تحميل رواية «آصرة العزايزه الجزء الثاني» PDF
بقلم نهال مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الآصرة الأولى ♣️ أَحِنُّ إلى لَيْلَى وإنْ شَطَّتِ النَّوَى بليلى كما حن اليراع المنشب يقولون ليلى عذبتك بحبّها ألا حبذا ذاك الحبيب المعذّب. قد يُفاجئك لحن قديم فيفتح شهيتك على مذاق الحُب الذي تعمدت أن تتجاهله آمدًا طويلًا ، جر " هارون " عباءته الصعيدية وهو يقترب رويدًا رويدًا من أخيه الجالس بالأرض تحت ظل شجرة البرتقال ممسكًا عودهُ ويعزف عليه قصائد " قيس بن الملوح " التي يحبها كثيرًا .. خطوات متمهلة على لحن الكلمات ودقات العود المتناسقة وصلت أقدام أخيه لعنده وبدون إحداث صوت يقاطعه جلس منسجمًا متخ...
رواية آصرة العزايزه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نهال مصطفى
(١١)
لم يعد يخيفني شيء بعد أن عرفته سوى أن أخسره يومًا مـا ..
أخاف كثيراً من أن تختفي فجأة مثلما ظهرت فجأة ، أن يحيل بيننا جدار غيـرة الأيام منّا ومن سعادتنا ..
أن تعود إلى المجهول مثلما جئت من حيث لا أدري !!
ألا تكون في يوم أي شيء يعنيني بعد ما كنت كل شيء لي …
أن نمر كغرباء والأعين تتوارى من بعضها كي لا ينكشف كذب القلوب في يومًا ما..
كي نؤجل إدانة الحياة بأن لا يوجد بها حُبًا يدوم ، ونظل مخدوعين بقناعها المزيف ..
ولا يُكتب الزوال إلا لكل ما أحببت ..
وتبقى الحياة حياة للقلوب الخالية من الحب..
أما إذا أردت رؤية وجهها الحقيقي ، املأ قلبك بالحب ، ومن هنا ستبدأ خوض جميع المعارك…….
كانت البداية من نجع العزايزة عند- آل سويلم- ..وصل هارون برفقة أخيه إلى محشد أهل القريـة حول مقر الجريمة الشنيعـة المرتكبة للتو .. ضربت الكفوف فوق بعضهـا وحُقنت الدمـاء الوجوه بالغضب والسخط حول مرتكبي الجريـمة .. هبط هارون من سيارته وخلفه مجموعة من الحرس يلحقون بهِ وهو يتغلغل بين الصفوف ليتساءل :
-خضر فينه ؟!
أردف الرچل :
-عمل عملته هو والـ خاطيـة وهچ ..
فنادى هارون على الرجل الحارس لداره ولعائلته وسأله :
-إحكيلي بالظبط ايه اللي حُصل .. !
شرع الرجل في سرد الواقعـة :
-واد عمه مسافر الخليج ، فمرته حبت خضر وِلد سويلم واتچوزته عرفي على چوزها من سنة ومحدش كان عارف ، ولما چوزها عرف ، الاتنين قاموا قاتلينـه وقطعوه حتت وهربوا مع بعض ..
تدخل هيثم مذهولًا من البشاعة :
-طول عمره نجس وبيدور على الشر ..
جاء أحد رجال هارون مسرعًا :
-رچالة المچلس داخلين علينا يا عُمدة ..
وقف متحيـرًا للحظات بين قيود الأعراف التي أخرجت التجبر من القلوب وبين السير خلفها أم محاربتها ؟! هل هو عيب أعرافهم الظالمة ، أم جبروت إمراة لم يحكمها شرع ولا دين وتزوجت على زوجها وفعلت بجثمانه هكذا !! أي زمان وصلت بهِ القسـوة في القلوب !! هل هذا آخر الزمان أم بدايـة اللعنـة .. أردف هيثم مستفسرًا :
-هارون ، الحكومة لو چت لازمًا توحد القول والكل ينفي اللي حصل ، مش عاوزين حاچة تُلط سُمعة العزايزة ، دي چريمـة ..
غرس هارون أول مسمار في نعش أعرافهم قائلًا :
-بلغ مأمور المركـز بكُل حاچة يا هيثم .. كفاية وكل في بعضينا كيف الكلاب المسعورة ….
~الواقعـة حقيقيـة ….
|مارس ٢٠٢٥ -سوهاج|
•••••••••••
~بغُرفـة أحلام ..
دخلت صفية الغُرفة وبيدها عصيـر الليمون لأحلام والغضب يعكر صفو ملامحها :
-خُدي العصير يا عمة ، وهدي روحك ..
ثم رسمت بوجه " رغد " ابتسامة جائرة :
-وأنتِ حديتك ديه كلام العقل ، العيل ينزل وكل واحد يروح لحاله .. واعتبري روحك مقابلتيش ولدي .. وربنا يعوضك بالأحسن منه ..
تدخلت أحلام معاتبة :
-هو أنتِ معندكيش دم !! طب حتى خافي ربنـا .
صاحت صفية بحرقة :
-لا دي بحور الدم اللي هتغرقنا لو ديه محصلش يا عمة .. الچوازة دي من أولها لآخرها باطلة ومحدش مباركها !! والباب اللي يچي منه الريح سده واستريح ..
ثم نظرت لرغـد الشاردة في ظُلمة أيامها وأكملت بارتياح :
-عين العقل اللي قولتيله متخليش حد يلعب في راسك ، كِده أحسن للكل خلينا نخلصـوا .
تدخلت ليلة معترضة وهي تربت على كتف رغد:
-طنت صفية بس ده حرام ، أنتِ كده بتقتلي روح ربنا خلقها ؛ ولا أنا فاهمة غلط !!
انفجرت صفية بوجهها :
-وأنتِ إيش حشرك ، هاه ؟! واخدة راحتك وداخلة في حواراتنا ومشاكلنا ، بصفتك مين ؟! أنتِ كمان عاوزاكي تحِلي عن راس ولدي خليـه يفوق لبيته ومرته واتكلي على بلدكم ..
أخسرتها أحلام بنبرة لا تقبل الجدال :
-أنتِ اللي تمشي وهي تُقعد ، ديه بيتي يا صفية وأنا بس اللي أحكم في أمره !!
تحدتها صفية بنار الغضب :
-سبيني أحمي عيالي يا أحلام!! اااه انتِ مربياهم بس اللي حِملت وولدت دي هي اللي مجربة وچعة الضنا ، وأنتِ هتعرفي الوچع منيـن ولا أصلًا يفرقولك في أيـه ؟!
اندلع الخوف في أعين رغد وليلة وهن يراقبن الحرب النسائية الدائرة ، طوت أحلام صحف الإهانة بنفس شاكرة وراضية لتقول بتجبر :
-لا يا صفيـة ، أنتِ اللي فاهمة غلط ، خليفة لما چابك إهنه عشان تخلفي وبس ، وراضية ومستحملة قلة عقلك عشان ولادك ، لكن هتكتري في الحديت ، همشيكي من بيتي ، لأنه مبقاش ليكي عوزة تاني ، خدنا غرضنا منك ..
جحظت عيني صفية بسخط إثر الإهانة الصريحة الموجهه إليها ، لتنفجر معاتبة :
-دي چزاتي يا عمة !! عتقلي بيّ قصاد الأغراب !! أنا مش هرد عليـك عشان خاطر عيالي لكن العوج ديه لو متعدلش وربنا وما أعبد ههدها على رووس الكُل ، كله إلا عيالي ..
ما أردفت جملتها بأعين مغرورقـة بالعبرات ، ففرت هاربـة من محط إهانتها ، توجهت ليلة لأحلام محاولة أن تطيب خاطرها :
-أحلام ، ممكن متزعليش ولا كأنك سمعتي حاجة !! بليز .. كلنا عارفين أنك ست الكُل هنا ، وطنت صفية متعصبة شوية ..
زفرت أحلام برضا اعتيادي لتقبل الأمر :
-تعيشي يا بتي ، قومي هاتي لي حباية الضغط من الجُرد " الدُرج " .
أحست رغد بالذنب لأنها السبب في كل هذا ، احتوت كف العجوز بانكسار وقالت معتذرة :
-أنا أسفـة ، كل ده بسببي !!
-لا إحنا إكده من زمن الزمان ، صفية كلها كلام على فشوش ..
ثم دارت لها ملومة بحدة :
-وبعدين تعالى أنت ، طلاق إيه وعيل أيه اللي طلع في رأسك دِلوق !! ما أنتِ لو عايزة تنزليـه أيه چابك !! اسمعي يا رغدة الواد ديه لو نزل هتعيشي في ذنبه طول عمرك .. كل هيتحل لكن ولدك مش هيتعوض ..
انخرطت عيني رغد بكلل وملل من كل شيء وهي تشكو لها آهات قلبها :
-أنا تعبانة ومحدش حاسس بيـا ، ده أكتر وقت محتاجة فيه وجود هاشم جوزي جمبي وهو باع يا أحلام ، فرط فيا !! ازاي عايزاني اتمسك بشخص باع .. أنا مش هينفع أرجع لهاشم ومش هينفع يبقى فيه حلقة وصل ما بينا ..
أشفقت العجوز على حالتها وهي تضمها لصدرها متفهمة صوت صدح قلبها :
-يا ضنايا يا حبيبتي .. فهماكي وحاسـة بيكي ، وعارفة أن قلبك محروق ، بس أصبري ووعد مني كل حاجة هتتحل ..
هزت رأسها نافية معترضة عن تقبل أي حلول :
-خلاص ، مبقاش في حلول والسكك اتقفلت .
-متقوليش إكده ، هاشم معاود الليلـة ولازمًا نحطوا النقط فوق الحروف .
جاءت ليلة وبيدها أقراص الدواء وكأس الماء:
-اتفضلي يا أحلام .
~بغُرفـة هيام ..
بعد ما فتحت شاشة هاتفها وقرأت رسالة عمار مرارًا وتكرارًا بأعين تنافس النجوم في لمعانها :
-"مش خابر قالولك ولا لسـهِ ، أنا طلبت يدك من أبوكي ليلة إمبارح ، واتمنى توافقي عشان مش هتلاقي حد يحطك چواة عينيه ويحبك قدي "
ظهر لديه علامـة قراءة الرسالة كعادة كل الرسائل المرسلة بدون أي رد منها سوى ابتسامات تُنقش على جدار قلبها .. تحرك قلب العاشق من مكانه بعد ما انتهى من فحص أحد المرضى ، وبأناملة متحمس كتب :
-"قالولي سبوع ونرد عليـك ، فات ١٦ ساعة ما ينفعش تتوسطي لي عنديهم ويردوا علىّ الليلة ، ده حتى أنا عريس لُقطـة "
ما زالت تقرأ الرسائل بصمت وبضحكة لم تفارق وجهها أبدًا ، تنهدت محاولة إخفاء زهور الحب عن وجهها كي لا ينكشف أمرها أمام رقية وهاجر اللاتي لم يكفان عبثًا ، تأكد عمار من قراءتها للرسالة وهو يجلس على مكتبه ، ليعود الكتابة إليها :
-"طب أنتِ موافقة ولا لا ؛ داني منتظرتش نتيچة الثانوية العامة كيف منا مستنى ردك ، هيام في مرضى تحت يدي وأنا عقلي وفكري عندك يا بت الحلال ، أرافي بيّ وبيهم وقولي أيه كلمـة تطمني "
همست رقية بخبثٍ لهاجر :
-هي هيام مش معانا ولا أنا متهيألي ؟ هيــااام من أولها سرحتي ومبقتيش معانا !!
بعد مشاورات بين عقلها وقلبها ، حسمت أمرها لترد عليه آخيرًا بالرد الذي زاد تشتته :
-الرد هيوصلك مع أخواتي ..
ثم وضعت الهاتف على وضع الطيران ونظرت لتنمر رقية عليها ، لتسألها متنهدة فهي أول مرة تزور قصر الحب :
-رقيـة ، أيه رأيك في الچواز حِلو !!
صوت ضحكات جرى صداها بالغرفة ، فقفزت هاجر منتصف الفراش ملتفتة باهتمام ساخر ، فأعقبت رقية التي ترفرف في سماء الحُب :
-الأحلى من الچواز والحُب ، الحبيب يا هيام .. تقولك هاچر أنا كُنت أكتر واحدة الچواز والحب ولا فارقلها ، بس هلال أخوكي عملي غسيل مخ ، وخلاني أقع في غرامه كل دقيقة .. ولغاية اللحظة دي أنا بسأل نفسي كل هبابة !! هلال عملها كيف وشقلب كياني ..
فأتبعت هيام بدقات قلبٍ يتراقص عليها صدى كلماتها :
-يعني اوافق على عمار ، حساه غلبان وطيب ومتربي غير رچالة البلد وو
فأعقبت هاجر ممازحة :
-وأنتِ عرفتي منين يا قلب أختك !!
-مالكيش دعوة وخليكِ في حالك .
أنقذ هيام من مكر أختها رسالة شريف التي جاءت على فجأة منه وهو يخبرها :
-أنا في قنـا وعايز أشوفك يا هاچر ، اتصرفي وانزلي ومش هقبل أعذار وإلا هاجي لك لحد البيت وذنبي في رقبتك …
•••••••••••
~دوار الجباس .
تساؤل لم يفارق مُخيلتي :
"ماذا سنفعل بالأشياء التي تُحول الزهر النابت في صدورنا إلى رماد؟!
ماذا سنفعل بعمـرٍ انتهى قبل أن يبدأ !!
ما مصير قلب خُلق ليُعذب ، وليذوق كافة أنواع الوجع .. وجع اليتم ، ألم الوحدة ، تقبل فكرة إنك لستُ محط اهتمام أحد ، حتى الحُب الذي ظننت إنه سيعوضني ، لم يُكتب لي !!
حلمت كثيرًا ببيت دافء وبرجل حنون ، وبستة أطفال أعيش برفقتهم ما لم أعشه عمري ..
كل الأحلام احتفظت برونقها ، و بموقعها ، سجينة الخيال فقط !! وأنا وقلبي كل يوم نستيقظ على ألم جديد ، وجرح عميق لا يشفى ولا يضمده الزمن ..
أشعر وكأن أمى لفظت من جوفها في ساعة ساقطة من تاريخ الزمن ، كسقوطي ..
ولدتُ مجردة تمامًا من كل شيء ، حتى الحظ لن يولد معى ..
فتحت صورة قديمة لهارون على هاتفها بأنامل مرتجفة وهي تكمل سرد الآهات لصورته :
-مش لو كان الزمن نصفنا وكتبنا لبعض كنت هرتاح من القهر اللي عايشة فيه !! مش كانت الأيام أحن عليّ من دِلوق !! طب اشمعنا أنت اللي اخترتك عن الكُل وأنت مش مكتوب لي !! اااااه لو النصيب كان نصفني وكتب ليّ ، كنت راضية والله ومكنتش هبقى عاوزة حاچة تانية ، ياريتك لسه معاي يا هارون !! يا ريتك كنت نصيبي !! قلبي مش قادر يشوف راچل غيرك …… بقيت متعلقة لا طايلاك ولا طايلـة انساك !!
~بالأسفـل ….
-"ما تقول لي أنتَ ملتك أيه !! أنت عاوزها كيف تحبك وأنت حتى ما بلتش ريقها بكلمة عِدلة !! يا ولدي حرام عليك اللي أنت عامله في البت دي غلبانة "
ضجر فارس من قسوة صمته بوجـه أمه التي تنصحه خارجًا عن كظم مشاعره :
-وأنتِ عاوزاني أعمل ايه ياما !! قوليلي .. أنا النار قايدة في روحي ومش قادر حتى انطق..
أمسكت أمه بذراعه بعتبٍ :
-أنتَ اللي معذب روحك ، أنت اللي مصعب الطريق ، البت لو لقت منك لين وجبر كان الطريق اتفرش لك ورد ، لكنك طايح في وشها كيف التور الغشيم ..
اهُ من دمعة الرجل عندما تبلل قسـوة أيامه التي تبنى سورًا عملاقًا بينه وبين من يحب، لهب الحُب الكامن بجوفه :
-أعمل أيه ياما وعينها مليانة بوِلد خليفة ، أنت لو شوفتي طلتها في وشـه !! نظرتها واعرة قوي ياما ، المفروض البصة دي تكون لي ، أنا اللي حبيتها وچيت على نفسي عشانها …. انا عاچز ياما مايغركيش حديتي قصادها..
تألمت لألم ابنها وهي تمسح دمعة من طرف عينـه وهي تنصحه :
-يبقى تصارحها ، افتح لها قلبك يا ولدي وسيبها تختار ، الچفا ماعيچبش غير چفا.. چرب الحنية ، صدقني دي سحر على القلب…
تمرد على قلبه قائلًا :
-أنا مش هتذللها عشان تحبني ياما .. أنا عمري ما نسيتها ، اخترت سعادتها على كوي قلبي .
-أومال هتسيبها وأنت روحك فيها !! هتسيبها تاني يا فارس !!
اقتحـم أبيه مجلسه بنيرانه ، عضب فارس عن بقية حديثه إثر هبوب زعابيب أبيه :
-أنت هتفضل لغاية ميتى طايح في الدنيا ومالكش كبير ! أيه ؟! شايفني متت بالحييا ؟
ثم وقف أمام ولده الكاظم لغضب :
-ومن ميتى ليك شوق في بت عمك وعاوز تخطبها !! ولا هي فرعنة وخلاص !! تعبتني يا ولدي حرام عليك !! دانت الكبير هتشيلني هم العيلة دي ليه !! خطوبة أيه اللي قولت عليها لعمك خليفة !!
رفع رأسه بشموخ ليصوب سهم قراره لعيني نغم الواقفة بنصف السُلم لتحسم قرارها بالمغادرة وترك بيت أبيها ، وما سقطت عينيه عليها أردف :
-ومين چاب سيرة خطوبة ؟ ديه حديت فارغ !! أنا هتچوز نغم … بلغ العروسة أن قدامها يومين تجهز روحها فيهم ……
••••••••••
انشغـل هارون بأمـر الجريمة الواقعة بنجعـه ، وحملة تجمهر المجلس وأعوانه على إبلاغ الحكومة ، قطع هلال فترة عمله بالمعهد الأزهري ودلف على النجع ليقف بظهر أخيـه في مواجهـة التيـار .. وفي هذه اللحظة قدم هاشم طلبـًا بأجازة ٤٨ ساعة فقط تمت المواقفة عليه بعد محاولات عديدة مع قائده .. حجز أول طائرة على مطار الأقصر والتي سيحين انطلاقها في تمام الثانية ظُهرًا …
تحرك هيثم متجهًا نحو المصنع الذي أوشك أن تُقفل أبوابه بسبب إهمال الجميع له وأثناء سيره على الطريق ألتفت بالمرآة لصورة " جميلة " المنعكسـة أمامه ، مرتدية بذلة النحـل وهي تهتم بشغلها جيدًا بمساعدة العُمال .. هبط من سيارته متجهًا لعندها ليفتح معها أي حوار عبثي :
-دِلوق بس عرفت سـر غلو العسل في السوق !! بس كيف عسل بيعبي عسل !!
نزعت القناع عن وجهها وهي تتفقده بحنق :
-هو أنتَ ؟!
تفسح في سحب زُرقة عينيها :
-هو أنا هو بشحمه ولحمه .. إلا قوليلي ، كيلـو العسل يا عسـل عامل كام !! يعني البرطمان يقع عليّ بكام ؟
-لو چاي تشتري العسل ديه مش للبيع !!
تفقد هيئتها بغزلٍ :
-أومال لايه لو مش للبيع !!
تحركت بالحديقـة لخُطاها وهي تقول:
-له زبونه …
هرول ليقطع عنها الطريق :
-وزبونه واقف قصادك أها ، أنا چاي بناءً عن وصفة طبيب !! أصلي تعبان قوي ، وقالي حلك برطمان عسل من يد العسـل ..
صرخت عليه بحدة :
-قولت لك مش للبيع !! أنت هتصحابني وتحكي لي قصة حياتك !!
مسح على رأسه مجربًا نوعًا جديـدًا لتسلسل إليها وهو يلحق بخطاها :
-تعرفي أن العسـل ديـه من نسـل الحب !!وعلى أغلب جدران المتاحف هتلاقي نقوش نحل وزهور تعرفي ليه ؟! آكيد متعرفيش ، هحكي لك ، النحلة عمرها ما تمل من جمع الرحيق من الزهرة ، ديه متعتها تفضل ملاحقاها في كل حتة ، وكمان الزهرة متعتها أنها تسلم النحل رحيقها!! يعني الزهرة دي ينبوع الحياة للنحلة !! الاتنين عاد بينهم علاقة أخد وعطا ونشوة !! والإنسان المصري طول عمره بيخلد الحُب !! ما خليكي چدعة كيف الزهرة ناخدوا وندوا يبقى شجرتنا تطرح عسل يا عسل ..
تركته وغادرت متجاهلة ثرثرته التي أنصتت لها بقلبها ، فلحق خُطاها مسرعًا :
-هو أنتِ تملي مش طايقه روحك إكده أنا عقول معلومات تقيلة ليها وزنها ، اتعلمي !! كل ما أشوفك ألقاكِ مغبرة بالنكد !!
رمقته بضيق :
-وبعدهالك يا چدع أنتَ !! عاوز مني أيه ملاحقني في كل حِتة .. أنا ميتى رايقالك !
-وربنا چدع قوي بس جربيني !! يمكن أفلح !طب أيه رأيك في معلوماتي !!
تركته وغاصت في مجمع النحل وهو كالأحمق تابع خُطاها بدون حذرٍ وأتبع :
-طب بلاش عسل مش عاوز ، بس طمعان في الزهرة كلها .. والعسل ديه هغرقها فيه .
دارت له محذرة وهي تخفي ابتسامتها عنه :
-طب خلي بالك على روحك ..
تحمس هيثـم ملهوفًا خلفها :
-ما تيچي نقطعوا عرق ونسيحوا دمه و تتچوزيني يا چميلة ..
فتحت جميلة قفص بنتون لينطلق منه مجموعات من النحل لتباغته أحدى الشغالات بلذعـة مفاجأة بوجه بين حشود النحل التي جعلته يصيح حاميًا وجهه بمعصميه :
-يخربيتك عيني !! مش عاوز لا عسل ولا نحل ، توبت يا ستي !! دانت وش فقر ..
•••••••••••
~العزايزة (مساءً) …
تحركت خليفـة وه جابر بخطى سريعـة وهو يأمره :
-فتح عينيك يا جابر ، رجالتك تتنشر في كل شبر في النجع .. أديك شايف بوابات النار مفتوحة في وشنا من كل ناحية !!
-أوامرك يا عُمـدة .. عرفت الحديت الداير في النجع ، عاوزين يقيلوا العمدة ويمسكوها لحد تاني ..
حُقن وجه خليفة بالقلق من المستقبل، فأتبع :
-لغاية دي ما يحصـل عينك تبقى مفنچلة على الرايح والچاي ، عرفتوا مكان نچاة ورؤوف !!
أومأ جابر بالإيجاب :
-عرفت يا بيه ، وكيف ما أمرت ، حطيت حراسة عليهم لأحسن صديق يضرهم ومن غير ما يحسوا ..
-الله ينور عليك يا جابر ، يلا شوف شغلك ، وأنا هروح أشوف هارون وصل لأيه …
~بالداخل ..
خرج هارون من غُرفة مكتبه الصغيـرة بعد ما عبأ خزنة سلاحه متجهـًا ناحيـة غرفة ، فأوقفته زينـة الهابطة من أعلى :
-هارون .. يا هارون .
وقف على مضض :
-خير ، عاوزة أيه ؟!
حاولت الاقتراب منـه محاولة لمس كتفه :
-لساتك شايل ومعبي مني !! هارون أنتَ مش هترجع عن قولك وتاچي تنور فرشتك چاري !!
تأفف بامتعاض وفي هذه اللحظة خرجت ليلة من الغُرفـة حاملة دورق الماء الفارغ ، فتسمرت مكانها عندما رأته يقف مع زينة ، اشتعلت النار بقلبهـا ، أنصبت غيرةً الأنثى بجوفها وهي تحرقهما بنظراتها ، اختصر هارون حديثها بحدة :
-زينة ، فضناها السيرة دي ، قولي عاوزة ايه ؟
رمقته بنظرة الشر وهي تطلب منه :
-امي عيانة عاوزة أروح أزورها ، وأنت چوزي وراجلي ولسه كلمتك عليّ ..
لم تتحمـل رؤيته يقترب منها ، فسارت بخطوات واسعة وهي تتعمد ألا تناظره متجهة نحو المطبخ تحت نظرات زينة الخبيثة ، شم المحب رائحة حزن حبيبه ، فاختصر الأمر مردفًا :
-روحي مطرح متروحي ، أنتِ مش لازماني ولا تخصيني ، أنتِ بت خالي وبس ..
ما رمى قذيفة كلماته تركها تحترق في نار شرها وهي تتوعد له قهرًا :
-طب يا هارون أنا وراك والزمن طويل…..ويانا يا الحرباية دي …
وصل هارون لغرفة أحلام الجالسة مع رغد ، ألقى التحيـة بتأدب وجلس بجوار أحلام ليطمئن على صحتها ، فأعقبت بحنيتها عليه :
-تِقل الحِمل عليك يا ولدي صُح !! بس أنت كدها يا هارون .. كل اللي بيحصل ديه بدايـة الفرچ يا حبيـبي …
تنهد بكلل :
-العزايـزة مقلـوبـة على أبوها يا أحلام ، لت وعچن كاتير قـوي وو
ثم رفع أنظاره لرغد الصامتة وسألها :
-أخبار صحتك أيه ؟!
أومأت بخفـوت :
-تمام ….
-حجزت لك دكتور في قنـا تتابعي الحمل معاه ، الصبح تاخدي هيام وتروحوا .. واد أخوي لازمًا صحته تبقى زينة …
رمقته بنظرات يملأها الخوف :
-مفيش داعي ، أنا وهاشم اتفقنا أن البيبي هننزله ..
فجر غضبه الشديد بوجهها :
-انتي مين وهاشم مين !! مش بكيفكم !! أنتوا عقلكم راح فين ؟! اتفقتوا على قتل نفس ربنا خلقها !! ليه ؟! هتكفروا ؟!!!
جاءت ليلة راكضة على صوته الصاخب ، قفلت الباب خلفها بقلق وهي تترك ابريق الماء على الطاولة:
-هارون في ايه !!
تدخلت أحلام محاولة تهدئته :
-وحد الله يا حبيبي ، مفيش حاجة هتحصل ..
رفع سبابته بوجه رغد محذرًا :
-اسمعي يا بت الناس، أنا هقف في وشي أخوي ومجلسنا والعزايزة عشان ولدك ديه يچي في حلال ربنا ويتربى وسطينـا ، متصغرنيش أنتِ وتيچي تركبينا ذنوب نعيشوا بيها باقي عمرنا .. أحنا مش ناقصين .
وقفت ليلة أمامه من شدة خوفها على رغد إثر غضبه المتطاير :
-هارون ، أهدى ، هي ملهاش ذنب عشان تكلمها كده !! ممكن تهدأ …
عبر عن سخطه قائلًا :
-دول بيتكلموا على القتل كانهم هيدبحوا فروچة …
دخل هاشـم من الباب بعد ما أمره أبيه ان ينتظره في غرفة أحلام ، في نفس اللحظة التي غادرت فيها القصر لغرض ما برأسها .. وما أن هل طيف هاشم ، دار أخيه إليه :
-أهلاً !! أهو البيـه شـرف ..
قفل الباب خلفه وهو يترك قبعته على الطاولة متأففًا :
-مالك يا هارون حسك چايب لأول الباب ..
ابتعدت ليلة عن هارون لتحتوى رغد التي تراقبهما بخوف شديد، فأتبع هارون بسخط :
-والمفروض أخدك بالحضن لما أعرف أنك ناوي تموت ضناك!! كان فين عقلك ياخي حرام عليك .. ذنبه أيه العيل ديه !!
وقف بوجه أخيه كالجبل الجليدي :
-دي موضوع يخصني أنا ومرتي بس يا هارون مالكش دخل فيه !!
ركل الطاولة بقدمه وهو يثور بوجه أخيـه صارخًا :
-أنتَ مصنوع من أيه !! ماعارفش تكون راچل للاخر !! قابلت واحدة وعچبتك واتچوزتها ، وضربت الكل برچلك وچاي دلوق تقول مش عاوز أكمل !! غرقت وبتكمل غرق وچاي عاوزني أسيبك ..
دارت الحرب بين الأخوة ، فخرج هاشم عن صمته صارخًا :
-أنا مش ندل يا هارون وعلى عيني اقتل ولدي واستغني عن الست اللي حبيتها .. بس سكينة الدِنيـا سرقانا كلنا ودايما تجبرنا نختاروا حاچة واحدة وبس ..
ضرب أخيه في كتفه موبخًا :
-يبقى لازمًا كفة مرتك وولدك هي اللي. تطب ، اصلا مفيش اختيار ، مفيش يا وِلد أبوي !!
تحول وجهه لقطعة فحم متقدة :
-وأنت عاوزني أعمل أيه وأنا بحارب أبوها كل يوم ، عاوزني أجيب عيل للدنيا العرف والدنيا رفضاه !! اجيب عيل ابوه ميت على يد جده ولا جده قاتل أبوه؟! قول لي لما اكتشف أن أبوها ارهابي وهي عارفة وضع شغلي المفروض أعمل أيه !! حط نفسك مُطرحي يا أخوي ..
لم تتحمل إهانته ، فخرجت رغد عن صمتها كي لا يرمى على عاتقها الوزر :
-زي ما أنا خبيت ، أنت كمان خبيت يا هاشم ، محدش فينا أحسن من التاني، لا أنت اخترت اهلك الرافضين جوازنا ولا انا اخترت أن ممدوح الشيمي يبقى أبويا ، زي ما أنت هربت من أحكام بلدك ، أنا كمان هربت من نسبي لاب زيه !! انا بالنسبة له يتيمة ، وكل اللي أنت بتقوله ده مش ذنبي ..
ذهلت عيني هارون من فتح صحف الحقائق أمامه ، لمس العذر لأخيه الذي خيب أمله للحظة وفي نفس الوقت لم يحمل رغد عاقبة أبيها ، من البداية هناك خطأ اُرتكب ولا بد من إصلاحه .. تدخل هاشم محاولًا تهدئة رغد :
-رغد انا مش ضدك اسمعيني ، ولا عمري هبطل أحبك ، كل الفكرة أن الطفل ده أحنا بنظلموه لو جيه الدنيا ..
رفعت ليلة أنظارها لهارون تترجاه ألا يطاوع أخيـه في طلبه ، مسح هارون على وجهه مفكرًا ثم وقف أمام أخيه :
-اسمع هما كلمتيـن مالهمش تالت ، أنت مشيت مشوار يبقى تتحمل نتيجته للآخر ، محدش أجبرك تروح تتچوزها وتدخلها حياتك من غير ما تسأل عليها ، من بكرة الصبح عقد چوازكم يبقى رسمي حتى ولو هترسى أنك تسيب الشغل والعزايزة وتاخدها وتسافروا برة البلد ، سامع يا هاشم !! وديه أمر من أخوك .. دم العزايزة مش هنهدروه .
ما ألقى قذيفة أوامره التي لا تقبل الجدال ، فولى ظهره منصرفًا من البال الخلفي .. تدخلت أحلام وهي تؤيد حديث هارون :
-كلام أخوك عين العقل يا ولدي .. ده الصح ، عمرك ما هترتاح من ذنب قتل ضناك بيدك ….
ثم أرسلت نظرة آمرا لليلة التي تستشيرها في اتباع خُطى هارون أثناء محاولاتها لتهدئة رغد التي صرخت بوجهه مُعلنة رغبتها في طلاقها منه ، وأما أخذت الإذن هرولت خلفـه بعد ما قالت :
-رغد هرجع لك إهدي ..
وقفت أحلام بوجه هاشم قائلة :
-بكرة تكتب رسمي على مرتك ويحصل اللي يحصل ، بزياداكم كسير في قلوب بعض .. سمعت يا هاشم .
تحدتها رغد الغارقة في بحـور حُزنهـا والتي ضربت الدوار رأسها إثر ارتفاع ضغط الدم المفاجئ :
-أنت هتطلقني ، أنا مستحيل أعيش ولو ليوم واحد معاك …
ما انتهت من قول جملتها اختل اتزانها فأحس بعد ثباتها وهي تحاول أن تتمالك حتى انتهى بها الحال ساقطة مغشيًا عليها بحضه وهو يصرخ باسمها ملهوفًا :
-رغـد !!!!!!!
•••••••••••
الجميع يقول أنّ عيناي ممتلئة بالنجوم، لم يعرف أحد بأنني أحملك بداخلهما .. أتبعت سيرها نحو البيت الخشبي وهي تلتفح بالوشاح الصـوف فوقها من قسوة البرودة ، اتبعت أثر صوت صراخه وتكسيره بالغرفة ملهوفة وهي تركض تتسابق مع المسافـة .. وصلـت لأعتاب البيت مرددة اسمه بلهفة المُحب :
-هارون !! أنتَ بتعمل أيه ؟!
ثم أمسكت يده مترجيـه :
-لو سمحت الغضب مش حل ، أهدى عشان خاطري .. ممكن تقعد ..
جلس على طرف المقعد الخشبي وهي يمسح أثار قطرات العرق من فوق جبهته ، فتولت عنه هذه المهمة وهي تجفف بطرف شالها ملامحه المبللة .. ثم سحبت المقعد لتجلس أمامه وهي تحدثه بنبرة خفيضة :
-اهدى عشان خاطري أنا جمبك أهو ..
ثم مررت أصابعها على وجنته وهي تواصل حديثها :
-هاشم معزور يا هارون ، ورغد ملهاش ذنب .. ممكن تهدى ونفكر بالعقل ، أنت عُمرك ما كُنت عصبي كده .
أخذ يضرب سطح الطاولة الخشبية بقبضـة يده محاولًا تمالك غضبه :
-الدنيا مدربكة فوق دماغي يا ليلة !! كل ما أسد طاقة تتفتح عشرة غيرها ..
-أنا عارفة يا هارون أن الحياة صعبة وبالذات عشان أنت الكبير ، بس أهدى وهنحل كل حاجة ، أنا معاك مش هسيبك..
ثم ربتت على رُكبته :
-أنا هقـوم أعملنا فنجانين قهوة ونشربهم سوا ، وتحكي لي على كل حاجـة ونحلها ما بعض .. اتفقنا !! هاااه هارون بص لي وقول اتفقنا ..
تنهد بكللٍ :
-تمام يا ليلة ، هغير اللي لابسه بس تكوني خلصتي القهوة عشان مصدع ومشربتش طول اليوم .
نزل الوشاح من على كتفيها لتبقى بملابسها البيضاء الرياضيـة ، وشرعت في إعداد فنجاني القهوة محاولة تلطيف الأجواء حولهما .. نظرت له مستأذنة :
-هارون ، هاخد موبايـل اشغـل حاجة ..
نزع جلبابه وهو يخرجه " بيجامته" من الخزانـة وقال بصوت خافت:
-يا ريت أي حاچة تعدل الراس ..
فتحت هاتفـه وبعد تفكير لحظي سألته :
-تسمع منير !! هو اللي بيروقك صح ..
انتهى من ارتداء بنطاله الأسود الفضفاض ، وتقاعس عن ارتداء سترته العلويـة فتركها على ظهر المقعد قائلًا :
-لا ، عاوز اسمع حاچة على ذوقك ..
ثم دنى منها طاويًا صُحف همومه وهو يداعب وجنتها الناعمة :
-الليـلة ليلتك ، شوفي هتنسيني كـيف هموم العزايـزة .
توردت وجنتها بارتياح :
-أنا مش هسيبك غير لما نحل كل المشاكل دي .. وأرجع أشوف ضحكتك تاني ..
ثم تدلت عينيها على صدره العاري :
-أنت كده هتبـرد ، ألبس كويس .
سافرت المشاكل من رأسه من نظرة واحدة منها وهو يحاول احتضانها ، فتحججت هاربـة :
-القهوة ….
فرت من يده لتُكمل صُنع القـهوة بعد ما اختار أغنية سيد مكاوي ( حبيبي اللي بحبه ) .. تركت الهاتف من يدها وهي تتمايل على كلمات الغنوة المصرية القديمـة .. سكبت القهوة وعادت نحوه متبسمة :
-وأدي يا سيــدي القهوة .. دوق وقول رأيك .
جلس على مقعده أمام فنجان قهوته تحت غيث نظراتها المتأرجحة حتى غلبها طيف الابتسامة لتقـول خاصـة بعد قول سيد مكاوي جملته "خلانى عشت جنبه أحلى و أجمل ليالى ":
-تعرف كل يوم بسأل نفسي ، اشمعنا أنت الشخص اللي حبيته ولقيت نفسي معاه .. هارون اشمعنا أنتَ بالذات يعني !
ارتشف رشفـة من قهوته ليقـول بمزاحٍ :
-سيد ميكاوي چاوبك في بداية الاغنية ..
تبسمت بهدوء :
-طيب اشمعنا أنت اللي لقيت فيك كل ده !! أقولك على سر ، أول يوم اتقابلنا فيه كنت رخم رخامة !! بجد أنتَ ليه كنت تعاملني وحش كده … يعني مخطفتش قلبك ليه من أول نظرة زي كل قصص الحُب اللي قريت عنها !!
عقد حاجبـه متأملًا صفاء روحها :
-ما يمكن كنت رخم عشان خطفتي قلبي من أول ما شافك ، أصل عقلي ماعيعجبهوش الحال المايل .. فكُنت بكابر .
-معنى كده إني خطفتك من أول يوم قابلتني فيـه !!
تنهد بحرارة :
-هو أنتِ مسألتيش روحك ليه بعد ما سبتك في وسط الطريق رچعت تاني !! رچعت وأنا مش عارف إيه رچعني ، بس قلبي مطاوعنيش أهملك لحالك ..
-يعني مش عشان شهامة صعايدة مثلًا !!
ارتشف آخر رشفـة من فنجانه وبعدها أطلق ضحكـة خفيفـة :
-ما قلبي ضحك عليّ وفهمني أنها شهامـة وكِده ، بس طلع له رأي تاني وغاواني وغرقني ..
تركت قهوتها ووثبت لعنده ، وتحديدًا وقفت وراء ظهره وهي تحضن كتفه من الخلف وتُتمتـم معترفـة :
-تعرف من وقت ما كنت بلم فيـه شطنتي في اسكندرية، كُنت حاسة أن في بداية حدوتة مستنياني في قِنا !! كنت متحمسـة أوي وكأن قلبي كان حاسس أنه هيقع في حُب راجل مهم زيك …
ساد الصمت للحظات تتذكر فيـها حياتها السابقـة حتى طوت دفاتر الماضي وداعبت وجنتـه بحنان وفيـر :
-كل يوم بشكر ربنا أنه جمعني بشخص زيك ، أنا كنت بحبك ، بس لما شوفت وقفت قُدام هاشم و ازاي بتدافع عن بيبي لسه مشوفتهوش ، حبيتك أكتر ، اتاكدت إني اخترت صح يا هارون ، خلتني اطمن اكتر واثق فيك أكتر أن مهما حصل أنت هتفضل في ضهري ومش هتسيبني ..
عزفت على أوتار قلبه بجملة كلماتها الدافئة التي فرغ رده عليها بقبلة طويلة بداخل كفها ثم أتبع خلفها :
-قدرنا بقا واحد ، وأنا اختارتك بقلبي وعقلي، ومستحيل يوم أفرط فيكي لو فيه موتي …
تسللت أصبعها فوق نبتات ذقنه الصغيرة كأنها تعزف عليهما بخوفٍ :
-بعد الشر عنك ، ماتقولش كده عشان خاطري .. وبعدين أنا مش عايزة أشوفك مضايق كده .. لما نبقى سوا ممكن تنسى كُل حاجة وخليك معايا وبس .
ثم تركته متذكرة شيء ما أفسد عليهما صفواهم :
-هي زينة كانت عايزة منك أيه !! ومقربة أوي منك وكده يعني !!
بعد ما سافرت بقلبه لسابع سماء ، أسقطته على فخ واقعـه الذي يحاول الهرب منه دومًا ، وثب فجأة ليعترف لها :
-كانت عاوزة تزور أمها وبتاخد أذني ..
توهجت نيران الغيرة من وجهها :
-يا سلام !! واديتها الأذن !! ممم ما أنت جوزها وكده ، طيب يا هارون وو
سد عليها طريق الرحيل لينقذ نفسه قائلًا :
-قولتلها أنها متخصنيش وماليش كلمة عليها .. يعني تروح مطرح متروح ..
رمقته بشك أطفاء حرقة غيرتها :
-ممم والله !! طيب تمام .
-ليه الوش ديه عاد ما كُنا حلوين !!
اتكأت على طرف الطاولة وهي تتجاهل التطلع بهِ ، فدنى منها كاسرًا حاجز المسافات ، ففزعت كالملدوغـة بعشوائية لتسكُب فنجان القهوة على ملابسها البيضاء صارخة :
-يانهار أبيض، القهوة ادلقت عليا يا هارون ، همشي أزاي كده !! شايف كل ده بسببك .. ها اتفضل قـولي اتصرف ازاي ..
حك ذقنه مُفكرًا وهو يحضر لها قميصـًا طويلًا من ملابسـه :
-طب ادخلي غيري ، وألبسي ده .. عشان نغسله ..
اعترضت بحزمٍ :
-لا طبعًا ، أنا هكلم هيام تجيب لي هدوم وتيجي هنا …
-ليلة هيام نامت تلاقيها ، وبلاش تعرفي حد إنك هِنه .. غيري وهغسلهولك أنا ياستي ، ساعة وينشف .
شدت منه القميص على مضض وهي تذهب للحمام متأففة محاولة ازالة أثر القهوة ولكنها فشلت تمامًا ، شرعت في تغير ملابسها مرتدية قميصه الأبيض الذي يصل لفوق ركبتها وشرعت بتنظيف ملابسـها تحت صنبور الماء المتدفـق وهي تلعن حظها :
-البيچامة اللي بحبها باظت ..
بعد محاولات عديـدة في تنظيفها يائست وتركتها بالحوض وخرجت له شاكية :
-هارون البيچامة باظت خالص .. ودي أكتر بيچامـة بحبها ….
فرغ من صُنع فنجان آخر من القهوة وهو يلتفت لها على عين غُرة بأن يُصيبه سهم جمالها في مقتـل .. من رأسها للكاحل لسحرها الطاغي في ثوبه الأبيض الذي يزيدها زهوة ورغبة فيها .. أدرك للتو مقاصد الأقدار التي هيئتها له ليراها في هذه اللوحة الساحرة من الجمال ، أنها لم تكن أبدًا كخِطة بديلة أو عوضًا عن عمر انقضى بل كانت الحلول الحلوى كُلها .. أدرك على ضفة حُسنها أن ابتدى الطريق والسفر والأمل والحُب ورحلة السلام بين طرفين اختارهما القدر ليكونا بدون حواجز ..
فما ستكون رسالة القدر تلك الليلة !! عما ينوى ليلقى تعويذتها على عقل رجل غاص بمقاصدها وبتفاصيلها حتى الغرق ..
وبنظرة شملت كل ما بهٍ معلنـة رغبته فيها بصورة حتميـة كأن نهاية الكون غدًا ، ومطامع الهوى واجبـه ..
كررت جملتها :
-هارون بكلمك !! روحت فين !!
-هااه مش مهم ..
-هو أيه اللي مش مهم !!بقول لك بيچامتي باظت ..
ترك القهوة من يده ثم تأكد من غلق الباب وكأن رمى الحياة برُمتها بالخارج وقفل عليها بحياته فقط ، عاد إليهـا وكأن اليوم يمضي بخفة أرواحهم المتيمـة كما لو إنهما يسكنان على جناح طائر .. دنى منها وهو يأكلها بعينيـه :
-هاه فين المشكلة ؟!
-هارون .. مالك ، منا قولت لك بيچامتي باظت من القهوة ومش راضية تنضف وو الحل أيه دلوقتِ ؟!
مرر إبهامه على شفتها العلوية ووجنتها بشوق متدفق ليقول متأملًا كأنها آخر معجزات الزمان :
-تعرفي إنك أجمل حاچة في حياتي !!
شقت الابتسامة وجهها وهي تتراجع خطوة للخلف :
-أنت بقيت كويس خلاص!
طوى المسافة الفاصلة بينهمـا :
-لا لسـه ؟!
خيم اليائس فوق ملامحها :
-بردو !! طيب قولي ممكن اساعدك أزاي عشان تبقى كويس !! في حاجة أقدر أعملها .
ارتطم ظهرها بالحائط لتقع تحت حِصاره وهي تسمعه يردف بنظراتٍ أول مرة تشاهدها :
-تقدري تعملي كُل حاچة تخليني أسعد راچل في الدنيا دي ..
فكرت متحيرة في أمره مكذبة تلميحاته التي احسها قلبها وقالت بعفوية :
-ممكن أحكي لك حدوتـة هتعجبك أوي ..
عقد حاجبيـه معترضًا :
-لا كبرت أنا على الحواديت دي..
تحول لطفلًا مراوغًا أمامها وسيد الرجال بينهم ، غمغمت للحظة وهي تسبح ببحيرة عينيه التي تنتويها حُبًا :
-تحب نرقص سوا ؟! أيه رأيك ..
يبدو ان الفكرة راقت له :
-وماله ..
-نرقص على منير ؟!
-لا اختاري أنتِ ..
-في أغنيـة حلوة أوي ، كنت ناوية نرقص عليها سلو يوم فرحنا .. اسمها " أنتَ أعظم انجازاتي " هتعجبك !! تحب تسمعها !!
-نشوفوا .
هربت من تحت ذراعه وهي تمسك الهاتف بكفها المرتعش تبحث عن الغنوة التي نسيتها تحت مظلـة نظراتـه .. فسألته :
-هي اسمها ايه !! ااه خلاص افتكرت أهو ..
شغلت الموسيقى الهادئة وبمجرد ما تركت الهاتف من يدها فوجئت بيده الممدودة إليها والأخرى التي تحوى خصرها .. لبت ندائه بجسد مهزوز يتنبأ بمصيره معـه .. بدأ الاثنين التمايل على الكلمات ولكن الفارق بين الرقصتين ، أن النظرات أجرأ ، اللمسات أرق ، المسافات معدومـة .. تعجب إثر تنهيداتها المتكررة، فسألها :
-خايفـة !!
-لا عمري ما أكون خايفة وأنا معاك ، بس متوترة شوية ، لا انا متوترة كتير !!
ثم أطلقت تنهيدة عالية :
-هارون ؛ هو فيه أيه ؟!!
سيطر على ظهرها بكف يده وهو يعلن تملكها أبديًا :
-لو قلبي فلت زمامه وغواني ، وقفيني ..
-يعني أيه ؟!
غمز بطرف عينيه وهو يضمها ويترك يديها حول رقبته متوليًا أمر السيطرة على خصرها :
-ركزي فالرقص …
تعلقت بحضنه وهي تهديه كلمات الاغنيـة :
-أنت كل انتصاراتي يا هارون .. أنا خسرت كُل حاجة وفوزت بيك ..
فأتبعت كلمات الغنوة مرنمة " بيت أمان في وسط غابة " .. حضنها بقوة وكأنه أراد أن يذوب كل قلقها في صحـن حضنه ، فلبت النداء بدون أي مقاومـة .. تشبثت بعقنه كالغريقة التي تعثرت بطوق النجاة وهي تعترف له بحزن وخيم :
-ليا يومين بكلم مامتي مش بترد عليا يا هارون ، هي ممكن تكون زعلانة مني .. أنا أسفة بس هي وحشتني أوي ونفسي أصالحها ونرجع عيلة كلنا ، نفسي تتعرف عليك ، وننسى كل اللي فات ، هي آكيد هتحبك زي ما أنا بعشقك !! ليه الدنيا عشان تدينا حاجة واحدة بس بتاخد مننا كل حاجة ، هي ليه بخيلة أوي كده ..
مسح على شعرها كأنه أراد أن يزيل من فوقها ظُلمة أيامها … في حَياة كل إنسان شَمس بشرية صَغيرة تُضيء حياته مثلما تضيء شَمس الدنيا العالم .. وهمس :
-وجودي چمبك مش كفاية !!
ابتعدت عن حضنه وما زالت أيديهم تتعانق ، وهي تعبر عن مشاعرها :
-عارفة إنه مش وقته ، بس كان نفسي تعرف أد أيه معاك ، عايزة أقولها إني لقيت الحُب اللي بجـد وياك ..
كفكف عبراتها بنفسـه وهي يُقبل جبينهـا ويطبع قُبلة اعتذاره فوق جبينها :
-كل اللي عاوزاه عشان خاطر يكون يا ليلة .
أنارت البسمة وجهها من جديد وهي تعرف له :
-بحبك ……
ثم أتبعت :
-ممكن تشغل الدفايـة الجو برد أوي !!
-مفيش غاز !! بس هو أنتِ بردانـة قوي يعني !!
أومأت رأسها بالإيجاب وهي تمسح على كتفيهـا:
-يا خسارة الجو شديد النهاردة .. وو
أمسك ذقنها ليرفع وجهها إليها ويقـول :
-بس أنا عندي حل ، يعني ممكن يدفيكي ولو منفعش ..
أحست برعشـة البرد تقرصها :
-ازاي …
-في سيرو بلدنا ، ميدفيش اللحم إلا اللحم !!
اتسع بؤبؤ عينيها بجهلٍ :
-يعني عايزنا ناكل لحمة دلوقتِ !! طيب ازاي!!
انفجر ضاحكًا على براءتها وهو يقول موضحًا ويقربها منه :
-يعني زي ما أنتِ ساكنة فكري ، عاوزك تسكني حضني !!
-وده أيه علاقته باللحمة !! هارون ، أنا مش فاهمة بجد … وبعدين قلبي بيدق بسرعة أوي ، سامع صوته !! ده دليل إني متوترة وو
في تلك اللحظة ضرب جرس الحُب بالسماء ليصدر رعدًا صاخبًا وه وهج منير ليزين وجه السماء ، وأمطرت السماء نجومها عوضًا عن الكهرباء التي انقطعت عليهما ، لترتمى في حضنه صارخة بفزعٍ:
-هارون ، الكهربا قطعت ..هارون أنت بتعمل أيه !!
أحست من لمساته المتحررة أن هناك صك إعلان ملكية يود أن يوثقه على جدار قلبها وهو يحملها بين يديـه مُعلنًا رغبته فيها هامسًا دواوين شعره التي كان يعزفها هيثم على مسامعه :
-أنا السَماء وأنت القَمر
وأود أن أكتفِي بيكِ كما تكتفي السّماء بقمرها…
رواية آصرة العزايزه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نهال مصطفى
" خطأ يُمكن إصلاحـه "
البعض يقول : أن إنتظار أحدهم مؤلم ، والبعض الآخر يقول أن نسيان أحدهم مؤلم ، ولكنني أقول : "إن الأسوأ هو حين لا تعرف ما إذا كان عليك النسيان أم الإنتظار؟ 🤍✨
..
•••••••••
أن يَربُط الحُب بين روحين ، وهذا ما عجزت عنـه المُدن والطُرق وغدر الزمان رغم محاولاتـه العديدة في هدم هذه العلاقة بينـنا ولكن نجم الحُب لامع وحتمى ومصيري ولا يمكن إطفائه إلا بناءً عن قراره بمحض إرادته ..
شد الغطاء فوق جـسد " رغد " التي خضعت لفحص الطبيب وبحرص تام منحها قرصًا مهدئاً وآخر لضبط مستوى ضغط الدم كي يحمي الجنين من شر قلقها وتوترها الذي انهال دفعـة واحدة على جسدها .. وأكد عليه بوجوب الذهاب للمشفى صباحًا للإطمئنان على صحتها وصحة جنينـها ..
هربت للنوم من نفسها ومن زمنهـا ومن كل هلك يدمر روحهـا ، أمطر نظرات الشفقة على حالتها الضعيـفة ، رعشـة جسدها من حِمل ما امتصه على مدار أيامٍ ممتدة..
طأطأ رأسه مخذولًا وهو يقترب من أحلام والآهات تُغلف كلماته :
-قوليلي أعمل أيه يا أحلام !!
انتهت من حك كفوفها ببعض على موقد الارتباك :
-هسألك سؤال واحد وبس يا هاشم ، مرتك وولدك لو جرالهم حاچة بسببك هتسامح نفسك !! هتعيش مرتاح يوم في الدِنيا بعديهم !!
نهش السؤال قلبه كحيوان مفترس :
-أحلام، أنا لسه عاوزها ، ومش عاوز أخسرها بس الظروف معانداني ، هي مفهماش باللي أنا بعمله عشانها ديـه بحميها ، بحميها مني ومن أبوها ومن العزايزة !! أبوها بيهددني بيها .
كانت المشاعر الملتهبـة تلتهم صدرها إلتهامًا شرسًا :
-والحل اللي يرضيك هو قتل ضناك !! طب تفتكر لو هي هاودتك ونزلتوه ، هتشوف طيفها تاني !! هتعرف تقرب منها تاني !! طب هتعرف تعيش مع غيرها مرتاح !! حبك مهزوز ليه !! الحُب سهم لو اطلق عارف طريقه ومفيش حاچة تزحزحه ..
برر موقفـه قائلًا :
-أنتوا كلكم ضدتي محسسيني مش فارق لي ولدي ، كل اللي طلبته ناخدو وقت لغاية ما الحال يتصلح والعيل نچيبوا عشرة غيرو مش قصة يا أحلام !!
رمقته ساخـرة على حماقة فكـره :
-اسمعنى يا ولدي ، هما كلمتيـن هقولهم لك ، ربك ماعيعملش حاچة وحشة ، وطالما العيل ديه چيه يبقى هو اللي معاه مفتاح الفرچ لكُل العك الداير حوليكم ، عاوز تقتله وتچيب غيرك كأنك هتچيبه من السوق ، محدش هيخسر غيرك ، مش عنعاندو حكمـه يا ولدي ..
ثم ربتت على كتفه :
-قوم أقفل الباب وخدها في حضنك ربنا يحنن قلبك ويرچع لك عقلك يا ولدي ، قوم ، موحشكش حضن مرتك يا هاشم…؟
أن يبتلـي المرء بالحُب ؛ أن يُوضع بين أنيابـه ، أن يطحنه بين فكي الأيـام ، أن يقدم له الحب كوجبة دسمة وممنوع الاقتراب منها .. نزع حذائه وساعة يده ولبى طلب أحلام الذي في حاجة إليه .. ولحضنها المهجور .
•••••••••
~المكتـبة .
الحب… لم يكن فقط مُجرد شعور، بل هو سحر يذوب في الدم، هو سماد أرواحنـا الذابلة ، يغذى كل شيء فينا ، كل شيء يتغيـر ، يزهر ، يحلو ، حتى صوت الحياة يصير أهدى ويتحول صخبـه للحن يُعزف على أجراس ليالينـا ..
كانت " ليلة " راكضة في فراشها ، تتشبث كفوفها باللحاف الذي يدثرها ، ويدثر روحها التي تذوقت لأول مرة شهد الحُب ، وملاذ مشاعر مختلفة تسكنها ، تعرفت على كل هذا للتو .. إثر رجفات جسدها المتتالية انسكب الدمع من عينيها وهي تراجع تفاصيل حالة الحب التي عاشتها معه ، تتنفس عطره القابع على ملابسها بدلًا من الهواء .. تتذكر شتات روحها وهي تغيب عن الحياة لتنتقل إليـه بين يديه وهي لا تدرك أي شيء سوى أنها تحتاج المزيد من هذا الدفء .. الفراشات ذاتها ؛ لا يمكنها وصف سعادتي التي تسكُن بجميعِ أحشائي عندَ قُربك ، أشعرُ بكل مرّة حينَ ألتقيكَ " بأنّني أتجدّد " وأعود للحياةِ مرّة أُخرى بهيئة مُفعمة بالأملِ والطٌمأنينة.
تأرجحت عينيها ببطء لتسقط على ظهره العاري الواقف أمام الثلاجة الصغيرة يرتشف الماء بجنون حتى أنه لم يكتفي بهذا ورغم برودة الطقس بالخارج إلا أن جسده تحول لكتلة ناريـة ملتهبة حاول إضفاءها بالماء المُثلج الذي سكبه على رأسه وتناثرت قطراته فوق جسده ..
صدح صوت قلبه عن غايته فيها ومطمعه في غرف الجروح من موطنها واستبدالها بسنابل حُب ، تذكر كيف كانت كالحمامة الذبيحة بين يديـه ليقرضه الندم والذنب بشراسه ، تحول جسده من ماء ودماء ، لبركان يحمل كافة المشاعر التي تحرقه بدون رحمـه …
فارقت ليـلة فراشها بمهلٍ والعبرات تنهمر من عينيها ، لمست أقدامها الحافيـة الأرضية الخشبيـة لتُطرق بنبرة خافتـة ومهزوزة :
-أنا عايزة أمشي …
أخرج تنهيدة حارقة من جوفه قادرة على إزالة غيمـة ودار إليـه :
-أفهم بس ، حصل إيـه لكُل الدموع ديه !!
ثم اقترب منها محاولًا لمس ذقنها فأبت متمردة :
-هارون ، لو سمحت .. عايزة أمشي ؟
رد بحسـم :
-مش هسيبـك تمشي فـ حالتك دي!! تعالي قوليلي حصل لك أيه !!
تضاعفت سيول الدموع من عينيها أكثر بضعفٍ وهي تضرب الأرض بقدميها :
-هارون ، مش قادرة من فضلك اتصرف عايزة أمشي من هنـا .
طافت عينيـه في موجات الإنارة التي قطعت حبال الوصل بينهمـا وهو يمسك ذراعها بدون رغبة منها :
-تعالى نتكلمو .
-لا .. لا أنا همشي .
ثم جففت عبراتها بارتباك عبثي :
-أنا متوترة ومش قادرة اتكلم ..
دنى منها برقـة النسيم على الأرض وهو يضمها لصدره بحنان تمجده الفراشات :
-متوترة يبقى مكانك حضني وهتهدي ..
مش قادرة تتكلمي ، يبقى تاچي في حضني وتتنفسي بس .. لكن مفيش مشى من هِنه بحالتك دي .
ظننت أن زمن المعجزات قد انتهى حتى ألتقت بسحر حضنه القادر وحده على ذوبان ملوحـة أحزانها ، دفن جسدها بداخله وهو يمسح على شعرها ويتمايل بها بهدوء كإنه يُسكن آلام طِفلٍ صغير ،من فرطِ حِنيته اتكأت عليه وكأنه لا شيء ثابتٌ سِوا . .. تولى مُهمة الحديث الخافتة نيابـة عن صوت رعشتها بيـن يديه :
-مش شايفـة إنك مكبرة الموضوع!! كان حصل إيه لكُل ديـه يعني !! ماهو أنا بردك معذور ، جمالك غواني ، وحلالك غايتي ؛ وأنا بشر لحم ودم .. عارف إني اتچرأت وديه غلطي .. بس أعمل أيه قوليلي وأنا شايف حتة بقلاوة بالسمنة البلدي واقفة قصادي ..
ثم أبعد رأسها عن صدره وهو ينظر إليها كإنها أكبر مغانمه :
-حقك عليّ يا ست العرايس؛ مش هتتكرر مرة تانية .. بس مش وعد !! يعني مضمنش عينيكي ياخدوني لفين المرة الچاية.
ختم جُملته بقبلة رأس طويـلة وهو يمسح على كتفيها التي تئن تدريجيًا :
-خلاص عاد ، فكي ، هتكشري في وشي هروح اتچوز عليك واحدة ماعتكشرش.
تبسمت تحت عمق أحزانها وهي تتأمل رِقة حنانه ، طال صمت التلاقي لدقيقتين قطعها هارون الذي تولى مهمة مسح الدموع عن وجهها :
-ولا عمري أقدر أعملها !! أصل هلاقي فيـن زي العينيـن دي تاني ، أنا عاشقـك يا ليلة ..
اتسع بؤبؤ عينيها لتندفع بسؤالها العفوية والذي سبب لها بعض المخاوف :
-هارون أنت بعدت فجأة ليه ؟!أسفة ، أنا السبب مش كده !! بس هو طبيعي يعني اخاف واتوتر وووو
سد فوهة كلماتها بأصابعه وبعينين ضائقـة تفحصها :
-أششش ، أنا بعدت عشان كان لازم أفرمل يا ليـلة ، هارون العزايزي لما يتچوز مش هياخد مرته في السـر ، في مكتبه في قصرهم ؛ مقامك عندي عالي قوي ، أنت يتبني لك بدل البيت قصـور ، وتلبسي الفستان الأبيض چاري والبلد كلها شاهدة ومباركة چوازنـا ، أنتِ يتعملك فرح الدنيا كلها تحكى وتتحاكى عليه ، ديه مقامك يا ست العرايس كلهـم ..
ثم أطلق تنهيدة خفيفة وهو يداعب خُصلة من شعرها وأتبع :
-أنا مش هظلمك في حق واحد من حقوقك ، ليلِزاد تخش بيتي وفرشتي معززة مُكرمة ، أخدها في حضني وسريري من أفخم ما يكون ، مش في أوضة صغيرة كأننا بنسرقوا زي العيال الصغيرة .. أنا ما عشقتكش وبس،أنا بقت روحي فيك،كل ما أتنفس… أفتكرك،وكل ما أغمّض عيني… ألاقيكي.
ثم انحنى ليحملها كإنها طفلة لم تتجاوز العشر سنوات من عُمرها وأقدامها العارية تتأرجح بهواه ، مُعلقة في رقبته ذائبـة في سحر كلماته :
-وهيكون عندنا أولاد شبهك وعيلة حلوة تعوضني عن كُل اللي فات .. صح؟
جلس على طرف فراشه وهي بحضنه متقوقعة كاللؤلؤة في حضن صدفتها ، مشتهية عالمهم معًا :
-نفسي يكون عندي بيبيز كتير ، وتربيهم أحلام ، عشان يطلعوا زي بابهم كده .. حنينيـن وفي نفس الوقت رجالة أوي ..
ثم تنهدت بتمنى وهي تسند كفها على صدره :
-ساعات كتير بتمنى ، كان هيحصل أيه لو كُنا قرايب ، ودمنـا واحد واتقابلنا وحبينا بعض من زمان او مكتوبين لبعض من زمان ، ومش فيه أي حاجة تمنع بيننا !! كانت الحياة هتبقى أسهل وأحلى ..
لف ذراعـه حول خصرها وأكمل :
-أحنا دمنا واحد من قبل ما نتلاقوا يا ليلة .. ومكتوبلنا لُقا وحب من قبل ما ناچوا الدنيا دي ، عشان أنتِ قدري ؛ يعني ما ينفعش تكوني مع حد غيري .. ولو چينا وبصينا على كل العُقد دي ، ما يمكن هي اللي محليـة علاقاتنا وواخدينها تحدي وحلاوتها في صعوبتـها .. يمكن لو كانت حياتنا سهلة زي ما اتمنيتي ، مكناش هنحبوا بعض ..!!
فكرت للحظات تائهة في بحـور فرط حنو وعذوبة كلماته ممتنة للقدر الذي جمعهما لتعترف لعينيه :
-أنا كده كده كنت هحبك يا هارون ، أنت لازم كل اللي يتعامل معاك يعشقك ..
عقد حاجبيه مسمتعًا بدرجة القُرب بينهما وهي تململم بين ذراعيه ليردف ممازحًا:
-حتى كنت الراجل الغتت اللي قابلك على الطريق وكان شغال شخط ونطر !!
-يااااه دانت كُنت سئيل بشكل وأنا كنت هبلة شوية !! لا كتير ، بس بردو كنت قمر يا عمدة ، الهيبة فضاحة وعمرها ما اتغيرت يا عزايزي باشا .. حتى وأنت صبي شغال عند الجماعة اياهم على عربيتهم.. هيبتك كانت فضحاك أوي.
-طلعتي مش سهلة واصل .. أهو إكده اللعب يحلو ، والحب يبقى أحلى وأحلى ..
فتسلق كفها معالم وجههُ؛ بنظرات تود أن تخبره فيها عن الكم الهائل من الحب الذي يستوطن قلبها لتقاسيم وجهه الرجولية و وإبتسامة ثغره المتأنية والحديث الذي يأتي من خلال جوف عينه المغلفة بالأسرار ، كيف لي أن أصفك وصفاً دقيقا .. ظلت تتأمله عن سكب وهي تدندن لوجهه الجميل كلمات الأغنية التي شاركها فيها بنفس النبرة الخافتـة :
-انا اول مرة شفته كان راضى زماننا عنا
فردلي الحب إيده و أخدنا من مكاننا
سبنا الدنيا وما فيها و دوبنا ورحنا جنة
مرت بينا الساعات
وكلامنا كان سكات
توهنا ونسينا روحنا والوقت علينا فات ..
دقائق كثيرة قضوها في التهامس والصمت ، النظرات التي ها القبلات التي تُصبر عليهما شمس الحب المتقدة بجوفهما .. مسح على شعرها وهو يضعها على السرير بمكانها برفق ، فتمسكت بهِ :
-هتروح فين !!
-هطفي النور وارچع لك ..
تسلل بهدوء ليغلق أنوار الغُرفـة ، ثم عاد إليها وهو يشدها لحضنه لتتوسد ذراعـه ، وهو يمسح فوق شعرها لتغرق فـ النوم .. فتمتم ممازحًا ليُلطف الأجواء بعد ما كسر الحاجز بينهما بناء على تعليمات الطبيب :
-لساتك عند قولك أن حضني زي حضن أبوكي .. ؟
كتمت شهقتها وهي تعض على شفتها لتردف :
-هارون خلاص ، عيب كده ! أصلا نسيت ، مش فاكرة حاجة يعني..وانسى بقا عشان مزعلش منك ، ولا أنت غاوى تتكلم في حاجات متصحش .
داعبها بدهاء ومكر :
-أنتِ اللي عيب اللي عتقوليه ديه !! هي دماغك راحت فين !! أومال فين الامان والاطمئنان والسلام ووو ولا أنت راسك راحت لفين !! راحت أكيد للحريـة والذي منها.
تقلبت في فراشها لتصدر له ظهرها كي تخفي خجلها منه وهي تقول بعتبٍ:
-هارون على فكرة ، أنت بجد طلعت قليل الأدب ، كُنت فاكراك محترم زي الشيخ هلال !!
طوق خصرها لتلتصق بهِ أكثر وهو يقول بسخرية :
-هي رقية قالت لك أن هلال مشغل لها فوق برنامج أرض الأبرار ومقضينها مجالس علمية هاشمية !! الله يفضحه هيفضحنا !!
-لا ماقلتش كده بردو !دي من دماغي يعني مايبنش عليه !! بقول لك محترم جدًا .
-ليلة ، فكك من دماغك وخليكي معايا ؛ هتكسبي..
كتمت صوت ضحكتها عنه :
-لا بردو الشيخ هلال بتاع ربنا أوي ملهوش في الكلام بتاعك ده ، أنا قولت لك بردانة وأنت استغليت الموقف أسوأ استغلال ، هو مش بيكذب زيك .
-كل شيء فـ الحُب مباح !! ولازم تتعودي على كل ديه .. وهلال ده ميغركيش السبحة واللحية كلها كام شهر ويخلي عم .
ثم دارت برأسها إليه لتراوغه :
-الانكار مش هيفيدك ومتحاولش تنكر أنك قليل الأدب وبطل تشوه صورة الشيخ هلال قدامي .. بلاش الحركات دي ، هشتكيك لأحلام .. أقولها أن ابنك العمدة طلع باد بوي ومش كيوت زي ما كنا فاكرين !!
زرع ضحكت بتربة شعرها وهو يتنهد متمتمًا :
-ياصبر الصبر عليـكي ..
قلدته ممازحـة :
-يا صبر الصبـر عليك بجد .
غمغم في مسامعها هامسًا ليقول :
-على فكرة ، أنتِ اللي قلبـك خفيف وأحب أقول لك أن لسـه مشوفتيش ولا حاجة .. نامي ومرقي ليلتك يا ليلة قبل ما أرجع في كلامي .. وأوريكي قلة الأدب دي بكل أشكالها ..
-شفت شفت !! أهو الطبع بيغلب التطبع يا عمدة ..
تسارعت ضربات قلبها فلم يكُن شعورًا و حَسب ، بل اعتدلت متبعة بوصلة قلبها وهي تتجه نحوهُ وهي ثابتـة .. لتهمس له قبل أن تستسلم للنوم :
-بس بردو هفضل أحبك لاخر عمري ..
ظل سابحًا في نهر الحُب وهو يعد ذخائر حربه التي سيخوضها من أجلهـا ، وهو يعقد الوعد مع عيونها النائمة :
-عيشت عمري كله أحارب عشان الكُل ، ودلوق بقيت أحارب الكُل عشان روحي ، والفرق بين الشخصين هو أنتِ ..
انتظرها حتى غرقت في سباتها بعمق آمنة ، هادئة بحضنه ، طبع قبلتين على ملامحها المستريحة وانسحب بهدوء من جوارها ، متجهًا نحو الحمام كي يقوم بغسل ملابسها بنفسـه حتى نظفها تمامًا ، ومن بعدها أشعل المدفأة الكهربية وعلق الملابس أمامها كي تجف في أسرع وقت ، وعاد إليها ملاكها الحارس ليتلذذ النظر برؤياها وهي تنعم براحتها تحت مظلـة حبه …..
أكثر ما يؤلم المرء منا أن يصل إلى عمق الحُب مع حبيبه ولا يملك شيئًا منه ، مسافات وجسور وحصور بين جسدين يجمعهما فراش واحد ولكن الروح لا تروى بعد كما حللها الشرع ، شرع الدين والحب كمان يجب أن يكون ، رغبتي بكِ أعمق من اتصال جسدين بل تفاقم الأمر لتعانق أرواح محلقة في قصور الحُب ..
•••••••••••
(صباحًا)
تعلم أن العذاب لا يكمـن بالفـراق فقط بل أقسى أنواع العذاب الحقيقي أن تبقى الروح معلقة .. لا هي قريبة ولا بعيدة كافية لتجاوز هذا الكم الهائل من الحُب ..
بغُرفـة أحلام ؛ كان هاشـم راقدًا بجوار زوجته يتأملها ، يشبع فؤاده منها ، يتلقى وميض عبراتها المتساقطة من قسوة الحزن بجوفها ، شرد بملامحها التي سجنته من لحظة رؤيتها ليتذكر وعدًا قطعه على نفسه قديمًا في شهر العسل الخاص بهما.. تعلقت بعنقـه متدللة :
-هتفضل تحبني كدا لاخر العمر يا هاشم !
قبل كفها أمام البحر ليعقد وعده معها :
-يعني أيه لآخر العمر !! أنا هفضل أحبك عمرين تلاتة كده !
-بتشتغلني!! ليه هتعيش كام حياة غير دي!!
ضم رأسها لصدره وهو يتلذذ بقربها وبالهواء :
-وأنتِ فاكرة أن العمر بتاعهم زي العُمر بتاعنا ! ولا اليوم بتاعنا في الحب زي الأيام العادية ! أنا هحبك عُمر كامل بتاريخ الحب ، يعني مهما خدتي منه زي البحر ده مش هيخلص ولا عمرك هتشبعى …
وفي عُمر تاني هحبك فيه بطريقـة تانية بعيدة عن دوشة العالم اللي بهرب منها ليكي .. عُمر مفيهوش بشـر ولا حقد ولا أي حاجة تفرقنا …
عمر تالت ؛ لما يغطيني التراب وجتتي ياكلها الدود ، بس ساعتها روحي هتكون حايمة حوليـك ومستنياكي تونسيها وو
هبت بوجهه معترضة :
-أخس عليك يا هاشم !! متقولش كده !! بعد الشر عليك ، لا حبني دلوقتي وبس ، وسيب بكرة لربنا وللقدر .. عايزة اتبسط بكل لحظة معاك ، أنتَ راجل لازم يتعاش معاه الحُب تفصيلة تفصيـلة على مهلنا لغايـة ما أقول استكفيت من حبك ، وصدقني عمري ما هكتفي ..
استبدل قُبلات الماضي بالحاضر ، أتبع مسار الزمن والشوق ليطبع قُبلات اعتذاره على معالم وجهها ، أيقظها منبه الحب برأسٍ تؤلمها كثيرًا وهي تبعده عنه بكفها الذي حاصره وتمتم بهمس :
-الزمن قدر يهد ما بينا يا رغد ..
بنبرة خافتة وهي تنظر لأحلام النائمة جنبًا :
-هاشم !! أنت بتعمل أيه !!
ظل يمسح بكفه على شعرها :
-سامحيني يا رغد ، سامحيني إني مقدرتش أكون كد وعدي ! سامحيني عشان أنا متعلق من روحه ، بين قسم حلفته وبين وعد قطعته على روحي !!
تململت في نومتها برفض تام لاعتذاره :
-ملهوش لزوم يا هاشم ، أحنا خلاص .. مبقاش ينفع .. مش هينفع يا هاشم .
منع اعتدالها لتظل تحت سُحب كلماته الصعيدية :
-مش بمزاچك ، ولا بكيفك يا رغد ..
همست بحذر وهي تتملص من حصاره لها :
-ولا بمزاجك يا هاشم ، في طفل دلوقتي ومصيره متعلق بينا وبقرارنا ، انتهت فرصة الاختيار ، كل اللي جاي مش في ايدينا ..
ثم ترجته بضعف يعلن حاجتها لقُربه ، حاجتها لتلبيـة أهواء حاملها ، حاجتها لتخفيف عبء مشقة الحمل عنها :
-هاشم من فضلك ، ابعد ..
ألقى نظرة سريعة على أحلام النائمـة ، ليواصل ما بدأه ، ليواصل النطق بدون كلمات ، أنحسرت الدنيا عليهما و لهفة وعود مغتالة على سفح الزمن ،وبزلزال هادئ قَبِلته وقبّلتهُ .. صاحبته الطريق بعبرات متدفقة وآهات ملتاعة وهي تشكو منه إليه .. كف يبعده وآخر يتمسك بهِ .. كانت قبلته كشعور أول نسمة بعد عام حار طويل .. لم يكن غرضها من تقبيله لمسه بل كانت تلمس الراحة والوعود الراسيـة عليهما ، لحظة نسيان ، نسى كل شيء وتلذذ الثنائي بقطف رحيق الزهور معًا ، حتى أتاهم صوت أحلام التي نهضت على صوت أجراس الحُب قائلة :
-ما تحترم نفسك يا واد وتحترم وچودي !!!
افترقا الأحبة في لمح البصر ، لتغادر رغد مرقدها وتجلس بجوار أحلام وهي تسحب آناتها بهدوء :
-أحلام ، هو مين سمح له ينام جمبي ، من فضلك قوليلو يطلع بره .
نظرت أحلام لهاشم بخزى :
-وأنتَ أيه رأيك يا تربية يدي !! لكنك واخد عرق امك الحنبلي ..
وقف في منتصف الغُرفـة وقال بحيرة :
-أنا مش هقدر أسيب شغلي يا أحلام ..
قاطعته رغد قبل أن يكمل حديثه بحرقة وألم يحرقها :
-وأنا مش هقبل أرجع لك يا هاشم ، واطلع برة مالكش دعوة بيا ، وأقول لك حاجة كمان ، أنا مش هنزل البيبي وأعلى ما في خيلك اركبه ، والولد ده هيجي الدنيا رغم انه ما يستاهلش يكون ابنك ، بس ده حظه بقا ، زي حظ مامته ، لا ليا نصيب في أب ولا جوز .. اطلع برة يا هاشم .. اطلع برة .
تدخلت أحلام لفرط عصبية رغد خائفة على صحتها ، لتمنع هبوب عواصفه:
-اطلع برة ياهاشم يا ولدي وأنا هتكلم معاها ..يلاه تهدى وابقوا اتكلمو ..
خرج مرغمًا من غرفته وهو يلعن ذلك الحظ المفرق بينهم ، ارتمت رغد في حضن أحلام وهي تصرخ شاكية :
-أنا تعبت يا أحلام .. محدش فيكم حاسس بيا ، أنا عايزة جوزي بس مش اللي واقف قدامي ده ، أنا عايزة هاشم جوزي .. هاشم اللي وعدني عمره ما هيتخلى عني ..
ثم كفكفت عبراتها وهي تشهق شاكية حال قلبها :
-ابنه كل دقيقة بيسأل عليه ، عايز يطمن بوجوده ويحس بحب باباه ليه ، لكن ده من غير أي رحمة بيقتل فينا بسكينة باردة .. أنا تعبت والله ومبقتش متحملة أكتر من كده …
•••••••••••
~بغُرفة هلال .
نزعت " رقية " إسدال الصلاة بعد ما أحضرت له مائدة الفطور من أسفل ، لتبقى بمنامة قطنية تصل لرُكبتها .. تركت الطعام بمكانـه ثم ذهبت لعنده بخفوت وهي تراقب تفاصيـل وجهه النائمة .. مسكت خصلة من طرفها لتمررها على ملامحه المستريحـة وهي تكتُم صوت الضحك .. ظن أنها ذبابة هش عليها بخمول ولكنها لم تكف عبثًا ولا ضحكًا .. فتح عينيه على قمرها الساطع :
-يا صباح الأفاعيـل !!
قفلت عين وفتحت الآخرى :
-أخس عليك يا هلال !!
أول ما فعله لملم شعرها جنبًا حذبها لمستواها ليدفن قبلتـه بجدار رقبتها كما اعتادته :
-بلاها أفاعيـل ، وخلينا في التقبيـل ..
تمايلت نحوه بدلال :
-بعد أيه عاد !! أنتَ حتى قفلتني ومتعرفش أنا عملت عشانك أيه !
-ايه ؟!!
وشوشت له :
-خليت فردوس تحضرلنا فطور اللي بتحبه وعملت لك كيكة من يدي ، وسرقته من ورا عمتى صفيـة عشان هي سمها ونارها الوكل يطلع الأوض .. شوفت عمل كد أيه أنت لساتك نايـم ! استر علىّ أنت عارف أنا مش كد أمك .
اعتدل من نومته وهو يفحص جمالها وبيض ذراعيها المرجانيـة ويقول :
-فتنـة أنتِ يا رقيـة !!
برقت عينيها بدهشـة :
-هي دي چزاتي !! يعني كل اللي عملته ديه مطمرش وو بتشتمنى !!
جذبها من خصرها ليبدل الجلسات كي يجعلها تحت محط أنظاره وهو يمتلئ منها دفعة واحدة :
-حاشـة لله !! يُقطع لساني أن نطقتها ولكن ..
تكورت تحت مظلته متدللة والضحكة تغرد بملامحها :
-ولكن أيه !!!قصدك أيه بفتنة دي !! يعني أنا شريرة مثلًا !
تنهد من سحر جمالها :
-أنتِ فتنة للقلب ، والعقل وكافة الحواس الآداميـة ، يعني أيه افتح عيني لا فاكر وكل ولا شُرب ومش هاوي غير حضنك ..
دقت عصافير الحُب بوجهها وهي تقول بخجل :
-ماني طول الليل في حضنك ، مش هطير منك يعني .
-لا يُكفيني يا ستـي ..
تمردت تحت يده كقطة تراوغ :
-هلال ، كِده هتعوض على شُغلك وترچع تقول أنا السبب ..
ثم هربت من تحت يديه بخفة متغنجة على قُربه :
-قوم افطر وبطل چلع ..
لحق بها وهو يضم خصرها ويكسر من كأس رائحتها :
-وفيها أيه لما اتچلع على مرتي !!
ردت بتلقائيـة :
-يا عم أنت صحتك حلوة ومساعداك ، أنا ميتى كَديك ، عمتى صفية غذتك الـ٩ شهور في بطنها ،أما أنا مولودة ناقصة شهرين ، أما أنتوا اللهم صلى على النبي كلكم صحتكم عفيـة ومتقوية .. صح أنتو كُلكم ليه طوال قوي كِده !! مفيش حد فيكم طالع لأمه ليه !!
ما انتهت من جُملتها العفويـة ، فوصل لمسامعه صوت استغاثة هيثم بالخارج الذي تعرقلت قدمه بمفرش الأرضية ليسقط على ركبته متأوهًا ، هرول هلال على صوت صرخة استغاثة أخيه فوجده يتألم من ركبته في الممر ، فتمتم قائلًا :
-اللهم صلى على النبي ، هي چت فيك يا هيثم !!
وألقى نظرة للداخل :
-بركاتك يا في بالي ..
لم تتوقف عن كتم صوت الضحـك وهي تتوارى وراء الدولاب ، فاقترب هلال من أخيه ليساعده على النهوض :
-هي عين وصابتك ، معلش هابقى أجي أرقيك ..
-مية مرة أقول لأمك متفرشش المُكيت ديه هنه !! غاوية تكسرني قبل ما أخش دنيـا .. أمك دي ما عتسمعش الكلام واصل .
رمقه هلال جابرًا بخاطره :
-تعيش وتاخد ، بس مال عينك وارمة ليه !!
تذكر قرصة النحلة بالأمس ليقول :
-اااه غويت العسل ، قرصني النحل !! ياريتني سمعت كلام أمك .. أهو بقيت مكسور وملدوغ عشان صفية تستريح .
-طب يا أخويا تاني مرة مش كد قرص النحل متغواش عسله ، وأمشي عدل حياتك هتتعدل .
-هو حد مبوظ سُمعتي عندك !! قول لي مين قال لك هيثم عكاك ! دول مكانوش ١٢ بت لتحسين مستويات الخبرة ، اعتبرهم كورسات انجليزي .. لا حياء في العلم يا مولانا ..
-تصدق بالله ، أنت تستحق كسر رقبتك مش بس كسر ، وكل ديه أعمالك .. تستاهل ..
ما أردف كلماته بشماتة فغادر لغرفته وهو يقفل بابها متجاهلًا ثرثرة أخيه ، وينظر لرقية التي تتمايل على لحن الضحكات :
-كنت بهزر والله ، جت في هيثم ، قوله يحصن نفسه عاد مش ذنبي..
-جت في هيثم ويستاهل !! طب المرة الچاية هتيجي فيّ يا رقية ، وما يحسد المال إلا صحابه ، يعني أنتِ اللي هتخسري ..
تدللت عليه وهي تسحبه لمائدة الطعام وشرعت في إطعامه :
-لا أنت محصن روحك زين ..مفيش حاچة هتيچي فيك .
مضغ اللقمة بثقل لسانه :
-بيت المنظور خرب قبل بيت الظالم يا رقية ، وأنا يابت الناس لسه عايز أجيب عيلين أربيهم .. مشي معايّ الچوازة لوچه الله .
شرعت في تقشير البيض والضحكات توابل طعامهم لتقـول بتأملٍ :
-أنا عحبـك قوي يا هلال ، يا بختي بيك ويا بخت عيال هتكون أنت أبوهم ..
سحب يدها ليطبع بداخله قبلة حنونة :
-يابختي بيكِ ويابختهم بيكِ ، أنتِ قدري الجميل الذي كتبته السماء .
مسحت على لحيته وضربات قلبها تسابق كلماتها :
-ربنا يديمنا لبعض .. حصل حاچة ، البت زينة چت الصبح وشافتني وأنا شايلة الوكل ، البت دي وراها نصيبة يا هلال ، مش عارفة ارتاح لها ، حساها بتدبر مكيدة وربنا يستر ويهدي شيطانها عليها ..
-النفس الأمارة بالسوء ، أعلن من ميت شيطان يا رقية .. الشيطان ديه كل اللي عليه بيهز عصا النفس ، أما الباقي ديه بتاعنا أحنا .. زينة اتچنبيها خالص وأقصري أي حديت معاها..
وضعت اللقمة في فمه وأتبعت سرًا :
-وفي حاچة كمان ، أنا ليه قلبي حاسس أن في حاچة بين أخوك هارون وليلة !!
حدجه محذرًا :
-رقيـة ، ركزي في حياتنا وبس ، متفسديش عقلك وحياتك بتركيزك مع الآخرين .
زفرت بحرجٍ :
-والله مش قصدي أقول عليهم حاچة وحشـة ، بس أنا شوفتها طالعة من أوضة المكتبة وشكلها كانت بايتـة هناك وو
رمقها بنظرة تحذيرية وأتبع خلفها :
-رقية، دي آخر مرة تقولي فيها على حد من أخواتي إكده ، وهارون بالذات عارف حدوده زين مع ربنا .. ومستحيل يعمل اللي قولتيه أكيد فهمتي غلط ..
كتمت فمها بأسفٍ :
-أنا أسفة والله ، بدردش معاك وعارفة أن كلامنا مش هيطلع لحد ، ولا هقوله لحد غيرك .. حقك عليّ والله ، بص أنا هعيش طرمة وخرسة ومش هتكلم والله بس ماتزعلش.
قبل رأسها بنصح هادئ :
-رقية الطريق الفاصل بين الچنة والنار ؛ هي كلمة .. صوني لسانك تسلم دنياكِ وآخرتك .. متزعلنيش منك ، أنا عارف قصدك ، بس ديه اسمه رمي محصنات وأحنا معندناش دليل ، يمكن كانت فعلًا زي ما شوفتي بس هارون نام في أوضته ، أنا لو شوفت هارون أخوي بعيني بيعمل الغلط هكذب عيني يا رقية..
-ربنا يخليكم لبعض ومايحرمكم من بعض واصل -ثم اندفعت بتلقائية-بس بردك مش مستريحة للي اسمها زينة دي يا هلال .
•••••••••••••
~مجلس العزايزة .
-أيوة يعني ميـن اللي بلغ مأمور المركز ودخل الحَكومة بين مشاكلنا !! دي جُرس وفضايح ولازمًا اللي عمل إكده يتحاكم.
أردف كبير كبراء المجلس جملته الآخيرة في ظل الأوضاع السائدة في ضواحي النچع ، فقطعه أحد الخفر قائلًا :
-قبضوا على خِضر وِلد سويلم وِدلوق في المچلس هو ومرته ، وهارون العزايزي راح على هناك .. والبلد مقلوبة قلب وناس الميت عاوزين يا خدو حقه ..
أردف الشيـخ الآخر :
-قوتنا بتتزحزح يا عزايـزة ، ولو موقفناش وقفة من حديد ، يبقى تاريخ العزايزة اتشطب عليه من اليوم ورايح .
فأتبع الآخر :
-كل يوم نصحوا على نصيبة في النچع ولا كانك الناس هاممها حد !! أحنا زمان مكنش حد يسمع صياح الدايابة حتى ، كان كله بيتعشى وينام ..
اقتحم فارس الجباس المجلـس بنيران فتنته :
-متچمعيـن عند النـبي ، وعلى إكده هتقضوها مسايرة وقول وحديت زي النسوان !! هو أنتوا مش واخدين بالكم من حاچة مهمة قوي ..
أردف كبيرهم :
-مش كفاية سامحين لك تخش مچلس كمان چاي ترمي ألغاز وحديت ملهوش عازة !
توسط دائرة المجلس العقيم ليقول :
-بدل ما تضربوا أخماس في أسادس !! أنتوا مش واخدين بالكم بكُل النصايب دي حصلت من يوم ما ركبها العزايزي لولده !! يعني هارون مسك من هِنه وبقت غابة من هِنه ..
ثم جلس على أحد المقاعد وأكمل :
-سيبكم من دي ، خُدوا الكبيرة ، في بتيـن مقيمين ليهم كذا يوم في بيت خليفة !! أصحاب المچلس مفكروش يسألوا مين البتين دولت !! وأيه چايبهم العزايزة !! طب واحدة ومذيعة وعينيها من العُمدة ومرتاحين في أمرها !! التانية اللي چت من باب الله دي ، تطلع مين !! مچاش ليه في راسكم أن خليفة العزايـزي عيلعب بيكم هو وعياله !!!!!!
ثم رفع كفيه مبرئًا ذمته بعد ما فجر قنبلته :
-أنا والله چاي في خير ….. هااه فوتكم بعافية …