بهدوء مشاكس:
-هيـام نامـت ، وأنتِ كمـان لازمًا تناميلك هبابة قبل ما نسافروا الصبح ..
-منا هنام ، لازم أنام ، بس أنام فيـن وأنت هتنام هنا فـ السرير ؟!
رد هارون بتريث:
-في حضني !! أومال هتنامي فين يعني ؟!
كتمت أنفاسها بكلا كفيها وبرقت عينيهـا بذهول:
-احيه !! لا طبعا عيب؟! أيه حضنـك ده!! مفيش الكلام ده .. انسى .. يالهوي!!
تمددت ملامحه بدهشة :
-ياصبـر الصبر !! على أساس كُنتِ مبرطعـة في حضن مين ليلة إمبارح !!
أحمر وجهها من شدة الخجل وانفجرت مثرثرة بوجهه :
-ايه!! يعني ايه مبرطعة دي!! لالا انتَ لازم تفهم إني لسه زعلانة واللي حصل امبارح كان لظروف خاصـة وأنت .. أنت أصلًا ضحكت عليا وأخدتني فـ حضنك بالأونطـة وو
احتدت نبرته :
-ليلة ؟!
بنظرات أرنب مذعور :
-نعم والله ..!
شبح ابتسامة خفيفة ظهر على شفته وهو يجذبها لحضنـه برفق و يتخذان وضع النـوم معًا :
-حلوة الأونطة مش كِده !!
اندس نصف وجهها بصدرها وهي تبتلع ضحكتها التي يدثرها بالغطاء فوقهـا بحنان ذاخر ، فمـا تلاقت ملامحهم المدججة بالحُب الثائر بينهمـا ، تراقصت جفونها وهي تحاول التملص من قبضتـه لتهب مقيمة خيمة شروطها :
-خلاص هنام في حضنك بس بشروط ، الأول تكون مؤدب وأكيد فاهم أقصد أيه ، ومتبصليش كده بعنيك الحلوة دي وتوتـرني أقول لك غمض عينيك دي خالص ، ثانيـا ، ممنوع اللمس …
-ودي تتعمل كييف يا فالحة !!
-خلي أيدك جمبك يا عمدة ، سهله أهي ..
-أومال هعمل أيه؟!!
ثم فزعت من مكانها وأكملت بدلال وهي ترفع سبابتها بوجهِه :
-هحكي لك حواديت ، تسمـع ؟!
اتخذت من ذراعه مسندًا لرأسها وعينيها تتأرجح في كُل الاتجاهات حتى استقرت على خاتم يدها :
-الخاتم حلو أوي كل شويه ابص له وابتسم .. لايق على أيدي صح !!
بلمسات طريفة من يده تدرك هدفهـا جيدًا تتنقل هنا وهناك لتحدث بها عواصف وعواطف جمـة خاصة بعالمهما الفريد .. كانت تنهيداته كالريح الخفيفة لا يود إغراق السفن بل يود النجاة على متنها ، تغلغلت أنامله بين خصلاتها بحنو وهو يتأمل طريقة نطقها للكلمات وهي تتاظره قائلـة :
-أنتَ عارف أن شهرزاد هي اللي عرضت الجواز على الملك !! كانت حجتها عشان تنقذ بنات القريـة من ظُلم الملك اللي خانته مراته وقرر ينتقـم من كل البنات اللي هيتجوزها .. بس اللي الناس متعرفهوش بقا .. أن شهرزاد كانت معجبـة بالملك من زمان كان هو فارس أحلامها، وبقوته وذكائه ومع أول حجة ليهـا استغلتهـا وعرضت عليه الجواز …مش سهلة شهرزاد بردو ..
أنصت لهـا باهتمام وهو يداعب ملامحها :
-وبعـديـن ، والملك وافق على طول كِده !
تململت في حضنه بخفة وهي تتأمل خاتمه بأصبعها :
-شهرزاد كانت جميلة أوي يا هارون .. كل الرجالة كانوا بيتنافسـوا عليها ، وأول ما شافهـا الملك وقع في غرامهـا ..
ثم عضت على شفتهـا التي سقاها برحيقه من قبل ورفعت جفونها لعنده :
-الجمال هو الفخ الحقيقي لأي راجل مايقدرش يرفضـه أبدًا .. أنت نفسـك آكيد قابلتك بنات حلوين واتمنيتهم ..
مسك كفها المُزين بخاتم زواجهـم ووضعه جهة قلبه قائلًا :
-أنا ما قابلتش وماتمنتش غيرك ..
-والله العظيم ولا بتسرح بيا !!
أصابتهـا رعشـة الخجل والحُب معًا وهي تتأمله بنظرات انبهار :
-مش قصدي ، تعرف أول مرة أحس أن مامتي داعية لي!!
تمتم بسره:
-وايه لازمتها السيرة العِكرة دي!!!
-بتقول أيـه !! مسمعتش ..
ثم اعتدلت من نومتهـا بنصف زاويـة ومازال كفها مستندًا على صدره :
-أحنا مش كنا هنسافر قنا الليلة !! غيرت رأيـك ليـه ؟! أحلام وحشتني وهيثم و
تعانقت الأعين كما تود قلوبهما أن تسبح في فضاء الحُب ، رفع صدره على الوسادة وهو يقبض على كفها ولا يود أن يفارق مكانـه أبدًا ؛ وقال ممازحًا :
-ماليش ، قولت أسرق من الزمن ليلة زيادة في حُضنك ..
اهتز قلبها من اعترافه الصريح :
-بجد.
ثم تجرأ كفه ليحتل خصرها المتقوس ليثير بها غرائز حبـه وأتبع :
-مش ضامن اللي مستنيني في البـلد ..
خفق قلبها برعب:
-هارون متقلقنيش .. أنا كل ما أحاول افكر بس في اللي ممكن يحصل بتجنن ، ممكن أطلب منك طلب …
-أنت تؤمري ..
سحبت كفها بخوف من المستقبل :
-بلاش نعرف حد أننا اتچوزنا ، أنا فعلًا كنت معترضة الأول أني أكرر غلطة رغد ، بس هستفيد بأيه لما النـاس تعرف وتروح مني .. بص خلاص خلاص أنا موافقـة والله هقضي عمري كله معاك في السر بس بلاش تروح مني … أنا مش عايـزة أخاف ..
اعتدل من اتكائه جالسـًا وهو يلمس تفاصيل وجهها بحُرية ويقول :
-وأنا مش هعيش عمري كله معاكِ غير في العلن ، مش هارون العزايزي اللي يدارى في حضن واحدة وهو خايف ، أنا أخدك في حضني قصاد الكُل ومحدش له حق ينطُق كلمة في حقنا ..
تشبث كفها بعضلات ذراعه الأيسر بتوسل :
-هارون ، متقلقنيش…عشان خاطري بلاش حتى وضع مؤقت تمام ، وأنا والله مش هضغط عليـك ، بس المهم أن آخر كُل ليلة اتونس في حضنك حتى ولو فالسـر والله راضيـة .. أنا خلاص فكرت.
-فالسـر والعلن وكُل الأحوال أنتِ مرتي يا ليـلة ..
اعتدلت في جلستها وهي تضم رُكبتيهـا صدرها وتستند بذقنها عليهما وتُقر معترفـة :
-تعرف أن الجواز كان فكرة مرعبة أوي بالنسبة لي .. كان الكابوس اللي كل فترة أهرب منه أو أأجله .. بس معاك غير .. هارون أنا مش خايفـة من حضنك ومش متهابـة وأنا مستغربة ، أنا أزاي كده .. هو مش طبيعي أبقى خايفة ومخضوضة !! لا أنا نفسي العُمر كُله يفوت وأنا معاك وأفضل باصة لك كده ..
ثم أشاحت بأعين قطة لا يليق بها الهدوء في فناء المشاعر :
-برغي كتيـر !!
ثم قاطعته بعفويتها :
-تعرف أني عمري ما حسيت بشريف ده أنه هيبقى چوزي وو
تحول الرجل المدجج بالحب أمامها لثور هائج عند ذكرها لاسم رجل مثله ، جحظت عيناه بحدة أرعبتها :
-الاسم ديه تمحيـه من نافوخك وو
لم تتحمل البقاء أمام نظراته العاتيـة أكثر ففزعت راكضة :
-هو أحنا مش صحاب وبفضفض عادي .. هارون متبصليش كده وو
-لا أنا رجل صعيدي ومخي ديه قفل مصدي …
لحق بها متبعًا خُطواتها بآخرى واسعة :
:
-أنتِ متعرفيش تتمي حاچة عِدلة لآخرها واصل !!
احتمت بظهر المقعد الخشبي تتوسله :
-والله آخر مرة مش قصدي .
حاول الإمساك بها ولكنها فرت كالأرنب من قبضته ضاحكة :
-هارون اخر مرة بقول لك ، خلاص والله انا اصلًا معرفتش حد بالاسم ده لا شريف ولا شهاب ولا شـ
هجر والغيرة تكسوه وهو يشـد حزامه الجلدي :
-شكلك مش ناوية تفوتي ليلتك ..
هبت صارخة والضحكة تتقاذف فوق ملامحها:
-يخرب عقلي أنا بصلح ولا بعُك ، خلاص يا هارون سيب الحزام ده أنتَ هتعمل عقلك بعقلي .. عيلة وغلطة أيه نموتها !!
لف الحزام الجلدي حول خصرها ليجذها إليه بغتة مُطلقة صرختها بصدره محاولة الهرب منه :
-أنت بتغش والله .. هارون بقا …
برقت عيناه محذرًا :
-تنسي الرجالة العرة دي كلها من نافوخك ، بصي افقدي الذاكرة العِكرة وهركبلك واحدة جديدة وبورقتها .. ذاكرة مكتوب فيها هارون العزايزي وبس ..
فرت من قبضتـه راكضة لتصعد فوق الفراش من جديد :
-خليك أوبن مايند شوية.. متقفلنيش منك …
رمى الحزام من يده وهو يعض على شفتيه متوعدًا ويراقب هيئتها المرحة وهي تتنقل هنا وهناك كالفراشة التي تسود الجمال على المكان ، حاول أن يمسك كفها ففزغت صارخة فاختل اتزانها لتقع فريسته في مصيدته :
-هتهربي تروحي فين يعني!!
مددت في منتصف فراشهما وهي ترفع قدميها وتضمهما لصدرها وقدميها يتحركان بالهواء صارخة بأصوات يعُمها الضحك مُعلنة هزيمتها وعيناها تتراقص نحوه :
-والله بهزر .. خلاص بقا أنتَ كسبت..
نصب أعمدة خيمته حولها وباتت أسيره لمرفقيه اللاتي يحاصرونها من اليمين واليسار ، تحت سطو نظراته المالكة .. كطاووس يحمي عصفورة من غدر المناخ .. تعانقت الأعين فانخفض صوتها وبجزل طفولي تترجاه :
-بهزر ، سوري مش هتتكرر تانـي عمري ..
بتبرته التي يرتد أنفاسها بوجهها :
-لو سمعتك بس جبتي حرف الشين على لسانك هتزعلي ..
-وههون عليـك ؟!!
احتدت نبرته :
-ليلة …..!!
اربكتها أنفاسها ونظراته التي لا يفصلها إلا مبادرة منه
-هارون موترني .. خلاص والله .. مفيش ..
رفع حاجبـه مؤكدًا :
-مفيش أيه ؟!
ردت بدهاء:
-مفيش غيرك أصلًا .. هارون بيـه العزايـزي .. حافظة أنا أهو .
أرضت غروره كي تنجو من فخه المنصوب فسقطت عيناه على سُرة بطنها المُتعرية ، وحمُرة شفتها التي تحرشت بغرائزه ، تنهد مؤكدًا :
-ولو غلطتي تاني …؟!
-أحيــه !! ليـه وأنا عبيطة !! حرمت خلاص .. وعد آخر مرة ..
كلمتـها الأخيرة بدلالها المُفرط وأسلوبها في التغنج تحت يده مفعولهما كالسحر على رجل مثله بدون أي بوادر مُعلنـة أطبق قُبلته على شفتيها فكانت برقـة النسيم الذي لا يُثلج الجسده ولا يدفأه ولكنـه كافيًا لاشعال ثورة مجهولة من المشاعر .. من هول صدمتها بلعت صوتهـا لتتحول لقُطة راضخة لتلك المشاعر الغريبة التي تتسرب إليها .. قفلت جفونها لتذوب معه في عالم الخيال وهي ترخي سدول أعصابها التي تُقاومـه ، فكان كالفنان الذي يلون شحوب لوحته ببراعـة ، ما حرر ثغرها المتورم بهدوء لينقل لجدار الفاصل بين قبلها وثغرها ولت وجهها جنبًا مستسلمـة بمشاعر مدفونـة عنه تخجل بالإفشاء بها ، تمادى وتزايـد في نقش حبه على لوحتها البريئة حتى اشتعلت نيران حارقة بجسد تلك الطفلة التي تجهل تفاصيل ما وراء الحُب .. ظلت تكتم وتخفي بمشاعرها حتى فاض الدمع من مُقلتيها وهي تتمتم متحيـرة بين اللذة والألم :
-هارون ..
ما تلاقت أعينها الغارقـة في بحر عشقه الذي فجره للتو واكتشفته على دكة لمسته الخاطفة كادت أن تتفوه والعبرات تكسو وجهها وجسدها يتنفض تحت عينيه عاد من قصر الحُب متعجبًا لهيئتها العصيبة حيث باتت كالحمامة المذبوحـة تحت يده ترتعش وترتجف فسألها :
-مالك !
حاولت أن تبرر حالتها :
-معرفش .. انا متوترة شوية بس وو
ثم دفتعه متمردة على قربه لتهرب من احتلاله محتمية بالحمام بارتباك :
-انا هروح الحمام….
•••••••••••
~مرسـى علم .
ما تأكدت نجـاة من نوم صغيرها تسللت بخفة شديدة من جواره بعد ما طبعت قبلتها الحنـونة على رأسـه .. تركت النور الخافت بجواره.. سارت على أطراف أصابعهـا حتى غادرت الغرفة وقفلت بابها بحرص شديد .. تنفست الصعداء وهي تتوجه صوب غُرفـة رؤوف الذي ينتظرها على مراجل تحرق ، يقطع خطاوي الأرض ذهابًا وإيابًا ، تنهدت بارتباك شديد وهي تدق باب غرفته بقبضة يده والذي كان واقفًا خلفه ، على الفور فتح بابها مزفرًا بحماس :
-لو مكنتيش چيتي كُنت هاچيلك وو
جلت حلقها بارتباك:
-چعان أجهزلك وكل !!
شدها من كفها قاطعًا المسافة الفاصلة بينهما لتتوسد حضنه المتعري شاهقة وباليد الآخرى أحكم غلق الباب عليهما وهي يتنهد تنهيدة الوصول الأخيرة:
-آخيرًا…… !
•••••••••••••
~العزايزة .
-"نورتي بيتـك يابتي ، وخلي بالك من روحك من اللي في بطنك ، سلامتكم تعز علينا "
بغُرفة أحلام احتشد الجميـع حول رغد العائدة من المشفى ، زام ثغر صفيـة متراقصًا بضيق ، فتدخلت أحلام :
-سلامتك يا بتي .. يكش ما تشوفي مكروه واصل في حياتك ..
كان هاشم واقفًا بمحاذاة النافذة ينفث دخان سيجارته حائرًا في سُحب الفكـر خاصةً بعد انقلاب البلدة على أخيـه لمجرد إشاعة أطلقت عليه ، فتدخلت مزمجرًا :
-حچ خليفة ، أحنا هنسكتوا على اللي داير يتقال علينا في النچع !!
رد خليفة بارتياح خاصـة بعد عثوره على ورقـة رابحـة لتبرئة ابنه :
-سيب اللي يقول يقول وركز في روحك يا هاشم ..
فأكمل بحدة :
-كلم أخوك قوله يعاود وبزياداه قعاد في بحري.. وشوف رؤوف صاحبك خد البت وراح على فين ، قوله عاود يا رؤوف وبطل لعب عيال …
فأعقبت صفية بقهرة مدفـونة :
-ما خلاص ولادك مبقاش ليهم رابط يا حچ ، كل واحد مطلوق على كيفه وبكرة نقولوا ياريت اللي چرى ما كان …
تجاهل الحج عويلها ثم نظر لرغد :
-وأنتِ يابتي تؤمري بحاچة أشيع هيثم يچيبهالك ..
-ولا حاجة يا عمو ، ربنا يخليك .
دخل هيثم برفقة أخيه الشيخ هلال الذي لا يرفع عينيه من الأرض متحمحمًا :
-ألف لا بأس عليـكِ يا زوجة أخى ..
خيمت الحيرة على وجه رغد لتحدثه بالعربية و ردت مجاملة :
-شكرًا لحضرتك ..
فأعقب هيثم مغازلًا :
-سلامتك يا مراة الغالي .. وأم الغالي .. وو
فحدجه هاشم محذرًا ليبتلع بقية جملته :
-لسه ماقولتش حاچة غلط أنا .. بس ناوي أقول ..
زفر هاشم بضيق من داعبة أخيـه المُغايرة لأوانها ، فأتبع هيثم يزف الخبر لأبيه بفرحة :
-العزايزة ملهلبة برة على هارون ، هموت وأعرف الخبر ديه طلع منين !! ديه واحد مركز قوي معاه .. بس مش وِلد سويلم .
فأتبع هلال باختناق :
-هارون يرچع ولازمهم واقفـة من حديـد يا أبوي .. دول محدش هاممهم ..
-الكُل هياخد حسابه يا ولدي .. طول بالـك .
دخلت رقية حاملة بيدها مائدة معدنية بها أطباق صغيرة من الحلويات " كيك وبسبوسة" صنعتها بيدها وهي تمشي على مهلٍ فما دار هلال ووجدها حمل المائدة نيابة عنها معاتبًا :
-ما قولتيش ليه كنت چيت قَليتها بدالك ..
فعاتبتها أحلام بنُصح :
-يابتي متشليش حاچة تقيلة لتكوني حبلى .. بالعدل على روحك ..
تبدلت ملامح صفيـة بسخط :
-ضربتين في الراس يوجعوا يا عمة ، ماهي ناقصـة !! ناقصة نكد على راس صفية واللي چابوها.
وضع هلال المائدة على الطاولة متجاهلًا تلميحات أمه :
-بس أيه الچمال ديه كله يا رقية ، يسلم يدك ..
تقدمت رقية بحب وهي تحمل طبقًا من الحلوى وتمده لحماها قائلة :
-اتفضل من يدي يا عم الحچ ، يارب يعجبك .. تحب أعملك شاى جنبيه ..
أخذ خليفة الطبق منها بيده المرتعشة من الكِبـر وشكرها :
-شالله تعيشي يا بتي .. ناكلوا في الفرح .
ارسلت له ابتسامة مجاملـة ثـم ولت لرغد المستندة على الفراش ومنحت لها طبقًا:
-أنا عملت عشانك أصلا ، لازمًا تاكلي وتتغذي زين عشانك أنتِ واللي في بطنك . يلا خدي من يدي .
اعترضت صفية الجالسة جنبًا بحرقة :
-علموكي في المدارس اللي دخلتيها إنك تكبري الصغيرة على حماتها ..كان فين المُر دي يا ربي..
عارضتها رقية بخفـة تحمل نكهـة المرحٍ :
-مش أنتِ قولتي مش عاوزة حاجة لا من يدي ولا من وشي يا عمتي!! رچعتي في كلامك ليه ! ولا يدي ووشي بقوا حلوين دِلوق .
تمتم هيثم لهلال أخيه :
-مرتك عتحفـر قبرها مع أمك .. خش ألحقها .
ضربت صفية كف على الأخر وهي تراقب الأعين التي تحاصرها خافيـة ضحكها وقالت :
-مقصوفة الرقبة دي عترد عليّ الكلمة بكلمتها .. وربنا لو ما اتعدلت لأعدلهالك ياهلال .. دي عتكيدني!!
تحمحم هلال متدخلًا في خضم حوارهم متغزلًا بها :
-بيضاء رعبوبة ، بالحُسن مكبوبـة بالمسك مشبوبـة ، يقُال عنها ذات رقبة مقصوفة!! ماتديها نضارتك يا أحلام شكلٍ المقاسات عند أمي بعافية ولا تحبي تاخدي عيوني تشوفيها بيها يا أم هارون!!
-كفاية عليك أنت يا خوي !! نضارة الحُب متعوسة ، وأنا تعسة ولادي بالكوم .
همهمات من الضحك اندلعت من الأفواه لتقول صفية مغلولة:
-يلا أهي حمارتك العرچة تغنيك عن سؤال الكهين… اللي ما يعرفش يقول عدس …
ثم زفرت بقهرة:
-ياخيبتك في ولادك ياصفية، كل واحد وقعته أنقح من التاني، ياريتني چبتكم كلكم بنات وارتحت من همكم …. مالها البت مش فاهمة !!
ما بين أصوات ضحكهم المتعالي اقتحمت البومة مجلسهم وهي ترمي على رأسهـا الوشاح بعشوائيـة :
-ما تضحكوني معاكم ولا هي الوكسة والخيبة التقيل عتحط على زينة وبس ..
تأفف هلال وهو يقرب زوجته منه بلطفٍ :
-سلام قولًا من رب رحيم.
تهامست رقية مع زوجها :
-دايما عتعارك دبان وشها البت دي ..
-رقية ؛ دعك منها ومن شأنهـا ، ركزي معي .
-كيف منا معاك أهو ، بشتكيلك بس ، أنت نفسك لسه قايل سـ.
ضغط على خصرها بحرص لم يلحظها أحد ومن خلف فكيه المنطبقين تهامس:
-باقي الكيكة دي طلعيها الأوضة أنا لسه مكلتش ومن شكلها عاوز أكلها وكل هي واللي عملتها ..
همت فارحـة :
-و الله عچبتك ؟!
برق الغزل بعينيـه :
-هي عاچبني من زمان .. بس تحن هبابه لوچه الله وشفاعة بقلب عبده .
جلست زينة على طرف الفراش الذي ترقد فوقه رغد :
-بردك مش هتعرفوني مين الحلوة حتى نضايفوها ونقوموا بالواچب !! ما تقوليلي أنتِ مين ومالك ملمومين كلهم حوليكـي ليه!! دأنتِ لو چايبـة لهم ولي عهد ما هيحتفلوا بيكي إكده !! هي مين دي ياعمتي ..
كاد هاشم أن يقف لها فتدخلت أمـه واقفة أمامه :
-قولنالك ضيفـة وبعدين أنتِ سايبة اوضتك ونازلة ليه !! في عروسة تهمل أوضتها إكده..
فأتبعت ساخرة تشكو حالها :
-وهو عدم اللامؤاخذة فينـه العريس يا عمتي!! فينه اللي نقفلوا علينا بابنا وكافيين خيرنا شرنـا ..
ثم عادت ناظرة لرغد :
-وأنتِ مش هتقولي مين ! ولا زي المذيعة اللي چات مخولت راس الكبيرة وهچت !! ماهي نفس العياقـة والشخلعة !! ياترى راسمة على ميـن هِنه !! هاشم ولا هيثم !!!
أعقب هيثم ساخرًا :
-والله هيثم كان نفسـه بس چيه متأخر ..
حدجه هاشم بعنفوان فلحق نفسه هيثم قائلًا :
-ما تتمسي عالمسا يا زينة !!
ضرب الحچ خليفـة الأرض بمؤخرة عكازه آمرًا :
-يلا كُل واحد منكم يروح يشوف مصالحه مش عاوز حد يزعل ضيفتي .. وأنت يا هاشم تعالى عاوزك ..
فركت زينة كفوفها ببعض:
-ما تردي ياختي أنتِ مين ولا لسانك بالعاه القُطة !!
تأرجحت عيني رغد بذهول فهي لا تدرك كيفيـة التعامـل معهـا فتدخلت رقية قائلة :
-مش باين عليها عيانة ومفهاش حيل للمناهدة !! لا في دم ولا نظر أومال في أيه ؟! هموت وأعرف !! سيبي الضيفة ترتاح وحلي عن راسهـا يا زينة …
-حوش حوش، رقية أبو الفضل بقالها حِس وصوت منفوش..!!
تدخل هلال بحزمٍ وهو يمسك كف زوجته:
-يلا يا رقيـة ..
••••••••••
~القـاهـرة .
قرأت نصًا قديمًا في أحد الدفاتر الباليـة :
هناك أشخاص في الحياة يأتون كاعتذارات عن العمر المنسي، عن المتاهات والوقت الضائع، عن حماقات البشر، وقساوة الواقع.
فتشعر وكأنهم يمتازون بخفة لا توجد إلا فيهم، كـ نسيم بارد في عنفوان حرارة الصيف، أو كـ طيف دافئ في ليالي الشتاء الجميلة، كـ بلسم للزمن الجاف وكـ الرزق لسنين العمر العجاف.
ظلت تغسل وجهها حتى كاد أن يذوب حزنه من كثـرة الماء الفاتر وهي تغرق في عُمق المجهول وعُمق العالم الذي طلت عليه من بعيدًا معـه عالم رغم جماله إلا أنه مُربكًا للغايـة ، دق الباب بقلق لتأخيرها بالداخل :
-ليلـة !!
أخذت نفسًا عميقًا وهي تقفل الصنبـور وتدور لتفتح البـاب والخجل يعُم على ملامحهـا ، فما رأته تصلبت مكانها فتلهف مطمئنًا :
-فيكي حاچة !! متقلقنيش عليكِ .
بللت حلقها ثم اندفعت لحضنه كالغريق المتعلق بقشة النجاة وهي تقفل ذراعيها حول خصره كأنه شيء مهم لا تود خسارته أبدًا .. أخذ يمسح على رأسها :
-أنا معاكِ أهو هروح فين !! متخافيش .. چرالك أيه..؟!
ثم انحنى ليحملها بين يديه بدون مجهود يُذكر لخفة وزنها ، حاول التدقيق فـ ملامح وجهها ولكنها دفنته بحضه وهي تتعلق برقبته ، فأردف ممازحًا :
-كُل ديه عشان حِتة بوسة !! دانتِ قلبك خفيف قوي هتچمديـه ميتى !!
ضربته على كتفه برفق :
-هارون خلاص بقا اسكت وإلا ..
تحرك نحو فراشـه بهمـلٍ :
-ما بلاش وإلا دي محدش عيفرفر غيرك !!
ثم جلس على طرف فراشه وهمس معتذرًا :
-حقك عليّ و
رفعت جفونها بخجل :
-هارون أنا عايزة أنام لو سمحت ..
لبى طلبها بدون جدال وتحرك ليضعها بمكانها ثم انحنى هامسًا بآذانها :
-مش عاوز أشوف الخوف اللي شوفته ديه في عينك مرة تانيـة ، أنتِ مرتي ومحدش هيصونك قدي ومتخافيش مفيش حاجة هتحصل بينا غير فالعلن وكل الناس هتكون عارفـة .. هيتعملك أكبر فرح في مصر كُلها .
ثم غمز لها بطرف عينيه وأتبع :
-واعذريني أصلي أنا من الرجالة اللي بيغويهم الچمال ، قصادك حسنك ربنا يصبرني لغاية ما يچي اليوم دي..
ثم طبع قُبلته الطويلة بين حاجبيها :
-ديه وعدي ليكي.. وعد هارون العزايزي ..عايزة حاچة أبعت أجيبهالك من تحت ..؟
هدأت ضربات قلبها ولمع الحُب بوجهها وهي تمسك كفه طالبـة منه بدعوة أمان صريحة :
-هارون .. عايزة أنام في حضنك وبس .
•••••••••••
-هو هاشم عصبي ومتهور بس غلبان والله يابتي ، أقعدي معاه واسمعيـه .. يكش المية تعاود لمجاريها..
أردفت أحلام بنبرتها الحنونة وهي تربت على كتف رغد وترق قلبها على هاشم، فتراقصت العبرات بمُقلتيها:
-اتجرحت منه يا طنت ، ومامي مستحيل هتوافق، دي أصلا مفكرة إني كل ده فالبيت والطيارة فاتتني وو
هبت أحلام ناصحة:
-يابت يا عبيطة دي چوزك وأبو ولدك اللي چاي ، زعلانـة منه ربيه ولاعبيه لكن مش تقاطعيه، متزعلهوش لغاية ما يهج من عشك ..
ردت بضيق:
-أنا مابقتش عايزة هاشم يا طنت خلاص.. أنا مستحيـل أسامحه مهما عمل …
ختمت جملتها بصوت الباب الذي فُتح على مصرعيه بعد ما تأكد من نوم سُكان البيت اقتحم غرفة أحلام التي هبت مفزوعة :
-يكش تاكل أمك !! ايه دخلة المُخبرين ديه !!
بدون أي مقدمات هجم على مرقدها واخترق حصونها وحملها متجاهلًا صرخاتها وتحذيراتها:
-هاشم أنتَ اتجننت !!بتعمل ايه؟!
حاولت أحلام أن توقفه عن فعله الجنوني ولكن أن انطلق سهم القلب من يرجعه .. حملها وغادر الغرفة بنظرات تحذيرة واتبع :
-رغد ولا كلمة !!
تهامست بحذر :
-هاشم نزلني !! أنت فاكر إني كده هسامحك !بلاش جو البلطجة ده خلاص مش هياكل معايـا.
رفع حاجبـه بحسمٍ وهو يتجه صوب غُرفته معاندًا :
-على أخر الزمن أن حد يقول لي اتعامل كيف مع مرتي!! ليه !!
-هاشم نزلني بقول لك مش خايف حد يشوفنا !!
وصل لغرفته وأنزلها برفقٍ ثم قفل بابها بالمفتاح حاسمًا أمره :
-وأدي الباب يا رغد ، مفيش طلوع من الأوضة دي غير وأنتِ فاردة بوزك …
-هاشم !!
-رغد !!
تحركت نحو فراشه واتخذت وضع النوم لتتجاهل وجوده تمامًا :
-ماشي، اتكلم مع الحيطان بقا وكسر ورزع مع نفسك ؛ أنا حامل ولازم أنا وارتاح …
زفر بامتعاض بعد ما أشعلت ثورة محرقـة بصـدره :
-رغد بلاش أسلوب العيال ده!! وكلميني زي ما بكلمك ..
تحدته بعناد كي تهرب من ضعفها أمامه ورضوخها الواقع لا محالة رغم مصائبه الفادحة:
-أقفل النور يا هاشم ….
•••••••••••••
~صباحًا …
ضُبت الحقائب وعُزم أمر الترحال وبعد محاولات متعددة بإقناع ليلة بالعودة معه يومين لا أكثر وافقت على مضضٍ ، خرج من مدخل العمارة فكان العم حسن بانتظاره، سلم عليه وشكره وأرجع له مفاتيح شقة ابنه ، ساعد العـم حسن هارون في وضع الحقائب بمؤخرة السيارة ، اعترض هارون على مساعدته وحاول اعطاءه بعض النقود الورقية ولكنه رفض قطعًا وقال موصيًا:
-ليلة بنتي يا ولدي ، أمانة عليك خلي بالك منها البنت ملهاش غيرك دلوقتي.
-في قلبي وفي عيني والله يا عم حسن والله، اطمن ..
رن هاتف العم فاستأذن ليجيبه وأكمل هارون تجهيز سيارته للانطلاق للعزايزة .. جلس على مقعده الأمامي يفحص بنزين السيارة التي حتمًا سيملأها قبل أن يتحرك ففوجئ بفوهة سلاح مصوبة نحو رأسه وصوت شريف يصدح من ورائها قائلاً :
-مش بالسهولـة دي يا عزايزي …..
رواية آصرة العزايزه الفصل السادس 6 - بقلم نهال مصطفى
رواية اصرة العزايزة الجزء الثاني2الفصل السادس6بقلم نهال مصطفي
"ونهجـو الحُب بغير ذنب"✨
"بعد فتـرة من الوقت ستدركين أن حبيبك الذي فارقـك لم يكن المناسب ولولا تمرد قلوبنا الحمقاء لإقناعنا بذلك ..
سيعلمك الزمان الفرق الكبير بين الإمساك باليد وأسر الروح والتمني بالبقاء..
ستقتنعين أن الحب لا يعني السند وأنه خانـة لا يلزم شغلها بصندوق العمر ، و أن الصحبة الكثيرة لا تعني الأمان..
أن القُبلات الشهية ليست عقودًا ثريـة ، وأن الهدايا ليست وعودًا حتمية بالبقاء، ستبدأين في تقبل هزائمك المتتاليـة برأسٍ شامخـة وعين لا ينكسر لها جفن الخذلان ، ستتقبلين كل هذا بتمرد امرأة صنعهـا الزمن لا بحزن طفل في أول مهده برحلة الحياة !! ".
2 ✨
••••••••••••••
-"مش بالسهولـة دي يا عزايزي"
فوهة سلاح يتوارى خلفها أعين تفيض بالشـر وصوت يزمجر بجملتـه الأخيرة ، رفع هارون جفـونه ببطء حتى رست نظراته على معالم وجه " شريف " المتقـد بشرارة الغضب .. لف مفتاح سيارته في الاتجاه المُعاكس ليبطل تشغيلها وهبط من سيارته بشموخ وهو يقول ساخرًا :
-وه !! هما لما شيَلوكم سلاح قالولكم ترفعوه في وش الخَلق إكده !! چرالك أيه يا حـ ظابط ..
بمسافة ذراعه الممتد والفاصل بينهما جهر شريف مستنكرًا :
-أحنا بنرفعوا السلاح في وش المُچرميـن وبس يا هارون .. وأنت كبيرهم .
رمقه بسخرية :
-البيـنة على من أدعى .. أثبت قولك وأنا تحت أمرك أنتَ والقانون بتاعك ، لكن ترفع سلاحك في وش مواطن معملش أيتها حاچة غير إنه داس لك على جرح ، بس واضح الجرح ديه طلع غويط وواعر قوي .. خايف عليك أنا .. هو الظابط أيه غير دبورتين وسمعـة ، وسُمعـة الوالد مقصرتش .. خاف عـ الدبورتين .
صرخ شريف بوجهه :
-بلاش جو الحنجلة ده يا عزايزي أنا حافظه وقوليلي ليلة فين .. أنتَ فاكر إنك تاخدها وهعديهالك ؟
-بصفتك مين ؟! هااه سمعني ، أبوها أخوها ولا وِلد چوز أمها ، قلعة محروق أبوك أيه أنتَ في حياتها علشان يهمك أمرها !
ثم طافت عينيه بالمكان إثر احتشاد المارة :
-داري سلاحك وحافظ عـ شكلك قِدام الخلق بدال ما أقل منك وساعتها محدش هيحلك من يدي ..
-أبويا متجوز نادية !
هتف لنفسه سرًا ، ثم تزحزحت يده التي تحمل السلاح ونظرات التحدي ممتدة بينهما فأكمل :
-أنت هتشتغلني ؟! اسمعني يا عزايزي ، أنا جاي أخد ليلة وهريحك ومني غدري العُمر كله برضاك غصب عنك وكله بالقانـون .. مش هتحرك من غيرها.
أطلق ضحكة ساخرة :
-ياابووي ، شغل مرازيـة ولوع وكمان بالقانون ؛ ديه كييفي .. وسكتي ، وطالما چايلي فيها يبقى اتلقى اللي هيجرالك مني .. وكله بالقانون .
ثم أخذ هارون السلاح من يده بهدوء ووضعه بكف شريف الذي يترقب دهاء هارون المعتاد عليه وهو يكمل :
-اللي أنت چاي عشان تاخدها ، تبقى مرتي ، خلاص متخصكش .. ولو حكمت عقلك وخدتها ، القانون اللي أنت فرحان بيه ديه ..هيرچعهالي ..
ثم دنى منه خطوة وأتبع :
-وبدال ما أنتَ إهنه چاي تاخد اللقُمة من خشم الأسد ، روح نضف ورا أبوك وحماتي الدكتورة نادية ، وأشرب لك كوباية شاي مع سچارتين إكده ولا اضربلك طلقتين في الچو يروقوا عليك عشان أنا ناوي ألبسهم الأساور قُريب .. وكله بالقانون يا حظابط ..
برقت عيناه :
-يعني أيه مراتك !! أنت ازاي اتجوزتها وو أنت لو فاكر إنك هتضحك عليا بالكلمتين دول تبقى غلطان و
قاطعه بحدة :
-اسمع يا واد أنتَ ، أنا راسي من رايقالك وفيها مليون حاچة .. واللي عندي قولتـه ، وتقدر تروح المركز تتأكد ، لكن چو المسايرة ديه مافاضلهوش ، ومرتي زمانها نازلة من فوق ، وبصريح العبارة مش عاوزها تلمحك ..
ثم وشوش له :
-هتعكرها ..
تدخل العم حسن الذي جاء راكضًا إثر احتشاد المارة وتوسل له :
-هارون بيه استهدى بالله ، وأنت يا بني آمشي دلوقتي وبلاش فضايح ..
تأرجحت عيني شريف مهزومين وقال رافعًا سبابته مهددًا :
-أنت اللي اخترت شري يا عزايزي .
تبسم في وجهه متوعدًا :
-أعلى ما في خيلك اركبه .. إلا هو خيل ولا حمار ؟! -ثم أطلق ضحكته -ورفعة السلاح ديه في وشي مش هعديهالك .
••••••••••••
~العزايـزة .
أربعة جدران أسرت الثنائي بداخلهم .. بعد قضائهم ليلة صامتة ، عزمت فيها رغد على السكوت، مهما وجه إليها من تساؤلات لم تنبس ببنت شفـة .. كان يدور حولها كالدبور ، تارة يرمى جملة اعتراضية على هذا الوضع ، تارة لمسة حنونة منه تحمل اعتذارًا .. تارة جمهرة عاليـة بصوت مرعد لجزعه من صمتها المبالغة فيه وعينيها التي لم تكف مدامعها ..
خرج " هاشم " من حمام الغرفة بعد ما اخذ حمامه الدافئ كان يصفف شعره بالمنشفة البيضاء ، حانت منها نظرة شوق اغتالتها بسيوف الوجع التي سددها إليها ..
دارت من مجلسها على طرف السرير ولمست أقدامها الحافية الأرض وهو تتفقد ظهره العاري ، بللت حلقها وقالت بنبرة خافتة :
-هاشم ..
ترك فرشاة الشعر من يده وأقبل نحوها ببسمة انتصار ، لأنه راهن بين نفسه على حبها وقال :
-وحشني اسمع اسمي منك .
أحست بالتوتر الشديد خاصة بعد جلوسها بجوارها وأخذ يدلل شعرها :
-ليه القسوة دي !! دانا كُنت بهرب من قسوة العالم ليكـي .. أول مرة ترفضي تسمعيني يا رغد !!
ثم فتح كفها وأخذ يداعب بلمسات خفيفة يعلم مدى تأثيرها على جفاء قلبها وأتبع بالصعيدي:
-وه ، هتهمليني أكلم روحي ويقولوا وِلد العزايزي اتدب من عشقه لحُرمة كيف القمر ..
ثم أخذ نفسًا طويلًا وهو يراقب انكسار ملامحها وأكمل وهو يدنو منها :
-بس أنا عِندي قول وفعـل .. ومش هقول لك تعالي في حُضني وهنسيكي كُل الوچع اللي سببتهولك .. أنا اللي هاچي في حضنك يا رغد وأطلب منك تنسيني قسوتك عليّ .. رغد!!
حروف اسمها كانت ممزوجة بالقُبل التي داعبت شفتها قبل أن تنالها وهي تفزع من جواره مضطربة :
-هاشم ، أنا حامـل ولازم أكل .. الجوع مش صح عليا وعلى البيبي ..
كان جالسًا بمعالم منكمشة تود تَفهم رفضها الصريح لقُربه خاصة بعد تركها لمخدعه وجلوسها على الأريكة وهي تكمل :
-وكمان مش صح أهل البيت يصحوا ويلاقوني عندك هنا .. لو سمحت بلاش فضايـح .
لقد نفذ صبره وثارت عواصف عصبيته :
-فين الفضايح دي !! رغد أنتِ مرتي ومحدش له الحق فينا .
صرخت عليه :
-مش مراتك يا هاشم .. وكل اللي يربطنا هو ابنك وبس ، لكن أنا مش مراتك .
تسابقت نبرته مع نبرتها :
-تمام يبقى الطفل ده ينزل ونفضها سيرة يا رغد ..
اتسع بؤبؤ عينيها الدامع وهي تردد :
-يعني أيه ينزل يا هاشم !! أنتَ عايزنا نقتل ابننا ؟
قضت نيران عصبيته على شطائر الود الدافئة بينهما ليقول بثورته العارمة :
-نقتله أحسن ما يكبر ويلاقي ابوه قاتـل جده ، أو جده قاتل أبوه .. أنت ناوية تجيبي عيـل تعذبيه في الدنيا يا رغد عشان أنانيتـك دي .. أيوة هي دي الحقيقة اللي لازم تفهميها .
من شدة الصدمة نسيت كيف يكون نطق الكلمة ، هزت رأسها يمينًا ويسـارًا وانخرطت العبرات منها وهي تدمدم :
-أنتَ بتقـول أيه ؟! أنت أزاي كده ؟! وأنا أزاي اتخدعت فيك كده .
رفضها لقربه كان بمثابة عود الكبريت الذي اشتعل في حقل غضبه ، واستنكارها حقيقة زواجهما كانت كاللغم الذي انفجر بوجههم ، فأتبع تحت دخان انفعاله :
-هو ده اللي عندي يا رغد ، العيل ده ينزل والقرار ليكي عايزة تكملي جوازنا زي ما أحنا يبقى من غير خلفة .
تكدس وجهها بمعالم السخط :
-هاشم أنا بكرهك ..
ثم ابتلعت لعاب حزنها وتحدته :
-وأنا مش هنزل البيبي ده ، مش هقتل ابني زي ما أبوه عمل وقتل أمه ألف مرة .. أنتَ أناني يا هاشـم ..
ثم جهرت بنفور :
-وافتح الباب ده عشان أنا مش طايقة أبص لك .. أفتح الباب يا هاشم .
وقف أمامها متحديًا :
-ده آخر كلام عندك ، تبيعِني وتبيعي حُبي ليكي عشان حتة عيل لسه مفتحش عينيه على الدِنيا !!
بنظرات الخزى :
-وابيع الدُنيا كلها ياهاشم عشان ابني .. حُبك الأناني ده مبقاش يلزمني ولا أنتَ تلزمني بعد النهاردة .. كلامنا انتهى ..
هز رأسه معاندًا :
-أنتِ اللي اخترتي ومتلوميش غير روحك .
•••••••••
~بغرفـة هلال .
بعد ما قرأ ورده الصباحي المكون من صلاة الضُحى ثم سورة يس وأذكار الصباح تحت شعاع نور الشمس المتسلل من النافذة كي لا يزعج فتاته النائمـة ، فارق سجادة الصلاة ثم توجه لطبق الحلوى التي صنعتها ليلة أمس .. أكل قطعة صغيرة ثم ألقى نظرة خاطفة نحو الفتاة المتكورة تحت الغطاء وهي تتململ بهدوء وترفع اللحاف من عليها كالقطة السيامي ، انطلقت منه ابتسامة خافتة وهي تقول :
-صباح الخير يا مولانا .
أسر في نفسه لقبه الذي يبغضه منها ، فهي الوحيدة الذي يحرم عليها ندائه بكافة الألقاب المتاحة للعامة وقال :
-صبحك الله بالخيـر يا مولاتي .
تبسمت :
-أنتَ بتچيب الحديت المذوق ديه من فين نفسي أعرف!
-حقيقي ألا تعلمـي ؟!
باهتمام :
-لا والله معرفتش ؟!
جلس " هلال " على طرف الفراش وهو يقول :
-أن قلب المُحب ترزي .
رفعت حاجبها باستغراب :
-ترزي ؟! يعني أيه ؟!
أصدر صوت إيماءة خافتـة وهو يقول :
-يمكنه حياكة كل الكلمات الجميلة بالحياة لثوب يتناسب فقط مع من يُحب .
أخفت معالم وجهها المبتسم بطرف اللحاف وهي ترفعه من عليه لتهرب من سطو نظراته اللامعة كالعادة :
-والله أنت فايق ورايق على الصُبح .
أمسك كفها كي يمنع مغادرتها ليقول بالصعيدي :
-ولما أكون فايق ورايق ديه يزعلك في أيه !! لا وقفي عندك وبطلي حبوب النكد اللي بتتعاطاها كل الستات دي !
وضعت كفها بخصرها :
-الله الله !! وأنت عرفت طباع كُل الستات منين يا مولانا ؟! قول قول .
حك ذقنه ليخرج من المأزق الذي ورط نفسه بهِ :
-من صفية طبعاً.. مش بتشوفيني تملي عقولها يا ست الكُل .. والكُل دول أيه غير ستات ؟!
-لا يا شيخ ؟! أنت فاكرني عيلـة صغيرة عشان يخش عليها الكلمتين دولت ؟ أوعى إكده من قَصادي.
منع طريقها بقامته العالية ممازحًا :
-وليه متصدقيش ؟! بالله ما كذبت .
-قول كلام يتصدق الأول .. وبعدين أنتَ عايز أيه دِلوق .
ضحك بدون صوت وهو يملأ قلبه من ملامحها المكتظة :
-عايز أقول لك أن عيني ماوعيتش على ستات قبلك ولا هتشوف بعدك .
-يعني مش عتفكر فـ كلام خالتي صفية وتقفل الشـرع يا مولانا !!
عقد حاجبيه مرتديًا قناع الجِدية :
-في حالة واحدة بس ، أشوفك غيرانة عليّ إكده لآخر عمري ؟!
أحست بالتوتر وهي تود الهرب من أمامه:
-غيرانة !! مين دي اللي غيرانة !! مفيش من الكلام ديه !! قال غيرانة قال !! لا مش غيرانـة وهغير من مين !! وو أنا عاوزة أعدي .
بمعالم وجهه الضاحكة على عبثها أمامه سألها باندفاع :
-رقيـة ؛ هو الواحد بيتچوز ليـه ؟!
ثم تحمحم موضحًا سبب سؤاله :
-أصل عيل صغير سألني السؤال ديه وأنا راجع ، فقولت أسألك أرد عليه أقوله أيه .
ردت بدهاء :
-رد على بالشرع والدين يا شيخنا ..
سألها بتخابث ليصل للجواب الذي يفتح له طريقًا لقلبها :
-وأنتِ عارفة الشرع والدين عقولوا أيه ؟!
-هاه!!!
صوت خبط شديد على الباب ممزوجًا بصياح " صفية " وهي تنوح كالغراب :
-أنتِ يا عروسة الهنا ، قومي ياختي بزياداكي نوم .. نموسيتك كحل .
هرول هلال ليفتح الباب متسائلًا :
-جرالك أيه ياما !! مالك ؟!
ضربت على كفوفها:
-أبوك مشي كل الشغالين في البيت ، وأناي بطولي مقدرش أشيل حِملكم أنتوا وحريمكم ، قول للغندورة اللي چوة تنزل تاخدي بيدي في شغل البيت .
وضع في موقف حرج بين أمه وزوجته فقال :
-رقية مش مسئولة غير عني وشوفي اللي مطلوب من رقية وأنا هنزل أعمله مكانها .
-وه ، وانا اللي مدعي عليّ اشيل مسئولين خمسين نفر!! كان فين الچلع المريـق ديه !
تدخلت رقيـة :
-لالا ، خالتي صفية معاها حق ، أنا هنزل أخد بيدها .
ربتت على كتف ولدها :
-أحنا مش قانيـن الحريم للسرير وبس يا كِبد أمك .. ودي لا نافعة ولا شافعة !! أنا مِش عارفة المسخوطة دي عاچباك في أيه !
توترت رقية لتفر هاربة من حديثهم :
-هغسل وشي وانزل وراكي يا خالة متزعليش روحك .
انصرفت صفية متجهة نحو غُرفـة زينة وقفل هلال الباب مناديًا علي رقية:
-رقية أنتي مِش مُجبرة تقومي على خِدمة حد ، أقعدي ارتاحي وسيبي أمي عليّ.
ردت بتقبل:
-وليه المشاكل وخوتة الراس !! منا فاضية أهو مش هخس يعني لما انزل أخد بيدها .. سيبني انا هعرف اتعامل مع خالتي صفية وركز في شُغلك وبس .
•••••••••••
~دوار الجـباس .
كيف نقول للذين يراقبوننا عن بُعد ويحسدوننا على النعم الظاهرة و على حياتنا أن حول قلوبنا هالة سوداء كبيرة، كيف نخبرهم أنّهم لو عبروا هذا الطريق الحالك لوصلوا إلى مفترق طرق مشتتة لا يمكن عبورها إلا بعد محاولات كثيرة قد ترهق إعجابهم بنا ، قد تُحرك جفن الشفقة لا جفن الحقد واستكثار النعم !!
كيف يمكن أن نقول لهم أنّنا نحافظ على ملامحنا الضاحكة كقناع لإخفاء الحزن الساكن بنا لا أكثر ؛ بل نكره الحزن بقدر ما بتنا بهِ ، نقابل ضيف الحزن الثقيل بالتجاهل لأننا نخاف نقتل سنوات العمر في كنفه أو كمحاولة لطرده .. كيف أخبرهم أن السعادة الحقيقة لم تكن بالمظهر ، بل المظهر خدعة سحرية تخفي معالم آلآم مدفونة بصدورنا .
اقترب الخادمة صاحبة السبعة عشر عامًا نحو " نغم" الجالسة بحديقـة البيت لتقطع حبال شرودها وتسألها :
-تؤمري بحاچة تشربيها يا ستِ نغم .
ردت بعرفان :
-لا ما عاوزاش ، تشكري يا نجمة .
-طب لو عوزتي أيتها حاچة نادميني طوالي ..
ما كاد الرد يفارق فمها ، فسبقها صوت زمجـرة فارس من الخلف بعنفِ :
-نچمة ، تعذبيش روحك ، الست نغم لما تعوز حاچة هتقول تعملها لحالها ، أنتِ أهنه في خدمة بتي وبس .
زفرت " نغم " بتأفف ووثبت لتواجه التيـار منتظرة ذهاب "نجمة " لتردف قائلة :
-معاك حق يا وِلد عمي ، أنا مش هضايف في بيتي !! مش ديه قصدك !
ألتوى ثغره بضحكة ساخرة :
-ااه بيتك !! وبيتك ديه افتكرتيه ميتى !! هاه ، ردي ؟! ولا تحبي أرد أنا عليكي يا بت عمي ؟
خيمت الحيرة فوق ملامحها :
-أنا مفاهماش بحديتك ديه تقصد أيه !
-لا أنتِ فاهمة زين ، بس شكلك ناسيـة ، ناسية وقرايكي من عشر سنين يا نغم .
فارت دماء عروقها بضيق لتجيبه بهدوء عاصف:
-وأيه اللي قريته وأنا ماعارفاهوش على روحي يا فارس ؟!
دنى منها خطوة بعينيـه فيض الحب الذي يتوسل لقلبها أن ينفي تلك الحقيقة وهو يقول بمكر :
-قصدي إنك مفتكرتيش بيت عمك وأبوكي غير لما وِلد خليفة اتچوز ، فكرك مختوم على قفاي أنا ومقاريش حُبك لهارون ومن وأنت عيلة رايحة المدرسة .
غرز خنجر الحقيقة المؤلمة التي تحاول ان تنكرها مع كل صباح يوم جديد ولكن لا مفر منها ، لقد جرحنى الطريق التي ركضت إليه بحب، لذلك انا اليوم امشي لكل شيء على مهل و بترويّ تام، كما لو أنني أحاول أن أُغيض الأيام .. قفلت جفونها ثم فتحتهم مرة ثانية وهي تقول بتريث :
-أنت صح ، وقريتني صح ، أنا عاشقة هارون ومش بيدي يا وِلد عمي ، بس يحرم عليّ من اليوم اتكتبت فيه زينة على اسمه .. هاه اتأكدت ، عرفت إني چيالكم هربانة من وچع وأنت مستقبلني بوچع ، قول لي أنتَ المفروض أهرب من كل ديه وأروح على فين .. ماني اللي عشقته ما حسش بي عشر سنين .
-""ولا أنتِ حسيتي باللي عشقكك من أول يوم في عُمرك ""
همس قلبه سرًا باعترافه الازلي بعشقها ، بملكيتها للدرجة التي فرط بها كي تكون مع من أحبت ، تمنى ولو أنها تنال حبها ليوم أهون من أن يرى هذا الكم الهائل من المواجع يروحها ولا يستطيع مداوته .. قطعت سهوته وأكملت راجية :
-طلعني من راسك يا فارس ، أنا ضحية مش جانية ، أنا اليتم والعشق كوا قلبي بميتهم ، بلاش تكون عبء تالت عليّ ، لأني وقتها عمري ما هسامحك .. لأنك اخترت توچعني بكييفك ..
ما أن رمت قذيفة كلماتها بجوفه تركته يحترق بها وغادرت لتكن وجبة دسمة للبكاء هذه الليلة، ما انصرف ظلها عن المكان ركل المقعد الخشبي بقدمه مزمجرًا بحرقة على محبوبته :
-ااه يابن الـ*** ، مش هرحمك يا هارون يا عزايزي .. أنا سبتهالك بكيفي ……. وچيه الوقت اللي أرجعلها حقها منك !!
••••••••••••
مع قُرب غروب شمـس هذا اليوم ؛ لمست إطارات سيارته بوابة مُحافظة قنـا ، فـدب الخوف بقلب ليلة وهي تأخذ نفسًا طويلًا وتتشبث بكفه بعد ما ألقت نظرة سريعة على هيام النائمة بالمقعد الخلفي .. أحس درجة برودة كفها فسألها :
-أيه مخوفك وأنتِ قاعدة جاري !
رطبت بلسانها شفايفها الجافة وقالت :
-قلبي مقبوض يا هارون .. بس هو طبيعي أكون خايفة ، اللي مش طبيعي بقـا إني أقول لك لا مش خايفة .
بدل وضع كفوفها ، ليقبض على كفها الناعم بحب ويطمئنها :
-طول منا معاكِ متخافيش من أي حاچة في الدِنيا يا ليلة .
هزت رأسها باقتناع:
-أنا واثقة فيك يا عمدة .. بس هارون زي ما اتفقنا ، متغيرش الاتفاق ، محدش يعرف إننا اتجوزنا ، نحل كُل المشاكل الأول وبعدين تتقدملي من مامي وتعملي فرح الدنيا كلها تتكلم عنه ..
قبل كفها وهو يراقب الطريق أمامه وقطع الى نفسه وعدًا وهو يقول :
-وحياتك كُل اللي عاوزاه هيحصـل ..بس حتى أحلام مش عاوزة تقوليلها !
-لالا مش هنعرف حد خالص .. كفاية هيام وبس .. ده سر يا هارون ، لو بتحبني بجد متعرفش حد خالص .
ثم تذكرت شيء ما لتهب متحمسة :
-بس في مشكلة ..
رد باهتمام :
-يا ستار يارب .. من أولها ؟!
أخفضت نبرة صوتها وهي تقضم شفتها بحياء لتقول بعد تردد وضغط منه :
-يعني أحنا مش هينفع نقعد مع بعض ونتكلم براحتنا ، وهتنعامل زي زمان ، طيب لما توحشتني مثلًا أعمل أيه ؟!
راقت له الفكرة فرفع حاجبـه الذي يطوي السعادة بين ثناياه وقال :
-آآآه ، مُشكلة دي بحق !
ثم ألقى نظرة بالمرآة على أخته النائمة وخفض نبرة صوته بحذر وهو يدندن سرًا بنهج ضابط مخابرات :
-لازمًا يبقى لنا مكان سري نتلاقوا فيه !! أيه رأيك في المكتبة بتاعتي !!
تحاورت معه بنفس النبرة الخافتة المبطنة بمرح الطفولة :
-بحب المكان هناك أوي ، خلاص اتفقنا ، كل ما توحشني هجي لك على هناك !!
غمز لها مؤيدًا :
-حلو الكلام .
رددت بنفس أسلوبه :
-حلو الكلام .
ما وطأت أقدامـه نجع العزايـزة ، توقف إثر تجمهر الخفر على البوابـة التي لم يفتحوها بمجرد رؤيته كالعادة .. فتح النافذة وقال :
-إيه موقفكم إهنه !!
هرول إليه شيخ الخفر قائلًا :
-معانا أمر يا عمدة إنك ما تدخلش النچع ..
قفز الرعب في قلبها واستيقظت هيام على صوت الضجيج .. هز رأسه مدركًا بوادر الحرب المشتعلة بوجهه :
-طب اسمع يا متولى ، هتروح تفتح البوابـة ومن غير حديت كَتير .
-على عيني چنابك ، أنت لو دخلت دول يقصفوا رقبتي .
-ماهو أنت لو مفتحتش يا متولي أنا اللي هقصف رقبتك بيدي .
تساءلت هيام بفزع :
-في أيه يا هارون !!
~بقصـر خليفـة العزايزي .
هرول "هيثم" ناحية أبيه الذي يتأهب للذهاب لعائلة الجباس وهو يخبره بعجـلٍ :
-ألحق يا أبوي خفر المِجلس موقفين هارون على مدخل النچع وهارون طاح فيهم كُل والدِنيا خربانة هناك .. هروح أجيب هيام وليلة عشان هو ناوي يهدها على رؤوس العزايزة الليلة .
همّ خليفـة مستندًا على عكازه :
-شيع لهاشم وهلال ياچوا معاي المچلس وأنتَ استعجل هات أختك وليـلة وأنا طالع على المچلس .
-بس هاشم عاود على شغله يا أبوي .
~بالمطبـخ.
كانت صفية جالسة بشرود تهذى مع نفسها حول أمر ولدها هاشم :
-"طب هاشم وطفش وسابلي الرزية دي هي واللي في بطنها أعمل بيهم أيه ! يخربيت أمك يا هاشم غفلقتها وطفشت ، طب كنت طلقتها ولا نكرتها !! اومال طفشان ليه دِلوق!! اكيد نكدت عليه الغجرية الفقرية دي ، تلاقيها طمعانة في قرشين زيادة !! كان مالها بس نغم !! يا ويل اللي مستنيك يا هاشم !! هتحرق قلب امك عليك يافقري !! هتموتني قبل أجلي "
-ماباينلهاش طفح الليلة يا عمة ، طبيخها صايص ومايص ومايتاكلش ..
أردفت " زينة " جملتها وهي تُشرف على طهي " رقية " وهي تنبش في تابوت النكد ، فأردفت رقية التي تقطع السلطة:
-عنك ما طفحتي يا زينـة ، اللي ياكل على ضرسه ينفع نفسه .
صاحت زينة شاكية :
-شايفة بچاجتها وقِلة أدبها يا عمة !! لا عقولك أيه تتعدلي إلا هعدلك أناي .. دي هطفحنا اللقمة يا عمة !
استمرت رقية في تقطيع السلطة وهي تقول بكيد أنثوي:
-والله أنا عاملة كُل الوكل اللي يحبه چوزي ، لما چوزك يعاود أبقي اطبخي بيدك .
-شايفة حديتها ومِقلدتها يا عمة !!
زامت صفية وهي تدمدم :
-عملت العمشـة لچوزها يتعشـى ، خفوا مناقرة عاد كلتوا راسي وفيها اللي مكفيها .
ثم نظرت لهاجر التي اقتحمت المطبخ عليهما :
-شوفي هارون أخوكي وصل ولا لسه يا بت .
هبت زينة ملهوفة:
-وكتاب الله !! هارون معاود في السِكة ، ومحدش يقول لي ..
ثم ركضت مهرولة لتستعد لاستقباله :
-أنا هروح أجهز عشان ياچي يلاقيني على سينچة عشرة .
~بغُرفة أحلام .
-وحدي الله يا حبيبتي وأنا اللي قولت هتتصافوا والمية ترچع لمجاريها ، هاشم لما يتور ماعيوعاش قصاده .
لم تكف " أحلام " عن جمل المواساة التي تلقيها على مسامع "رغد" التي فطر البكاء قلبها .. أردفت تحت وطأة الحزن :
-لا يا طنت .. هاشم قال كل اللي شايله في قلبه وهو متعصب .. قال الحقيقة ، وأنا لازم أمشي ، هو مش عايز الطفل ده يبقى مش هجبره ، مش هجيب طفل أبوه رافضه .
ربتت أحلام على ظهرها :
-ياقلبي استهدي بالله بس ، تمشي على فين !! ديع عمك خليفة لو سمع هيقيد الدوار حريقة .. سيبك من هاشم وأنا معاكي ، والحچ خليفة في ضهرك ، لو هاشم مش عاوزه أحنا مش هنفرطوا في لحمنا ودمنـا يا رغـدة يابتي .
نظرت لها بأعينها المحمرة من عفن الحزن :
-أنا ازاي اتخدعت في هاشـم كده وصدقته ! أزاي ؟!
في اللحظة التي تقدم فيها الحج خليفة ليصعد سيارته ، كان هارون مُقبلًا من بوابة القصر .. هتف مناديًا على الخفير :
-چابر .. ديه هارون مش إكده ؟!
صاح جابر هاتفًا :
-هو يا حچ ، عليّ بأيه العزايزة كِلاتها ماليهم لازمة من غيره .
صف هارون سيارته بجوار سيارة أبيه ، ثم طالع أخته بالمرآة مؤكدًا :
-ليلة متتحركش من چار أحلام ، ولو حد زعلها ولا داس لها على طرف يا هيام أنتِ المسئولة قِدامي.
فتحت الباب متفهمة أوامره:
-متشلش هـم يا خوي ..
أردفت ليلة الخائفة من هول ما رأته :
-أنتَ هتروح فين ، هارون أنا قلقانة عليك.
ألقى نظرة نحو أبيه الذي يرتقب هبوطه من السيارة وقال :
-مش هعوق ، ساعة بالكتير وهرجع لك تكوني شبعتي من أحلام .. يلا اندلي .
فُتحت الأبواب في نفس اللحظة حيث صاح هارون لأبيه معترضًا :
-العزايزة سانين سكاكينهم يا أبوي ، وأنا مش هسمي على حـد .
صاح هيثم مرحبًا لاستقبال ليلة :
-دي الليلة ليلة هنا وسرور .. تولع العزايزة وقولهم .. أحنا القمر في بيتنا هنعوزوا أيه تاني !
زفر هارون وهو يقفل الباب بقوة ليُلجم أخيه :
-ليلة ضيفتي ، ولم روحك .
هيثم مُتغزلًا :
-ليلة صاحبة بيت ، مش ضيفة عند حد ، والله ليكي وحشة كبيرة و
ردت ليلة بعفوية :
-وأنت كمان وحشتني أوي يا هيثوم ..
ثم صاحت :
-ازي حضرتك ياعمو ..
تبسم بوجهها :
-نحمدوه ياغالية يابت الغالي .
هب هارون متوعدًا لأخيه وهو يدنو من أبيه ويحدج ليلة بعتب :
-وحش أما يقطع منك نساير يا زفت الطين ، شيل الشُنط دي ودخلها البيت وخف حديت ماسخ .
هتف العجوز :
-حمدلله على سلامتك اللول يا ولدي ، نورت بيتك ، ولو على العزايزة أبوك في ضهرك وهيقطع لسنتهم نفر نفر .
أشار هارون لجابر :
-خليك أنتَ أهنه يا چابر ومش عاوز مخلوق يطلع من البيت حتى ولو كانت أمي ، سامع .. يلا يا أبوي .
~بالمطبخ .
استفردت صفية وهاجر بابنتها هيـام وهي تسدد لها الضربات المعاتبة:
-تعالي قوليلي يا مقصوفة الرقبة ، أخوكي عمل أيه في مصر .
فأتبعت هاجر مستفسرة :
-وأيه المهم اللي خلاه يهمل فرحه ويطير عليه ..
فبادرت صفية :
-والبت السهتانة دي أيه چابها معاكم .
فتابعت هاجر :
-وأنا لما كنت عكلمك مردتيش ليه ! يابت انطقي أنا على اخري منك .
ارتشفت هيام رشفة خفيفة من الماء ونظرت للاثنين :
-معرفش ياما .. معرفش يا هاجر.
تأففت صفية :
-يعني مسمعتيش كلمة كِده ولا كِده ؟!
هيام باختصار وملل :
-مسمعتش .
فعادت تتساءل :
-روحتي فين في مصر ؟!
-ماروحتش مُطرح ياما .
فتدخلت هاجر :
-هيام اتعدلي ، وبعدين اللبس ديه ميتى ذوقك يا بت أبوي !!
ردت بجمود :
-ديه ذوق ليلة ..
فتدخلت صفية :
-ايوة ليله ، هي الصفرة دي ، أيه چابها عندك أنتِ وأخوكي ؟
انكرت تمامًا :
-هارون ما قاليش.
صرخت صفية بوجهها :
-شالله تاكلي امك عشان ترتاحي ياهيام ، يابت بردي نار قلبي .. وانطقي ، كهن أحلام ديه مش عليّ .. قولي جدعة بتي ..
تبسمت ببرود :
-أقول أيه !
يأست هاجر منها وهي تتركها قائلة :
-خلاص ياما مش هتقول حاچة ، أختي وأنا عارفاها ، بس خليكي فاكرة وشوفي مين يقولك أخبار هاشم وچوازته الچديدة اللي هتغفلق على رووس الكل ..
تمتمت هيام بذكاء لانها تعلم كل شيء من ليلة وقالت :
-مش عاوزة أعرف حاچة ..
~بغُرفة أحلام .
رحبت " ليلة " برغد ترحيبًا حارًا وهي تحضنها وتشيد بمدى سعادتها لرؤيتها ، ثم صاحت متسائلة :
-على فكرة شكلك أحلى من الصور بكتير ، قوليلي أخبار النونو أيه ؟!
ردت رغد بفتور :
-كله تمام يا ليلة ، حمدلله على سلامتك .
فصاحت أحلام من الخلف منادية على هيثم الواقف على أعتاب الغُرفة يُدخل حقيبة ليلة :
-هيثم ، تعالى خُد ، تاخد شنطة رغدة تطلعها فوق في اوضة هاشم .
عبر هيثم على اعتراضه قائلًا :
-هو أنا بقيت شيال العيلة بس يلا كله يهون عشان عيون رغدة وعيون ليلة .. كتر من ضيوفنا يارب .
ملأت الضحكات أرجاء الغرفة ، فأقبلت رقيـة مرحبة :
-لما قالت لي هيام إنك إهنه مصدقتش روحي .. نورتي يا ليلة .. متعاوديش تاني اتعودنا عليكي وسطينا.
انتظرت أحلام حتى فرغ الفتيات من مصافحة بعضهما البعض وقالت :
-بت حلال يا رقية .. خُدي بيد رغدة لاوضة هاشم ، وشوفي اللي عايزاه شيعي هيثم يچيبه ..
ثم رفعت سبابتها بوجه رغد وأتبعت :
-وأنتِ اللي تعوزيه تقولي عليه على طول .. متتكسفيش ..
غادر الجميع حتى فرغت الغُرفة على كُل من أحلام وليلة التي ارتمت بحضنها بشوق :
-هتصدقيني لو قولت لك أن حضرتك أكتر حد وحشني هنا !!
رمقتها أحلام بدهاء :
-يعني أكتر من هارون !!
عبثت بخصلات شعرها كحركة معتادة عندما يداهمها التوتر :
-مال هارون دلوقتي ، الله ؟! عيب يا أحلام الكلام ده .
سطعت الضحكة من وجه العجوز وهي تربت على كتفها :
-طب عيني في عينك إكده !!
قفلت جفونها صارخة بصوت طفولي :
-لا طبعًا هخسر ، عشان بقيت مفضوحة أوي .. وأنتِ هتقري عيوني وهتعرفي كل حاجة .
مسحت السيدة أحلام على رأسها :
-وهارون كمان غاويكي .. ويا هنا قلبك بقلبه الغاوي .
دمعت عيناها بفرحة وهي تركض لتقفل الباب بخفـة ثم تعود إليها هامسة :
-أحلام ، أنا ممكن أقول لك على سر ومحدش يعرفه خالص .
-في بير غويط يا حبيبتي .
عادت لتجلس بجوارها لتتنهد بفرحة وتقول :
-هارون اتجوزني ، بس أنا اتفقت معاه مش هنقول لحد خالص .. بس يحل كل المشاكل الاول ووعدني بفرح كبير أوي هيحضره كل الناس .. أنا مبسوطة أوي يا أحلام .. تعرفي وو
لم تهملها الفرصة لتُعبر عن مدى سعادتها بهذا الخبر الذي ريح فؤادها بتأليف أرواح الأحبة ، فواصلت :
-وأنا ماشية جمبه عايزة أقول لكل الناس اللي معدية من جمبنا أن ده جوزي على فكرة .. طلع عندك حق ، الحب جميل أوي .
قبلت أحلام جبهتها وهي تدمدم " يا ما أنت كريم يارب ، الله أكبر ، صلاة النبي عليكم ، يا فرحة قلبي بيك يا ولدي ، عيني باردة عليكم "
ثم أشارت لها :
-تعالي في حضني يا بتي ، تعالي أنتِ دمنا ولحمنا .. أنا هقوم اصلي ركعتين شُكر لله عشان استجاب لدعواتي .. فرحتي قلبي ورچعتيني صبية بت عشرين سنة يا ليلة ..
••••••••
~مجلس العزايزة .
ساحة واسعة يجمتمون بها كبار أعيان العزايـزة ، وما اقتحم الحج خليفة مجلسهم جهر بصوته الأجش :
-عمدة البلد كلمته اللي نافدة على الكل ، لكن ولا عاش ولا كان اللي يصدر حكمه عليه ، يعني أيه مانعين دخول عمدتكم البلد !! ومين طلع القرار ديه ؟!
أردف الشيخ " عبدالموجود " الذي يبغض خليفة وأولاده :
-عمدتنا يحترم قانوننا ويمشي عليه، لكن ما يكسرهوش يا عُمدة .
-كان كَسر أيه هارون اللي شايل البلد من شرقها لغربها على كتافه !! هاتلي غبارة واحدة على هارون وأحنا نسبوا الكرسي للعاوزينه .
تدخل الحج " شكري " ليهدأ الأمر :
-صلي على الحبيب وارتاح يا عمدة ، وكله هيتحل بالعقل وكل واحد هياخد حقه .. المجلس مفتح عينيه في البلد شبر شبر .
جاء هارون من الخلف بعد ما أنهى حديثه مع أحد رجاله وقال جاهرًا بنبرة يحقنها السخرية :
-لا واضح أنكم مفتحين عينيكم في البلد ، بأمارة قطاعين الطُرق لما نزلوا من الچبل ليلة إمبارح من الطريق الغربي عند مدخل الجبابسة ، والبلد كلها نايمة في العسل ولولا رچالتي قطعوا رچليهم ، كنا صحينا على نهب خزنة المجلس .. وكام واحد مقتول .
ثم رفع ساقه ليضعها على أحد درجات السُلم :
-واضح أنكم مفتحين عينكم قوي ، بس مفتحينها عليّ .. وشوفوا مين عاد اللي مشتت تركيزكم عن العزايزة ومخليكم تحاربوا بعض .
فزع كبيرهم وهو يقول :
-كيف الحديت ديه !! كيف وأحنا منعرفهوش ؟!
هارون بحزم :
-علشان يا حج علوان زي ما قولتلك حد له مُصلحة يوقعنا في بعض .. وبالحال ديه العزايزة كبيرها سنتين وهتبقى من عامة الشعب بدل ما هما عين أعيانهم .
فأردف الحج " عبدالموجود " :
-بس ديه كله مايمنعش عُمدتنا يفهمنا أيه حواره مع بت بحري اللي ساب فرحه عشانها وطالعة تقول قصاد الخلق كلهم أنها رايداه .
كظم غيظه محاولًا تمالك أعصابه كي لا يُفسد خطتهم :
-شغل ومصالح ، والاستاذة مذيعة وبرنامچها مسمع ، منقويش العلاقات معاها ليه وكله في مصلحتنا !! وبعدين من ميتى حديت التلفزيونات عيتصدق !! ما يمكن حركة من بتوع الإعلام عشان يركبوا الترند زي مابيقولوا ، والأهم لو صح أيه دليلكم أن المقصود ديه هو أنا ، خمنتوا ولا نجمتوا !! ما يمكن الست رايدة واحد تاني أيه !! هي حرة مش هنحاسبوها على قولها ؟! أنا دخل اللي چابوني أيه ؟!
-والشغُل والمصالح يخلوك تسيب دُخلتك وتطلع رمح على مصر ؟!
انطلق صوت " فارس الجباس " من الخلف وهو يقتحم مجلسهم بعد سنوات عديدة من المنازعات وإعلان تمردهم الواضح على عرفهم ليكمل :
-هاه يا عُمدة !! ولا هو كلام ضحك على الدقون .
حافظ هارون على هدوئه وهو يدور إليه ليقول بتحدٍ :
-وأنت مزعل روحك ليه ؟! هي كانت دُخلتي عليك وأنا مخابرش !!
-بلاش ملاوعة ياهارون ، وشكلك خُلقك نفد من أعراف العزايزة ، وقولنا أحنا اللي هيسود ، ويحكم النچع كله بالأصول .. أنت عمرك ما هتقدر تحافظ على حاچة خدتها .. بزياداك عُند .
ثم صاح ليقلب الطاولة على الجميع ويخرج نفسه كالشعرة من العجين :
-بقي هي الحكاية كِده ، الطريق الغربي يتساب لقطاعين الطرق ، الهرج والرعب يدب في قلوب الناس ، المجلس خزنته تتنهب ، وتطربق على رووس الكل عشان مخطط الجباس وعياله في حُكم العزايزة يتم … بس ديه بعينك يا فارس، طول منا فيها مش هناولهالك .
ثم انفجر ليقول جملته الأخيرة مُلقيًا أوامره بالتهديد :
-متولى ورجالته يتشالوا من على الطريق .. محاولة تاني لقطاع الطرق ودخولهم العزايزة من طرف الجباس ، هجيب عليها وطيها وهكشف المستور .. واللي حصل ديه لو اتكرر معاي تاني ، مع كبيركم هارون العزايزي هسيبهالكم وشالله تاكلوا بعض .. خُلص الكلام يا عزايزة .
•••••••••
~عودة للقصـر .
-" بكرة يأستك الاساتك ،وبالدهب يملى دراعاتك ، ويعوضك كُل اللي فاتك ، وأهوه چالك يابت ، ريح بالك يابت "
كانت تتمايل مُختالة على درجات السلم مرتدية عباءة من الشيفون فضفاضة مرصعة بالكريستال والزخرفة السورية .. قابلت هلال آتيًا من الباب فهرولت نحوه وهي ترمي الوشاح الشفاف فوق رأسها :
-ياشيخ هلال ، يا شيخ هلال .. هارون فينه ؟! واعية لعربيته برة وهو لساته معاودش.. وقلبي متوغوش عليه .
أطرق وجهه بالأرض كي لا تلقطها عينه مستغفرًا :
-راسك يا زينة .
أحكمت لف الحجاب بعشوائية :
-يادي راسي !! هي راس البر يا خوي ؟! ما أنا مغطياها بالإشرب أهو ، قول بس موعتش لهارون .. ولا بيتقل عليّ ؟
-لا أعلم يا زينة .
اقتحم هيثم موقفهم لتنظر له ملهوفة :
-هيثم ، قول لي هارون مش چيه بره ؟
-بت حلال ، كنت چاي لك .. أيوة هارون چيه هو وهيام وكمان مش لروحهم ديه چايب لك معاه ليلة .. ليلااه ليلة ليلة ..
ثم وشوش لأخيه بغزل :
-البت كيف النوچه تخش القلب تشرحه .. ولا ايه يا شيخنا .
رفع كفه متعففًا :
-لا أرى بحياتي إمراة غير رقية .. ثم اتقي الله يا أخي هذه أعراض ناس .
صاحت زينة بغيظ :
-وهي المقصوفة دي أيه چايبهم !! ماشوفتش في بچاحتها .. هي قاعدة چوة مع أحلام صُح !! ، أخوك چايبها عشان يكيدني ، طب يا هارون ..
خرجت رقية من المطبخ وهي تمسح كفوفها بالمنشفة :
-حمدلله على سلامتك يا مولانا ، تلاقيك على لحم بطنك ، أغرف لك تاكل ولا هتستناهم ؟
بادر هيثم قائلًا :
-ريحة الوكل مچننة أمي من الصُبح ، يلا يا رقية من يدك الحلوة دي أغرفيلنا انا ومولانا نفتحوا نفس بعض .
فاجئه هلال وهو يضرب على ظهره بغضب دفين :
-إلى أن تتزوج فأنت مسؤول من أمك وأخواتك ،ليست من رقية ، أخصها بمفردي ، كما تخُصني بكُلها .
اتسع بؤبؤ عينيه محاولاً ترجمه حديثه :
-ما تنزل بالشرح عشان أخوك واخد مُلحق عربي .
رمقه باستنكار وهو يسحب رقية من كفها :
-أحمق.. !
جهر هيثم ساخرًا وهو يصفق من الخلف :
-حلاوتك يا هِللو ، وأنت هللو يا هللو .. رمضان كريم قصدي بالرفاء والبنين .
رفع سبابته دون النظر إليه متوعدًا :
-لو رچعتلك مش هحيلك يا هيثم .
-لا وعلى أيه الطيب أحسن الزمن ديه .
ثم أخذ يدندن مع نفسه وهو يخرج من الباب:
-هالو يا هالو عيال فرحانة بالفوانيس .. دولت مش عيال دولت هلال أخوي ، محسسني أول وأخر واحد يتچوز !! بدل ما يدعيلي إني عرفته عليها .. "حالو يا حالو ممم " طب حتى حِل الكيس واديني بكشيش !!
ثم تمتم بندم :
-كلها بقت معاها حريمها ، چايلك يا چميلة الچميلات .
~بغرفة أحلام .
تلك الغرفة التي فتحتها زينة بدون إذنٍ ، فوجدت أحلام تقيم صلاتها "وليلة" الأخرى واقفة بالشُرفة تحاول التقاط شبكة لتجري مكالمة هاتفية تطمئن على هارون ، تقدمت زينة والتي تتلوى كالحيـة:
-لما قالولي إنك هنه مصدقتش روحي ، قلت اندلى استقبلك بنفسي .
أغلقت هاتفها بابتسامة نقية تدعو لفتح صفحة جديدة معها وكإعتذار خفي لها عن كونها السبب في تدمير فرحتها :
-هاي يا زينة ، كلك ذوق والله .. وو
تفحصتها من رأسها للكاحل وهي تقول :
-باين عليكِ رادة وصحتك عفية ، أول ما شوفتك واقعة قصاد الكاميرا قولت دي راحت فطيس .. إلا قوليلي هو مين ديه اللي حبتيه وسابك وراح لغيرك علشان تعملي في روحك إكده !! وو
بادرت ليلة بعفوية :
-لا كان سوء تفاهم بينا وهو صالحني خلاص ، عشان كده أنا رچعت كويسة .. مرسي لاهتمامك.
حُقن وجهها بدماء المكر :
-ااه صالحك ، وطالما صالحك سيباه ليه وچاية هنه ، ولا هوانا عچبك ! صح يادي العيبة وهو سايبك كِده طايحة مع راچل غريب !! أما عجايب.
-أنا چاية هنا شُغل يا زينة .
تنفسك الصعداء وهي تلقي نظرة على أحلام ترجوها أن تنتهي قبل أن تقع فريسة تحت حوافر زينة .. تحمحمت :
-أيـه أنتِ بايتـة هنا النهاردة ولا مروحة ؟! أصل شايفة الوقت متأخر .
أطلقت صرخة نسائية اعتراضية :
-مروحة !! أنا هنه صاحبة بيت يا حلوة .
بررت ليلة :
-ده آكيد ، بس قصدي لو هتباتي نسهر كلنا نلعب ونهزر للصبح .
تمايلت زينة بكيد أنثوي :
-الحديت الفارغ ديه للعوانس اللي زيك ، يووه يادي العيبة قصدي للي ملهاش راچل يعني يلمها في حضنه للصبح ، أما أناي هقضي الليلة في حُضن چوزي وتاچ راسي ..هييه روحي ربنا يدوقك من الهنا اللي دوقهوني يا ليلة .. باين عليكِ طيبة .
شحب وجهها بإصفرار :
-لا مش فاهمة .. أنتِ عايزة تقولي أيه ؟!
ربتت على كفتها بخبث :
-عايزة أقولك اسهري براحتك مع هيام وهاجر والبت الخوجاية اللي واكلة ناسها ، لكن أناي في عصمة راچل ، تغمضلوش عين غير وهو چاري .. هارون دايب فيّ دوب.
وقع الاسم على مسامعها كجمرة ملتهبة :
-ثانية بس ، مين جاب سيرة هارون .. هارون بيه دلوقتي ؟!
-چوزي ، أنتِ متعرفيش أنه اتچوزني ، وبقيت مرته رسمي قَصاد الكُل !! تلاقيكي متعرفيش بس أديكي عرفتي ومسمحاكي على هدية الچواز .. فوتك بعافية هروح أجهز الحمام لچوزي قبل ما يعاود ..
ثم أخذت تدندن مع نفسها وهي تعبث بأطراف شعرها :
"افرحى يا دى الأوضة.. جايلك عروسة موضة،
افرحى يا دى المندرة.. جايلك عروسة مسكرة"
رواية آصرة العزايزه الفصل السابع 7 - بقلم نهال مصطفى
رواية اصرة العزايزة الجزء الثاني2الفصل السابع7بقلم نهال مصطفي
تعـلم أنك كُنت اختباري الراهن ، و ورقتي الرابحة على طاولـة لعبـة الحياة التي لم أربح منها شيئ.. كُنت كعكاز عجوز خانه العمر وسلب منه قوة أقدامه على مر السنين !! كنت كحلم الحرية لعصفـورٍ مسجون بقفصه طويلًا ..
كُنتُ الوحيد الذي وثقت بهِ في زمن يخون المرء أصبع يده .. كنت الرجل الوحيد الذي تمنيت أن أقضى ليالي العمر على ذراعه !!
من ظننته نورًا يضيء ظلمتى
وجدته نارًا احترقت على يديـه ..
ونسيتُ أن بعض الظن أثم ..
بعد حسن الظن خيبـة مريرة تغتال الحياة بأعيننا
من هذه اللحظة التي اكتشفت فيها حماقتي وتحولت قصتنا من
كان وكُنا …
لـ كُنتَ ولم أكن من يومها !!
فـعندما يُخذل المرء في قلبه يعلن العقل بمرارة الفراق لا محالة !!
" هذا فراق بيني وبينك "
ولكني بكامل ضعفي اعترف
أن قلبي متورط بك كثيرًا
والاعتراف الأكثـر رُعبًا
أنك أبدًا لن تنتهي مني .
2
••••••••••••••
~العزايـزة .
لا تختبر جبروتي في التخلي .. لقد تربيت على يد رجل نقش الدلال على ضلعي الأعوج ، لا يجعلني أطلب الشيء لمرتين ، إن لم يأتٍ من المرة الأولى لا أقبله في الثانيـة .. هذا هو مبدأي مع الأشياء !! فما ظنك بالأشخاص؟! قلبي الطفولي أن جُرح يصاب بالذعر فـ يُفلت في عز تعلقـه ، ولا تسألني كيف !! فلا لوم على قلب طفلة يرتجف طوال عمره !!
ابتر بيدي حبل تعلقي ولو كان انهاؤه شيئًا من إنهائي ..
مؤلم دوار الرأس مؤلم ولكن الدوار الحقيقي هو ذلك الذي يُصيب القلب .. فما يفعلان بجسد واحد إن إلتقيا !! حالة من الهذلان ، والضعف العام ، ضباب الرؤية ، جفاف ماء العين والفم أيضًا .. سرعة ضربات القلب كأنه يضخ هواء وليست بدم وماء وحُب عظيم !!
يتمسح كفها بالجدران حتى وصلت لتحت قدمي السيدة " أحلام " التي فرغت من صلاتها للتـو ، جثت أرضًا على ركبتيها وهي لا ترى منها إلا صورة مشوشـة وتترجاها بنبرة متقطعة وأعين مترقرقة :
-أحلام ، أنتِ مش هتكذبي عليا ، صح !! أنتِ بتحبيني مش كده ، قوليلي الحقيقة .. هارون اتجوز زينـة ولا هي بتقول أي كلام وخلاص يا أحلام ؟!
ثم ثارت بانفعال :
-عشان خاطري قولي الحقيقة !! ولا أقول لك ، أكذبي عليا لو دي هي الحقيقة !! طيب هو اتجوزني ليـه !! أحلام ريحي قلبي وقولي الكلام ده مش حقيقي وهارون بيحبني أنا وبس .. ومش متجوز غيري .
مسحت العجوز على رأسها بكفها الأنعم من الحرير بلهفة :
-وحدي الله يا حبيبتي ، المشندلة دي قالت لك أيه شندل حالك إكده !!
هزت " ليلة " رأسها رفضًا للوضع القائم :
-قالتلي أنها متجوزة هارون ..
انفعلت العجوز بعفوية :
-چاتها چنازة ما تشبع فيها لطم !! دي چاية تكيدك يا حبيبتي ، كيد نسوان!! وهي حية .
تحركت ليلة لتجلس ملاصقة بها على الأريكة وتتشبث بكفوفها وتترجاها :
-أحلام هو سؤال واحد وبس ، هارون متجوز زينة ، ولا لا ؟!
انكمشت معالم وجه أحلام :
-هو هارون مقالكيش ولا ايه !!
ثم غمغمت بلوم :
-وه مالكش حق يا هارون ، متطلعش منك ..
فعادت لليلة التي تنهار أمامها :
-چوازة حِبر على ورق يا ضنايا ، هارون مش رايد غيرك .. صدقيني .
انفجرت باكية بذهول العبرات تتقطر منها :
-هارون كذب عليا !! هارون خدعني يا أحلام .. هارون فرش قِدامي الطريق كله ورد وفجأة وصلت لحيطة سد !! هو عمل فيا كده ليه !! انا وثقت فيـه ؛ دبحني !! هما ليه كلهم بيأذوني !! أنا عمري ما فكرت أأذي حد.. عمري .
ثم وثبت فاقدة اتزانها :
-أنا لازم أمشي قبل ما يرجع …..
-تمشي تروحي فين ؟! اخذي الشيطان وأقعدي لما يعاود اسمعيه وو
قاطعتها ليلة ببكاء هيستيري:
-مش عايزة أسمع منه حاجة ، كله كذب يا أحلام .. كذب عليا !!
~بالخارج~
ما كادت أقدامها التي تتغنج في الخُطى أن تلامس درجات السُلم ، فوجئت بظهوره أمامها ، ما أن رأته أطلقت " زغرودة " عالية وهي تهتف مُقبلة نحوه لتأخذه بين ذراعيها :
-يا ألف بركة ، نورت بيتك يا عمدتنا .. حمدلله على سلامتك يا سيد الناس ، إكده تخلع قلب مرتـك عـ
لم يدعها تلامس جلبابه فباغتـها بصفعـة قوية على وجهها حولت صياح الفرح لصراخ الجرح أدى إلى تجمع سُكان البيت حول مصدر الصوت ، لف شعرها حول كفه وهو يجهر معاتبًا :
-أنتِ مين سمح لك تطلعي من براة البيت من غير شوري !! فكراني مختوم على قفاي مش هعرف !
ظلت تتملص وتتلوى تحت يديه ترجوه :
-وحياتك ما عملت حاچة ولا رچلي خطت الشارع ، يكش ما أوعى أشوف عيالي منك ما عملت حاچة .. سيب شعري يا هارون.
أسقطها أرضًا بعنف لا يتناسب مع شخصيته ولكن صدق من قال اتقي شر الحليم إذا غضب وثار فكانت زينة سعيدة الحظ كي يتفرغ بها كبت العزايزة بجوفه :
-أنتِ معچونة من مية كِدب ؟! قوليلي أنتِ طالعة على عينك إكده لمين ؟!
تدخلت عمتها لتدافع عنها :
-حيلك حيلك على البِنيـة !! كانت عملت لك أيه لكل ديه ؟! ادبيت يا هارون عتمد يدك على مرتك !! ديه استقبالك ليها .
تقف "ليلة" بصدمة على أعتاب الغُرفة تراقب وجهه المخيف الذي لم تعهده .. فصاحت أحلام التي تتعكز على أظهر المقاعد :
-چرالك أيه يا هارون ؟! مالك على مسا ربنا !والبت دي عملت ايه تاني!!
عمى غضبه أنظاره عن الجميع حتى سيطر على قلبه فلم يلحظ قلب ليلة المنفطر :
-دي خرجت من بيتي من غير شورتي وطلعت على العزايزة تشتكي لهم من چوزها اللي مهملها وداير يرمح ورا حريم بحري !! سنت سكاكين الخلق عليّ يا أحلام !!
هَم لـ يلتهم شعرها:
-كيف چالك قلب تقفي قصاد الرچالة وتقولي إكده !! كيف !!
صاحت زينة بوجهه والغل يملأها وهي تهرب من تحت يده و تشير ناحية ليلة :
-كيف ماهي طلعت على التلافزون وقالت قصاد الخلق كلهم أنها رايداك ، قليلة الحيا !! على الأقل أنا دافعت عن چوزي اللي هملني فـ فرشتي ، لكن هي راحة تفضح روحها وتفضحنا قصاد الناس الخايبة !! وكمان چايبها لغاية بيتي وچاي !! لا يا هارون !! أنتَ دِلوك راچل متچوز ولازمًا تراعي حُرمة بيتك !! والبت دي ملهاش قعاد في بيتي.
كلها كانت محاولات فاشلة من صفية لتخرسها ، حتى خرجت أحلام عن صمتها لتدافع عن ليـلة وعن هارون ، وعن وهج الحُب المتقد بينهما :
-اكتمي يا بت ، معندناش حريم تعلي حسها على رچالتها ، شكلك نسيتي روحك !! ونسيتي عمايلك ، لا فوقي .. الحنجل والمنجل ديه مش علينا ، كلنا عارفين أن هارون لا رايدك ولا عاوزك ، ولا لمس شعرة منك !!
ثم شدتها من وراء صفية وأكملت توبيخ :
-واللي مش عاجباكي دي أنها قالت وقالت على التلافزيون ، مراحتش تقلع خلچاتها واترمت في حضن راچل عشان يتورط ويتچوزها ، متنسيش روحك ، أنا ساكتلك بكييفي !! لكن عند الغلط أحش رقبتك بيدي ولا هيهمني.
انفجرت بوجه أحلام بدون خجل :
-طالما اللعب على المكشوف ، يبقى اسمعي الحقيقة ، هارون هو اللي غواني فوق وعمتي شاهدة ، يعني أنا مغلطتش لروحي .. هو كمان شريك معاي ، وأدينا صلحنا الغلطة واتچوزنا ، رايح يجيب القرشانة دي _مشيرة نحو ليلة _من بحري ليه !! ديه بدل ما يترمي في حضن مرته اللي سايبها له سَبوُع ..
فغيرت نبرة صوتها وأكملت :
-وبعدين واحدة وچوزها أنتِ أيش حشرك يا هِرمة أنتِ !! داخلة بيني وبين چوزي ليه !! ولا أنتِ عشان مفلحتيش ومقدرتيش تحاوطي على راچلك وتربطيه بالعيال لغاية ما اتجوز عليكي ، عاوزة ولده يعمل زيه ويتچوز عليّ !!!
حاول أن يُلجم غضبه قدر المستطاع كي لا ينهي حياتها بيدها ، ولكنها نجحت في خروج الشبح الثائر منه .. لم يهتم لأحد حتى صوت أبيه الذي همّ راكضًا من الخارج .. لم يستطع أحد أن يُنجيها من يده حتى سمع صوت تكسير عظامها تحت يده وهي تتلوى صارخة من كسر معصم يدها ..
جميعها مشاهد لم تتحمل "ليلة" صخب ، ضجيج ، رؤية جبروته وقسوته على إمراة مثلها .. وجهه الآخر الذي لم يناسبه أبدًا جعلها تتساءل سرًا : من هذا ؟! من يكون ؟! من الذي أحبه قلبي ؟! ، كل هذا فتش بداخل جروحها النفسية وهي تتراجع في حالة من الرعب وتقفل الباب وهي تتصبب عرقًا وترتجف ، اندست تحت اللحاف ظنًا منها بأنه سيحميها من غدر البشر .. ظلت تئن وتهذي بحالة صعبـة وتردد لنفسها بصدمة لا توصف :
-أنا عايزة أمشي !! أنا عايزة امشي ..
تدخل هلال وهيثم كي يبعدون هارون عنها بأعجوبة تحت أصوات صريخ وجمهرة النسوة ، ركضت أحلام على الغرفة إثر الباب الذي قُفل فجأة وتركت فوضتهم لتحتمي هي الأخرى بغرفتها التي شهدت على دموع عينيها ، وجاءت من تشاركها الهم والحزن تحت سقفها .
ركضت هيام نحو أخيها الذي ينفث دخان غضبه :
-هارون متعكرش روحك ..
فصاح أبيه :
-هارون ..!!
ثم شيع زينة التي تتلوى من وجعها بنظرات السخط وقال :
-يدنا ماتطولش على حريم .. والبت دي تروح بيت أبوها ملهاش عيش في بيتي .. وليها كبير يتردلها عليه .
ضربت صفية على صدرها :
-دي تطير فيها رقاب يا حچ أنت عتقول أيه !! دي لسه الحنة في يدها .
-اسكتي يا صفية ..
فذاعت هاجر التي كشفت عليها رغم اعتراضها وصريخ وجعها :
-لازمًا نودوها مستشفى ، دراعها مكسور .
فانفجر هارون بدون ذرة ندم:
-تستاهل قطم رقبتها .
وقف هلال أمامه ليمنعه عنها :
-حبًا في الله ورسوله كفاية يا هارون ..
نادى الحج خليفة على مساعده :
-ياچابر ، چهز عربية وديها المستشفى وتروحها على بيت أبوها ، مترچعهاش إهنه .
شدت صفية وشاح رأسها الأسود على رأسها :
-أنا هروح معاها مش ههملها ، دي بت أخوي يا حچ .
بنظرة من هارون لهيام فهمت مغزى طلبه فلم ينسى حبيبته بين فوضى حياته ، فركضت مسرعة نحو الغرفة متفهمة.. فأتبع هارون :
-سمعت يا چابر ، نفذ اللي قاله العمدة .. تاخدها وتروحها على بيت أبوها ..
فأتبع هيثم وهو يساعد زينة في النهوض :
-لسانك دي هيجيب أجلك قريب ..
رُفعت عيني هارون بالصدفة لأعلى لتقع نظراته على رغد التي تراقب الموقف بصمت تام .. فلاحظ هيثم نظرة أخيه فمال على مسامعه متهامسًا :
-عينك عشان دي تخص أبو دبورة .
زفر هارون بضيق:
-دي رغد !! وفين أخوك .
-هچ ، الچاحد ساب القمر دي و هچ على شغله دي الواحد يقدم عشانها استقالة مدى الحياة .. أخوك ديه معندهوش قلب .
-وأنت معندكش دم .
حدجه هارون بعتب وهو يتأهب للذهاب تحت صياح زينة الذي لم يتوقف فنادى هيثم ضاحكًا :
-وزينة دي أديك كسرتلها ضلع هيطلعلها ٢٤ ومش هنخلصوا منها كناش قادرين على واحد !! على فين بس !! يا هارون استنى عكلمك ..
ثم صاح وراء زينة لخطاها مع أمه :
-يا زينة مكنش يومك ..
ضربه هلال على كتفه :
-خليك معاهم ..
~بغُرفة أحلام~
قلب تزعزعت عقيدته ذاك الذي كان أوّل مؤمنٍ
بالحُب، ارتد عنه وكفَر.
-"طب قومي يا ليلة يابتي متوچعيش قلبي عليك !"
كانت ترتجف تحت اللحاف لا تصغى لنداء أحد ، تأبى المواجهه، تكورت تحت الغطاء كطفلة تختبيء لها فقدت درجة أو درجتين في مادة الحساب ، كبرنا وأدركنا أن هناك أشياء مؤلمة أكثر من الدرجتين ، لعل كل خساراتنا كانت أرقام ، لِم لم يخبر أحد أنها مقدمات لخسائر أعظم !! حتى يدق الوقت الذي تكون الخسارة فيه قلبك ..
جاء هارون من الباب بقلب مُحب أذى حبيبه بدلًا من تخفيف جروحها ، فاقتربت هيام بخزى :
-لقيتها على الحالة زي ما أنت شايف .. وو
قاطعها :
-ماشي يا هيام ، اطلعي اقعدي مع مراة هاشم .
قفل الباب وراء أخته ثم تعلق بنظرات العتاب من عيني أحلام :
-أنت كييف تخبي عليها چوازك من المقصوفة دي؟!
رد بملل :
-ما أنت عارفة اللي فيها يا أحلام وو
ما سمعت صوته ساءت حالتها وحالة ضعفها ، أزاحت الغطاء من عليها ونهضت صارخة وبمعالم وجهها المحمرة وهي تتغاضى النظر إليه:
-انا مش عايزة أسمع حاجة منك ، ولا قادرة أشوفك قُدامي .. وو
-ليلة..
-وكمان ما تنطقش اسمي .. ولا ليك كلام معايا ، أنت واحد كذاب وأنا مش هسمع كذبة جديدة .
ربتت أحلام على كتفها :
-طيب هدي روحك ونتكلموا بالعقل .. اسمعيه يابتي .
ما جاء ليجلس بجوارها فهبت كالملدوغة مفارقة مكانها لتقف بعيدًا عنه في منتصف الغُرفة وهي ترتعش كليًا :
-قولت مش عايزة أشوفك قُدامي ، لو سمحت أخرج بقا ..
دنى منها وأمسك كفها لإجبارها أن تسمعه :
-عندك حق في كل اللي هتقوليه بس أهدي ، متعمليش في روحك إكده واللي عاوزاه هعملهولك ، بس إهدي .
شدت كفها رافضة أن يلمسها وهي تضرب الأرض بقدميها :
-عايزة امشي ، مش عايزة اشوفك تاني ولا أعرفك ، عشان أفقد الذاكرة دي كلها وانسى إني قابلتك .. أنا بقيت أكره نفسي أكتر من الأول !! ليه تعمل فيا كده !! أنتَ ليه أناني كده !!
ثم كفكفت عبراتها بحزن وخيم وهي تلهث :
-طيب أنا جوه هنا في قلبي بتحرق !! المفروض أروح اترمى في حضن مين وأشتكي له منك !! مين ممكن يطمني بعد ما أنت ظهرت في حياتي !! أنا كنت متعودة على الخوف !! أنا دلوقتي تعبانـة ، حاسة روحي بتطلع مني ، قلبي مش مستوعب إنه موجوع من الشخص اللي كان بيطمن معاه .
قطع كُل الحواجز بينهما ليضمها بقـوة في حضنه بذراع التف حول خصرها ، وآخر تغلغل من تحت شعرها ليثبت رأسها على قلبه .. طبع قُبلة على رأسها لتهدأ وهي يرتجف من شدة قلقه وحزنه عليها :
-مفيش حاچة اتغيرت ، أحنا زي ما أحنا ولو اللي يرضيكي أخدك من يدك وأقول وسط الخلق ، أن قلبي اختارك أنتِ من بين الكُل ، وقلبي عاوزك أنتِ !! وموتي أهون من إني أشوفك في الحالة دي بسببي !!
حاولت أن تفارق حضنه ولكنه أبى قطعًا وهو يضمها إليه وهو يطلق أنفاسه الحارة ويود أن يدخلها بين عظام صدره :
-هاه قولي اللي يرضيكي وأعمله .. حتى لو فيها موتي .. ليلة چوازتي من زينة وضع مؤقت ولازم تفهمي إنه هينتهي وو ..
راق لها النوم على صدره وهي تنصت للحن قلبه الذي يعزف ألمًا .. تأكد قلبها من صِدق شعورها .. إنه لم يخذلها ، ما زال حضنه آمن لم تنفر ، لن تخشاه .. تملصت من يده بغرور أمراة :
-أنت بقيت حد أنا معرفهوش ، حد خايفة منه ومش المفروض أحس بده معاك .. لو سمحت سيبني ، العالم بتاعكم ده مش شبهي .
-يولع العالم ، المهم أنتِ رأسك متفارقش صدري .. أنت العالم ياليلة .
رمقته باستنكار:
-أنا اكتشفت إني ولا حاجة أنا دخلت في حرب مش بتاعتي .. لو سمحت احجزلي طيارة عايزة ارجع اسكندرية .. وطلقني ..
تدخلت أحلام هنا :
-يكفينا الشر .. بصي أنتِ تعالي نامي وروقي وهارون لو عاوزاني أمشي من القصر كله همشيه ، اللي عاوزاه هعمله علشانك .
تركته وارتمت بحضن أحلام تترجاها باكية :
-قوليلو يخرج برة يا أحلام .. ملهوش كلام معايا بعد النهاردة ..
ترجته أحلام بنظرة متوسلة :
-طب اطلع برة أنت يا هارون دِلوك وسيبني معاها .
أعلن رفضه بزفير قوي ، فكررت أحلام :
-يلا يا هارون ..
رد على مضض :
-طب عشيها يا أحلام واديها دواها في مواعيده .
نهرته بتمرد :
-أنت مالكش دعوة بيا خالص ومتقربش مني تاني ولا ليك كلام معايا ، سيبني في حالي بقى ..
غمزت له أحلام مسايسة :
-يلا يا هارون يلا .
•••••••••••
~القاهرة~
-يعني كلامه طلع صح !! أنت وطنت نادية اتجوزتوا !! طيب وماما يا باشا.
أردف " شريف " جُملته الأخيرة مذهولًا مما عرفه للتـو ، فأجابه رشدي:
-مالها أمك !! أمك بتاعت لِجان حقوق المرأة .. أميرة طول عمرها مش شايفة غير نفسها !
-دي جزاتها ، تتجوز عليها دكتورة نادية ؟! عدوتها !! أنت عارف أنها كانت موافقة عـ جوازي بس من ليلة لانها مش شبهها .. المهم دلوقتي أنا عايز أنسحب من اللعبة القذرة اللي دخلتوني فيها .
ثار رشدي بوجهه:
-تنسحب من أيه !! أنت مغفل وموافق تكمل مغفل !! عايز تضيع حق أبوك !!
أطلق ضحكة ساخرة :
-أي حق !! حضرتك أحنا هنكذب الكذبة ونصدقها !! حتة أرض جدي باعها وقبض سعرها ، وحد اشتراها ؟! فين المشكلة ؟! فين الحق اللي بتدور عليه ؟! أنا مش فاهمك !!
رمى السيجارة من يده ، وانفجر بوجه ابنه :
-عشانك غبي .. ومش فاهم أن جدك اضحك عليه .. واستغلوه .. والأرض دي حقي وحقك !! وليلة ملهاش حق فيها لانها مش بنته ، افهم ..
رفع شريف كفيه خالٍ المسئولية :
-وأنت فاكر لما تكشف المستور ، وحد زي هارون ده يتأكد أنها من دمه هتتحل !! يبقى كده ادينا القطة مفتاح الجراج يا باشا .. وساعتها هيطيح في الكل ومش هنلاقي اللي يلحقنا.
-عشان كده بقولك افهمني ، لازم نرجع ليلة بالقوة ، ولما ناخد الأرض دي ، يبقى متلزمناش تاني .. أنا عايز مصلحتك يا بني ؟!
جلس شريف متأففًا على مقعده :
-ولو نفترض وافقت؟! هناخد الأرض ازاي وهي معاها اللي اسمه هارون ده ؟!
رد بخبث :
-سهله ، نخلص من هارون ووجع الدماغ اللي عامله ، بس الأول نخرج نادية من الورطة اللي هي فيها .
فتدخل شريف قائلًا :
-أنا هساعدك المرة دي عشان ليا تار مع العزايزي غير كده انا برة حساباتكم دي خالص!!
•••••••••••
~العزايزة~
بعد تفكير ارتدت " رغد " روبًا طويلًا من الصوف فوق ملابسها ثم فتحت الباب فألتقت بهاجر أمامها ، فسألتها :
-لو سمحتي ، عمو الحج موجود فين !!
عقدت هاجر حاجبيها :
-أبوي ؟! تلاقيه نام ، أنتِ شايفة الساعة كام في يدك ! خير تعوزي حاچة أعملهالك ..
ما كادت أن تُجيبها فلفت انتباههم صوت سيارة بالخارج ، ركضت هاجر لتستكشف الأمر .. فصاحت:
-حظك حِلو ، أبوي لساته صاحي فالچنينة مع الغفر ، تلاقيه مستنى أمي .
هزت رغد رأسها :
-خلاص هنزله ..
سارت رغد بخطوات الغريب في القصر وهي تحاول أن تحفظ طُرقه حتى وصلت للأريكة الخشبية التي يجلس عليها الحج خليفة، فأقبلت بخجل :
-مساء الخير يا عمو ..
رفع جفونه المُحملة بالهموم :
-خير عليكِ يا بتي !! مالك ؟! نازلة الساعة دي ليه !! اللول تعالي أقعدي ..
جلست بجواره مترددة والعبرات مسجونة بعينيها وقالت:
-عارفة أن الوقت مش مناسب بس لو تسمح لي يا عمو ، الصبح هرجع على بلدي وو
قاطعها بحدة :
-وه!! تمشي وتهملي بيت چوزك كييف !! ديه مكانك يا بتي وبعدين أحنا مش قفلناه الموضوع ديه وقولنا مفيش مشي من هنه ومن اليوم أنتِ واحدة منينا !!
طأطأت رأسها وأكملت بأسف وحزن يقرضها :
-اللي يربطني بالمكان هنا ، جوزي .. وجوزي قالها صريحة ، هو مش عايز الطفل ده .. فلو سمحت يا عمو .. سيبني أمشي وأربي ابني في هدوء بعيدًا عن المشاكل ..
جحظت عينيه مذهولًا :
-وه وه وه!!! أيه الحديت العفش ديه !! كيف مش عاوز لحمه ؟! هو بكيفه أياك !! ديه لو قالها قدامي كنت خلصت عليه بيدي .
أتبعت بخزى :
-عمـو هو خلاص اختار .. وأنا كمان اخترت البيبي ، أنا جيت بس ابلغك إني عايزة اطلق وماشـ
ضرب الأرض بطرف عكازه بنبرة لا تقبل الجِدال :
-اسمعي يا بتي !! أنتِ متعرفنيش بس لما هتعاشريني هتعرفي عوايدنا وهتعرفي أن كلمتي محدش يقدر يكسرها .. أنت وولدك مش هتعتبوا بره البيت ديه طول منا عايش .. وهاشم مش بشوقه يحكم في خلق ربنا .. هتقعدي في بيتك متشالة على الراس .. لكن طلاق إحنا معندناش طلاق ، ولا هنرمي لحمنا يتربى بعيد عنينا .. ريحي راسك وقضي أيامك في سكات وركزي في صحة اللي بطنك .. وهاشم ولدي مسير الايام هتربيه … اطلعي على اوضتك دِلوك .
جاء "هيثم " من الخلف ليخبر أبيه :
-أمي واخدة على خاطرها و عتقولك هتبات في بيت أخوها لغاية ما هارون يچي يصالح مرته !!
تمتم بفتور :
-أمك ناوية على خراب ديارها .
~بغرفة هلال~
انتهت رقية من أخذ حمامها الدافئ ثم خرجت من الحمام وهي تجهل وجوده بالغرفة يقوم بتبديل ملابسه .. اهتزت من هول طلته وهي تتأكد من قفل أخر زر بعباءتها لتردف بارتباك :
-أنتَ هنه ؟! أزيك عامل أيه ؟
انتهى من ارتداء سترته الشتوية بوجه بشوش لا يكفهر بوجهها أبدًا :
-ما زلتُ اتعافى برؤيتك ..
أحمر وجهها من شدة الخجل ، فتبرر :
-قصدي هتعمل أيـه ؟!
حك ذقنه البنيـة بثغر مبتسمٍ وهو يدنو خطوتين إليها :
-انتظرك !! وكُل منتظر إلاكِ مهيـن ..
اتسع بؤبؤ عينيها معلنًا خلجه منه وهي تقول :
-أنتَ عتچيب الكلام الحِلو قوي ديه منيـن !!
تجرأ وهو يفك المنشفة عن شعرها المبلول وهي يقول ممازحًا :
-فيمـا يهمك المصدر ، والناقل عبد المأمور وعيونه ..
تاهت بين حروف كلماته حرف تلو حرف مثلما تاهت أنظارها بين خيوط لحيته وهي تدمدم بخجل خالٍ من أي رهبة سابقة :
-عشان أجاريك ، يعني أنا متعودة اللي يقول لي كلمه أديله عشرة فوق نافوخه .. لكن أنت سِكتك واعرة قوي وأنا بتكفي (أقع) على بوزي من تعاتيرها ..
أطلق ضحكة عالية هزت جدران صدرها قبل جدران الغرفة وهو يقول :
-شكلك طولتي في قعدتك مع صفية !! وبعدين لو على الكلام الحِلو عندي منيـه كاتير .. بس أنتِ اشري .
كاد أن يحرر شعرها فتدللت رافضة وهي تتجه ناحية المرآة :
-يعني بتراوغ ومش هتقولي على المصدر !! ولا خايف أغلبـك في الكلام !!
ثم دارت له متحدية وهي تلوح بفرشاة الشعر :
-قول أنك خايف !!
تأملها قمره بنجوم عينيه السواطع وهو يقول مراوغًا :
-ايوة خايف بس عليكِ علشان مكان المصدر ديه صعب قوي وأنتِ مش قديـه .
رفعت حاجبها متدللة :
-أصعب من الطب !!
دنى منها وهي يسند كفيه على التسريحة لتقع سجينة حصونه وهو يقول :
-لغاية دِلوك الطب محتار فيهم !
أربكتها وهج أنفاسه الممزوج برائحة عطره الطيب وهي تسألها بصوتٍ خفيض :
-هما مين ؟!
-عينيكي الحلـوة دي !
أرسل لها غمز كان لها صدى الزلزال على تمردها ليحطمه كليًا ، ابتلعت غمزته كمن يبتلع قطعة من الحلوى لتقطع صفى وقتهم الذي كان ينتوى اغتنامه :
-شوفت اللي حُصل طول اليوم ؛ أحكي لك ؟!
أخذ الفرشاة من يدها وأجلها برفق على المقعد وشرع في تمشيط شعرها بسعادة على توصف وهو يطالعها بالمرآة متحمس لسماعهـا :
-كُلي أذان صاغية .. احكي .
شرعت فى سرد تفاصيل اليوم بحذافيره وهي تلوح بيديها كالطفلة الصغيرة.. حتى ختمت جملتها قائلة :
-بس أنا مسكتش للي اسمها زينة دي!! واديتها في جنابها !! والله أنا قلبي طيب وبكون عاوزة أعاملها زين ، بس هي بتضايقني يا ( هلال ) وتستاهل التهزيق الصراحة ووو
أحس أن هناك جدار عازل كان يفصل بينهما لقد تحطم للتو ، وضعت أطراف أناملها على شفتها مدركة خطئها وهي تناظره محملقة من هول نطق اسمه بدون ألقاب ، وتراقب أعينه المتلألئة، ففي وصل النظرات سحبها من شعرها برفق تام وهو يوشوش لها بقلب يتطاير قائلًا :
-وراكي حاچة بكرة ؟!
تأرجحت أعينها بذهول تحت ظل ابتسامتها الواسعة :
-ماورايش حاچة ؟! بس ليه !!
-عاوز أخد مرتي أفسحها هبابة بعيد عن النكد اللي محاوطنا ؟! فيها حاجة دي !!
أصدرت صوتًا نافيًا وهي تقع في غرامه بعدد دقات الساعة :
-تؤ .. مفيهاش حاچة !! هناخدو هاجر معانا ؟!
عض هلى شفته طالبًا من ربه الصبر على ما لم يستطع عليه صبرًا :
-واحد ومرته طالعين يشموا هبابة هوا ، هياخدو مِحرم معاهم يا رقية !! قومي نامي الله يهدي قلبك إليّ !!
ضحكت بصوت مكتوم ثم نهضت لتقدم له اعتذارًا بطريقة لطيفة :
-طب استنى .. عاوزة أصلي معاك قيام الليل ..
ثم أطرقت باستيحاء :
-أنا بقيت بصلي …-ثم غيرت نبرتها-ونقروا شوية قرآن لأمي .. أصلي برتاح لما اسمعه بصوتك وآكيد هي بترتاح زيي.
وضع قبلة بين جبينها :
-عليكِ الأمر .. وعليّ الطاعة .
••••••••••
~بغرفة أحلام~
تسللت ببطء من جوار ليلة التي عانت وهي تحكي لها عن قسوة الأيام عليها ، حتى انتشر مفعول الدواء بجسدها وغلبها النعاس فغاصت عيونها في بحر الحزن نائمة .. تناولت أحلام هاتفها بمهلٍ وهي تفتح الشُرفة المُطلة على الحديقة الخلفية تفتش عن رقم هارون بصعوبة .. ثم هاتفت لنفسها :
-هاه هارون أهو .. يارب ترد .
كان جالسًا تحت شجرة لقاءهم الثاني ، تلك الشجرة الشاهدة على اتفاق الشراكة بينهما ، أن يساعدها مقابل القليل من الأموال .. التوى ثغره بحسرة مدندنًا لنفسه " لقد ابتاعت قلبي بثمن بخس واليوم لا ابيع قلبٍ محمل بحبها بكنوز الدنيا ومن عليها " جاءه اتصال أحلام باللحظة التي صمت فيها صوت غناء منير ، فأجاب متلهفًا :
-ليلة چرالها حاجة يا أحلام ؟!
وشوشت له سرًا :
-لالا .. ليلة زي الفل ونايمة دِلوك ، عاوزاك تاجي من البلكونة ، فاتحالك الباب أها ، أوعى حد يوعالك ..
نهض يتسابق مع خطاوي الأرض:
-فهميني يا أحلام ؟!
-يا واد بطل غَلبه وتعالى ، هتعرف لما تيجي .
دقائق معدودة وكان يصعد درجتي السلم المفتوح على الشرفة .. فجذبته من يده سرًا وهي تتفقد المكان حولهما لتتأكد من عدم وجود أحد ليراهم .. جذبته لداخل الغرفة وقفلت الباب الخشبي وشدت الستائر وهي تقول :
-يلا .. نام جار مرتك وخدها في باطك وطبطب عليها ؟!
قرأت التعجب على ملامحه فلكزته بكتفه:
-يا واد اتحرك ، أصلو فال عفش تبات أنت في فرشة ومرتك في فرشة تانية ، ومع طلوع الشمش وأبقى أمشي ..
لم يجد طريقة يعبر بها لأحلام عن شكره إلا تقبيل جبهتها هامسًا :
-ربنا يخليكي لي يا أحلام !! كأنك قاعدة في راسي وعارفة اللي داير فيها .. ريحتيني ..
اهدته قبلة بيده ومسحت على وجهه :
-أنت واد قلبي يا عبيط ، أنت والتور التاني اللي طالق في الدنيا ومحدش عارف يوقفه .. يلا … بس استنى ..
ثم سحبته خطوة واشارت نحو الأريكة :
-افرد لي الكنبة دي خليني افرد ضهري عليها وأنت نام مُطرحي ..
-طب وأبوي ؟!
-أنا شيعت له البت تقوله نايمة جار ليلة مينفعش اسيبها لروحها .. ارتاح يا قلب أمك واشبع قلبك من مرتك ربنا يهدي سركم .
سحب الأريكة فتحولت لسرير ، وساعد أحلام في نومتها وشد الغطاء فوقها ، مُقبلا يدها :
-نوم العافية يا حبيبتي .
ثم نزع حذائه وقفل الأنوار وتسلل بمهـل ليشاركها نومتها الهادئة .. مدد على جانبه الأيمن وبدون أي مجهود منه حيث دلها قلبها إليه ، انسدت بحضنه فتبسم وهو يعبث بشعرها ويوزع على ملامحها النائمة قبلات صامتـة ، لا يسمع أحد ولكنها كانت تُرطب دواخله .. غمغم هامسًا :
-حقك عليّ يا ليلة ..
ثم شد الغطاء فوقهما كي لا تبرد وخبأها من قسوة العالم بين يديه لينام ليلة هنيـة بجوار من يُحب …
مع دقات الساعة السابعة صباحًا ؛ لقد فرغت أحلام من صلاة الفجر وظلت تذكر ربها حتى شروق الشمس ، وما شعرت بحركة سُكانها نهضت ببطء لتوقظه ، ربتت على كتفه مرتين وهي تتأمل جمالهم وتناغم أجسادهم التي لا تعرف التمرد والكبرياء .. فتح جفونه بكسل شديد وهو يتأملها:
-خير عليكِ يا أحلام ..
وشوشت له بحذر :
-خير عليك يا حبيبي .. صحيتك يقطعني ؟ قوم عاود على أوضتك قبل ما حد يوعاك ..
هز رأسه متفهمـا وهو يسحب ذراعه من تحت رأسها النائمة ذاكرًا اسم الله .. وانسحب بهدوء بعد ما طبع قبّلته الصباحية على وجنتها .. لملم أشياءه بدون صوت وراقبت له أحلام الأجواء وهي تقول همسًا:
-بركة أمك مش هنه ولا المقصوفة التانية ربنا يلويهم العمر كله ويريحونا من خوتتهم ، اطلع غير خلجاتك وادي حس لهيام تنزل تفطركم .. وأنا هروح أشوف أبوك.
مرت قرابة الساعة حتى داعب شعاع الشمس أعينها فتململت مستيقظة بقلبٍ لم يخفق ، لم يرتجف ، قلب يعُمه نكهة السلام .. اعتدلت من نومتها وهي تستنشق رائحة ملابسها والفراش بدهشة وتقول :
-برفيوم هارون أيه هيجيبه هنا !!
لم تنفرد برأسها المُلغم بالضجيج فدخلت أحلام مهللة :
-يادي النور على البنور !!أها اديكي صحيتي ، كنت چاية أقول لك تعالى افطري ، المهم نمتي زين ؟!
تبسمت مجاملة وقالت بشرود حول سؤالها :
-ااه نمت !!
فأشارت أحلام نحو الأريكة :
-وانا عشان مقلش راحتك ، نمت هنه ..
-ياخبر يا أحلام !! أنا اسفة بجد !! أنتِ ازاي تعملي كده ؟!
-سيبك من الحديت الفارغ ديه وقومي كُلي لقمة .. هيام عاملة فطور ملوكي .. وعمتك صفية مقاعداش ولا المدعوكة بت أخوها ..وهلال خد مرته وراح يفسحها وهيثم أبوه نزله قنا .. البيت رايق وفايق.. مفيهوش غيرنا .
هزت رأسها برفض قاطع :
-لالا ، أنا كمان شنطتي جاهزة أصلًا يادوب اتحرك على المطار ، عندي هوا بعد كام يوم ، ومامي مختفية قلقانة عليها وو
قاطعتها أحلام :
-على فكرة ليكي حق تزعلي من هارون، وانا كمان زعلانة منه ومش هكلمه .. بس
قاطعتها ليلة بذوق:
-لو سمحتِ مش عايزة اسمع حاجة في الموضوع ده !! وهارون خلاص لازم أنساه وو
-متظلمهوش يا ليلة ، وبعدين أنا لسه قايلة لعمك الحچ وهو قال كلمته ، قولتلو إنك عاوزة تمشي ، ومرضيش ، قال إنه عاوزك في موضوع في العشية بعد ما يعاود.
-موضوع أيه ده ؟!
تناولت أحلام قرص دواء الضغط ، وقالت بمكرٍ :
-وانا هعرف منين !! مقالش يابتي ..
تركت فراشها بشك ورائحته لم تفارق قلبها فتوقفت للحظة كانت الحيرة ستغتال رأسها :
-أحلام هارون جيه هنا بالليل ؟! أصل غريبة ؛ ريحته في المكان وفي هدومي !!
تبسمت أحلام بدهاءٍ :
-اه ، ريحته .. مانا على طول بحط منيها .. أهي عندك .
أومأت باقتناع .. خطت خطوة واحدة نحو الحمام ، فدخل هارون من الباب حرك قلبها من مكانه .. رمقته بتجاهل وهي تفتح حقيبة سفرها وتخرج منها المنشفة وملابسة جديدة متجاهلة وجوده تمامًا ، فأردف ممازحًا :
-وه داحنا لسه زعلانين !! طب ما تقوليلي يا أحلام أيه يراضيكي وأنا أعمله ..
انكمشت ملامح العجـوز بضجر مزيف:
-طول ما ليلة واخدة على خاطرها منك ، مش هكلمك يا هارون ..
تجاهلت حوارها وتأهبت ذاهبة للحمام فوق أمامها معاتبًا :
-هتفضلي مكشرة كتير !! يعني أنتِ وأحلام هتخاصموني في ليلة واحدة !! باه !!
ردت باختصار وهي تتحاشى النظر إليه :
-لو سمحت ممكن أعدى !
مسك ذقنهـا برفقٍ :
-قلبك مطاوعك على القسوة دي؟!
زفرت بحرقة تؤلمها :
-هارون وفر كلامك ، أنا مش هكون على ذمة واحد متجوز غيري .. وكمان أنا مستحيل أثق فيك بعد ما شوفتك بتضربها كده !! أنت ممكن في يوم تضربني زيها !! أنا مش عايزة أعيش مع حد وأنا خايفة منه .
-ومين قال لك أن على ذمتي في غيرك !! أنتِ الأولى والأخيرة يا ليلة ..
ثم داعب وجنتها بلطفٍ :
-وتتقطع يدي دي لو في يوم اتمدت عليكي بلمسة غير بالـ حب !
تراجعت خطوة للخلف :
-من فضلك ، أنا خلصت كلامي وأنت المفروض تحترم رغبتي وتطلقني وإلا هروح اشتكيك لعمو الحج .. وأقوله ابنك الكبير كسر عرفكم يا عمو .
ألتوى ثغره بابتسامة واسعة :
-وماله !! يلا نشتكي للحچ وكل اللي عنده مظلمة يقولها .. بس يكون في معلومك ؛ أبوي لو عرف أني متچوزك وكل واحد فينا نايم في فرشة غير التانية هيطخني !!
ثارت متمردة بوجهه:
-هارون أنا مش بهزر ..
-ولا أنا هزرت !! ما تقولي حاچة يا أحلام !
ألقت نظرة سريعة على أحلام ثم عادت رافعة سبابتها بوجهه :
-اسمع يا هارون ، أنا كنت صاحية وراجعة اسكندرية ، بس عمو الحج عايزني في موضوع سر ، أجلت سفري لبكرة عشانه ، ومعاك تفكر لحد بكرة ، ياما تطلقني أو هخلعك وهشهد عليك أقول خطفني وهسجنك ، وعشان تخلي اللي اسمها زينة دي تجيب لك عيش وحلاوة في التخشيبة .. وسع كده !!
ثم دفعته من أمامها وركضت لتحتمي بالحمام قبل أن ينكشف أمر حنينها ، نظر لأحلام بنفتذ صبر ، فطمئنته :
-طول ما أحلام في ضهرك متقلقش ..
زفر بامتعاض ثم دق باب الحمام لتفزع من الخوف وتوقفت عن غسل وجهها خشية أن يقتحم المكان عليها ولكنه جهر قائلًا :
-أنتِ هنه في العزايزة ، لا عندينا رجالة بتطلق ، ولا حريم بتخلع !! أحنا القانون .
استفزها بجملته الأخيرة ففتحت الباب والماء يتقطر من وجهها لتقول بدون تفكير للتحداه :
-بس اللي أعرفه أن جوازنا على ورق وبس ، يعني الطلاق عادي على فكرة .. شفت إنك مش هتضحك عليا !!
ونظرت لاحلأم كي تشكوا لها بطيب خاطر :
-هو ملمسنيش يا أحلام والله ؟! يعني أنا مش مراته أصلًا .
ألقى نظرة نحو صنبور المياه المفتوح وهو يحك ذقنه متمتمًا :
-معندكيش سر أبدًا ؟!! طب أودي وشي من أحلام فين !!
أخفت أحلام ابتسامتها وهي ترتسم الجدية :
-البنية عداها العيب يا هارون ..
نظرت له بانتصار :
-شوفت !! مالكش حجة بقى .
لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه وهو يسحبها نحو باب الحمام المفتوح ليتوارى عن أحلام بنظرات متقدة أرعبتها وهو يعلنها صراحة :
-وأنا ممكن أخليكي مالكش حجة بردك !!
بنبرة صوتها الناعمة وهي تبلل حلقها :
-أنا مستحيل أبقى مراتك يا هارون !
-قولت لك زينة وضع مؤقت يا ليلة ؟!
فعاندته :
-وأنت كذبت ؛ كذبت عليا يا هارون !! مدتنيش حتى حرية قبول الوضع ده أو رفضه !! ارجوك احترم رغبتي ..
تنهد بضيقٍ وهو يبتعد عنها :
-أرچوكي أنتِ متصعبيش عليّ الحياة ، هي معصلچة لوحديها .. أنا كنت مفكر أنك أول واحدة هتفهميني !!
ردت بخزى الدموع تترقرق منها:
-سيبني أمشي بهدوء يا هارون .. واضح أن أحنا الاتنين مقدرناش نفهم بعض.
هناك فطرة مجهولة بنفسك المرء لا يلتفت إليها البعض ، أن الإنسان دومًا ما يحبث فى الحياة عن مكان آمن وسط الضجيج فلا يحتاج فيه أن يتكلف ليُقبل ، أن يحمل ورود الاعتذار طوال الوقت ، أن يلقى رأسه على كتف أحدهما بدون شرح ، تلك هى غاية المرء مهما تاه بين الرغبات .
حمل عتق همه وتركها ورحل بدون كلمة إضافية ، قابلتـه هيام لتخبره :
-قولت لرغد انك عاوزها ، واهي نازلة وراي ..
رد بلا اهتمام :
-اتأسفيلها وقوليلها چالي شغل ياهيام …في الليل أقابلها .
••••••••••
غابت شمس هذا اليوم المُغبر بالحيرة ..
حيرة هذا الرجل الذي يجلس أمام حفرة النيران يتدفأ أثناء ورديته في الكميـن ويتابع حركة الإرهابيين بالمنطقة ..
في حالة مستمرة من الثوران ، يتعامل بقسوة مع الجميع ، يضجر من ناموسة شاغبت أنفه ، وكل ما يضيق بهِ الحال يعود لصورهما معًا لذكرياتهم القديمة ، لأيامٍ كان يهرب من العالم إليها .. ما أشهى اللحظات السرية بين اثنين التقيا باسم الحب ، وما أشرس العلنية التي ابعدتني عن ملجأي وسري الآمن !!
جاء العسكري ليُخبره :
-هاشم بيـه !! العسكري بتاعنا بيقول في حركة تقلق على بعد كيلو من الكمين !!
رمى هاتفه بجيبه وأمسك سلاحه بحماس:
-قول للرچالة يجهزوا .
~بيت صالح الطحاوي~
-يعني عاجبك يا عمتي تقطيم أمي فيّ ؟! غلطت عشان دافعت عن چوزي ؟! طب اشتكي لمين ؟! كلكم عليّ !! الحيطة المايلة بتاعتكم بقيت !
ظلت تنوح كالبومة فوق مسامع عمتهـا التي قادت بها نيران الحقد لتجاهل زوجها وابناءها لعدم وجودها لتقوم :
-المصاروة هياخدو عيالي مني !! اسمعي يابت يا زينة ، عايزاكي تفتحي مخك زين ، لو عاوزة هارون يرجعلك ، يبقى تسمعي كلام عمتك وفكك من حديت أمك الماسخ .
مر اليوم مرورًا لطيفًا على انشغال نسوة القصر بالأجواء المرحة ، منهم من تولت مهمة الطهي ، منهم من تولت مهمة الحلويات !!
وتولت هاجر مهمة غسل الأطباق بأمر من أحلام ولتساعد فردوس التي عادت من إجازتها الأسبوعية .. شرعت ليلة برص الأطباق على السفرة بأجواء يعمها الضحك والمرح والتعاون بدون دس أنفس خبيثة بينهن .. حيث قامت رغد بصنع العديد من الحلوى المميزة والغريبة لهم .. التي انهرن بها الجميع وراقت لهم ..
بدأ موسم الربيع لكل من " رؤوف ونجاة " و " هلال ورقية " كلامها يمرحان في ساحة الحب بلا توقف ، الجميع يود وقوف الساعة عند تلك اللحظات الثرية التي لا تُقدر بثـمن ..
جاء المسـاء؛ وبعد تناولهم للطعام وانضم لهم هيثم والحج خليفة الذي لم يكمل أكله فجاءه زوار بالخارج .. كان الطعام شهيًا للغاية وكانت النفوس الطيبـة تجمله أكثر وأكثر .. ضُبت الأطباق من على الطاولة ، واعدت هيام أكواب الشاي ، وبدأت رحلة السمر والسهر في غرفة أحلام .. احتشدت الفتيات حولها يضحكن ويلعبن ويزينن المكان ببهجة حضروهن ..
عادت رقية بعد يوم حافل قضته مع زوجها بالمدينة وهي تحمل بيدها الكثير من الحقائب التي ابتاعتها والأكثر منهم بيده ، جذبها أصوات الضحك ، فاستأذنت زوجها قائلة :
-هروح أشوفهم وأقعد شوية ؟!
أومى بالموافقة ، فركضت رقية نحو الغرفة والضحكة تتسطرة على وجهها :
-خير اللهم اجعله خير ؟! متچمعين عند النبي ؟!
صاحت هاجر فارحة :
-وأهي رقية جت !! أحنا نسهروا للصبح ، هركب أجيب لكم كوتشينة !! ونلعبوا .. ولا طاولة !! في أوضة هيثم في طاولة ! وكش ملك ! تختاروا ايه ! يلا بسرعة هطلع اسرق من فوق وهضحى بنفسي عشانكم .
ذاعت ليلة بأسفٍ :
-بس أنا معرفش ألعب طاولة ولا كش ملك !
فسألت رغد :
-انتي ايه رايك ؟!
فأردفت :
-أخوكي علمني كل ده ! أنا بقيت ألعب معاه بلايستيشن ؟! متخيلين !! انا معاكم في اي حاجة ..
فذاعت رقية :
-يبقى نلعبوا كوتشينة ، والشايب !! والأحكام تتنفذ ، كلنا بنعرف نلعبها ، حتى أحلام وفردوس يلعبوا معانا ..
فنظرت لها أحلام باعتراض:
-الليل چيه يا ختي ؟! أنتِ أيه مقعدك وسطينا !وسط شِلة الأُنس .؟
اتسعت الأعين حول بذهول ، فأردفت :
-ما استأذنت هلال وقالي براحتي !! هي فين المشكلة ؟!
زفر أحلام بضيق :
-دي ليلة خميس !! كيف سايبة چوزك وچاية تتسايري معانا!! طب دول ورچالتهم هاجة !! أنتِ چوزك في قفصك يا عبيطة ..
أحمر وجه رقيـة من شدة الخجل :
-يعني أعمل أيه بردك !! يعني أيه الخميس ! منا مش فاهمة !! هلال مصمش النهاردة عشان أواخر شعبان!
فتدخلت ليلة مستفسرة :
-ولا انا فاهمة يعني ماله الخميس يا أحلام !!
ضربت أحلام كف على الأخر وهي تنظر لفردوس :
-دي بنات أيه دي ؟!!!
ثم نظرت أحلام لرغد :
-طب أنتي فاهمة يا رغدة ولا خيبة زيهم؟!
داعبت خصلة شعرها بخجل :
-فاهمة طبعًا يا طنت.. بس شكلهم هما اللي مش فاهمين بجد !!
فتفوهت فردوس قائلة بدلال :
-الخميس يعني أوضة حمرة وحتة حمرة ولمبة حمرة .
فأردفت رقية باندفاع :
-ايه الرعب ده يا فردوس!!دي أوضة أشباح!
صاحت اصوات الضحك على عفوية فردوس وحماقة رقية ، فاختبأت ليلة بذراع أحلام هامسة:
-هي بجد قصدها حاجات متصحش !! بس أيه علاقة الخميس بردو !! مال الأشباح بقا؟!
لكزتها أحلام بمداعبة :
-دانت كمان طلعت خيبة !! أومال واقفة قصاد الواد ومقوية صدرك وديه ملمسنيش يا أحلام ..
هزت كتفيها بعفوية وهمست لها :
-لا دي جملة سمعتها في كذا فيلم ، قولت اقولها في اي خناقة ، وعدت عادي !! يعني انا نجحت وعرفت أقف قصاد هارون ؟
تمتمت أحلام بحسرة وهي تشكو لفردوس:
-دول طلعوا خيبة تقيلة يا فردوس !! يا خسارة الرجالة اللي تفرح .. ناولوني برشامة الضغط .
ثم شدت رقية من أذنها بعد ما أمرت هاجر أن تقفل الباب وهي تحذرها :
-كل كلمة هقولها هتروحي تنفذيها لجوزك بالحرف !! أم أربعة وأربعين مش قاعدة ، اكسبي الوقت يا عبيطة !
ردت بحماقة :
-اروح اعمله وكل طب بس أحنا واكلين وشبعانين !!
صاحت أحلام بغل :
-هاتي لي خرزانة للبنات دي يا فردوس، أومال علام أيه اللي اتعلمتوه !! اسمعي يابت !!
فتدخلت ليلة بمزاحٍ :
-ركزي واحفظي كويس يا رقية متزعليش أحلام .
هبت أحلام بوجهها وهي تلكزها :
-أنتِ بالذات تسكتي ، لساته دورك مچاش !!
انكمشت ليلة حول نفسها :
-قاعدة مؤدبة والله أهو !!
أحلام بقهرة :
-هتخلوني أندب لكم كيف القوقة صفية وأقول يا وقعة الرچالة اللي ربتها وكبرتها !!
فأردفت رقية باستسلام :
-سامعة أهو وهنفذ بالحرف …..
~ بالخارج ~
أوقف الحج خليفـة هارون ليأمره :
-عاوزين نروحوا بيت الچباس ، نچيبوا نغم ونتصالحوا معاهم .
انفعل هارون بذهول :
-أنا لو جاورت فارس ولد الچباس في قعدة هتبقى عركة يا أبوي ويا يقتلني يا أقتله !!
رواية آصرة العزايزه الفصل الثامن 8 - بقلم نهال مصطفى
" كان يوم حُبك .. أجمل صُدفة "✨
اليوم تعثـر قلبي بين حروف هذا النص :
" سيجمعك النصيب بـ شخص، كقصيدةٍ كتبتها الأرض، لتبقيكَ على قيد الحياة."
دائمًا هناك إحتمالية لوجود شخص مذهل في حياتنا لا زلنا ننتظره ، نأكل ساعات العُمر عدًا لنلتقي بهِ ، ويقينًا بسخاء الأقدار سنلقاه يومًا ما ..
شخص منسوج من خيوط الشِعر ؛ يشبهنا ويشبه قلوبنا الحالمة .. خفيف على النفس ، لديه ابتسامة يهابها حزني ، يؤنس الليل برفقته عوضًا عن النجوم !! يملك روحًا تألفني وآلفها ، أقراه بدون حوار ، ويقرأني بدون كلف !!
كل منا بقلبه صفات شخص مزروعة بصدره ، ما زرعها النصيب ليعذبنا ، بل ليُقربنا من أشباهنا .. سنلتقي به في ساعة ما وبصدفة فريدة من نوعها على برزخ لا يبغيان لنودع ملوحة الحلم ، ونرتوى بعذوبة الحقيقة ..
حينها سأعلنها للجميع فارحة
"كان يوم حُبك .. أجمل صُدفة "🤎✨
-"تفتكروا رقيـة هتنجح ؟!"
أردفت رغد سؤالها الآخير بمزاح بعد ما ألقت "أحلام" على مسامعها عدة نصائح سرًا بعيدًا عن الفتيات ..فأجابت ليلة :
-شكلها شطورة وهتنجح..
فـ صاحت أحلام مغلولة :
-أناي ماعارفاش أيه مصبر الرچالة دي عليكم !! بنات آخر زمن!
فتدخلت هاچر بفضول :
-ألا قوليـلي يا أحلام !! أنتي والبت رقية اتودوتوا على چنب إكده ، قولت لها أيه ؟! من باب العلم بالشيء يعني !! عشان أرفع راسك بكره وبعده .
زفرت أحلام :
-شوف البت اللمضة ، خليكِ في حالك !! لما تكبري ياختي .
-منا كبرت .. يلا قولي يلا يا أحلام يا عسلية ..هاه ليه مش عايزة تقولي ؟!
-منا لو كنت عاوزة أقول ، كُنت هكلمها قِدامكم .. وبعدين لما تاچي تتچوزي ، ليّ قعدة معاكي زي اللي قعدتها مع هيام .
تنهدت بأمل :
-يارب اتچوز بكرة .
وبختها هيام :
-ما تتلمي يا بت !! مالك مدلوقة على الچواز زي الهبلة إكده !! ديه هم وغم ..
ضربتها أحلام في ركبتها بغلٍ :
-كام مرة أقولك متسمعيش لأمك الفقرية دي !! والله ما حد چايب لنا الهم والغم غيرها .
فتدخلت ليلة فـ حوارهم :
-طيب هتقوليلي أنا لما يمشوا يا أحلام ؟!
ردت بطيبة :
-من عيني يا قلب أحلام !
صاحت هاجر معاندة :
-هاه ؟! اشمعنا ليلة يعني هتقوليلها ؟! ماهي هي مش متچوزة !! لالا أعترض..
ضربتها برفق :
-بردك خليكِ في حالك ..
-طب نصيغُ السؤال بطريقة تانية ، أنا وراكي وراكي .
ثم تربعت هاجر في منتصف السرير وثرثرت :
-طالما الچواز مش هم وغم ، ما تقولي أنتِ الحلو اللي فيه يا ست أحلام ؟! يستاهل يعني كل الضچة دي!!
-هقولكم عشان تحل من على راسي .
طافت عينيها على حلقة النظرات التي تحاوطها ، ورأس ليلة التي اتكأت على كتفها لتسمع لها متنهدة وخيالها يجمعها معه مع حبيبها ، واعتدال رغد المتكئة على الوسادة .. ولمعة الحب الكامن بأعين هيام ، وحماس هاجر وفرحتها لأنها وصلت لمبتغاها .. وابتسامة فردوس الشغوفة .. ضمت أحلام كف ليلة بحنان وهي تقول :
-ااااه أقول أيه أجمل من قول حبيبنا رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام " إذا تزوج الإنسان ؛ فقد أحرز شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الآخر " .. ربنا خلى نص الدين بعظمته في الچواز ، والنص التاني بصعابه عليك أنتَ .. الچواز رحلة بيبدأوها اتنين ربنا خلقهم لبعض من قبل ما يخلق الأرض دي .. أول عمود يقيم عليه المودة والرحمة ، تخيلي لو مفيش مودة ورحمة ينفع !! طب ينفع كافر يصلي !! هيحس بالوصال بقلبه كيف !! رجل وست ربنا خلقهم من بعض ولبعض عشان يستروا بعض .. الچواز الصُح وحتة من چنة ربنا على أرضنا هي أنه يجمعك بحبيبك … ياااااه النومة في حضنه هتخليكي تنسي الدنيا باللي فيها .. حبوا وأعشقوا يا بنات ، الحُب ديه هو اللي بيهون مُر الحياة .. عدوا وفوتوا لبعض عشان تسعدوا .. سيبكم من اللي يسم بدنكم ويبعدكم عن حلال ربنا ، ربنا محللش حاچة مش محتاچينها .. حلال ربنا حِلو قوي قوي ….
فتدخلت ليلة تحت تأثير كلمات الحب :
-أحلام ، أنتِ وعمو الحچ ، اتعرفتوا ازاي ؟! اتچوزتوا صالونات ولا قصة حُب كبيرة وكده !
-لا ديه موضوع يطول شرحه…..
ظلت "رقية "قرابة العشر دقائق تجوب أمام باب الغرفة حتى عزمت أمرها ودخلت بارتباك يزلزل صوتها :
-هلال ، زين منمتش .. اااا
قفل كتاب الفقه من يده :
-في حاچة يا رقية ؟!
بإبهامها مشيرة على الباب:
-ااه ، أحلام .. ااا عايزاك معرفش في أيه تحت .. دلوك ، ضروري .. انزل شوفها.
عقد حاجبيه مندهشًا وهو يلبي النداء فورًا ويرتدي نعاله الجلدي :
-خير يا رب، هي عيانة !!
-لالا .. بس قالت لي شيعي على هلال .
فارق الغرفة مشغول البال حول الأمر الذي تريده لأجله .. وسرعان ما قفلت رقية الباب خلفه وهي تتنفس الصعداء:
-استر يا رب .. أنا بسمع كلامك ليه بس يا أحلام !!
خرجت ليلة من الغرفة مرتدية ( بيچامة ) فضفاضة وتحركت نحو الباب الخارجي بناء على طلب أحلام ، فألتقت بكل من هارون وهيثم وأبيهم يجلسون في ساحة المبنى ، فأردفت بعفوية متجاهلة وجود هارون الذي تتوقت إليه كثيرًا :
-مساء الخير يا عمو .. -ثم نظرت لهيثم -هالو ياهيثم فينك من الصبح ، كنت بدور عليك على فكرة .
أشعلت فتيل الغيرة بصدر هارون الجالس يقتنصها بنظره ، ليندفع قائلًا بحنق :
-ليه يعني ؟!
-قالت هيثم مش هارون ، هيثم فيه لسان وهيرد عليها ، سيبه يرد عاد؟!
استقبلها " هيثم" مرحبًا كعادته بعد ما وبخ أخيه :
-هالوه عليكِ يا ليلة ..
ثم مال إليها مكملًا :
-إلا قوليلي هو أنتِ تملي حِلوة قوي إكده !! حلوة جدًا !! حِلوة خالص !! مفيش مرة تبقي حلوة بس بدون إضافات؟!
كانت تشُم رائحة النيران المتصاعدة من رأس هارون الجالس لتُجيب هيثم وعيناها لا ترى سواه :
-مرسي يا هيثم ، أنتَ أحلى آكيد ..
ثم نظرت للحج خليفة :
-طنت أحلام قالت لي حضرتك عايز تتكلم معايا ؛ خير يا عمو !!
-دقيقة يا أبوي !!
هب بركان غضبه بين الحديث ليقف معاتبًا :
-يعني سلمتي على أبوي ، وهالوه يا هيثم!! وأنا هوا ، مفيش حتى سلام ربنا !! مفيش حاجة واصل !!؟
تأففت موارية مشاعرها الحقيقية:
-لا مفيش ، ولو سمحت موجهتش لحضرتك كلام .. -ثم تمتمت هامسة - وبلاش طريقتك دي قُدام عمو الحج .
صاح هيثم مذهولًا :
-باه باه باه !! أنتوا متعاركين ولا أيه ؟! أيه الحوار يا وِلد أبوي!
ثم مال على مسامع أخيه الواقف خلفه :
-يعني أنت عملت فيها طرزان وسبت فرحك عشان تچيبها من مصر لغاية هنه ، وچايبها اهنه عشان تتعارك معاها وتنكد على القمر بتاعنا !!يرضي مين ديه !! هو أنت وهاشم أخوك كنتوا تشربوا لبن نفس العچل ؟!!!
ضغط على مشط قدم أخيه بغل كي يخرسه :
-حط مركوب في خشمك واسكت .. بدل ما أسكتك بقيت عمرك .
تدخلت ليلة في حوارهم بتردد :
-هو فيه أيه !! قصدي هيثم .. أحلام عايزاك جوه .
صاح الحج خليفة من ورائهم قائلًا :
-تعالي يا ليلة يابتي ، أقُعدي چاري .
أخذت الأذن صمتًا من أعين هارون متحاشية الحديث معه وقالت :
-حاضر يا عمو ..
تحرك هيثم لرؤية أحلام ، فأمره هارون قائلًا بصوت خفيض:
-قول لمراة هاشم عاوز اتكلم معاها هبابة .
ثم عاد ليجلس مع أبيه الذي ذاع قائلًا :
-عمتك أحلام قالت أنك معاودة على بحري !! ليه مستعچلة قوي إكده !! كان حد داس لك على طرف يا بتي .
بارتباك بينّ في حركة كفوفها المتمسحة ببعضها وهي ترسل فيض من النظرات لهارون :
-لا يا عمو ، بس عشان شُغلي و كمان مامتي قلقانة عليها .. وو
-أنتِ لحقتي !! چيتي في أيه وهتردي على بلدكم فـ ايه ؟! لو حد زعلك هنه قوليلي وأناي أقطع لك خبره .
اشتد عضضها بكلمة الرجل العجوز كأنها عثرت على جدار آخر أمان لتحتمي به :
-حضرتك طيب خالص ياعمو ، بس مفيش حد زعلني .. لالا الصراحة فيه .. لا مفيش بس لو حد زعلني هقولك على طول طبعا .
فأردف بعزمٍ:
-يبقى تفضلي مأنسانا كام يوم كمان لغاية ما تشمي نفسك من فرهدة السفر ..
هبت معترضة :
-هااه !! لا يا عمو مش هينفع …
فتدخل هارون بحـدة :
-كلمة كبيرنا ميتى عنردوها يا ليلة .
ثم تلاقت أعين الأب وابنه بنظرة مجهولة لا يعلم مغزاها غيرهم .. فوقفت ليلة مستأذنة :
-أنا هدخل جوة يا عمو .. بعد اذنك .
تلاقي الإخوان في نقطة ما من ساحة القصر ليتساءل هلال متعجبًا :
-أنت كمان چاي لأحلام !!
-قالت عاوزاني ..
ما وصل لأعتاب الغرفة فأعقب هيثم قائلًا :
-رغدا ، هارون عاوزك بره ..
فأكمل هلال متجاهلًا همز وغمز الفتيات :
-خير يا أحلام ؟!
-تعالى أنت وهيثم قِلوا الكنبة دي وودوها هنه ، وبعد ما تخصلوا زحزحوا الدِلاب جارها .. وعاوزاكم تزنقوا السرير ديه على الحيطة .. -ثم أشارت نحو ركن ما -بس الركن هيتساب فاضي !! لا أنتوا تحملوا كرسين من الصالة وتحطوهم هنه .. هتقل عليكم يا ولدي !!
تبادلت أنظار الاثنين بدهشة ليردف هيثم متعجبًا :
-أنتِ تحكي چد يا أحلام !! ليه هدة الحيل دي ؟! طب هلال ديه ودخل دِنيا !! أناِ ضهري مرتستقه على حمولة العروسة مش قَل المُولة .
-ماهو قرك ديه اللي مش مخليني أشوف يوم عدل .. اقفل عينك عن حياتي واعتقني لوچه الله .
فأكمل هلال معارضًا :
-دِلوق يا أحلام !! أنتِ مش شايفة الساعة وديه وقت نوم !! قصدي نهار ربنا له عنين يعني .
أصرت أحلام على موقفها :
-أهوه كيفي إكده ، دِلوق يعني دِلوق يا هلال.
أومأ بطاعة :
-أمرك يا أحلام .. يلا يا هيثم متزعلهاش .
~بالخارج~
-كان عندي أمل اتعرف عليكم في ظروف أحسن من كده ، بس الله يسامح أخوك .
أردفت " رغد" جملتها وهي تتكئ على السور الرخامي خلفها موجهه حديثها لهارون الذي أعقب مستفسرًا :
-أوعدك كل حاچة هتتحل بس في وقتها المناسب ، دِلوق اللي عايز أعرفه قبل ما أكلم هاشم !! أيه اللي حُصل قلب نفوخه إكده !!
أطلقت ضحكة متحسرة :
-أخوك زهق ، لعب شوية باللعبة لحد ما زهق وقال أما يغيرها قبل ما يتورط فيها بجد..
-بس ديه مش طباع هاشم أخوي ؟! وحتى لو فكر إكده مش بكيفه دِلوق فيه عيل چاي فالطريق !! أيه ذنبه !!
-وأنا كمان أيه ذنبي أعيش مع أخوك سنتين في السر وتكون دي جزاتي !! أخوك المحترم عايزني أقتل ابني يا هارون !! مش عايز يخلف مني .. عايزني أبقى مرته فالسر حتى الأمومة بيحرمني منها .. أنا مصدومة في أخوك وعمري ما هسامحه .. وابنكم اللي في بطني لو مش عايزينه أنا عايزاه .
كانت العِبرات تسيل من مُقلتيها بحرقة مما أشعل فتيل الغضب بقلبه نحو أخيه ليقول :
-مفيش الحديت ديه !! عيالنا هتتربى وسطينا ، برضى هاشم أو غصب عنه .
ترجته :
-ما نقصر الشر وسبوني أمشي يا هارون .. أخوك ضحى بيا ومش عايزني أنا واللي في بطني، أنا ماليش عيش هنا ، ياريتي مشيت وهربت بدل العذاب ده .
-يا بت الناس أحنا عاوزين نحلوا مش نعقدوا الأمور .. قولي أنتِ طلباتك وأنا رقبتي ليك .
مسحت عبرات حزنها لتحافظ على قوتها أمامه وقالت لائحة شروطها :
-أخوك يسجل عقد الجواز ، وأول ما البيبي يجي بالسلامة يسجله باسمه ، ويطلقني وارجع بلدي.. وطبعا حضانة الطفل هتكون معايا .. بس آكيد مش هحرمكم من ابنكم ، تقدروا تشوفوه في أي وقت .
-حقك ، مش هلومك .. ومن الساعة دي لغاية ما ولدك يشرف أوعدك كل حاچة هتكون محلولة ..
~بالداخل~
-أحلام ، قولي لهارون يطلقني .. أنا مش مرتاحة كده .. ومضايقة .
همست لأحلام الجالسة على الأريكة تراقب هلال وهيثم اللذان ينقلان فراشها كما أمرت .. لتُجيب :
-ليّ كلام تاني معاكي بس لما نكونو لحالنا .
ثم صاحت منتبهه :
-المُولة يخربيت أمك ، بالراحة على السرير .
زفر هيثم :
-أحلام أنا حيلي اتهد ، ما نكملو بكرة .. ايه طلعها في راسك دِلوق؟!
-اشتغل وأنت ساكت يا واد .
أكمل مغلوبًا على أمره :
-قِل ، قِل يا هلال لما نشوفوا أخرتها .
وشوشت فردوس لأحلام مشفقة على حالتهم :
-ما بزياداه الشيخ هلال ، الچدع ما يعرفش الشيل والحط اللي مستنيه فوق ..
لكزتها بحذر :
-خلي عوده يتشد .. -ثم صاحت لهيام وهاجر آمرة-واحدة فيكم تمسح والتانية تفرش السرير .
اقتحم هارون الغرفة متعجبًا على حالتها :
-أنتوا عاملين في الأوضة كِده ليه !!
تلقته أحلام بعفويتها :
-وِلد حلال مصفى ، في كرسين المركونين تحت الشباك بره ، هاتهم حطهم في الزنقور دي .. شهل شهل يا هارون وخد بيدهم .
تأرجحت عينيه باستغراب :
-أشيل وأحط ؟! أنا العمدة هِنه يا أحلام !
هبت معترضة :
-أنتَ العُمدة على عيني وعلى راسي ، بس براة البيت دي يا قلب أمك .. أنا الكبيرة هنه وكلكم تسمعوا الكلام .. يلا ساعد مع أخواتك وبطل غلبة .
ألقى نظرة ماكرة نحو ليلة التي لا تناظره وهو يتأمل معالم وجهها المتواري والذي يخفي الضحك عنه ، نزل " لاسته " المُعلقة على كتفه ويلقيها بجوار" ليلة"وهو يعض على شفتيه مغرمًا :
-استعنا بالله على الشقى المخفي ديه .
نظرت ليلة بفخر لأحلام بعد ما فارقهم هارون :
-براڤو عليكي يا أحلام ، خليه هو كمان يشتغل .. فاكر نفسه قال حضرة العمدة يدي أوامر وبس !! لا ويكذب عليا كمان ، فاكر أن الدنيا كلها هتمشي بأمره .. مغرور أوي .
لكزتها أحلام بعتب :
-ما يتغر براحته ، دي هارون العزايزي تربية يدي ، وأنت يا بت اتعدلي كِده ومتكشريش في وش الراجل بدل ما أعدلك .
بذعر أرنب تمتمت :
-مالك يا أحلام ، لقبتي عليا ليه أنا كمان !! أنا ليلة حبيبتك .
-حبيبتي يبقى تسمعي كلامي ..
وصل هارون حاملًا المقعد الخشبي الثقيـل ليدخله من الغرفة التي عاقت دخوله .. حاول بكل الطرق حتى استقر على :
-لازمًا نخلعوا الباب اللول ..
ثم وقف أمام الباب واحتتضنه تحت نظرات ليلة التي أحست بالشفقة على حاله .. وبخطأ بسيط منه دهس طرف الباب أنامله ليندفع منه صوت الألم فجاة ، مما جعل ليلة تفقد صوابها وتركض نحوه ملهوفة متناسية حزنها منه و أمر الجميع حولها :
-مش تخلي بالك !! وريني كده ..
ثم قربته من ثغره ونفخت فيهما بحنية لتعود متسائلة ومتألمة لألمه :
-بتوجعك أوي صح !!
كل شيء يمكن أي يُخفى إلا لهفة المُحب .. نسي هارون وجعه من رقة لهفتها وسماعه لصوت ضربات قلبها التي تتسابق خوفًا عليه ليقول بحنـو وهو يضم كفها بمكر منه ويهمس لها:
-خايفة عليّ ؟!!
ضجرت ملامح وجه هلال وهو يراقب أخيه يرتكب خطئًا فادحًا هكذا .. حك ذقنه مختنقًا :
-هارون !!
فاق هارون من كأس الحب الذي تجرعه رشفة واحدة ليبتعد عن ليلته عائدًا لرشده خاصة بعد وقوف هلال بجانبه وهو يرسل العتب الحاد لعينيه :
-هساعدك يلا خلينا نخلصوا ..
ما انصرفت ليلة بخجل لتختبئ خلف أحلام لتوشوش لها مبررة
-أنا لسه مخصماه على فكرة ..
أحلام بنفاذ صبر:
-اها منا واخدة بالي ، صبرني على الچيل المنيل بستين نيلة ديه يارب .
استغل هلال الفرصة ليحذر أخيه بهمس :
-لا تدع مدخلًا لشيطانك .. دي أجنبية لا تحل لك ..
تحمحم هارون يضب ملابسه :
-تمام يا شيخنا .. أسفين .
ثم وشوش له وهو يعاونه في خلع الباب :
-خد بالك على خطواتك يا هارون .. لا تفتح بنفسك أبواب جهنم .. هذه ضيفة نراعي الله في حدود الضيف والهوى .
نزع الأخوين الباب فتهامس هارون :
-استغفر الله العظيم، ما توحد الله ياعم .. شيل شيل مرق يومك أنت التاني .
••••••••••
~دوار الچباس ~
-يعني أيه الحديت ديه يا أبوي !! وافرض هي مش عاوزة ؟!
صاح فارس معترضًا على أمر أبيه مردفًا جملته الأخيرة ، فأعقب أبيه مكررًا :
-هچوزها لأخوك !! وناخدو شورها !! خلينا نلموا الشمل يا ولدي .. البت غلبانة.
كور قبضته فبرزت عروقه من شِدة الاختناق ليفزع قائمًا :
-أخوي عندو علم !!
-لا أنا قولت افاتحك أنتَ اللول .. وأشوف رأيك .. أصلو عمك فخر لمح إنه عايزها لحد من عياله ، فقولت ليه !! وإحنا أولى بلحمنا ..
بداخله بركان ثار كُتمت فوهته وهو يقول :
-الشورة شورتها .. شوف رأيها ، أنا خالي يدي من حوارات نغم دي خالص ..ولا تهمني في حاچة .
وقف أبيه يعترض طريقه :
-خُد هِنه ، مالك حاطط بت عمك فوق راسك وزاعق بدل ما تسندها !! عملت لك أيه البت ؟! بدل ما نحاوطوها وناخدوها تحت جناحنا !! أعقل يا فارس …
"أشد ما أصابني مؤخرًا هو أني لم أعد أحمل في داخلي أية إعتراضات أو موافقة، لا مُسير ولا مُخير، لا أعرف الفارق بين الحُب والكُره !! البقاء والتخلي ؟! الحفاظ أم الانتقام !! كأن كل شيء يُشبه اللاشيء، لا فرق بين التوقف أو الإستمرار، الشعور واللاشعور، خاوٍ من كل مظاهر الحياة وكأنها لا تعنيني."
قطع حوارهم دخول أحد الغفر مناديًا :
-فارس بيه ، عاوزك ضروري ..
ترك أبيه وتحرك خلف الرجل باهتمام ، وقف الاثنان جنبًا :
-خير يا واد !! جاي بخبر ولا زي كل مرة ..
شد على حزام سلاح الجلدي المُعلق على كتفه :
-اسمع الخبر اللي هيقيد النار في العزايزة ..ويوقع خليفة في شر أعماله .
-أخلص قول ..
-عمك خليفة .. له فترة قالب الدنيا على واحد اسمه " محي الصفدي " الواد كان راعي غنم ، من النچع القبلي ..
التفت إليه باهتمام :
-ليه …؟
-الواد اللي تبعي سمعه بيتحدت مع واحد في التليفون ، واللي فهمو ، أن في بت ابوها وامها اتقتلوا من زمن .. والبت ربوها أب وأم تانيين من بحري ، والسر كله عند خليفة.. خليفة عاوز يثبت نسب البت للعزايزة .. ومحي ديه هو الشاهد على كُل حاچة .
عقد حاجبيه :
-طب وفين المشكلة ؟!
-ماني دعبست ورا الحوار ، وكلمة على كلمة ربطت الموضوع في راسي .. عارف البت دي يبقوا مين ناسها !! تاخد لبالك قضية ماهر العزايزي ومرته اللي قتلوهم فالچبل .. أهي البت اللي عيتكلم عنها خليفة دي بتهم .. والبت مصيرها الموت كيف أبوها وأمها .. عمك خليفة عمال يدعبس عشان يلبس العزايزة طُرح ومحدش يصيب البت بمكروه ..وكمان فضل ساتر عليها السنين دي كلها..
يبدو أن الانتقام قُدم إليه على طبقٍ من ذهب ، ليتلهف شغوفًا :
-إحنا لازمًا نعرفوا طريق البت دي .. قول للراجل بتاعك عينك ولا ودانه متغفلش عن خليفة وولده ….
ابتسم الرجل قائلًا :
-ماني عرفت !! والبت قاعدة في بيته دِلوق .. تاخد لبالك في بت غريبة إچيت النچع يوم چواز هارون وهاشم .. والبت من ساعتها ميتى طُلعت من الدار..
-يبقى تتأكدلي وتچيب لي رقبة الموضوع ديه..وبيدي هفتح قبر خليفة وولده..
•••••••••
~عودة لقصر خليفـة العزايزي~
وقف "هلال" يتصبب عرقًا وهو يقول لأحلام مضطرًا وهي يلهث ويمسح حبيبات المطر عن وجهه :
-أي أوامر تانيـة يا أحلام !!
رمقته بنظرة فاحصة :
-يا ولدي ؟! أنتَ تعبت ياك ! حقك عليّ ..
-ولا يهمك يا أحلام ، بس متكررهاش ، هطلع فوق أريح جتتي دي اسبوع .
أرسلت له ابتسامة خبيثة :
-ربنا هيريح قلبك زي ما ريحت قلبي .
انتهى هيثم من شرب الماء وأعطى القارورة لهارون ثم قال :
-ويولع هيثم بچاز !! هو أناِ لقيط في العيلة دي !! فهموني يا جدعان !! ماهي دي مش معاملة ..
وثبت أحلام واقفة بعد ما أخذت مصلحتها منهما وهي تطردهم :
-طب يلا كل واحد على مطرحه عاوزة أريح جسمي ..
أول من انصرف منهم كان هلال ثم هيثم وهو يلعن حظه جهرًا .. انتظر هارون حتى فرغت الغرفة فلم يبقى سوى ليلة وأحلام .. طالعته بتوجس فتدخلت أحلام :
-وانت يلا روح شوف طريقك عاوزين نناموا .
تبسم قائلًا:
-طولي بالك يا أحلام ..
ثم وقف بقرب ليلة ليتحسس درجة حرارتها بحنو :
-اتعشيتي وخدتي دواكي ؟!
رفعت أنظارها حيث التقت بنظرة أحلام التحذيرية ، فمددت ملامحها مجاملة وهي تجيبه :
-اه اه أخدته .. أنت كمان إيدك بقيت كويسة ؟! لسه بتوجعك !
تبسم بوجهها متأهبًا للذهاب :
-المهم عندي أنتِ ، سيبك مني ..
تمسكت بكفه متسائلة :
-لحظة من فضلك ، أنت هتطلقني أمتى عشان أرجع اسكندرية ؟! ويعني ايه كلمة الكبير مش بنردها !! أنا هفضل محبوسة هنا !
زفر بصوت عالٍ ثم ألقى نظرة على أحلام المنشغلة عنهما حتى مال على مسامعها هامسًا :
-لو عايزة تعرفي تعاليلي في الأسطبل عند غيم .. هستناكِ !
تراقص جفنها متوترًا :
-مش هاجي ..
-براحتك ، بس هفضل مستنيكي لغاية ما تيچي ..
~بغُرفة هلال~
تقف أمام المرآة تتفقد هيئتها الساحرة بعد ما ارتدت قميصًا باللون الأبيض يعلوه روبًا طويلًا يملأه الريش من كل الجهات .. فرغت من وضع أحمر الشفاة وهي تتأمل تفاصيل وجهها المتبسمة مع تنهيدات التوتر وبين التنهيدة والأخرى يقر عقلها معترفًا لقلبها ؛ يبدو وكأنك تقودني إلى عالمٍ مختلف إلى عالمٍ مُقدّرٍ لي أن أكون به .. عالم خُلق لأجلي .. فجرى صدى صوت أحلام برأسها واعظة :
-""أنتِ متعمليش حاچة يلي هتشليني ، أعملي اللي قولته وهو هيشيل الليلة ""
قفلت قلم الروج وهي تعيد التفكير بالأمر :
-ارچعي لوعيك عاد يا رُقية ووو
سقطت الحمرة من يدها إثر اقتحامه الغُرفة متناسيًا أمر الأذن لتقع عينيه على حورية من الجنة ، كما رأها بمنامه من قبل .. قفل عينيه للحظة ثم فتحهما من جديد ليتأكد أ هل هذا حِلم أم علم ليردف مندهشًا :
-اللهم صلي على كامل النور ..
تلفحت بملابسها بارتباكٍ :
-أنتَ چيت !! قصدي كُنت معدية فشوفته متعلق ، قلت أما أجبره علي قبل ما تعاود .. بس .. تصدق طلع على مقاسي !! أنت مين قال لك مقاسي ؟!
بلل حلقه الجاف فتراقصت تفاحة آدم بقصبته الهوائية من سطو الجمال الذي أبهره .. فتاة بجسد فراشة ، ذات شعر حريري لامع استمد لونه من ظُلمة الليل .. جمالها ساحر .. يسحر قلب المؤمن ..قفل الباب خلفه متناسيًا أمر تعبه إثر المجهود المبذول :
-مش محتاچ حد يقول لي !!
ثم أطلق ضحكة من عمق انبهاره :
-بس أنتِ طلعتي حلوة قوى ، حلوة لدرجة كل الشعِر اللي حفظته عشانك تاه مني وسابني متورط قصاد چمالك مش عايز اتزحزح .. ولا عارف أقول أيه يوصف اللي عيني شايفاه .
-تقول لي أحلام كانت عاوزاك في أيه ؟!
فقد عقله في ظل حضورها :
-أحلام .. اااه ؛ أحلام مين ؟!
-يا مولانا !!
نزعت ثوب الرهبة واستبدلته بثوب الرغبة فيه !! تراقصت جفونها بدلالٍ ليسود الصمت بينهما للحظات حتى قطعه مندهشًا :
-اه أحلام .. بمناسبة الأحلام ، تعرفي أنا اتچوزتك ليه ؟!
وقفت أمامه ولا يفصل أجسادهما إلا مد الأيدي للتتعانق .. لتقول :
-قول لي ليـه يا هلال ..؟!
هتف منبهرًا:
-يا دين النبي !! وكمان هلال حاف من غير حشو !! كل ديه كتير عليّ قوي .. دي أخلام راضية عني من كُل قلبها ..
ثم أغرته الخصلة المتطايرة منها ليرجعها وراء أذنها قائلًا :
-چيتيلي في المنام وملك بيقدمك ليّ بيقول لي أهي دي مرتك يا هلال .. قومت مفزوع مش داري بروحي ، لبست چلبيتي وچيت لك رمح .. أنا اتچوزتك بأمر من صاحب الأمر وحده ، وما أجمل أقداره وأوامره التي أتت بذات الحُسن لقعر بيتي .
خفق قلبها من رهبة كلماته وهدوء أنفاسه التي يحكي بها ، فداعبته ممازحة :
-يعني مش عشان حبيتني من أول ما شوفتني !!
أطلق ضحكة مكتومة :
-أول مرة شوفتك وترتيني !! ده الحق؛ مكنتش على بعضي ، عشر رچالة چواي كانوا بيتعاركوا عشان يچروا شكلك ، وعشرة تانيين عاوزيني أقلب بيكي العربية أنت وهاچر .. شوفتك لخبطتني ووترتني !! كنت عاقل ورزين معرفش چرالي أيه ؟!
بللت حلقهـا وهي تناظر عينيه وتتغلغل أناملها بين أصابعه بولهٍ :
-يعني حبيتني من أول ما شوفتني !! من أول صدفة لينا ؟!
أضفى شيئًا من حنيته بلمسه رقيقة من كفه كأنها قطعة من العمر قابلةً للطي في روح شخصٍ آخر حتى يهضم قلقه ويمسح على أنقاضه ويأخذ كلّ شيءٍ شكله الأوّل .. كلّ شيء حتى قلبي .. عقد حاجبيه مفكرًا ليقول :
-أنا اتشقلب حالي من ساعة ما شوفتك ..
-وأنا كمان زيك ..
ابتسمت بوجهه لتعود لروحها المرحة وتشغله عن جملتها الأخيرة :
-بص في اعتراف هقوله ، إحنا تحت كُنا نلعبوا الشايب ، أنا وأحلام والبنات يعني ، وبصراحة كلهم حكموا عليّ إني أطلع وألبس كِده ، يعني مكنتش بچربه زي ما قولت لك وو
غمز بطرف عينه :
-ديه أيه الحكم العسل ديه !! بس مهلًا مهلًا .. رقية !! كل اللي تحت دول عارفين اللي بيحصل هنه ولسه هيحصل !!
-هو ايه اللي لسه هيحصل!!
وضعت كفها على فمها مدركة حجم المصيبة التي التفتت لها للتو :
-يا نهار أبيض!! أنا كيف هوادتهم في قولهم !! وطلعت نفذت كمان !! طب أيه الحل !!
حك ذقنه بلطف ليمازحها :
-حل أيه عاد !! بعد ما چرستينا !! يعني كنت قافل خشمي وراضي وساكت !! فجأة بقيت حديث أهل المدينة؟!
هبت مقترحة :
-يقطعني !! طب أنا عندي فكرة ، تيچي مسمعش كلامهم ومنفذش بقية الأحكام وأنت تعاود تنام على السرير وأنا على الكنبة عادي !! أصل مش هقدر أبص في وشهم الصبح !!
مسح على رأسه متمتمًا "يا فضيحتك يا هلال يعني أحلام كانت عارفة طب كان أيه لزمتها الفرهدة دي " ثم أعلن :
-منا لو سمعت الهبل ديه ، أنا اللي مش هقدر أبص في وشهم الصبح ،.. طب هما حكموا عليكي بايه تاني !
وضعت سبابتها في فمها لتمهده له بطريقة لذيذة مدى رغبتها فيه بكناية :
-وقالولي أننا لازمًا نباتوا في فرشة واحدة ؟!
-وحتى دي قولتيها !! دانا سمعتي باظت في العيلة !! ديه هيثم لو شم خبري هيفضحني في ميكرفون الچامع !!
ضحكت بصوت أنثوي عذب زحزح الأبواب التي أوصده قلبه رغمًا عنه وقالت بتأدب:
-مكنش قصدي هما اللي وقعوني فالكلام .. بس أنا مش عارفة عملت كِده كيف!!
-ولا عارفة عملتي فيّ أيه ؟!!
تحمحمت بخفوت كي تجمع صدى صوتها وهي تحدق النظر بعينيه لتُعلنها صراحة :
-لا معرفش ؛ بس عندي فضول أعرف .
-سرقتيني..
مسك مرفقيها بلطفٍ :
-ربنا عز وجل قال في كتابه العزيز :
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا " …
وأنتِ دخلتِ قلبي دُون استئذان أو سلام ..! وخدتي قلبي ليكِ لوحدك ، انتِ اقتحمتي حياتي كلها شقلبتيها وواقفة دِلوق تقولي أنا مش عارفة عملتي أيه !! طب ديه يرضي مين بس !! شيخ كُبرة زيي يقف قصاد حُسنك محتاس الحوسة دي؟!
تجرأت في كلماتها وانزاح ستار الحياء عنها :
-احم هو كان فيه حد قبلي في قلبك ..؟
-لا عمره ما كان فيه !
-طب مش ربنا بردك هو اللي قال :
" لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ "
أنا دخلت بيتي يا هلال ، وقلبك ديه بيتي اللي حلله ليّ ربنا ..
تنهد وهو يطوق خصرها بلهفة المشتاق:
-غلبتيني المرة دي زي ما غلب حُبك قلبي يا بت أبو الفضل !
-وأنا اتأكدت دِلوق أن نصيبي طلع حلو قوي قوي .. حلو بيك … هلال أنا أول مرة أقف قصادك وأنا مطمنه مش متهابه ولا مستوحشة قُربك !! أنت هديت سور الجليد اللي چوايا كيف ماعارفاش بس …
" لُقيا الأحبة طِبٌ يُستطبُّ بهِ وغيثُ لُطفٍ على الأرواحِ هتّانا "
تلاقت الأرواح المحبة بدون كلمات إضافية تؤخر روي القلوب المتعطشة .. أن يتورد الطريق ، ويكون محفوفًا بالورد والودّ، أن تكون وجهتنا للعشق دائمًا ، أن نصل لمنبع ارتواء أرواحنا .. في اللحظة التي تكون فيها أنا وأكون فيها أنت .. كلانا يدثر الآخر بطوق من اللهفة والياسمين ………….
••••••••••••
~بغرفة أحلام~
-ياخبر !! هي زينة دي عملت كل ده بس عشان هارون يتجوزها !!
على فراش النوم تتمدد العجوز وصغيرتها لتروي لها حدوتة الشاطر الذي وقع في فخ إمراة بكامل إرادته .. أشفقت ليلة عليه وحزنت من نفسها لأنها لم تمنحه الفرصة ليبرر ، فأعقبت :
-دي مجنونة يا أحلام !! طيب وهارون اتجوزها ليه !! ما كان اعترف إنه مش عمل كده !!
مسحت على رأسها بحنان ذاخر :
-حكمة ربك يابتي نجحت خطتها ، العزايزة اتلموا عليه وعمك خليفة ملقاش حل للورطة دي غير يچوزهاله ، واتچوزها عشان يقفل خشومهم .
تعالى صدرها بتنهيدة طويلـة :
-هو ماقالش كل ده يا أحلام ، أنا معنديش شك في حب هارون ليا !! بس ليه خبى ؟! ليه كذب !! ليه مقالش الحقيقة ..
ربتت على كتفهـا :
-بلاش تُحكمي عليه بعينك ، هارون اللي قدامك ديه شايل على كتافه حِمل چبال .. يمكن خاف يقول لك ترفضي تتچوزيه ، هارون عمل الصُح بكتب كتابكم يا ليلة .. لازمًا كان يحميكي منهم ..
أصدرت إيماءة اقتناع :
-معاكي حق يا أحلام ، أنا قلبي مايقدرش يزعل منه ، بس لازم يتعاقب ، عشان قبل ما يخبي عليا حاجة يفكر الأول .
حدجتها بعتبٍ :
-يعني مش هتروحي له زي ما قال لك ؟!
-تؤ .. مش هروح ، لازم أزعل منه كام يوم كده ..
ثم وضعت طرف أصبعها بفمها متحيرة :
-بس هو الچو مش برد!! حرام يقعد يستناني !! ده ممكن يتعب ، ممكن تكلميه يبطل جنان ويرجع أوضته .
اعتدلت " أحلام " من نومتها كأنها تذكرت شيء:
-وأنا مالي !! هو چوزي ولا چوزك !! بصي أنا هروح أشقر على الحچ اشوفه متغطي ولا لا وأنتِ نامي لغاية ما أرجع لك ..
ثم عادت مكررة :
-متوكدة إنك مش عاوزة تروحي؟!
ردت بعناد طفولي :
-تؤ ، مش هروح له يا أحلام ، أنا أخدت قراري …
-على راحتگ مش هعوق عليكِ …..
نشبت حرب طاحنـة بين قلبها وعقلها وهي تتقلب على الفراش كأنها تنام على جمر وليست قطن ، بقلب يسعى جاهدًا أن يكون بمكان يجمعه ،بل يجمعهما سويًا ، ينسجمان حتى يطفو كل منهما صفاته على الآخر ..
آخيرًا حسمت أمرها وفارقت فراش الحيرة وهي ترمي على كتفيها شالًا طويلًا يصل لكاحلها وضبت شعرها بعشوائية لتخرج من سلم الشرفة لا الباب .. مع كل خطوة تنهيدة من قلبها الذي يقترب من مبتغاه .. وضعت كفها على صدرها وهي تترجاه :
-ممكن تهدأ شوية ..
وصلت لباب الأسطبل وفتحته بحذرٍ وسارت في الطُرقة المُضيئة بأعمدة الإنارة بأعين تفتش عنه حتى أصابها اليأس في مقتلٍ عندما وجدت "غيم" في مكانه بمفرده ، عقدت ذراعيها وهي تقترب منه وشرعت تشكو له من صاحبه بخيبة أمل وهي تمسح على رأسه:
-آكيد استنى كتير ومشي !! طيب مقدرش يستنى حبة كمان .. أزيك يا غيم ، أنت وحشتني على فكرة ، وبعدين يا سيدي في صاحبك ، مغلبني ، وتاعبني معاه .. قول لي يا غيم من رأيك أسامحه ولا لا !! هو خبى عليا حاجة مهمة أوي !! بس هو كمان معذور !! تعرف إني اترددت كتير أجي ولا لا !! ااه مكنتش جاية بس چيت بس عشانك أنت ..
ثم داعبت شعره :
-تعرف أنك أول واحد أنا أحبه هنا .. أنت خطفتني ليك ، زي ما هارون خطفني له !! أنتوا كنتو متفقين عليا !! وأنت كمان حبيتني صح !! قلبك حس أن صاحبك هو كمان هيقع في حبي !!
ثم تحمحمت وأخذت نفسًا عميقًا بعدها :
-قول لي أنت عمرك حبيت قبل كده .. جربت الحُب وناره !! طيب عارف شعور لما قلبك يدق بسرعة بسرعة !! بس أنت عينيك بتلمع زي هارون !! واضح كمان أنك بتحب زيه وزيي .. أنا بحبه أوي يا غيم ..
-هو مين اللي عتحبيـه قوي يا ليلة !! دانتِ ليلتك مش فايتة !
دوت صوت صرختها بالمكان مفزوعة :
-أنت !! أأأ نت هنا !! هارون !!
ربط " شمس" زوجة غيم بأحد الأعمدة متبسمًا :
-كنت متأكد إنك هتيچي !! بس هو مين اللي بتحبيه قوي ديه يا هانم !!
حاولت أن تخطو هاربة من أمامـه فأمسك بكفه ليوقفها فارتطمت بصدره صارخة :
-أنت كنت بتتجسس علينا !!
-ايوة ؟
-وسمعت أيه !!
-كل حاجة وأنك بتحبيه !! هو مين عاد؟
-واحد وخلاص لو كان استناني زي ما قال كنت هقوله !! بس ملهوش نصيب .. سيبني بقا !
ملأ رئته من رائحتها العذبة وهو يعبث بشعرها :
-كنت واثق أن هتاچي …
-جيب عشان أسألك ، هنطلق أمتى ! وبس .
غمز بطرف عينه وهو يقول :
-نتجوز الأول ..
-ما أحنا متجوزين !!
رفع هارون حاجبه مُقرًا :
-بس زعلانين !!
-أحلام حكت لي كل حاجة !! وبقيت محتارة اسامحك ولا لا عشان كذبت عليا !! ليه خبيت يا هارون !! كان ممكن تصارحني .. ونفكر سوا فالحل .
-أحلام !! ممم وأخرة الحيرة دي أيه !! قلبك قال لك أيه ..
-قلبي جابني في معادنا وو
راوغت وهي تبتعد عنه وتحوي رأس غيم :
-أيه رأيك ناخد غيم ونمشيه شوية بره !
-مش هينفع، غيم عايز يتچوز دلوق وروحت چبت له شمس .. إلا ولو له رأي تاني ..
ثم اقترب منه وهو يسأله :
-فكك من شمس وخليك مع ليلة !!
أصدر صهيلًا دوى بالمكان كإنه ينادي على مهجة روحه فلبت شمس النداء بنفس الصوت ، فرفع هارون حاجبه قائلًا :
-باعك غيم في أول جولة !!
ثم همس ناصحًا :
-يابتي ديه ليل وكل واحد أولى بيه حضن حبيبه ، يعني مالكيش غيري !! اسمعي الحديت الله يخليكِ .
ترعرعت في كنف الحب المخيم عليهما وهي تقول بحماسٍ :
-هما هتيچوزوا دلوقتِ !!
-المفروض وإلا غيم مش هيوعى لمخلوق قِدامه ..
ما انحنى ليحرر غيم فانطلق مسرعًا نحو محبوبته وكل منهما يتمايل برأسه على الآخر بأسمى لغات الحُب .. اقترب هارون من شمس وحررها ، فتسابق الاثنان لساحة الاسطبل الواسعة .. تحمست "ليلة" فارحة لرؤيتهم يتلاطفان سويًا :
-الله يا هارون شكلهم يجنن !! بيحبها أوي صح !
شرع بمداعبة شعرها بحنية :
-هو دايب فيها !! وهي !! أنت ايه رايك ؟!
أغمضت جفونها مثل شمس تمامًا مستمتعة بلمسات حبيبها ، ثم تنهدت قائلة :
-بص شوف عيونها وأنت هتعرف .. بس تفتكر بيقولها أيه مخليها مبسوطها كده ومش دريانة بالدنيا حوليها ؟!
تسللت يده ببطء لخصرها ليقربها منه وهو يسرد على مسامعها كلمات الغنوة التي تشبهها كثيرًا بل كُتبت كلماتها لوصفها :
-شكلو عيقولها أن عينيكي يا حلوة بتسحر وكل كلامك شهد مكرر وعلى بُعدك عمري ما هقدر ..
مالت بكتفها على كتفه ورفعت جفونها تساءله :
-مخبي عني حاجة تاني !
-بصراحة مخبي !!
ابتعدت عنه شغوفة :
-مخبي أيه!! اعترف بسرعة !! يلا قبل ما أقفش تاني!!
وفي اللحظة التي وقع فيها غيم ليتم الوصال مع محبوبته سحبها هارون من كفها خلف الجدار كي لا يتعدى على خصوصية صديقه ويدع كل شخص مع زوجته، استند ظهرها على الحائط لتقع فريسة حصاره :
-أنك وحشاني ، وطول اليوم بتعارك مع دبان وشي عشان أنتِ زعلانة مني .. اليوم كان وحش قوي بلاكي ووو
فرغ بقيت كلماته بقبلات مدسوسة بثغرها ليفرغ شوقه المستهام بها ولكن لغرابة الحب ومعجزاته كان تأثيره عليهما كالسحر ، لأول مرة يحس بإنه قطع شوطًا كبيرًا إليها عندما استقبلت قبلته بنفس راضية وبادرت مرة أو مرتين بتقبيله ، يا ترى هل هذا سحر الحب أم سحر إمراة على إمراة غيرها فكانت للغيرة دورها الفعال ؟! انتهت قبلتهما الطويلة بعناق قويٍ هي من قطعته معلقة برقبته وبأقدام طائرة في سحب الحب :
-هارون ، أنا بحبك أوي ولا عمري عرفت يعني ايه حب غير معاك ، لو سمحت متسبنيش حتى لو أنا اللي طلبت كده ، أمسك فيا ، أنا من غير هموت ..
توسدت حضنه وذراعين قويتين يضمونها ولا يودان أن تفارقه أبدًا ليهمس لها بعشقٍ :
-أنا عاشقك يا ليلة ، وقلبي لاان على يدك .. أنتِ الوحيدة اللي كان معاكي مفتاحه .. اسيبك !! ديه بُعدك ..
عاد لها رشدها وهي تفارق حضن خجولة وما ترحزحت خطوة أصاب الدوار رأسها فسندها بذراعه ملهوفًا :
-چرالك ايه !!
ردت بخجل دون أن تناظره:
-لا بس دوخت شوية وو
-دي بوسة !! أنا ملحقتش أعمل حاجة وو
دفعته متمردة لتركض من أمامه هاربة :
-قليل أدب .. مخاصماك .
أمسك كفها :
-على فين ؟!
-أحلام مستنياني !! لازم أرجع قبل ما ترجع من عند عمو الحج باي باي يا هارون .
حملت فراشات الحُب التي اغتنمتها وهربت من أمامه بقلب يتطاير كعصفور في آسره يود التحرر في حضن من احب .. تنهد بحرارة وهي يخمد نار حبه ويسحب غيم ليربطه ويشكوا له منها :
-عاچبك عمايلها دي يا غيم !! يرضيك !!
•••••••••••
"رضيتُ بالقليل من الحب وفرص اللقاء النادرة ، وسلكتُ دربًا طويلًا في التفكير وبالنهاية اخترتك أنت من بين كل المخاطر ، كنت أستخرج لحظات الشوق الحميمية من الكلام المتواصل بيننا ، والآن حتى كلام الحب الساخر -أو هكذا يصوّر لي عقلي المتعطش- لا يجوز أن أخبرك به !! بات سماع صوتك عبر الهاتف أبعد من المسافة التي تفضلها الأرض بيننا !! وكان عزائي وفي ظِل موت التعبير عن الحب أنني أعرف ان جوهر هذه الحدّة وباطنها هو الحب .. أين أنت ؟! وأين حبنا الذي كان ؟! لِمَ اتحمل العقاب وحدي ؟! البعد يقتلني وأنت لا تبالي !!
ثم وضعت " كفها " على بطنها وهي تشكو لليل همها ؛ كيف أعبر عن غريزة الأمومة التي تسكنني أنها بحاجة إليك ! من سيفهمني !! من سيدرك حجم النار التي تشتعل بجوفي !! قل لي كم عليّ أن انتظرك حتى اصبر قلبك بأنك عائدًا لا محالة !!
ثم ضمت الوسادة لتسد فراغ قلبها وهي تلوم الزمن بحزن وخيم :
-فينك بس يا هاشم !! أنا محتاجالك أوي !! ليه سبتني في نص الطريق تايهة بين قلبي المكسور وعقلي اللي رافض وجودك وسواد الليل اللي بياكل في روحي ؟!
انخرطت عبراتها على الوسادة كي تطفئ وهج الألم والشوق بداخلها بماء عينيها وهي تخبر جنينها :
-أنا متحملة كُل ده عشانك …
~سيناء~
ركل بقدمه الأسلحة المعلقة التي تضرب النيران بواسطة فخ نصبوه الأرهابيين وبالأخص كانت رسالة قوية من أبيها بأنه لم يتركه حتى يتخذ صفه ، ذاع أمرًا بوجه الجنود :
-عاوز المنطقة كلها تتأمن !! فاهمين !!
ثم تلقى بعض البيانات عن طريق اللاسيلكي ليقول :
-الاخبارية بتقول إن في نقلة سلاح هتتم عن طريق الممر التاني !! هما عملوا كِده عشان يشغلونا ..
فصاح آمرًا :
-اجمع مل العساكر يابني .. وعايزك تزرع لغم في كل المداخل ، يوروني هيعدوا كييف !!!!
ثم أخرج هاتفه ليسجل رسالة صوتيه وهو يبتعد عن مقر الجنود :
-أبوكي بيلاعبني في شغلي يا رغد ، أدي اللي خايف منه واللي مش عايزة تفهميه !! شوفتي آخرة عنادك وصلنا لفين !! بس وديني ما هيعدي منها …..
••••••••••
~بغُرفة هلال~
كانت تتوارى عن شمس الماضي في ظِلّ كتفه لتهدأ .. ترقد آمنه هادئه بحضنه بأكتاف عارية تحت اللحاف وهي تتنفس عبير القرب المُحلل الذي أحله الله عز وجل وتهمس له بحبٍ :
-هي كيف النار معاه بقيت مية جرت روت روحي من مر الشهور يا هلال ..
طبع قبلة بدخل كفها الذي يحتضنه ممتنًا لجمال الأقدار :
-سبحان من خلق لنا قلوب نسترها وتسترنا يا رقية .. وأنا ربنا سترني بيكِ ..
ترقرقت دمعة من عينيها سقطت جمرًا على كتفه :
-هلال .. سامحني ؛ مقدرتش أحافظ على نفسي عشانك بس من رحمة ربنا إنه عماني، غبت عن الوعي ماشوفتش اللي حصل فيّ ولا فاكراه !! بس كل اللي داير في مخي ، أن كان فيه نار قايدة چواي !! وديه اللي كان باعدني ، مخوفني .. قضيت ليالي كتيرة أبكي لحالي لغاية ما أنتَ چيت ونست قلبي قلبي .. عشان إكده بسألك كيف النار معاك بقت مية ؟!
اعتدل من نومته ليعلو ملامح وجهها الباكيـة وهي يتلقى عنها الدمع بشفتيه ليقول معاتبًا :
-عتبكي في حضني !! طب أموت لك روحي عشان تبكي بحق !!
هبت ملهوفة :
-لا بعد الشر عنك .. أنا بفضفض معاك بس ، كان نفسي تكون أول ….
قاطعها :
-رقية، ما مضى فهو ماضي لا يعنينا ولن ندعه يعكر صفواننا!!
أومأت بخفوت:
-أنتَ صح .. وأنا أوعدك أني أشيلك چوة حبابي عيني .. أنا ماليش غيرك دِلوق .. چوزي وحبيبي وكل حاچة ليّ ، أنت دعوات أمي اللي كانت متحوشالي في السما..
طبع قبلة طويلة على جبينها لتمحو أطنان من التعب وتستبدل ملامحها الجنائزية لآخرى عيدية وهو يقول:
-اليوم انا اتولدت على ايديكي يا رقيتي .. وأنتِ رقى للنفس والقلب والجسد بأكمله ..
-وأنا اليوم ، أحلى يوم في عمري ، بس أوعدك كل أيامنا هتكون هنا ..وو
سحرته للمرة الثانية ليقع فريسة حبها بسعة صدر ، ولكن ما أوقفه وهو يطالع هاتفه ليراقب موعد صلاة الفجر ، ليعود قائلًا :
-الفچر قرب ، هقوم أجهز للصلاة ..
أوقفته :
-مش هتصلي معاي؟!
دفن قبلته بترقوتها :
-هصلي بالناس وهرجع أصلي بسيدة النساء ..
•••••••••
~صباحًا~
في تمام العاشرة صباحًا وبعد ما أنهى هارون بعض أعماله ، عاد لمنزله فارحًا وأول شيء فتش عنه كانت هي .. قابل أحلام بالخارج ، فسألها عنها فأخبرته بأنها لم تستيقظ حتى الآن .. وجد ساحة القصر فارغة فاستغل الفرصة ليذهب للغرفة بهدوء .. جلس بجوارها وزاح شعرها عن وجهها النائم وكان لخدها النصيب الأكبر من القُبل ، تراقصت جفونها ثم فزعت :
-نهار أبيض ، هارون !! أنت هنا بتعمل أيه ؟! حد شافك !! قصدي حد يشوفنا ، اخرج بسرعة …
-اشش أهدي ، مايشوفونا !! هارون العزايزي مش عيهاب حد ..
ثم أرسل لها غمزة وهو يراقب بعثر ملابسها والتي تبرز مواطن جمالها الأنثوي :
-عليا بأيه الحلو حلو لو قايم من النوم ..
قفل زر بيجامتها بارتباك إثر نظرته :
-هارون ، عيب كده .. اتفضل اخرج قبل ما حد يشوفنا..
-لا أنت اللي اتفضلي قومي عشان عايزك في حاجة ضروري !!
-قلقتني !! حاجة أيه ؟!
-قومي وهتعرفي ، متطلعيش إكده ، البسي حتى عباية من بتوع أحلام !!
عاتبته مندهشة :
-عباية !! هارون أنت بتتكلم جد !! وو
تنهد بنفاذ صبر :
-يا بت الحلال ، بطلي غلبة عشان أنا على آخري ومش ضامن هفضل صابر عليكي لميتى !! وممكن ارجع في كلمتي عادي..
قفزت هاربة من أسره وهي تغادر مرقدها ولكنها باغتته بقبلة سريعة على وجنته قبل أن تركض للحمام لتحتمي منه :
-صباح الخير يا عمدة ..
تابع خطاها فقفلت بوجهه الباب ، حاول فتحه ففشل ، فأردف محذرًا :
-أي تهور صدر مني فأنا مش مسئول !! هتكوني أنتِ السبب ..
سمع صوت ضحكتها من وراء الباب فأتبع :
-أضحكي اضحكي، هستناكي برة مع أحلام متعوقيش ….
مرت قرابـة النصف ساعة التي ارتشف فيها هارون الشاي مع أحلام ، حتى جاءت ليلته .. مرتدية ملابس شتوية فضفاضة وطويلة بناء على أوامره .. نظر لأحلام لينهي الحوار الدائر بينهما :
-كل حاجة هتتحل يا أحلام وكيف منا عاوز..
تقدمت "ليلة" لتجلس بجوار أحلام برقـة :
-صباح الخير يا أحلام ..
-صباحك جميل يا غالية…
ثم صاحت منادية على فردوس:
-هاتي فطور لليلة يا فردوس ..
نظرت لهارون باهتمام :
-هارون أنتَ أكلت ؟!
-كلت مع العمال في المحچر ..
-ومجتش تاكل معايا ليه !! قصدي معانا ، أنا وأحلام وكلنا ..
ردت أحلام بصوت خفيض :
-مرتك عداها العيب .. تاني مرة تفطرش عشان معاها .
-أوامر ..
جاء الحج خليفة من الخارج يتساءل :
-هو هلال فينه !! النهاردة الچِمعة أجازة من شغله .. -فنادى-فردوس روحي صحي هلال وو
فقاطعته أحلام بمكرٍ :
-ما تسيب هلال في حاله يا حچ ، عندك هيثم لا شُغلة ولا مشغلة وبعدين هلال عيان ونام فوق ..
فأعقب هارون :
-ماله هلال ، صلى بينا الفجر وكان زين ..
-يووه ، هتعرف أكتر مني؟! قولتلكم سيبوا هلال في حاله .
كتمت ليلة الضحكة وهي توشوش لأحلام :
-مش سهلة أنتِ يا لومي …
اقتنصهم هارون بنظرات فاحصة ولكنه تجاهل الأمر قائلًا :
-استنى يا أبوي .. أقعد في كلمتين عاوزك تسمعهم ..
لم يكد يستريح الشيخ على مقعده ، فاندلعت صوت الزغاريد من جوف صفية التي هبطت مع بنت أخيها من السيارة ، وهي تقول لها :
-شوفتي هارون ماچادرش على غيابك كيف!! وشيع چابنا ، مش قولت لك أنتِ مرته يا عبيطة ..
-"چلابة النصايب أهي چات "
أردفت أحلام جملتها بحنق ، واكفهر وجه الحج خليفة الغاضب من زوجته التي فارقت البيت بدون إذنه .. دخلت زينة بذراعها المعلق برقبتها وهي تقول :
-لازمًا هارون يصالحني ويحب على راسي قصاد الكُل ..
بدت نظرات الرعب في عيني ليلة والغضب من رؤيتها ، وثبت لتفارقهم ولكن نظرة واحدة من هارون أوقفتها .. وثب هارون من مجلسه قائلًا :
-نورتي بيتـك يا ما .. مش بعوايدك تنامي بعيد عنينا ..
وبخته أمه :
-واخدة على خاطري منك يا هارون ، أنت وأبوك ..
حقن وجه الحج بالغضب عند رؤيته لزينة وقال:
-البت دي ايه رچعها بيتي!! مش قلت ملهاش قعاد عندي وليها كبير يترد عليه !!
انكمش وجه زينة وسرعان ما تمدد بابتسامة عندما قال هارون أمام الجميع :
-أنا اللي بعتت چيبتهم يا أبوي..
احتشدوا الجميع على صوت الزغاريد حتى هلال الذي فاق من نومته للتو على صوتهم ، فارق حضن حبيبته النائمة بمهلٍ وارتدى جلبابه وغادر الغرفة ليرى ما الأمر ..
صاحت زينة من الخلف :
-راچعة بيتي وبيت چوزي يا عمي ..
رمقها هارون محذرًا :
-مفيش حريم ليها بيوت عندينا ، البيت ديه من أول طوبة لآخر طوبة ملك الحچ خليفة العزايزي وكلنا ضيوف عنه ..
ثم وقف بمنتصف ساحة القصر وأتبع :
-والكل عارف أن زينة مرتي ، وكاتب عليها بشرع ربنا ، بس شرع ربنا لازمه القبول والرضا ، وديه مش چواي .. زينة حظها الأسود ساقها شيطانها لطريقي وكلنا عارفين عملت أيه من قبل .. وانا قصاد الكُل عقولها …
لم تتحمل ليلة رؤية المشهد وهو يعلن زوجه غير على ذمته ، كادت أن تفارق فأوقفتها أحلام :
-استنى اسمعي هارون هيقول أيه …
تدخلت صفية معاتبة :
-شيطان يا حبيبي وخش بينكم ، خد مرتك فوق واتصافوا مع بعضيكم ووو
تجاهل رد أمه وقال :
-زينة رچعت البيت ديه عشان هي قصاد الكل مرتي ، وعيبة في حقي اخلى برتي تبات في بيت أبوها ، الناس تقول أيه !! ماهما مايعرفوش اللي فيها …
ثم ألقى نظرة اعتذار لليلة وآخرى نظرة أمام لتطمئن :
-وديه عشان نحشوا حديت الناس ، لكن أنا من چواي وبقولها قصاد ربنا و الكل وأديكم شاهدين ، زينة بت صالح الطحاوي تحرم على ليوم الدين وطول ماهي على ذمتي يدي مش هتمس شعرها منها ، لاني عمري ما كان ليّ غرض فيها ولا عاوزها .. هتفضل متعلقة زي البيت الوقف وديه أقل عقاب للي عملته..
صاحت زينة مذهولة وهي تشكو لعمّتها :
-ما تقولي حاجة يا عمة !! عاچباك اللي عيتقال ديه !! انطچي !!الحديت ديه يرضي مين !! أومال متچوزني ليه !! هااه !!
نهرها بعنف:
-خلص القول يا بت خالي .. قبل رچلك ما تعتب عتبة فوق تيچي تحبي على راس ويد ورچلين أحلام ، وأسمع أنك ضايقتيها بكلمة مرة تانية هخلص عليكي بيدي !! مفهوم !!
تأملت زينة الوجوه الشامتة بها فأشعلت نيران الانتقام بجوفها وهي تغلي من الداخل منتظرة أن يناصرها أحد ولم تجد ، دبت برأسها شرارة أخذ الحق والانتقام وهي تتأمل الجميع بعجز ، لتتوعد بينها وبين نفسها سرًا:
-وديني وما أعبد لأخلي البيت ديه جحيم وهاخد حقي منيكم نفر نفر .. أنا وأنتو والزمن طويل ….
رواية آصرة العزايزه الفصل التاسع 9 - بقلم نهال مصطفى
" من لا غيرة عنده ؛ لا حب له "
تعددت الأقاويل حول مفهوم الحُب وأجملها :
أن الحب هو اندفاع روح إلى روحٍ ..
هو أن يتم فهمك من نظرة عينيك..
أن تكون دائمًا محور الفكر والعاطفـة ، والقليل من العاصفة أن لزم أمر إثبات أن هناك حب فائض بقلبك يود أن يصل لصاحبه..
الحب هو ملازمة شخص لك كظلك ، يريد أن يتعلم عنك ، منك ، ومعك ..
الحُب هو مشاركة الضعف لا مُغالبة القوة..
أن يُحبك قلبي تعني ألا يشاركني أحد فيك ، أنتَ تنتمي لي وحدي .. الحب هو غيرة حارقة وإعلان ملكية صريح ..
"من لا غيرة عنده ، لا حُب له "
للحبِّ أيضًا علامات يقفُوها الفَطن، ويهتدِي إليها الذكي، فأوَّلها إدمان النَّظر، فترى الناظِر لا يطرف، ينتقل بتنَقل المَحبوب، وینزوي بانزوائِه، ويميل حيثُ مال .."
لطيف ومغذي ويبرز أفضل ما فيك ، حبوا فالحُب حياة القلوب ….
•••••••••••
-"وأنتِ قلباها مناحـة ليه دِلوق ؟! الراچل عداه العيب وعمل إكده عشان يريح قلبك وبالك "
أردفت " أحلام " جُملتها على مسامع " ليلة " التي تضع رأسها نائمـة على ساقيها .. نشجت بحُرقة وهي تكفكف عِبراتها و تعتدل لتشكو لها :
-أنا مش زعلانـة يا أحلام .. أنا غيرانة .. -ثم أشارت على قلبها -هنا في نار بتحرقني لمجرد ما اتخيل بس أن في واحدة مشاركاني فيه حتى ولو بالاسم .
تفهمت عليها وهي تمسح لها آثار حزنها :
-حاسة بيكي يا ضنايا ، أقول لك على سر يفضل بيني وبينك .. لما الحچ چوزته البت صفية كنت أقعد طول الليل أبكي زيك إكده وقلبي يتنفض كيف الطيرة المدبوحـة .. لغاية ما چالي الضغط والسكر أهاه .
أشفقت على حالتها :
-يا حرام !! بس أنتِ اللي جوزتيه بنفسـك !! يبقى زعلانة ليه ؟!
تأوهت العجوز بمرارة :
-چوزته عشان هو حبيبي ويستاهل اسمه يتخلد في الدِنيا ، وحرقة قلبي وغيرتي عليه بردك حب !! هو الحُب أيه غير غيرة !! قلبتي عليّ المواچع .. روحي يا ليلة الله يسامحك ..
بندم :
-سوري يا أحلام .. بس أنا ماليش غيرك ، ومش عارفة اسيطر على كل الحاجات اللي جوايا دي كلها !! أنا عارفة هو بيحبني أنا .. بس زينة هي اللي مراته قدام العالم ، هي اللي ليها حق فيه !! مظبوط ولا أنا بقول أي كلام ؟!
رفعت السيدة أحلام سبابتها ناصحة :
-الوحيدة اللي ليها حق في هارون ، هي اللي قلبه اختارها يا عبيطة .. متخليش الشيطان يضحك عليكِ ..
تمسكت بكفها طالبـة بتوسل :
-طيب ما تديني نصايح زي رقية كده وأنا والله شطورة وهعجبك أوي .
تبسمت أحلام بملامح وجهها المنكمشـة :
-يبقى تقصقصي ريش طيرك أحسن يلوف على غيرك ، عايزاكي تبطلي شكا و بكا وشغل عيال صغيـرة عاد .. وتسمعيني زين .. عاوزاكي تكوني مراة وكتري ..
عقدت حاجبيها بتساؤل :
-يعني أيه أكون مراة وأكتر ؟!
تنهدت بنفاذ صبر وهي تتبع :
-عاوزاكي تكوني على راچلك كيف الغولة ، تحاوطيه زي ضله لازمًا يكون معاكي خط سيره !! تشغليه وتشاغليه !! شدي وارخي ، اضربي وداوي .. وكله في يدك عاد .
كانت تستمع لنصائح أحلام بأعين متسعة واهتمام شديد ، ببطء شديد حاولت فهم مغزى الكلمات وهي تقول :
-فهمتك .. بس ممكن توضحي أكتر وو
صوت دق الباب متبعًا بصوت هارون طالبًا الاذن بالدخول .. عقدت ليلة ذراعيها أمام صدرها وتمتمت لأحلام قائلة بحذر :
-ده هارون ، هعمل نفسي مقموصة أوكيه ..
دخل هارون بعجلٍ وهو يقول :
-أحلام أنا طالع ، وهعوق .. خلي بالك منيها لغايـة ما أعاود .
ثم غمز بطرف عينه :
-متخليش حد يزعلها .
ساد الصمت للحظة يقرأ فيها نظرة ليلة الغاضبة ونظرات أحلام التي تعلن انسحابها ، فأردف بدهشة :
-أيه البوز الممدود شبرين ديه ؟!! خير يارب!!
وثبت أمامه مرتدية قناع العتاب :
-أنتَ عملت كده ليه !!
-أيه اللي عملته مش عاچبك ؟! وأيه الوش ديه ؟!
وقفت أمامه بأقدام حافية ورأسها لا تتجاوز منتصف صدره وقالت بنبرة قوية متكئة على عمودي الغيرة والحُب :
-أنا كان لازم أعرف اللي هيحصل ده قبل ما يحصل ، و أقول لك كده صح ولا لا .
تأوه بتفهم ممزوج بالاعتراض :
-أخد الأذن يعني !! هو في أيه يا أحلام !! ما تفهميها عوايدنا !! وأن الشورة شورة الراجل وبس هنه ..
رفعت كفها مبرئة ذمتها كأنها لم تفعل شيء:
-طلعوا أحلام من بيناتكم ، أنا راحة اتوضى لصلاة الضهر .
جذبته إليها بنبرتها الحادة :
-خليك معايا هنا ، لا مش هتاخد الأذن ولا حاجة ، بس نتشارك في القرار .. دي حياتنا .
عقد حاجبيه ويبدو عليه الاقتناع المهزوز :
-حقك .. بس نتشاركو في اللي يخصك ، وأظن كل اللي حصل ديه مفيهوش حاچة تخصك !
قالت باندفاعٍ :
-أنت تخصني يا هارون.. ولما تجيب اللي اسمها زينة دي لحد هنا وتعمل فيها كده أنا مش موافقة .. دي مهما كانت بنت زيي زيها ، واللي أنت عملته ده مش صح ، يا إما تطلقها بعيد عنك .. يا أما ترجعلها .. لكن أنت بقرارك ده ظلمتها و.
تأفف بضيقٍ :
-زينة اللي ظلمت نفسها مش أنا اللي ظلمتها يا ليلة..
خرجت عن صمتها معاتبة :
-يبقى ما تظلمش زيها يا هارون ، خليها تبعد عن حياتها ونرتاح من ذنبها .. حرام نظلمها حتى ولو غلطت ..
وضع حد لجدالها :
-ليلة مالكيش صالح .. طلعي نفسك من موضوع زينة ديه ، أنا عارف بعمل أيه ..
وقفت أمامه كي تمنع رحيلـه :
-لا يا هارون ، أنا مش هقدر أشوفها بتشاركني حتى بنظرة ليك واعدي الموضوع ، أنا مش مرتاحة كده .. ووجودها هيضايقني حتى ولو أنت رفضتها قدام الكُل ، فهي لسه مراتك .. وديه حاجة هتأذي مشاعري .
مسح على رأسها كي تهدأ ويقصر حبل الجدال بلطفٍ :
-وأنا مش متچوز غير القمـر اللي واقف قصادي ديه ونازل تحقيق فيّ كأني عملت نصيبة ..
ثم وضع قُبلة فوق شعرها :
-بزياداكي عاد ، أبوي مستنيني .. روقي .
وقفت لفترة تقدر بمسافة خطواته لباب الغرفة وهو يرسل السلام لأحلام ، فباغتته ليلة راكضة نحوه لتقف أمامه وتقفل الباب على الفور ذلك الذي لم يواصل فتحه وبنبرة المحقق القانوني قالت :
-رايح فين !
-ما قولت طالع يا ليلة ؟! چرالك أيه ؟!
هزت رأسها نافية فلم تقتنع برده :
-أنتَ دلوقتي راجل متجوز ، يعني في ست في حياتك ، لما اسالك خارج رايح فين تقول لي رايح كذا .. هااه اتفضل جاوب ..
رفع حاجبه وهو يتأمل شخصيتها الجديدة التي تترعرع كالورد بحياته وتفاصيلها ورغم عدم اعتياده على معرفة أحد لخط سيره إلا أنها كانت استثناء قاعدته .. تبسم بإعجاب :
-هصلي ضهر الچمعة .. فرض ربنا ..
-وبعدها هتروح فين ؟! تقريبا قلت هتتأخر بره .
فكر للحظه :
-مشوار مع أبوي ، هنزوروا چماعة قرايبنا ..
واصلت بجدية :
-تمام وهترجع الساعة كام !
-لا ماهو مش تحقيق يا ليلة ؟!!
-لا هو تحقيق يا هارون .. ومش محتاجة أفكرك أنك دلوقتي راجل متجوز ، يعني دخول البيت بمواعيد والخروج كمان بمواعيد .. أنا مراتك فاهم ولا لا !!
تاه في فيض نظراتها ، وغرق في عمق السؤال أكان حُبها حلوًا أمِ الأحلى من الحُبّ الحبيبُ ! حانت منه نظرة للوراء يفتش عن أحلام حتى تأكد من خلاء فباغتها بضمة مفاجأة لتقع أسيرة ذراعيه والحائط وبنظرة تفيض بالعاطفة :
-أنا فاهـم .. المهم أنتِ تكوني فاهمـة !!
حاولت التملص بخوف من حصاره :
-هارون بلاش كده !!
رفع حاجبه مكررًا :
-فاهمة ولا لا !! ولا تحبي افهمك ..
تنهدت بارتباك وهي تنظر نحو باب الحمام المغلق :
-أنتَ عايز أيه دلوقتي؟!
مسك ذقنها بحنو يملأه العاطفة وهو يدنو أكثر :
-عايز استفرد بمرتي ..
أحمر وجهها من شدة الخجل :
-يا نهار أبيض عليا !! هارون امشي عيب كده !
استند مرفقه على الحائط بجوار رأسها وهو يتحدث بنبرة لا يسمعها سواهم :
-أومال أنتِ فاكرة فردة الضلوع اللي فتحتيها عليّ دي ، وعشان تفكريني أنك مرتي هتعدي بالساهل كِده !!
بللت حلقها الذي جفَ من وهج قُربه :
-أحيه هنتقفش !! يعني ايه دلوقتِ .. ؟!
أرسل لها غمزة من طرف عينيـه سرقتها منها إليه وهو يقول متوعدًا:
-يعني صبر 35 سنـة هيطلع عليكِ ، فعاوزك تسدي قصادي !!
زام ثغرها محاولة استيعاب ما سيقوله ، وبأعينها السابحة في تسديد نظراته إليها ، تفاقمت ضربات قلبها من شدة الحُب ، فأنقذها من سِهام نواياه ، فتح باب الحمام الذي استغلته " ليلة " لتفر هاربـة منه وهي تمسح على شعرها ، عض على شفّته السفلية محاولًا تدارك تصرفاتها الجنونية ، فأتبعت أحلام :
-وه !! لساتك هنه يا هارون !!
هندم ملابسـه متحمحمًا وهو يقترب ليُقبل رأسها وظهر كفها :
-وهو ينفع أطلع قبل ما أحب على يدك وراسك !! ديه حتى اليوم يكون ملعبك .. بالظبط زي اليوم اللي قابلت فيه ليـلة ..
ثارت بوجهه :
-لحظة ! يعني يوم ما شوفتني كان بالنسبة لك يوم مكعبل !!
أقـر معترفًا بمزاحٍ :
-دي كانت ليـلة مِشندلـة !!
برقت متعجبـة :
-أيـــه ؟!!
ولى ظهره لأحلام ووجهه إليهـا ، ليبرر مقصده :
-ماهو من يومها وحالي اتشندل على يدك ..
حُقن وجهها بدماء الغضب :
-لا والله !! خلاص أنا ممكن اختفي من حياتك خالص ، ولا أيه يا أحلام !! ما تشوفي بيقول أيه قُدامي وأحنا لسه على البر ..
عقدت حزمة رأسها متنهدة :
-أنتوا راسكم عمرانة للعراك ، وأنا مش رايقالكم .
أمسك بمعصم يدها التي تلوح بها ليطبع قبلات وداعه إليها على جوارحها مثلما اعتاد أن يودع " أحلام " ولكنه كان محافظًا على الفارق بين وداع أمه وزوجته بقُبلة الكف بدلًا من تقبيل ظهره ، دفن قبلة حنونـة بباطنـه جرت مجرى الدم لقلبها .. ثم جذبها إليه بجسدٍ ثابت ليضع الأخرى بطرف شفاهها قبلة مليئة بالعاطفة .. خاتمًا جولة الحب السريعة :
-خلي بالك من روحك لغاية ما ارجع لها …
تركها تحت تأثير حنيته للحظات غادر فيها الغُرفـة تائهة في بحر حبه المتدفق إليها من كل الجهات حتى انفجرت شاكية :
-عاجبك كده يا أحلام !! بياكل بعقلي حلاوة !!
تبسمت العجوز وهي تمد سجادة الصلاة متأهبة لصلاة السُنة :
-عاجبني ونص .. النهاردة ياكل بعقلك الحلاوة وبكرة ان شاء الله ياكل ويوكلك البقلاوة كلها واشيل عوضك على يدي يا هارون يا وِلد قلبي يارب قبل ما أموت .
-حتى أنتِ يا أحلام !!
~~~
ما خرج هارون من ساحة القصر لأبيه ، انتهى هلال أخيه من زي الصلاة بمساعدة زوجته التي تعيش أنعم الأوقات برفقته ، دلف درجات السُلم بمهـلٍ وهو يذكر الله كثيرًا على لسانه شاكرًا حامدًا ، حتى ألقتي بفردوس التي تحمل مائدة الفطور " لليلة " ، تركت الصنية جنبًا وركضت نحوه مهللة :
-الصلاة على الزين الصلاة على الزين ، وشك بدر منور يا شيخ هلال ، الدوامية ردت في وشك كانك مولود إمبارح .. تحب أزغرد !!
مسح على وجهه بحياء وهو يطأطأ أرضًا متمتمًا :
-""هو ديه اللي كنت شايل همه ""
فأتبع مردفًا :
-كثرة الذكر تُنيـر الوجه يا أم عارف .. العاقبة لكِ ..
ردت بخباثة :
-ما أنت من يومك بتسبح وتذكر الله يا مولانا ولا عمري شوفتك بالطلة دي !! أنتَ هتضحك عليّ !! داني مربياك !!
حك ذقنه هاربًا من أسرها وهو يتأهب للذهاب:
-يبقى السـر في ماسك الزبادي بالخيار الذي صنعته الدكتورة رقية من سحر يديها .. بالإذن يا فردوس !!
عقدت حاجبيها تتساءل :
-زبادي بالخيار !! أومال أنا عاملة الحمام والمشمر والمحمر لمين !!
••••••••••
-لا والف لا يا عمه ، ولدك بيحرمني عليها ، وواقف يقولها قصاد البت الصفرة دي إني ملزمهوش ! أيه فاكر نفسه انه هيتجوزها ، فاكر إنه هيكبر على العزايزة ويعصاهم !! هارون بيغرق وهيغرق الكُل عشان البت دي ..
كانت " زينة " تلملم حقيبة ملابسها بضجر يتقاذف من ملامحها ، وهي تشكو مأساتها لصفية ، التي منعتها قائلة :
-وأنتِ غبية سيبالها الجمل بما حمل!! يابت يا بت متنسيش عملتك المهببة اللي عملتيها عشان يتچوزك ، طبيعي نفسه تشيل منك ..
ضربت الأرض بقدمها :
-وأنتِ كنتِ عاوزاني أعمل ايه يعني ؟! عملت كِده عشان يتچوزني يا عمة وديه من حبي فيه وأنت عارفة !!
-تقومي تطلعيه خاطي قصادنا والواد بريئ من دمك !! مش هارون اللي يتلوي دراعه يا بت أخوي !!
ارتدت الحرباء لون الطيبة:
-وربنا المعبود كنت هعترفله اول ما يتقفل علينا باب واحد ، كنت هقوله عملت كِده من عشقي ليه ، وكان هيصدقني لما يعرف إني لساتني بختم ربنا وو
لكزتها بحرصٍ :
-يبقى تعقلي وتسمعي قولي ، أديكي قولتي هارون ولدي مش بوعيه .. العايقة اللي تحت عملاله غسيل مخ ، وكلنا عارفين أن الكبير وكبيرنا مش هيكسر عوايدنا وأعرافنا ..
فكرت زينة للحظة :
-طب والمزغودة اللي تحت اللي چايبها عشان يكيدني بيها .
ردت عمتها بحماقة :
-تلاقيها صعبت عليه ، يومين وهتمشي ولو ممشتش من روحها عمتك هتطردها ، بلاش عقلك يكون خفيف ودوري على مصلحتك ..
ربتت على كتفها واعظة حتى ختمت جملتها الاستنكارية :
-امشي وراي وهچيب لك هارون لغاية عندك .. وكني مُطرحك وأبوكي ميعرفش حاچة اهو قدامه الواد رضاكي وبعت لك .. هروح أشوف حال البيت في اليوم اللي غبته ..
انصرفت " صفية " مجرد ما أنهت حوارها مع "زينة" السابحة في بحور شرها ، ألتقت بـ " هيثم " الخارج من غرفته مرتديًا ملابس " كاچول " .. وهو يقبل مهللًا :
-والله ونورتي بيتك يا صفصف ، طلعت غيبتك عنيننا واعرة قوي .. حمدلله على سلامتك .. طابخالنا ايه !!
لوحت غير مكترثة بهتافه العبثي وهي تسير نحو السُلم :
-همك على بطنك على طول .. قول أخرة اسطواتنك دي ايه !!
لحق بأمه متبعًا بحماس :
-عاوز أكمل نص ديني واتچوز ..
ردت ساخرة وهي تهبط السُلم :
-طب أفلح في النص الأولاني ، لما تدور على التاني !!
-منا ناوي اتوب علي يدها .. هتقولي لأبوي ولا أقوله أنا؟!
-اسكت دِلوق ، أحنا مقادرنش نلموا ورا الكبار لو نمشوا ولا الصغار !!
هب شاكيًا :
-وأنا كل ما أقول يا چواز تطلعي بحچة شكل !! عاوزاني أمشي مشي بطال يعني !! چوازي هو اللي هيقل عدل الدنيا ويشقلب المايلة ؟!! مرة استنى اخواتك اللول ، واستنيت وضيعت من يدي حُب عمري رحاب ، ولما اتچوزوا أخواتي ، استنى نلم وراهم ، هو أنتوا عليكم ندر هيثم ميتچوزش في قلعة ديه بيت !!
وقفت في منتصف السُلم مستفسرة بملل لتهاوده :
-تطلع مين اللي داعية عليها أمها دي ؟!
وقف بأسارير متسعة ليردف متفاخرًا :
-چميلة بت الخواچة !!
صاحت معترضة وهي تنوح كأنها تنحر وراء ميت :
-إكده أناي اللي أمي داعية عليّ ، عوضي عليك في ولادي يا رب !! چميلة بت الخواجة ، البت اللي حسها يجلجل من الشرق للغرب !! دي غچرية!! تجيبها في بيتي تعمل لي ايه !! ما كفاية عليّ السهتانة اللي فوق !! عاوز تچيبلي بت الخواچة !! تلاقيها أحلام اللي قالت لك !! ماهي عاوزة تكيدني وتموتني بحسرتي على عيالي .. على چثتي بت الخواچة ، تخشش بيتي يا هيثم..
تسمرت معالم وجهه مذهولًا :
-ما تخشش بيتك أيه ؟!!
ثم انحنى على مسامعها مغازلًا :
-دي عليها چوز عيون ياما خلوها اتزحلقت چوة قلبي ..
فغير نبرة صوته واثقًا :
-عينيها سحر أول ما تبصي فيهم هتحبيها من غير ما تحسي ..
-طب غور من وشي ، أنا لا فاضيالك ولا فاضية لمياصتك !!
ثم رفعت وجهها للسقف تشكو ربنا :
-دي ايه الخِلفة اللي هتقصف عمري دي يارب !! لا خير في واد ولا بت !! بت الخواچة الشلق دي على جثتي يا هيثم تخش بيتي …
ضحك ساخرًا :
-تبقى الأعمار بيد ربنا ياما .. كلنا هنموتو ..
نزعت نعالها لترميه به وهي تسُبه :
-بعد الشر عليّ ، عيل قليلة الرباية وحياتك قاعدة على قلبك لغاية ما أربي عيالك واچوزهن عشان معرفتش ابوهم …
~~
~" بغُرفـة رغـد "
"ثمّة آلام صامتة، يتعذر تمريرها بالكلام، هذهِ الآلام هي التي تُطفئ روحك ."
بعد ما سمعت لنبرة صوته التي أشتاقت لها كثيرًا ولكن محتوى الرسالة كان مؤسف ومؤلم للغايـة .. سقط الهاتف من يدها وتكورت حول نفسها لصحوها على حقيقـة ولا شيء بقلب رجل حاربت الجميع لأجله .. ظلت روحها تنتفض حول سؤال واحد أغلبنا لا يملك الجواب عليه :
-ليـه كده يا هاشم ؟! ليـه ؟!!!!
ثم تناولت هاتفها وعادت بتسجيل رسالة صوتية لأمها ، كي تعترف لها بالحقيقة المخفية خاتمة اعترافها بخوف :
-أنا ههرب من هنـا وهجيلك في أسرع وقت .. أنا مش هقدر أكمل كده يا مامي ، أنا غلطت وبدفع تمن غلطي دلوقتي ..
ثم سالت الدموع من مُقلتيها بحسرة :
-هاشم طلع ما يستاهلش حتى يكون أب يا مامي !!
••••••••••
~بعد صلاة الظُهر ~
عاد " هلال " من صلاة الجمعة يتسابق مع عقرب ثواني الساعـة ، ما وصل لبداية السُلم نادت عليه أمه :
-تعالي يا هلال، اشكي لك من أخواتك وعمايلهم ..
لأول مرة لا ينظر لأمه ، وصار هائمًا لأعلى :
-مش دِلوق يامـا ..
فصاحت :
-مش هتاكل !! ديهدي !! متسربع على ايه فوق الواد ديه!
ما لحظته فردوس هرولت لإعداد مائدة الغداء حسب تعليمات " أحلام " التي أكدت عليـها ألا تفصح سرهم لصفية .. وصل هلال لغرفته ليجدها تُرتل سورة الكهف بصوت مسموع ، قفل الباب ببطء وهو يتأمل جمالهـا ورقـة صوتها العذب .. كانت متحيرة بين استكمال القراءة واستقباله ، حتى أشار لها بكفه أن تواصل ما بدأته ولا تقطع خلوتها مع ربها .. نزع زيه الصعيدي بمهلٍ كي لا يزعجها ولا يشتت خلوتها .. ثم واصل نزع حذائه وجلبابه وبدل ملابسـه ..
كانت جالسة على سجادة الصلاة بركبتين مثنيتين وظهرها مستند على المقعد خلفها ، موطن أمان يغري كل مشاعر العالم أن تسكنه .. تمدد أمامها متخذًا من فخذها مسندًا رأسه كي يستمتع بترتيل القرآن منها .. تنهدت تنهيدة إعتراف لربها :" لقَد سَـرق قلبّي وجِهُ المُلتحي بعينَين أشّـبه بالنجوم المتلألئة "
بيدها اليمنى مسكت المصحف واليسرى تاهت في جدائل شعره النائم ولحيته فتبسم دافنًا قبلته بكفها واستمر الحال كما هو عليه حتى ختمت قوله تعالى بـ " صدق الله العظيم "
قفلت المصحف ووضعته على الطاوله بجوارها وعادت تتأمل تفاصيل وجهه المستريح عندها لتقول بشكٍ :
-غلطت كتير وأنا بقرأ … ؟!
-على كُلٍ لكِ أجران ..
ثم تأملها ميلًا ليُكمل:
-ومعي سأخذ بيدك لطريق السفرة الكرام البررة …
حضنت وجهه بكفوفها لتهمس له :
-الخُطبة بتاعتك كانت حِلوة قوي قوي .. سمعتها كُلها .. وقلبي حبك أكتر لما فتحت موضوع الچواز وكيف النبي كان يعامل زوچاته .. أنت كيف حلو قوي إكده..
-الدين يُجملنا يا رقيـة .. ويرسم لنا طريق السعادة .
ثم اعتدل من نومته فجأة مما جعلها تتساءل :
-حِجري مش مريح ؟! قومت ليه !
تنهد تنهيدة الغريب الذي عاد لوطنه للتو :
-يا الله منك يا رقيـة ؟! إذا ارادوا وضع ملخص شامل لتعريف الراحة ، سيكون عينيكِ ، والأشمل حضن ، والأدق عذوبة صوتك !!
أحمر وجهها بحياء وفرحة لسماعها مدحه لتردف بارتباك :
-يالهوي !! كله ديه عشاني ، طب دا حتى أنا خايبة وعشوائية وبحاول أرضيك مش عارفة وو
قبل جبينها بحُبٍ :
-عشوائيتك هي اللي رتبتي يا زوجة العُمر وملاذه ..
سطع البدر بوجهها لتردف متدللة :
-يعني لو خالتي صفية صممت تچوزك واحدة وطلعت أحلى مني ، هتقولها لا .. ماعاوزش غير رقية أبو الفضل ..
فك أسر حجابها الذي يدير وجهها ليحرر شعرها وهو يقول :
-لما أسدد ديني الأول !!
-دين أيه ديه ؟! أنت عليك فلوس لحد !!؟
ضحك بصوت مسموع وهو يهز رأسـه مؤيدًا :
-أجل !! لإمراة تغنى عن جميع النساء ولابيها وأمها ، رقية أبو الفضل ، وصاحبة الفضل على قلب عاشق ارتوى بين ذراعيها ..
فعقد حاجبيه متسائلًا بجدية :
-كم عمر فوق عمري يحتاجه قلبك ليسدد ما عليه من دين !! كم اعتذار ينبغي أن أقدمه لأنني تأخرت في الوصول إليكِ !! كيف سأعوضك عن 21 عامًا قضيتهما بين ثنايا الوحدة !!
تلك العصافير الجائعة التي تطايرَتْ من عينيه التهمَتْ قمحَ شوقي وحبي له دفعةً واحدة .. اعتصرت كفه بحب وأعين مدمعة :
-النومة في حضنك بألف عمر يا هلال .. أنا اللي زمانها صالحها بيك ومش هتفارق حضنك ديه ولا يوم ….
لبى نداء قلبها لينحنى ويحملها بين يديه تلك التي لا يتجاوز وزنها الخمسين ، تعلقت بحضنه لتسائله :
-إحنا مش هننزلوا للچماعة تحت !!
هز رأسه رافضًا :
-هفضل قافل علينا الباب ديـه لغايـة ما تزهقي مني..
اندست بحضنه :
-يبقى مش هتفتح خالص …
ما كاد أن يضعها بمنتصف نعيمهم والمرقد الشاهد على قصة حبها التي وُلدت عليه من جديد ، ذاع صوت فردوس من خلف الباب :
-يا شيخ هلال ، أنا چايبالك الغدا عشان ترُم عضمك !!
نظر لها ممازحًا :
-أهم الچماعة التكفير والهچرة جم لغاية عندك .. مرتاحة أنتٍ كِده !!!!!!
•••••••••••
بسيارة هارون ، يجلس أبيه بجواره مستندًا على عكازه ، ليقول باختناق :
-مش عارف أيه غرضـك فالروحة لبيت الچباس وأحنا مقاطعينهم لسنيـن يا أبوي ..
أومئ الحج متفهمًا :
-يبقى لازمًا نعيدوا الوصال يا ولدي ، لازمًا نقوا ضهرنا ورچالتنا بيهم ، عشان تقدر تكون مع البت اللي رايدها ، وحفيدي يتكتب باسم ابوه ..
تنهد بحيرة وهو يلف مقود السيارة ليردف مستفهمًا بشك وراء أبيـه :
-إلا قـول لي يا أبوي ، هي قصة عمي ماهر ، فات عليها قديش !!
تأرجحت عيني خليفة بشـك حول سؤال ابنه ليقول :
-ليها ٢٨ سنة يا ولدي !! بس أيه فكرك بيها دِلوق .. مالك وماله ..
أردف سؤالًا آخر بنبرة تحقيقية بعد ما ربط عمر القصة بعمر ليلة :
-هو في حـد غيره عمل العملة دي !! يعني اتچوز واحدة غريبة وقتلوه !! سواء في النچع أو فالبلد تمًا!!
أردف الحج على سِجيته :
-لا يا ولدي ، مفيش الحديت ديه !! قصة ماهر كانت عِبرة وعظة للكُل ووو
ثم دار نحوه بشك:
-أيه شغال بالك يا ولدي !! ولا هو تقليب مواضيع ؟!
جارَ أبيه محتجًا بإنه مجرد حديث ، ليواصل:
-طب مخلفوش ؟! يعني ملهمش بت ولا واد !!
رمقه محاولًا فهم مغزى أسئلته الكثيرة حول الموضوع ، وبقلق حول انكشاف السر الذي سيقلب البلدة رأسًا عن عقبٍ :
-ما تيچي دُغري مع أبوك يا هارون!! عتدور ورا مين في البلد !!
صف السيارة أمام بيت الجباس وهو يقول جملته الأخيرة التي رمت سهم اليقين بجوف أبيه نحو علمه بالسر الذي دفنه لسنواتٍ :
-بدور أيه اللي ممكن يربط بين رفعت الچوهري وأبوي ، وصاحب عُمره ، ماهر العزايزي !! ما ترسيني يا أبوي !!
تذكر تفاصيل صورة الميدالية التي تذكرتها ليلة عند رؤيتها لميداليته بالسيارة متفاخرة بأنها وجدت واحدة مثلها بصندوق أسرار أبيها ، وكي تثبت صحة قولها ، فتحت له الصورة على هاتفها لتقـول له بفخر " شكلنا نعرف بعض من قبل ما نتقابل " .. فعاد لرُشده مُكملًا وعيناه ثابتة ليقرأ ملامح أبيه التي تخفي عنه سرًا :
-وصلنا بيت الچباس يا أبوي …..
••••••••••••
~بيت الجباس~
يجلس " فارس" مع ابنته التي تُلاعبه طاولـة بأجواء مرحة حتى جاءت " نغم " التي تحمل مصحفًا بيدها بعد ما أتمت وردها ، ألقت نظرة على مشاعر الابنة وأبيها ، تلك المشاعر التي حُرمت منهـا ولم تعش إلا الوجع منذ يوم ولادتها .. وضعت المصحف بمكانه المُعتاد وهي ترجو من ربها أن يزيح غُمة قلبها ، ليوقفها نداء " غنوة " ابنة فارس التي تحدثها بأسلوب وقح :
-استنى عندك ، يا أبوي ، قول للبت دي تحضرلي وكل عشان عمتي أم السعد راحت لولدها ..
تسمرت نغم بمكانها منتظرة رد الأب على أسلوب ابنته الفظ معها ، ولكن فوجئت بهِ يتمادى ما ابنته متجاهلًا شلال النظرات الجارف بينهما ويقول :
-أعملي وكل لغنوة ، وتعالي شيلي الكَبّابي دي وأعمليلي فنچان قهوة أعمر راسي ..
وقفت مذهولة من أسلوبهم ، لتنفجر معاتبة:
-استنى الأول ، أنت أزاي تساعد بنتك أنها تكلم الأكبر منها بالطريقة دي !! بتك دي قليلة رباية ،هي دي التربية !! وبعدين أنا مش شغالة عند حد عشان أخدم عليكم ، فيك رچلين قوم أعمل لبتك وكل ولا أتعب و ربيها الأول ..
ركل الطاولة التي تتوسط مجلس بقدمه :
-شكلك نسيتي اللي عتتكلمي عنيها دي تبقى بت فارس الجباس، يعني لو مشت تدوس على الخلق نفر نفر ، هاجي ادفنهملها ديه لو يستحقوا الدفن !!
وقفت أمامه موبخة :
-أنت مريض ، وبتعمل بتك كيف تبقى مريضة زيك .. وتتعب قوي يا فارس .. وأبقى افتكر كلامي ديه زين !!
تأملها بسخط يغلف مشاعره بداخله :
-كل ديه عشان قالت لك اعملي وكل !! أيه كفرت البت !! طب أيه قولك لو أنا اللي أمرتك تخشي المطبخ دِلوق وتعملي كل الوكل اللي غِنوة نفسها فيه !!
رفعت سبابتها بوجهه متحدية:
-قول لك لا يا فارس ، أنا مش هساعدك تربي بتك بالطريقة دي .. بتك عايزة تاكل اتصرفلها في وكل ، وأما تبقى تربيها زين أبقى ساعتها أفكر اوكلها ..
كادت أن تنصرف من أمامه فبض على معصمها جاهرًا :
-أنتِ هنه في بيتي ، وبتاكلي من خيري ، يعني ولي نعمتك .. ولي حق الطاعة والأمر ..
رمقته باستحقار :
-واضح أن مش البت لوحدها اللي عاوزة رباية ، أبوها كمان مـ
كان أمامها كبركان يغلي سُدت فواهته عن طريق الحارس الذي جاء لينقذها من شره ويخبره :
-فارس بيه ، هارون العزايزي و أبوه العمدة برة قاعدين مع الحچ الكبير ….
بنظرات تحرق غابة بأكملها طالعها متوعدًا :
-راچع لك وهدفعك تمن كل كلمة قُولتيها يا نغم يا بت عمي ……
انصرف تحت سهام نظراتها الغاضبة منه وهي تلعنه جهرًا :
-مريض …..
ما وصل " فارس" بنيران شره لمجلس الرجال وبدون سلام أو ترحيب بضيوفه قال :
-ايه لم الشامي على المغربي يا عزايزة !!
تمالك هارون غضبه بناء على طلب أبيه ، تدخل والده قائلًا :
-سلم على عمك خليفة يا فارس الأول وحِب على يده ..
جلس متجاهلًا أوامر أبيه وقال ببرود :
-شكله العمدة متوضي ، مش عاوز أنچس يده ، ولا أيه !!
ضرب أبيه الأرض بمؤخرة عكازه :
-وبعدهالك يا فارس …
تدخل هارون بغضب يود الفتك بهِ :
-هعمل روحي أنك مچتش وسطينا يا فارس ، وهتكلم بالنيابة عن أبوي ، أحنا چايين نراضوا بت خالتي ، وناخدوها ترچع بيتها ، والحج صالح بنفسه كان چاي معانا بس تعب بعد الصلاة وو
أشعل فتيل النيران بجوف فارس ليُجيب :
-باااه ، هي البت لعبة في يدك تمشوها وتيچوا تخدوها !! ليه كلت ناسها وملهاش كبير يقف لها !!
تنهد هارون متمالكًا أعصابه ، فتدخل الحج خليفة معاتبًا :
-ماله ولدك لا محترم كبير ولا صغير !! أنا ساكت له عشان أحنا ضيوف في بيتك ..
تدخل رشدان هاتفًا :
-امسحها فيّ يا عمدة ، فارس تلاقي في حاجة مضايقاه و
تمتم فارس معترفًا :
-چيتكم مضايقاني ..
فذاع أبيه مناديًا :
-يا غفير ، روح شيع للست نغم قولها تعالي كلمي خالك خليفة..
وضع فارس ساق على الأخرى كوضع اعتراضي :
-شكلكم هتقفلوا اليوم بمندبة على نفوخكم..
لحظات وأتت نغم ملبية النداء مرحبة بالحج خليفة وأرسلت التحية لهارون ، فتدخل عمها قائلًا :
-جناب العمدة چاي ياخدك يا نغم ، أيه قولك يابتـي ؟!
أرسلت نظرة استنكار لوجود فارس وقالت بتحدي :
-تُشكر يا عمدة مچيتك أنت وهارون فوق راسي ، بس أنا مرتاحـة هنه في بيتي وبيت أبوي !!
تدخل هارون معترضًا:
-يعني أيه مرتاحة يا نغم !! لو كان على سوء الفهم اللي بينك وبين هاشم أحنا چايين وو
قاطعته :
-لا ياهارون ، أنا وهاشم چوازنا كان غلط من البداية ، وأنا نسيته ، وكيف ما قولت لعمي ، أنا مرتحتش يوم كتب الكتاب ومشيت .. وو
تدخل خليفة متفهمًا :
-يعني ديه أخر قولك يابتي ، أهم حاجة تموني راضية والنفوس مش شايلة ..
-لا يا عمدة ، مفيش حاچة .. ومچيتكم دي فـوق راسي .
عاد هارون ليسألها بعشمٍ بينهم :
-متأكد من قولك ديه يا نغم ..
حُقن وجه فارس بالغيرة ليتدخل قائلًا :
-وايه لازمتها لت وعجن الحديت !! ما قالت لك مرتاحة هِنه يا هارون بيه !!
وثب الحج رشدان متكئًا على عكازه :
-الچواز أصلاً قسمة ونصيب ، ومن قولت النصيب، ناخدو رأيك يا عمـدة ، چاي عريس لنغم وطالب القُرب ..وِلد……
الجملة أحرقت خلايا تجبره وعِناده ، ليتدخل في نهج الحوار معلنًا ومستوقفًا لحديث أبيه :
-أنا .. قصده يقولك يا عمدة أنه ولده فارس الچباس طالب القُرب في بت عمه ، ومستنين كلمة العروسة !! ولكنها واضحة وضوح الشمس ، عشان إكده رفضت تعاود معاك …..
• تكملــة الفصـل •
-أنا .. قصده يقولك يا عمدة أنه ولده فارس الچباس طالب القُرب في بت عمه ، ومستنين كلمة العروسة !! ولكنها واضحة وضوح الشمس ، عشان إكده رفضت تعاود معاك …..
جملة فارس الأخيرة التي حلت كنازلة من السماء على رؤوس الجميـع ، بداية من أبيه الذي يجهل مغزى طلبه ، ومنذ متى باتت عنده رغبـة في ابنة عمه !! ومن أين طلع بهذا القرار ، أتبع فارس تحت سهام النظرات المُسددة وهو يوجه تهديده لهارون :
-طلبتها من أبوي عشيـة وهو موافق ، يعني على بلاطة بقت تُخصني ومحدش له حُكم عليها !!
علامات استفهام كثيرة فوق الملامح المنكمشة ، لحق أبيه الموقف بعد ما رمقه بشكٍ ؛ قائلًا :
-صوح .. فارس طلب يدها منى ، وباقي موافقتها وو
تأفف هارون باختناق لكرهه الشديد لفارس الذي يحاربه من قديم الأزل :
-أنا هستناك في العربية يا أبوي..
أعقب فارس بغيرة واضحة على نغم التي تود ولو أن تنشق الأرض وتبلعها فقال بسخط:
-خبر ايه يا هارون ، ماشي ليه ولا الحديت ميتا على هواك !! أيه ، مش دي بت خالتك اللي وقفت قصادي زمان عشان تاخدها ، طب حتى قولنا رأيك ..
زفر هارون ناطقًا جملته الأخيرة :
-بت خالتي مفرطش فيها واصل ، وتملي في ضهرها لو احتاجتني ، والقول قولها واللي عايزاه هعمل حتى لو رافضة چوازتك يا فارس..
تدخلت نغم بالحوار وهي تحت مخدر صدمتها وبلسان ثقل عليه الهموم :
-يعني ايه الكلام ديه !!
تدخل عمها كي لا يتفاقم الامر :
-نغم يا بتي خُشي دِلوق ..
تاهت في صخب الصدمة :
-بس يا عمي اااا
قاطعها بحزم :
-قولت خشي چوة يا نغم يابتي ..
تقهقرت رغم عنها محترمة حديث عمها ، تدخل فارس ليقف أمام هارون برأس مرفوعة ليرمى جمر احتراقه :
-والله وچيه اليوم يا عزايزي اللي هتقول حقي برقبتي وأني كسبت وطلعت صح من الأول .. بس ساعتها مش هسقف لك ، لا داني هغرف لك من جمر نارك وأقول لك دوق ..
قابله هارون بملامحه الرجولة الغاضبه ليقف أمامه وجه لوجه ، ليجيبه ساخرًا :
-واللي قاد النار دي هو وحده اللي هيقدر يطفيها أو يحرق فيها اللي يفكر يكسر عينه قصاد الخلق ..
ما أردف جُملته ألقى تحية الوداع على عمه رشدان ، وانصرف خطوتين قبل أن يوقفه فارس الذي يلعب بالنار قائلًا :
-الأسرار كترت وچيـه الوقت أن اللعب يبقى عـ المكشوف ..
ثم نظر للعمدة وهو يتحداه ليؤكد له أنه يعلم خبايا أسراره :
-ولا أنتَ أيه رأيك يا عُمدة ..
رمقه خليفة ساخطًا من وقاحته :
-رأيي أنك طايح في الدِنيا يا فارس يا ولدي ونار قلبك كاوياك .. الدِنيا مش بناخدوها بالباع والدراع ، الدنيـا بتمشي بالعقل والمخ النضيف ، أما المخ اللي معكره الغدر مش هيقلب غير على صاحبه ..
ثم ربت على كتف رشدان ناصحًا :
-فهم ولدك يا رشدان ، قوله إحنا تعبنا كد أيه عشان نهدوا سير النچع ديه .. ونحفظوا أسراره قبل النار ما تتطوله وهو عيل فاللفة ..
رمى خليفة قذيفة جملته بدهاء رجل حكيم مثله ، ثم أتبع خُطى هارون برأس مخذولة متأملًا عودة المياه المُعكرة بين العائلتيـن أن تعود لمجاريها الوديـة .. صعد السيارة وفي قلبه خبايا الماضي ومخاوف المستقـبل .. بدون حديث ..
فارقت سيارة هارون حدود أملاك الجباس وأفراد عائلته ، وتحت ظل شجرة كبيرة طلب خليفة من ولده أن يصف السيارة جنبـًا .. نفذ تعليمات أبيه تحت سحابة الصمت لدقائق عديدة قطعها هارون مستفسرًا :
-وقفنا هِنه ليـه يا أبوي !!
حدجه خليفة بثقةٍ كبيرة فيه وهو يقول :
-هريـح بالك وقلبـك يا ولدي … هفك لك اللغز اللي داير في راسك .. خلاص يا هارون العُمر مبقاش فيه بقية يا ولدي عشان نداروا ..
أبطل تشغيل سيارته باهتمام لامع من مُقلتيه :
-خير يا أبوي .. مالك ومن ميتى وأنتَ مش صريح معاي وبتداري قولك عني ..
شاور والده على مطلع الجبـل الذي يتنهي بكهفٍ مهجور وقال بتعجب من حكمة الأقدار وصاحبها :
-من الكُوّن المهجور دي ، طلعت منه شمس النور يا ولـدي ، مهما حاولنا نموتوا صوت الحق ، بس ربك له تدابيره ..
كرر هارون سؤاله متلهفـًا للسر الذي يريد أن يخبره به أباه :
-قولت هتريحني مش هتزيدني حيرة وتعاتير يا أبوي .. مخبي أيه على ولدك هارون ؟!
هز خليفـة رأسه معترفًا بسره الدفين :
-غفران ماهر العزايزي .
رُجا قلبه من مكانه عند سماعه لصدى صوت الاسم ولأول مرة يشع فيها الحماس لشيء بعد عيني ليلتـه .. بلل حلقه :
-غفران !! وو
ثم أتبع بشكٍ وهو يربط الأحداث ببعضها :
-الموضوع له دخل بليـلة مرتي يا أبوي !! قول أحب على يدك مقادرش اصبر ..
أومأ أبيه مؤيدًا على كلامه :
-ماهر كان ماسك التجارة بتاعت العزايزة ورجله رايحة جاية على مصر لغاية ما عينه جت على بت المعلم اللي كان شغال معاه ، وحبها .. ووقف في وش العزايزة وقال إنه رايدها .. وكل السكاكين اتسنت في وشه وطردوه من البلد …
صمت خليفة للحظات لا يطيقها هارون الذي اندفع متعجبًا :
-منا عارف كُل ديه يا بوي ، أيه علاقة ليلة بكُل ديه !!
-فكرك لما كلمتني وقولت لي هتكتب على ليلة الجوهري ، وبتاخد أذني ، قولت لك أيه !! قولت لك مقسومالك يا ولدي من يوم ما اتولدت .. اتوكل على الله .
عاد هارون بذاكرته وهو يسترجع تفاصيل مكالمته مع أبيه التي انقطعت بسبب مكالمة آخرى وأتبع مؤيدًا :
-أنا كمان استغربت أنك وافقت طوالي من غير حتى ما توقفني!! أبوي …
ثم وضحت الرؤية أمامه عينيه وهو يقول بحزن وخيم عليها:
-ليلة ، سامح الجوهري مش أبوها ، ونادية مش أمها ، واللي وصلني عنها أن اهلها من هنه !! من قنـا .. معقول يا أبوي ليلة تبقى هي بت ماهر العزايزي ولا أنا فهمت غلط .. ليلة بت عمي ومن دمي !!
تجاهل الحج خليفة عشوائيـة كلمات ابنه المعاشق حد النُخاع ؛ وأكمل :
-عمك ماهر غاب سنتيـن وعاود هو ومرته ، كانت حبلى وعلى وش ولادة .. رجع عشان بته تتربى وسط ناسها ، چالي أنا وعمك رشدان عشان نقف چاره ، اتخليت عنه ، وخوفت عليـكم تتربوا من غير أب فالدنيـا ..فرجعلي تاني وكتب لي عند محامي كل أملاكه بيع وشرا عشان اضمن له حق بته لو جراله حاجة .. عمك رشدان الچباس خده وقاله يقعد في الكهف اللي فوق ديه لغاية ما أبوه يدخل ويحل المُشكله ونفضوها سيرة عاد ونلغوا قوانين المجلس .. وو
سعل الحج بقوة متألمًا من مرارة الذنب وأتبع :
-أبو رشدان بعد ما قوم الحرب ، وصدر حكم من المجلس بموت ماهر ، من قهرته على الظلم وإنه مقدرش يقف چار ، رقد مصحيش ، في الوقت ديه كانوا عرفوا مكان ماهر وأخواته هيقتلوه هو ومرته .. مرته اللي جالها الطلق وولدت في قلب الجبل .. وكل اللي عمله رشدان إنه چيه وحذره وهيهربوا .. كل اللي قدر يعمله انه هرب البت لرفعت الجوهري ، ووصاني عليها وعاود عشان مرته كانت بتموت صحينا الصبح لقناهم مقتولين ومنعرفش مين اللي قتلهم ، ومن يومها والسر متشال ومحفوظ ..
انغرس خنجر الحزن بقلب هارون وهو بتكئ مندهشًا مما سمعه ومما ينتظره:
-يعني ليلة هي غفران .. غفران اللي مصيرها من مصير أبوها وأمها ، الموت !!
فأتبع أبيه مؤيدًا تحت وطأة المأزق :
-ياما يتعلن چوازكم قصاد الكُل ووقتها ودمها يتخلط بدمنا وو
فاستكمل هارون ظلم قوانيـن العزايزة جائرًا :
-ولو مخلفتش واد للعزايزة خلال سـنة ، هيقتلوها ؟!
ترجاه والده مستعينًا بهِ :
-عشان كِده ياولدي لازمًا تلغي كل قوانين العزايزة وأنت كبيرها قبل الخبر ما يتذاع ويقلوك من العُمدية ..
رد بعفوية بنبرة الاستغناء عن كل شيء عداها :
-تتحرق العُمدية يابوي ، أنا ماليش غير مرتي ..
ربت أبيه على كفـه قائلًا :
-شيع لرؤوف يرجع هو ومرته وهاشم ، وكلكم تبقوا عصبـة ..
هز رأسـه نافيـًا :
-أنا هعادي الكُل بروحي عشان خاطر مرتي، وكل حاچة هتتغير غصبٍ عن الكُل ..
رد العجوز متوجعًا لرمي ولده بالنار ليتحمل وزره نيابة عنه :
-دي حرب يا ولدي..
رد بحُرقة :
-وليلة چيشي يا بوي ….
••••••••••••
~عودة لدوار الجباس..
-أنتَ آكيد مچنون !!
صرخت "نغم" بوجهه وفجرت شظايا انتظارها له ، تركت يد أمه وهي تنفجر غاضبة وأشعلها بروده أكثر عندما قال :
-مچنون عشان عاوز اتچوزك !! فين الچنان في ديه !! ولا هو العقل والشرع ماقالوش إنك تقعدي في بيتي وأنتِ متحرمة عليّ ..
فاض صبرها من كثرة سخافته وهي تنفجر قائلة بسخط :
-أولا ده مش بيتك ، ده بيت أبوي، وليّ فيه زي ما أنت ليك فيه .. تاني حاچة ودي الأهم أنت مين صورلك أني عاوزة اتچوزك ولا اتچوز غيرك !! هاه !!
رفع حاجبه وهو يطوي نجوم حبه في ظُلمة كبريائه :
-وأنتِ تطولي أني استرك واكتبك على اسمي ..
بات غضبها كحبات الفشار تتقاذف برأسها وهي تصرخ عليه بعروق رقبتها المشدودة من قسوة الغضب :
-وأنا مش عاوزاك ولا عاوزة غيرك ، وباب الچواز دي انا قفلته ضبة ومفتاح ..
سقطت أنظاره على أمه التي تترجاه من الخلف ألا يزيد الأمور سوء لأجلها ، فأتبع بفظاظة المغرور :
-ولما فارس الچباس يطلب يدك ، يبقى تخلي الباب وتكسريه مليون حتة وتقولي حاضر وأمين !!
"ما الَّذي تعنيه الحياة لشَخص فَقد القُدرة على الأُلفة؟ ما الَّذي يمكن أن يمنحك الدفء عندما لا تعود قادرًا على أن تألف أي شيء، أي أحد، أي مكان .. أي حدث جديد ، دنت منه خطوة لتفرع سيفها بوجهه بنظرات يتطاير منها السخط :
-ومين يطلع فارس الچباس من أصلو ؟! واحد داخل على أربعين سنة ، كان متچوز ومعاه بت ، كل مبادئه في الحياة غلط في غلط ، واخد الدُنيا عافية وبلطجة كأنها مجابتش غيره !! واحد أناني ومغرور و عديم الذوق.. هااه شوفت أنا شيفاك أزاي !!
فأرسلت له ابتسامة خزى وأسف:
-لا هو الصراحة أنا مش شيفاك من أصلو ، أنت ولا حاچة يا فارس ..
تحول وجهه الجليدي لقطعة فحم متقدة وهي تحدثه بتلك النبرة المليئة بالخسـة لتكمل اشعال نيرانه أكثر فأكثر :
-ولو رجعت وفتحت باب الچواز من تاني هيكون بكيفي ، وهيكون لواحد أنا أول فرحته !!
ما كانت أن تخطو خطوة فتراجعت لتواصل إهانته :
-و ااهااه قبل ما أنسي أنت مش بس مغرور ، أنتَ كّمان أب فاشل ..
لا شيء في هذه الحياة أكثر حزنًا من أن أضطر لمعاملة الذين أحبّهم كغرباء .. والأكثر قسوة هي تلك التي تأتي منهما .. انصرفت بعد ما حولت صدره الجليدي لنار ورماد وأوقدت لهب جديد وهو ملكيتها أكثر من أي وقت آخر كي يرد هيبته التي انهارت على سفح تمرد إمراة ….
•••••••••••••••
~قصـر خليفـة العزايـزي .
بعد صلاة العشـاء ، عاد هلال فورًا من المسجد على غرفتـه ، غرفته ومن بها .. حيث انسجم السكن والونس تحت سقفها وبين ذراعي فراشة لا تتجاوز الستين كيلوجرام..
ما أن رأته تركت مقعد زينتها وركضت نحوه مرتميـة بحضنه وشعرها يُغلف كتفيه لتهمس قائلة :
-اتوحشتك قوي الشويتين اللي غبتـهم ..
حمل حمامة السلام بذراعه ذائبًا من فرط المحبـة هامسًا :
-صليت ودعيت لك .. دعيت ربنا ما يحرمني من حضنك ديه .. ولا من حنيتك عليّ .
فارقت حضنه وهي تشده من كفه بحماسٍ :
-تعالي استريح ، تحب انزل أجيب لك عشا ؟! ولا أعمل لك أيه !! قول عاوز أيه وأنا هخدمك برموش عيني يا هلال..
سحبها من كفها لتجلس بجواره ولا يوجد بينهما مسافة تُذكر وقال :
-رموش العين دي بتقتـلني في هواها وبس ، لكنها متتعبش .
-وبعدهالك عاد يا ابن الحلال ، أنا قلبي ضعيف وبيدوب بسرعة من كلامك الحلو ديه .
-قلبك بس !! أهو قلبك ديه ، دوب في غرامه راجل عاقل بتاع ربنا زيي .. مش سهلة أنتِ يا رقية ..
أوردت وجنتيها بعبير الحب وهي تقول بخجل :
-يوه ماني بردك مرتك وحلالك وو
وضع سبابته على أعتاب شفتيهـا كي تصمت كأنها ارتكبت ذنبًا فادحًا ليعدل لها قائلًا :
-رُقية ، أنت زوجتي ، مش مرتي !!
عقدت حاجبيها باندهاش :
-طب وأيه الفرق !! ماهي واحد ؟!
هز رأسه نافيًا ليؤكد لها أنهما يختلفان تماماً:
-هل يتساوى قول الله تعالى (امرأة فرعون ) و ( امرأة لوط ) بـ ( قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنـة ) .. عمرك ما سألتي روحك ليه هنا ذكر لفظ امرأة … وهنا ذكر مصطلح زوجة ..
عقدت ذراعها بتأدب لتستمد من علمـه علمًا وأردفت :
-لا .. أيه الفرق !!
ولى وجهه إليها وهو يغازل خصلات شعرها الناعمة ليقول بهدوء يريح النفس :
-معنى المرأة .. يقصد به علاقة جسدية بين الرجل والأنثى خاليًة من أي انسجام وتوافق ..
ولفظ زوجة .. يعني بينهما علاقة جسدية ولكن معها الود والمحبـة والاحترام.. والتوافق ..
هزت رأسها متفهمـة وهي تنظر له كأنه أعظم إنجاز بعمرها ، فأتبع بفيض وفير من الحنان :
-وفي القرآن ذكر إمراة فرعون ولوط ونوح .. بسبب اختلاف إيمانهم وخلافاتهم ..
وذكر زوجة آدم عليه السلام ، يدل على الراحة والتوافق والسكن للزوجيـن .. علاقة قائمة على العاطفة والمشاعر ، زي بالظبط قوله تعالى " يا أيها النبي قل لأزواجك "
فختم جملتـه بقبلة رقيقة جدًا على شفتها طالبًا منها بتودد :
-نراعي منطق الأفواه ، فكل منطوق واقـع .
أشرقت الابتسامة من فمها وهي تقول بعفوية لطيفة :
-وأنا مش هقول لك غير يا حبيبي ، عشان تفضل حبيبي لآخر عُمري ..
قبل رأسها بامتنان للقدر الذي جمعهما:
-أنتِ رُقيتي ، رُقيتي التي حفظت بها نفسي واكتفيت بها زوجة وحبيبي وملاذ لقلب عاشق مثلي .. وكل ماهو جميل بالحياة ينتمي إليـكِ .
"قيل على لسان السلف أن الحب ليس مجرد كلمة بل هو عهد ووعد وإلتزام وإحترام وإهتمام مع تقلب الظروف ومن لا يتحلى بهذه الصفات فهو عابر سبيل"
ختم جملته بتنهيدة وهي يقطف ثمار الحب من فوق ملامحها حتى أتاه صوت دق الباب وأمه تعوى من الخارج :
-هلال مالك قاعد في الأوضة طول اليوم!! هتكمكم يا فقري ..
تأفف لاقتحام صفواه ليفتح الباب وعلى وجهه علامات الاعتراض :
-خير يا أم هارون ..
-مالك لاابد من الصبح چارها !! بدل ما تيجي تواسي أمك وتاخد بحسي !! ولا أنتوا ملكمش غير أحلام !! أمك مالهاش حق عليك يا شيخ !!
بلع غصة غضبه بابتسامة مزيفة :
-ورقية ليها كُل الحق عليّ يا أمي ..
رمقته بسخطٍ :
-أنت عاوز تفرسني !! قول لو قاصد تفرسني !! يعني چايبلي واحدة مش بالعاها تقوم تقول فيها أشعار قصادي !!
تنهد ذاكرًا ربـه :
-لا حول ولا قوة إلا بالله … أومري يا أمي .
ردت بضيق :
-الداكتور اللي اسمه عمار ديه ، چيه تحت وعاوز يقابل أبوك ، ومحدش قاعد غيرك .. انزله شوفه عاوز أيه …
~بغُرفة أحلام~
-يابتي أقعـدي ، خيلتيني !!
أردفت أحلام جملتها بجزعٍ إثر حركة ليلة العشوائية على مراجل الانتظار :
-شايفـة يا أحلام الساعـة جت ٩ وهو ولا رجع ولا فكر حتى يكلمني وبرن عليه مقفول !! شايفة عشان اما أقفش عليه تكوني شاهدة..
-الغايب حِجته معاه يابتي .. روحي شيعي لرغدة تقعد تونسك ، وبعدين هي فينها مجتش ليه طول اليوم !!
-رغد بتنام كتير عشان البيبي
جلست " ليلة " المشغول بالها على هارون بجوارها متحيرة :
-وبعدين يا أحلام هتجنن كده !! حتى عمو الحج مرجعش بردو !! أنتِ مش قلقانة زيي ليه !! هو عادي يعني يتأخر كده ..
-الراچل وراه مصالح يا ستي سيبيه على راحتـه … أقول لك ، روحي المكتبة بتاعته أقري هبابة لغاية ما يعاود ..
فكرت في اقتراحها للحظات :
-فكرة بردو ، بس كل كتبه تاريخ و قانون ، وأنا مش بفهم حاجة ، ليه مثلًا مش بيقرأ روايات وأساطير ؟!
غمزت لها أحلام بطرف عينيها :
-چوزك على ما تعوديـه ، أنتِ وشطارتك ..
هبت متحمسـة متأهبة للذهاب :
-طيب أنا هروح المكتبه ، لو جيه وسأل عليا قوليلو إني هناك يا أحلام ياقمر أنتِ ..
ختمت جملتها بقُبلة طائرة بالهواء قبل أن تغادر الغرفة من الباب الخلفي .. دقائق محدودة على اختفائها من القصر ، فهل آخيرًا طيف هارون وأبيه .. هبط الاثنان من السيارة فألتقي بهلال وعمار الجالس بالحديقـة .. اقتربا الاثنان منه مرحبين بتواجده وعلامات الاستفام محيطة بوجوههم عن سبب زيارته ، برر عمار بذوق:
-أسف جيت من غير معاد يا عم الحچ ، بس كلمت هارون بيه كتير مردش ، قولت مابدهاش .. وأجي اشرب معاكم كوباية الشاي ..
استند الحج على عكازه:
-بيت ومُطرحك يا ولدي، اتفضل أقعد واقف ليه !!
ما جلس عمار على مقعد مرتبكًا ليقول :
-مش هلف وأدور يا عمي، انا چاي سكة ودوغري وطالب يد الانسة هيام بتك على سنة الله ورسوله ، ولو وافقت أنا هكون أسعد واحد والله كفاية إني هحط يدي في يدك ….
•••••••••••••
~مرسى علـم..
-يامازن تعالى كُل ، حرام عليك هدة الحيل دي !!
كانت تركض خلف ولدها بطبق الطعام كي تجبره أن يتناول وجبته ويترك اللعب لبرهة من الزمن ، فتح رؤوف الباب وبيده العديد من الحقائب ومستلزمات البيت ليتركهم جنبًا ويقول ضاحكًا :
-صوتكم واصل لأول الشارع!!
بثت شكواها إليه بتعب :
-غلبني يا رؤوف ، شغال من اول الصبح على التابلت اللي چيبتهوله ، ولا معبرني .. اتصرف خده منه يالا ..
رمى مفاتيحه على الطاولة وهو يدنو منها مستفسرًا :
-نچاة ، خنقتك وضيقتك دي مش من مازن ولا الجهاز ، أيه شاغل فكرك مخليكي مكدرة إكده ..
زحزحت عينيها عنه وهي تفتح نوافذ مخاوفها :
-الخوف يا رؤوف ، كل يوم بخط راسي فيه على المخدة بحمد ربنا أن اليوم عدى بستره .. بس يا ترى بكرة چاي وچايب أيه !! أنا تعبت من المرار ديه ، حتى لو اتچوزت اللي حبيته ، الدنيا معيشاني معاه في خوف ، منغصة عليّ حياتي …
ربت على كتفها بحنو :
-مااحنا لينا يومين من غير نكد وعكننة ، قلبتي المحطة ليه !! نچاة كام مرة أقول لك متخافيش وأنا معاكي محدش هيقدر يقربلك أنتِ وولدك ..
ثم ختم حديثه بقُبلة اعتذار على جبينها واتبع :
-هروح أشوف ومازن وأضحك عليه وأنومه عشان اروق لأمه اللي بتدور على النكد دي..
•••••••••••••
~عودة للعزايـزة ~
لم يطل الحوار مع عمار الذي جاء طالبًا أختهمـا ووجد الترحيب من العمدة وأبناءه ، مجرد أن رحل عمـار ضب هارون حقائب حزنه المتراكم بنفسه ليختبئ بغرفة أحلام التي تهون عليـه الحياة ، عند دخوله الغُرفـة طافت عينيه باحثة عنها ، فأعقبت أحلام مبتسمة :
-اللي بتدور عليه ميتا إهنه يا غالي ؟!
-أومال راحت فين يا أحلام!!
حركت رأسها بسعادة :
-مستنياك في المكتبـة ، بس خد هنه يا واد مال وشك مغبر بالهم ليه !! يلعن أبو الهم من ميتا عنعملوه حساب …
تنهد بثاني أكسيد حزنه وهو يجلس بجوارها :
-مقفلة من كُل ناحية يا أحلام !!
-تتقفل من كل النواحي ويبقى حضن أحلام مفتوح لك يا حبيبي !!
ثم لكزته بغمـز:
-ولا دِلوق راحت على حضني وبقى حضن ليلـة أولى بيك !
قبل رأسها بعرفـانٍ :
-ربنا يخليكم في حياتي .. فوتت على صفية لقيتها نامت ، چيت لك طوالي ..
-أهي أمك الفقرية دي من وخت " وقت " ما چت وچابت العمس "المصائب " النكد في رچليها ..
-ربك يصلح الحال يا أحلام ..
وثب من مجلسـه متأهبًا للذهاب ، فأمسكت بيده المثلجـة من صقيع البُعد وقالت بحنان أم :
-أقعد دقيقة ..
لبى طلبها على الفور ، مررت يدها على مسام وجهه التي لم يزورها غيث الحب حتى الآن لتقول :
-حقك عليّ لو عقولك كِده ، بس أمرك يهمني .. هارون يا ولدي محدش ضامن عمره يعني بلاش تضيع في ضنى وبُعد وعطلة ملهاش لزوم ..
بعدم فهمٍ تساءل:
-قصدك مين يا أحلام .. ؟!
ربتت على قلبه بيدها المرتعشة لتقول بدفء:
-خد مرتك في حضنك يا حبيبي ، وأشبع منها وشبعها بحنانك ، وسيب بكرة لبكرة ، أروي قلبك العطشان يا هارون من البت اللي حبيتها ، بلاش وچع قلب يا كبدي …
طأطأ رأسه متحيرًا :
-مش هينفع يا أحلام ، مش هقدر أخلط دمي بدمها والناس متعرفش ، أبقى چبان يا أحلام ، أنا وعدتها ماليش حقوق عنديها لغاية ما يتعملها أكبر فرح وو
قاطعته بإعتراض:
-حديت فارغ ويقصر العمر ، يا ولدي البت روحها فيك ، أرويها وأزرع فيها حبك عشان يضلل عليكم من شمش المصايب اللي مستنياكم .. دور على فرحة قلبك يا هارون ..
رفض طلب أحلام للمرة الأولى معارضًا :
-وهي فين فرحتها يا أحلام!! ليلة من حقها تفرح ويتعملها أكبر فرح ، مش هجيب عيل في السر زي هاشم و أزود همومي .. لازم الأرض تتفرشلها ورد لغاية ما تبقى حلالي علني يا أحلام ..
-مش عاوزاك تتعذب يا ضنايا .. وطالما حلال ربنا ليه تمنع نفسك منه .. دي نار قايدة في القلب لازمًا تتطفى !!
نهى الحوار إثر دخول والده الذي اشتاق لزوجته والنوم بجوارها ، فانسحب هارون بهدوء بعد أن همس لأحلام قائلًا :
-هنومها معاي ، قفلي أوضتك ونومي أبوي في فرشته له كتير النوم ما زارش عينه ..
ثم جهر قائلًا :
-بالإذن يا بوي….
غادر الصقر متجهـًا لعش عصفورته ليرمم شروخ اليوم بحضنها ، قطع خطاوي الأرض تحت عيني " زينة " التي لاحظته من أعلى فاطمئن قلبها بارتياح :
-طب زين مقعدتش عند أحلام ، وهملت القصر وبعدت عن البت الشوم دي!! بس هتروح مني فين يا هارون !! وربنا ما هسيبك..
وصل هارون لأعتاب مكتبته التي يصدر منها ضوءًا خافت ، تسلل بهدوء تحت ضوء قرص القمر المنير فوق رأسـه .. وجد مكتبـه المرتبـة مقلوبة رأسًا على عقب ، وكانت تتوسط الكُتب المُبعثرة حولها .. رمقها باستغراب :
-ليـلة !! مين عمل في الأوضة كِده !!
فزعت كالملدوغـة من مكانها وهي تتأمل عواقب فعلها :
-دي أنا !! بس معرفش عملت كده ازاي ! سوري ، أنا هرتبها بسرعة وو
ما أن رأسها كالطفلك المذنبة أمامها ثارت جيوش قوته ليحميها .. خطى خطوتين وأمسك بيدها قائلًا :
-سيبي من يدك وتعالي ..
وقف الثنائي وجه لوجه ، فوضعت كفيها بخصرها قائلـة بلوم :
-أنتَ أتأخرت ليه !! وبكلمك مش بترد !! ده اتفاقنـا يا هارون ؟! كنت فين كل ده !
أمسك كفها الذي تلـوح بهِ بلطف ليفتح ويطبع العديد من القُبلات بداخله جعلتها تنسى أمر تساؤلاتها ، انغرمت بفرط حنانه وهو يفعل بكفها الأيسر هكذا .. رمقته بتحير :
-هارون ، أنت كويس !!
لم يُجبها بكلمة بل استبدلها بقُبلة طويلة بين عينيها ..أن يختار القلب خليله بعناية… حينها ستشعر بأن رقة قلبه مثل خيط يضمدك في العالم كل ما بهِ يؤذي .. تنهدت مشتتة :
-طيب ممكن تقول لي مالك !
-أششش ، عاوزة تعرفي مالي !! لو في أيدي ألف كُرة العُمر واعتذرك عن كُل يوم كنت بعيد فيه عنك ..
أغرورقت عينيها بالدموع :
-هارون .. قلبي قلقان عليك !! فيـك أيه ؟! أنتَ زعلان من حاجة ..
-زعلان على العمر اللي عدى وحضني متلچ من غيابك ..
ثم مسح على معالم وجهه باستغراب وهو يتساءل :
-واحدة زيك أذت العالم في أيه عشان ينهش فيها إكده ، تعرفي نفسي في أيه !!
انتفضت في حضرة ملك الحُب وسألته :
-نفسك في أيده ونحققـه ..
مسح على وجنتها بأسفٍ :
-نفسي أداريكي من قسوة العالم چوة قلبي .. مش عاوز حاجة تزعلك واصل..
سالت دموع عينيها بمشاعر جياشـة وهي تذوب فـ شهد حُبـه :
-أنا لو زعلانة بجد ، فـ أنا زعلانة على العُمر اللي عدى كده من غيرك ..
شدها بلهفة في حضنه وباتت يداها تمسح على ظهرها كأنه أراد زوال سنوات الحزن عنها ، سيل ممطر من القبلات انهمر منه على كل جزء منها حتى تفتت بين يده ..
فارقت حضنـه وزالت أثار الدمع من عنه متجاهلة مطر عينيها وسألته :
-خلاص بقى ، أنتَ خلتني أعيط وأنت كمان هتعيط أوي .. أحنا ننسى كل حاجة ونبدأ سوا صح ! أنت عمـرك ما هتسيبني ..ممكن تحكي لي بهدوء كده ؛ مالك !!
فارق يديها وتحرك ليقف الباب بهدوء ثم عاد إليها وشرع في تبديـل ملابسـه تحت أنظارها المُشتتـة ، ما فرغ من مهمتـه فبادرت قائلة :
-لو المشكلة كبيرة أوي كده ، خلاص متحكيش ، لأنك كل ما تتكلم عنها كده بتديها حجم أكبـر في تفكيرك .. بس أنا عندي فكرة ..
تأملها بنظرة عجز حول ظلم الحياة لهذه الطفلة البريئة وقال :
-قولي ..
سحبته من يده بمهلٍ ثم استقلت السرير الصغير وعقد قدميها وأشارت له :
-هنيمك في حضني النهاردة ، مش أنت بترتاح معايا .. تعالى .
يصبح للمرء أجنحه عندما يستقبلـه حضن من أحب ، لبى ندائها واغتنم حضنها ليكون ملاذه هذه الليلـة .. ضمت رأسه لصدرها واتكئت للوراء وهي تتفقد بأناملها جدائل شعره :
-أنت عارف أن في أسطورة بتقول ، أن النوم في حضن حد بتحبـه ، مش بيخلي الإنسان يعجز بدري ..
رغم عنه تبسم لعودتها لأساطيرها وروحها الخفيـفة وقال :
-ابتدينـا .. مش هتحكي لي عن شهريار وشهرزاد ..
فكرت للحظة :
-تحب أحكي لك رومانسي ولا فانتازيا !!
-احكي لي خلفوا أمتى في أم القصة دي !!
انفجرت ضاحكة من تغيره المفاجئ ومفارقته لحضنـها ليراقب صدى صوت ضحكتها ، فأتبع :
-طب سيبك من شهرزاد ، وقوليلي ليلزاد نفسها يكون عندها كام عيل !!
استوقفها الاسم للحظة :
-أنتَ قولت أيه !! مين ليلزاد دي ؟!
-أنتِ !!
-يا سلام !! على وزن شهرزاد وكده !! لا حلوة عجبتني ليلزاد …
داعب وجنتها الأشبه بالقطن وقال :
-عارفـة الأول يعني أيه ليلزاد !!
-عـرفني …
أمتدت أنامله لأطراف شعرها وهو يقول :
-ليلي زاد .. بدل القمر بقيوا اتنين ، واحد في السما وواحد چاري واخد القلب والعين ..
نبضت في سماء الهوى وهي تجثو على ركبتها لتحضنه بفرحة :
-الاسم حلو أوي على فكرة ، خلاص على طول تقول لي الاسم ده لما نكون سوا ..
-طب واسم غفران ؟!
تراجعت عن حضنه بأسى وهي تكتم ثغره :
-هارون بليز ، بلاش الاسم ده ، بيرعبني ..بحس وراه أسرار كتير أنا مش أدها .. بلاش تناديني أبدًا بالاسم ده ….. ممكن !!
ضم رأسها لحضنه مرة آخرى وهو يقبل شعرها كثيرًا ويقول بتمني:
-طول ما أنتِ في حضني متخافيش من حاچة واصل …. هارون العزايزي هينسيكي كل الحزن اللي علم على قلبك يا ليلة ..
ثم تبسم مغيرًا مجرى الحديث :
-هقول لك خبر حلوة ، عمار چيه يتقدم لهيام .. والواد چدع ويستاهلها .. وأبوي حسيته مرحب قوي ..
هللت فارحة :
-الله!! بجد هيام هتفرح أوي يا هارون ، هي عرفت ولا لسه ، تيجي نقولها عشان تنام مبسوطة !!
أوقفها عن جنونها وعفويتها:
-أقعدي راحة فين !!
-الله!! معاك أهو يا هارون .. بس أحلام ووو
أوقفها طالبًا :
-عاوز أنام الليلة في حضنك ..
-هو ينفع !! ؟ مش ممكن حد يشوفنا .
-في داهية أي حد ..
ثم شدها من قدميها ليرتمى ظهرها على الفراش ، ويضع رأسه على كتفها وهو يحاصرها من كل جهة لتقول :
-هحكي لك حدوتة عشان تنام ..
دفن ملامحه بحضنها قائلًا :
-أحكي اللي يعجبك ، المهم أسمعك ..
•••••••••••••
وعلى حدى جاء أحد الرجال مهللًا من الخارج مناديًا :
-صديق بيه يا صديق بيه .. مجلس العزايزة عطوا رؤوف ونچاة مُهلة أسبوع، لو مرچعوش هيتقتلوا ..
فرع صديق من مكانه :
-هما لساتهم متچمعوش عليهم !! قبل السبوع ما يخلص ، هكون مسيح دمها ..
في هذه اللحظة رن هاتفه بالاتصال المنتظر ليخبره :
-عرفت مكان نجاة ورؤوف ….
رواية آصرة العزايزه الفصل العاشر 10 - بقلم نهال مصطفى
~العزايـزة صباحًا ..
تسللت خطوط شمس الصباح من عند البيت الخشبي الذي يأسر بداخله قلبين اجتماعا على طاولة الحُب .. كانت نائمة كفراشات الربيع فوق زهور الياسميـن ، تتنفس بهدوء .. ذراعها يطوق رأسه النائمة بحضنها .. كان يدفء جسدها الصغير ببنيته القوية ، يخشى عليها غدر الطقس فماذا عن غدر البشر؟!
تراقصت جفونه على لحن رائحتها المميزة ، ليجد نفسه بحضن إمراة خلدت اسمه على جدار قصر الحب بعد ما كان من الهاربيين منه .. سحب كفه اليمين الذي يحضن يسارها بحرص ليرفع نفسه قليلًا كي تتيح له فرصة تأملها عن قُرب ، أمطرت عينيه نجوم الحُب على ملامحها النائمة وهو يغازل خصلات شعرها التي تزيدها جمالًا ؛ ويلقي سؤاله الأخير متعجبًا .. بأي ظفر خدشتي لوحة الزمن على سجيتك لتكون النتيجة هكذا !! قلبَ الزمان قلوب البشر عليكِ ليسقطك بغابة لا أحد يرحم بها !!
وِلدتي من جوف الحُب في ظلمة كهف مرعب ، وكتبت لكِ الأقدار عيشة قاسية؟! تخبطتي في دروب الحياة حتى ألقاكي القدر كقميص يوسف على قلب رجل أعمى الحُب والنساء!! يبدو أن الأقدار جاءت لتعتذر لكِ مُؤخرًا ، عندما أوصدت قلبي عن كل شيء لسنوات يكابر هذا القلب ويعلنها بإنه لا يريد ، لا شهية له بمذاق النساء !! ولكن ها هو الجواب أدركته الآن !! لم يكن هذا القلب عاكفًا في محراب العُزلة !! لم يترهبن عن الحُب !! كان يعلم طريقه جيدًا وهو لقياكِ في نهاية المطاف !!
عشُت هنيئًا بوحدتي ، وعشتِ في شقاء وحدتك ، ومن ذلك اليوم الذي جمعنا فيـه سلطان الهوى ، أراد أن يزيل عن عاتقك الشقاء برفقتي ، ورص أحجار العناء فوقي بدلًا منكِ ..
مرر كفه على ملامح وجهها القُطنية وأتبع صدى صوت قلبه :
-أهلًا بكِ وبحبكِ وبنسبك ، دمنـا طلع واحد وقلبي اللي كنت فاكره عصاني واتمرد على قبيلة بحالها ، طلع دليلي ليكي !!
طبع قبلة رقيقة على خدها وأتبع متأملًا بجمالها المريح للعين والقلب :
-الطلة في وشك اكدتت لي كلام أحلام ، كانت تقول لي أوعاك تاخد غير اللي قلبك رايدها ، طول عمرها أحلام صح ، طول عمرها شايفة اللي عمري ما شوفته !! چيتي منين أنتِ وحبك المتسلسل جواة قلبي ديه يابت الناس !!
ظل يمسح على شعرها برفق ومن حين لآخر يمطر قلبه بالقُبل الخفيفة حتى امتلأت رئتها من غيث حبه ، فتراقصت جفونها على شروق ملامحه التي تعلوها .. تبسمت بخجل تحت أسره :
-صباح الخيـر يا عُمدة .. -ثم تاهت في سحر النظرات- بتبص لي كده ليه ؟
-والمفروض أبص لچمالك كيف !! قوليلي !! قلت أملي عيني منك ، قلبي مش مستكفي .
-طيب كنت بتعمل أيه ؟!
-كنت بوصي قلبك عليّ..
-هو مش محتاج وصايه وو
تملصت بخفة من تحت يده وهي تبلل شفتيها التي أغوته أكثر :
-أنت نمت في حضني طول الليل ، مش كده !!
أردف بحنو وهو يمر ظهر أصابعه على وجهها :
-أنا عمري ما نمت زي الليلة دي .
فأتبعت بشرود :
-وأنا عمري ما اتخيلت ان القدر هيجمعني برجل أنام في حضنه من غير خوف ، بعد حضن بابي وجدو ..
تذكر للحظـة نصيحة الطبيب الأخيرة ، والذي أوصاه على اللحن فوق أوتار الأنثى التي تسكنها ، فقال مداعبًا :
-بس مش زي حضن أبوكي وچدك قوي يعني ولا أنا غلطان !!
داعبت لحيته الخفيفة للغاية بأناملها وكأن عقارب الساعة وقفت عندهما وهي تقول بامتنان :
-في هدوء واطمئنان معاك ، مفيش خوف من أي حاجة ولا بفكر في أي حاجة وأحنا سوا ، حتى لما تغيب عني بفكر فيك وبس ..
أمسك بطرفي اصبعـه ذقنها وهو يمازحها بلطفٍ خفي :
-بس أكيد في مشاعر تانية لازمًا تحسيها وأنتِ معاي غير أنك تكوني مطمنـه وبس ..
بللت شفتها الجافـة بتوجسٍ وهي تراوغـه :
-هو فيه شعور أهم من الاطمئنان يا عمدة المفروض أحس بيه معاك ؟!
رفع حاجبه مستنكرًا بتلاعب :
-عيقولوا ..
تدللت عليه :
-بيقولوا أيـه بقا !!
فكر للحظـة كيف يداعب عقل الطفلة التي يسكنهـا وهو يقول بعد تنهيدة لامست ملامحهـا :
-أني چوزك ، والمفروض اللي يتعاش ويتحس معاي ، غيـر أي حد !!
-بس أنا مطمنة، مش كفايـه ؟!
خيم اليأس فوق ملامحه وهو يقول باختصار :
-لا .. لرچل طماع في هواكي مش كفاية ..
وما تأهب أن يرفع نفسه ليغادرها طاويًا صُحف العشق بقلبه إلى أن تذاع في وقتها المناسب ، فأمسكت به رافضة بعده لتردف بنبرة مهزوزة :
-استنى .. عارف الأول يعني أيـه مطمنـة ، يعني مش خايفة منك وواثقـة أنك مهما عملت مش هتأذيني .. مطمنـة يعني أنا موافقة اتعلم وأعيش معاك كل المشاعر الخاصـة بينـا مع بعض .. قلبي اطمن بيك يا هارون وقفل عليك .. أنا ليك وبس …
تلك المرة تولى هو مهمـة ترطيب شفتيها الجافـة بشـهد الحُب ، ألتقى العشاق على ضفـة نهر الحُب يسبحان مع موجـه ، وكل منهما يحاول أن يثبت للآخر أنه أهَمُ ماحدثَ فيِ حياته .. ممتنيـن لبداية القِصة على نَحوها العَجيب مِثل أن تجمعنا الطُرق المتفرق ، أن يجمعنا أول حوار ثم حُب من أوُل نَظرة لقَد كَان كل هذا جَميل مثل حُلم بوسط النِجوم ولا يريد أحد أن يفارقه مَهما حَدث ..
لحظات مسروقة من بين أنياب الزمن الذي يؤجل اتصال أرواحهم .. عاد له رشـده بعد لحظات من الغرق ليجدها مُرحبة بهِ في أي وقت .. تدخل سيف الواقع ليبتر جمال تلاقيهم ، ختم جولته بقبلة طويلة رسيت على جبهتهـا وهو يلفظ أنفاسـه بثقـلٍ قبل أن يُغادرها ليحميها منه ومن حبه الفائض قبل أي شيء هامسًا :
-مش هينفع أكون أناني وأخطف الوردة قبل أوانها .. ربنا يصبر قلبي لليـوم ديه ..
ليلة ؛ هارون العزايزي عاشقـك لآخر يوم في عمره .
لم يتحمل انتظار ردها الذي لم يستطع محاربتـه أمام حسنها وحُبها ورغبته فيها .. هرب من جملة مشاعره للحمام ليترك للماء مهمـة إضفاء حرائقـه .. تركها في لهيب الحُب وبرودة البُعد .. عاد لها رشدها لتعاتب نفسها عما حدث وعما قالت ، وعما كانت معه .. جميعها مشاعر وِلدت على يديـه .. فارقت مرقدها بسرعة جنونيـة وأردت حذائها وفرت العصفور هاربة من قفصها .. هاربة للتحرر من كم الحب والخجل المتراكم بداخلهـا … وهي تتساءل كيف حدث كل هذا !! كيف وأي حب ذلك الذي تغلب على العقل والمنطق والخوف !!
•••••••••••••
أسوأ ما قيل عن الخذلان :
-أسَفي على البيت الذي ناديتُه من فرَط وحشاتِ الملاجئَ مَنزلي ..
لأول مرة بعد فترة انقطاع طويلة عن الصلاة ، صلت رغد الفجر ، بعد ما رأت هلال مغادرًا من بيته لبيت الله ، ذهبت حينها لرقية التي تأكدت من يقظتها وهي بالمطبخ تعد بعض السندوتشات .. تبادل الاثنين الهمـوم حتى دلتها رقية على طريق الصلاة.. قضت رغد خواتيم ليلتها وبدايات نهارها على سجادة الصلاة حتى سكن الهدوء قلبها بقرارها الحتمي ..
كان هاشـم جالسًا على مكتبـه يتشاجر مع دخان تبغـه ، حتى دخل عليه الجندي قائلًا :
-هاشم بيه، تم تأمين حدود المنطقة بأكملها .. بس في عيل صغير جاب الظرف ده وجري ..
شق الظرف ليتطلع عما فيـه بلهفـة ، فوجد به رصاصة مع ورقـة مكتوب فيها تهديد صريح :
-تفتكر الرصاصة دي هتحدد مصير مين فينا ، أنا ولا أنت !! معاك يومين ياحضرة الظابط ، لو منفذتش وبقيت معانا يبقى تنسى رغد للأبد ..
عصر الورقة بيده في اللحظة التي أتاه فيها صوت رنيـن هاتفـه باسم " البكباشي " ، لمست شرارة الحنيـن جزء معين في قلبـه ، فأشار للجندي قائلًا :
-طب اطلع أنتَ ..
فكر للحظات حتى انتهى رنيـن هاتفـه وانقطع آخر أمل بقلـب رغد التي يعذبها تيار الحب والكبرياء .. لم يمض الكثير فعاود الاتصال بها بأمر قلبـه .. تناولت الهاتف بأيدي مرتعشة لتقول بنبرة خفيضة وهي تحضن قلبها :
-ألو …
ابتلع تنهيدته وعذاب حيرته :
-أيوة يا رغد ..
ذرفت الدموع من مُقلتيها لعقم الحديث بينهمـا بعد ما كان سلسًا كالماء ، ثقل لسانها عن التعبير لمدى اشتياقها وهي تطوى الحب بالأسى :
-مش هطول عليـك ، بس حبيت أعرفك قراري ..
صمت تام منه على تنهيدات روحها الممزقة وهي تبلل شفتيها بدمع حزنها :
-أنتَ كنت صح يا هاشم ، أنا هعمـل اللي أنتَ تطلبـه .. أنا هنزل البيبي وو
ثم شهقت بحرقة من ألم القرار وأتبعت ببكاء :
-بس عندي طلب آخير ، تطلقني يا هاشم ، تطلقني وسيبني أرجع لحياتي قبل ما أشوفك .. أنا قررت أنهي كل حاجة مابينـا ، مش ده طلبك ..
اعتصرت قلبها منتظرة رده الصامت ، رده الذي يتوسل إليها أن تتراجع عن قرارها ، يبدي علنًا رغبته فيها وبطفلها ، لا يعرض حياتها للخطر لأجل أنانيتـه ، مسكت يداه رصاصـة والدها وقال بجفاء :
-اللي عايزاه أنا هعملهولك ..
لم تتحمل حدة قسوته أكثر من ذلك ، سقط الهاتف من يدها وهي تنهار في وحل آهاتها ، صوت شهقاتها التي فشلت في كتمها كانت تعلو شيئًا فشيئًا .. وهج حارق يتصاعد من قلبها وهي تتلوى بحريق الخذلان .. ظلت تتساءل للعديد من المرات :
-ليـه ليييه كده يا هاشم ، ليه قفلتها القفلـة دي !! أنا أستاهل منك كده !! يارب أرحمني من الوجع ده .. أنا كان نفسي في طفل بس يعوضني عن القسوة دي …
~بغرفة أحلام ..
كانت تضم " ليلة " الصامتـة والشاردة في سحر المكان الذي سافرت إليه معـه .. ظلت تتأكل في أظافرها بتفكيـر تحت مظلة تساؤلات "أحلام" المتكررة حول أمرها وجوابها العقيم :
-يابتي ريحي قلبي ، هارون زعلك !!
هزت رأسها نافيـة :
-أنا عمري ما أقدر أزعل من هارون ..
شكت أحلام بأمر حديثها مع هارون بالأمس ، ربما كان قد نفذ أمرها ، فأتبعت :
-طب يا حبيبتي لو حصل أي حاچة بيناتكم متنسيش إنك مرته وحلاله وو
-محصلش حاجة يا أحلام ..
ثم تأهبت ملهوفة للتتساءل :
- ليـه العزايزة قوانينهم صعبة كده ، يعني هارون مصمم أننا لازم نتجوز قِدام الناس وفرح كبير ، وأنا مش عارفة كل ده هيحصل امتى ، ليه يا أحلام القوانين الصعبة دي ؟!
تنهدت بحرقـة وهي تعود بالذكريات :
-زمان قوي كان فيه راجل فلاح باليومية اسمـه الحج عزيز على كد حاله مخلف ٦ ولاد وبت ، كل ما يتقدموا لحد من البلد يرفضوهم عشان كانت حالتهم عدم .. وكان رزقه هو وعياله قليل قوي في الدنيا مهما سعوا مفيش رزق في يدهم .. والعيال سنهم كبر ومفيش حد راضي يچوزهم في البلد وكانوا منبوذين من الكل ..
انتبهت ليلة لأصل القصـة :
-وبعدين يا أحلام ، عملوا أيه ؟!
-في يوم طلعوا الست رچالة وخطيب أختهم طلعة الجبل يحملوا حجـارة ، ووقعهم القدر على عروسة دهب طولها ربع متر وتحت منيها مقربة فرعونيـة فيها من الدهب يكفي أجيال ..
انكمشت معالم وجهها بذهولٍ :
-أحلام الكلام ده بجد ..
أتبعت أحلام بهدوء:
-السبع رچالة قضوا ٣ أيام بلياليهم في الچبل ، عشان يفتحوا المقبرة دي ، لغايـة ما لقيوا مخطوطة بتقول أن فتح المقبرة دي بشروط وماينفعش حد يكسرها ليوم الدين الحساب ..
-هااه وبعدين يا أحلام … ؟! ايه هي الشروط دي ؟!
-كانت المخطوطة فيها كُل أعراف العزايزة وهي تنتمى لأصل قديم من أيام الفراعنة ، أسرة ملكيـة قديمة كلها چوازها قائم على الدم.. وعقدوا سحرهم وطلاسيمهم على المكان أن صحابه لازمًا يكملوا سلالاتهم عشان يوصلوا للذهب ..
برقت عيني ليلة من شدة الحماس :
-وبعدين ! كملي ..
-كل الشروط كان معقولة ، إلا أن اللي يفتح المقبرة يكونوا كلهم من دم واحد ، طب وخطيب اللي اكتشف المكان ، كان هيبقى أيه وضعه ، ساعتها قرروا يقفلوا على الحوار كام يوم ، رچعوا عچلوا بچوازة أختهم عشان رشاد الخواچة يبقى من دمهم .. ومن إهنه چيه لقب بيت الخواجة والنسب المتطرف ، اللي أنا منه .. لأن نسبهم للعزايزة كانوا من طرف البت ..
بدّ الانبهار على ملامحها :
-واو بجد .. كنت عايزة أعرف يعني اي نسب مطرف وخواجة اللي قال عليهم هيثم .. وبعدين فتحوا المقبرة !!
أحلام باستسلام :
-فتحوا المقبرة يا ليلة بعد چواز اختهم بـ٣ أيام والحارس اللي عليها قالهم ، لو حد خالف أحكام الأسرة الملكيـة دي هتصيبه اللعنة واتجبروا الست ولاد يتچوزوا بنات عمامهم وبس ويبنوا بيوتهم فوق المقبرة دي ، عشان إكده اترسخ في العقول چوازة غير الدم هتچيب الدمار ، فالكـل خايف من اللعنة .. طلعوا العزايزة ولغاية اللحظة دي تحت يدهم مال ملهوش آخر يا بتي .. اشتروا كل أراضي البلد، وبقيوا الناس يتمنوا نسبهم ، وعشان يحفظوا كرامتهم اكتفوا ببعض ومحدش غريب يشاركهم مالهم ..
تنهدت بحيرة :
-قصـة غريبة أوي يا أحلام ، طيب الشيخ هلال محاولش يغير أيه حاجة ، يعني كان مصدق الكلام ده ؟!
أجابتها أحلام بطيب خاطر :
-حاول يا كبدي لغاية ما اتغلب على أمره وسكت .. بس شاهدة لله أي حاچة كان هيتعلق عليها دم او غضب ربنا كان يقف في وشها لغاية ما يحلها .. ومكنش على لسانه غير " إن الله لا يصلح ما بقومٍ حتى يصلحوا ما بأنفسهم " وأديكي شوفتي وقفته قصاد الكُل عشان رقيـة ..
رأت صعوبة الطريق أمامها لتردف بخزى :
-يعني كده ممكن بجوازي أنا وهارون نتأذى !!
تمتمت بشكٍ:
-بيقولوا مفيش اتنين نفس الدم بيتأذوا يابتي!
عقدت حاجبيها باندهاش :
-مش فاهمة يا أحلام ..
غيرت أحلام مسار الحوار لتقول :
-المهم أيه اللي مخليكي من على بعضك من ساعة ما جيتي ..
قضمت أناملها بحياء وهي تتذكر لحظات الونس بحضنـه لتقول :
-أحلام هو الحُب بيخلينا نعمل حاجات مستحيل نتخيـل إننا ممكن نعمـلها أبدًا ..
بدّ عليها الارتباك والتوتر وهي توضح بعشوائية :
-مش عارفة ينفع أقول كده ولا لا ، بس أنا في حضن هارون ببقى واحدة تانية .. واحدة ماينفعش تكون هي أنا .. ده صح ولا غلط ولا ايه !! أنا كل يوم بحبه أكتر وبحس ناحيته بحاجات حلوه أوي !! ده أيه !! أنا عمري ما كنت متلخبطة زي كده.. بس هو ملخبطني يا أحلام ..
تورد وجه العجوز بسلام داخلي وهي تمسح على رأسها :
-هو بعينه يا ضنايا الحب وسنينه ، الحب والحلال لما يتچمعوا في فرشة واحدة بينسوا الدنيـا واللي عليها ، تبقيش هبلة وأمشي ورا قلبـك .. وهني چوزك وشبعيه منك ديه حلالك مفيش بناتكم كسوف وو
قاطعتها بتمرد على قلبها هاربة :
-لا يا أحلام !! عيب كده ، أنا غلطانة إني بدردش معاكي ، بصي أنا هروح الحمام بعد أذنك ..
ردت متعجبة :
-شوف البت واقعة لشوشتها وعند أحلام اللي قارياها عيب يا أحلام !!
قُفل باب وفُتح الأخر ، قفل باب على قلب يريد أن يحرر حبه ، وفتح باب على قلب مجبر أن يطوى صحف حبه ، دلفت رغد المنهارة من البكاء لتندفع باكية بحضن أحلام وهي ترتعش من قسوة الألم .. تنحب ببكاء قهري يهدم بقلبها ، ضمتها أحلام بلهفة :
-ضمينك النبي يا حبيبتي ، اسم الله عليكي چرالك أيه ما كُنت زينة ! يابتي متوچعيش قلبي عليكي !!
بوجه يغسله الحزن أردفت رغد :
-أنا خلاص هنزل البيبي يا أحلام .. خلاص كل حاجة انتهت .. أنا لازم أقطع كل حاجة مع هاشم .. هقتل ابني عشان وجع قلبي يخف .. أنا اللي عملت في نفسي كل ده !! طيب أنا الجانية على نفسي ؟! أنا حبيته بس يا أحلام ، هاشم بيقتلني بسلاح بارد أوي .
ضربت أحلام على صدرها بسخط :
-أعوذ بالله ، أخزى الشيطان يابتي ، تقتلي مين !! چرى أيه لكل ديه !! كله هيتحل بالهداوة .
تحت صدمة بكاءها :
-هاشم مايستاهلش يبقى أب ، وأنا مستاهلش اتحمل العذاب ده كله وحدي، الطفل ده لازم ينزل ، مش هنعالج الغلط بغلط ..
دخل هارون في هذه اللحظة ليفتش عن ليلة التي غادرت عشه ، ففوجئ بحالة رغد ، حرجت ليلة من المرحاض في نفس اللحظة ، لتنفجر أحلام وتخرج عن صمتها صارخة :
-هارون تكلم أخوك ياچي دلوق وإلا ورب العزة ما لساني يخاطب لسانه تاني ..
ركضت ليلة بلهفة نحو رغد التي تستميت من قسوة الحزن ، فأتبعت أحلام مُجيبة على سؤال هارون :
-أخوك موافق على قتل ولده .. كلم أخوك يا هارون الوضع ديه لازم يتحل الليلة دي….
جاء هيثم راكضًا من الخارج :
-ألحق يا هارون ، في نصيبة من تحت راح واد سويلم ….
•••••••••••
~بغُرفة هيام ..
كان الباب مغلقًا على الأخ وأختـه وزوجته .. فأنهى هلال الذي نقل حديث أمس لأخته نيابة عن أخيه هارون وقال :
-أيه رأيك يا هيام ؟! موافقـة تتچوز دكتور عمار …؟!
فأتبعت رقية بفرحة وهي تحضن توترها وخجلها :
-أيه يا عروسة !! ودي محتاجة تفكير..
تبسم هلال وهو يجثو على قدميه تحت أنظار أختـه بهدوء :
-مش عايز رد منك دِلوق ، استخيري الله عز وچل وفكري .. وقوليلي ردك .
تأرجحت عيني هيام بحياء :
-طب رد أبوي وهارون أيه !! ما أنت عارف يا هلال، الشورة شورتهم و
تبسم بحنان بوجه أخته :
-لا في المواضيع ديه الشورة شورتك أنتِ وأحنا كلنا خمس رچالة رهن إشارتك يا هيام ..
تدخلت رقية مردفة بنصحٍ :
-بصي يا هيام ، أنت آكيد متعرفهوش ، أنتِ أول حاجـة تقعدي معاه ، ولو لقيتيه حنين زي هلال كِده وافقي على طول ..
احتوت الأخت كف أخيها بامتنان :
-مفيش في حنيـة هلال ولا هارون ، أخواتي كلهم مفيش في حنيتهم ولا زيهم يا رقية ..
قَبل الأخ جبيـن أخته بعرفان :
-يبقى تستخيري المولى واتركي الأقدار ترشدك .. أنتِ مش مُجبرة توافقي ، ومش مجبرة تخافي من حاچة واصل طول ما أخواتك في ضهرك ..
ثم وثب مستعدًا للانصراف :
-خدي وقتك وردي عليّ ..هسيبك عشان عندي شُغل .
كتمت الهوى بصدرها ولكنها لم تنجح في إطفاء لمعته بعينـيها ، وحدها رقية التي قرأتها وهي توشوش لها :
-صوت ضربات قلبك واصل لعندي، مفضوحة قوي يا هيام !!
أحمر وجه هيام بلهفة :
-تفتكري هلال حس بحاچة ؟!
غمزت لها بطرف عينيها :
-هقرره وأجي أفتن لك !! بس هو من ميتى ودكتور عمار شغالك يعني وو
اندفعت هيام محررة طائر الهوى بداخلها :
-أنا بدعي باسمه في كل سجدة يا رقية .. ماليش غير ربنا أحكي له ..
لمعت عيني رقية من وهج الحب المرتويـة بـهِ :
-يا حبيبة قلبي ، وأهو ربنا استجاب .. بصي هروح أقرر هلال وأرجع لك ، استنيني .. متحكيش لهاجر حاجة ، نحكولها سوا .
ركضت " رقية " مسرعة خلف خطوات زوجها لتقتحم الغرفة ، فوجدته يتأهب لنزول المعهد .. قفلت الباب خلفها وهي تحوم حوله كالفراشة :
-محتاچ حاجة .. ؟
انتهى من قفل أزرار قميصـه ليقترب منها قائلًا :
-مش محتاچ غير إني أشوف ضحكتك دي .
دنت منه وهي تقفل أول زر بقميصه :
-طول ما أنتَ معاي هتشوفها على طول .. چعان أجيب لك تاكل من تحت قبل ما تطلع ؟!
قبل كفها بحُب ليتحدث بغلتهما الخاصة :
-أنا فطرت وحليت وشربت الشاي بيكي .. قربك وچبة كاملة الدسم ، والچوع الحقيقي ليكِ مش للوكل والشُرب .
ظلت تغلغل أصباعها بين جدائل لحيته :
-قول لي ، هو لازم قوي تنزل الشغل ، أصلي اتعودت عليك اليومين اللي فاتوا وو
-رقيـة ؛ مش هتأخر عليكِ !!
داهمته بذكاء :
-طب هسيبك تنزل ، بس نتفق اتفاق الأول ، بص هيام بعتاني اتجسس عليك ، وأعرف رأيك في عمار ، وأنا قولتلها هسحب منك الكلام وأبلغها ، قولي أقولها أيه بس من غير ماهي تعرف أنك عرفت .. بقولك عشان أبقى واخدة منك الاذن .
نظر لها بأعين ضيقة والابتسامة تكسـوه :
-مش سهلة أنتِ يا رقيـة ..
-هاه أقولها أيه !!
أردف على سيجتيه :
-لمعة الحُب لا تخفى عن المُحب يا رقيـة ، هيام رايدة الواد وعيونها قالت كل حاچة ، بس أنا اللي عملت عبيط ..
عضت على شفتها بدلال لسحبها منه الحديث بإرادته وأخذ أذنه بنقل الحديث قبل أن تنقلـه ، وببراعة وصلت لرد سؤالها قبل أن تنطق بهِ ، لتموه الحديث قائلة :
-لو عاودت بدري اليوم ، هتلاقيني محضرالك مفاچاة ..
ثم فرت من حضنه هاربة :
-هروح أقول لهيام أنك معجب بشخصية عمار وموافق ..
•••••••••••
~بمكتب رشدي بالقاهرة .
خرجت نادية عن صمتها بعد خروجها من الحبس بضمان محل إقامتها :
-وديني يا رشدي الولد ده لو حقي مرجعش منه ما هعرفك تاني وهقلب الترابيزة على الكل..
تدخل رشدي مسايسًا :
-نادية اهدي ، اهدي خلينا نفكـر بالعقل…
-اهدى أيه !! رشدي انا هتسجن بسببه !! ده أخد بنتي مني وعايزني اسكت !! الولد ده مش سهل وقولت لك مليون مرة لازم نخلص منه …
-نقتله يعني يا نادية !!
صرخت عليه مؤيدة فكرتها :
-نقتله يا رشدي ، طول ما هو في ضهر ليلة يبقى تنسي الأرض وأنا هنسى بنتي وحقي منها ومن سامح .. هارون العزايزي. لازم يتقتل !!
-طيب أنتِ عارفة بتقولي ايه ؟! ده قتل يا نادية ولازم له تخطيط …
ارتدت قناع الحية :
-مش إحنا اللي هنقتله يا رشدي ، أهله هيقتلوه .. انا هنزل العزايزة وأقول قدام الكُل إنه خطف بنتي واتجوزها ، وساعتها هما اللي هيقتلووه ….