الفصل 10 | من 57 فصل

رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل العاشر 10 - بقلم رينا الهادي

المشاهدات
23
كلمة
5,139
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

صممت عائشة تنام في المضيفة بعد أن جلست مع نهر. خافت أن تؤذي نهر في صدرها أو أن يقع أي منهما لأن السرير ضيق فعلًا. ليس كما قالت، لا تحب أحدًا ينام بجانبها، لكنها قضت مع نهر سهرة طويلة تتعلم بعض البرامج على اللاب. لم تنتبه إلا على الساعة الواحدة لتساعد عائشة نهر في الدخول للحمام وتساعد نهر أمها في تغيير ملابسها وغسل أسنانها قبل النوم.

استيقظت نهر السابعة صباحًا لتلتقط عكازها وتذهب للحمام، ثم تصلي وهي جالسة على كرسيها. دخلت المطبخ تجهز بعض الأشياء للفطور. استيقظت عائشة وجدتها في المطبخ. عائشة: صاحية بدري لية كدة؟ نهر: الساعة دلوقتي تمانية وربع، بدري فين. عائشة: أفهم من كدة إنك نشيطة. نهر: يعني عوديني أصلي الفجر، لكن النهاردة صليت قضاءً لأن الشمس كانت طلعت. وقولت أجهز فطار، تحبي آجي أساعدك الأول؟

عائشة: والله مش عارفة مين يساعد مين، خليك. هتوضى وأصلي وأغدي أفطر معاك. جلست نهر على الكرسي تنتظر أمها بعد أن غلت اللبن وصبتّه وجهزت سندوتش فول وقشرت بيضة لكل واحدة منهن. شغلت نهر الراديو على إذاعة القرآن الكريم. فطروا مع بعض في صمت، كل منهم يفكر في اتجاه. انتهوا. عائشة: تسلم إيدك حبيبتي، مع أن المفروض أنا اللي أجهز لك الفطار. نهر: بجد يا آنة؟ عائشة: بجد إيه؟ طبيعي الأم هي اللي تجهز؟

نهر: لأ أقصد بجد حبيبتك، مع إنك عائشة مش رقية. عائشة: سواء عائشة أو رقية، فأنا أمك. أنا رجعت مصر لأني أم، مش هسيب عيالي وأمشي. أما حبيبتي، فهي الجملة بتتقال كده على بعضها. نهر وهي تدمع: بس إنت حبيبتي وأمي وصاحبتي كمان، فلو سمحتي شيلي الحواجز اللي بينا. عائشة: ربنا يسهل يا نهر. أعرف أنا كل الظروف اللي حواليا وأفهم علاقتنا ماشية إزاي، وكل حاجة هتظبط. تساعديني ألبس وأروح المدرسة؟

وقولي لي أقول إيه للتوك توك وأنا رايحة وأنا راجعة. وآه، في زيارة النهاردة عندنا، دكتور علي وغالبًا هيجيب أمه وأخوه معاه المغرب. نهر: أبيه علي، أنا استغربت إنه مجاش امبارح. استراحت عائشة عندما سمعت نهر تقول "أبيه علي" لتقول: كان عايز يجي، لكن أنا كنت عايزة أريح، فقلت له لأ. نهر، هو فيه فلوس ادخرناها ولا عايشين إزاي؟ أنا معايا شوية فلوس، لكن محتاجة أعتقد كمان.

نهر: حضرتك معظم معاش بابا بنحطه في البوسطة، يعني البريد، ولو حصل حاجة طارئة بناخد منه. أنا بصرف في العادة من شغلي، فأنا بعد إذنك كنت قلت لعمو محمد إني هرد لأبيه علي اللي صرفه عليا وقت كنت في المستشفى. بس ما ينفعش أنا أسحب لأني زي ما بيقولوا قاصر تحت 18 سنة. فلو حضرتك تقدري، ممكن تسحبي المبلغ من البريد بالبطاقة، وهيتبقى مبلغ كويس برضو. إحنا تقريبًا مش بناخد حاجة منه من سنين كتير، بالعكس بنزود في الإجازة من شغل الفنادق والتبس.

عائشة: هو أنا ما كنتش ليا أي دور في الحياة كده، يعني كنت زوجة الأستاذ وأمكم وبس؟

نهر: لأ طبعًا. حضرتك كنتي بتذاكري لي أنا وعمر، وكمان بتذاكري لأي حد محتاج تقوية في اللغة. تعرفي عبد الله وعلي كانوا بيجوا تذاكري معاهم زمان، وأنتِ اللي رفعتي مستواهم في اللغات والرياضة. آه والله زي ما بقولك كده. كمان بتفصلي لبسي كله ولبسك، وأحيانًا بتعملي لعمر قمصان وبناطيل. غير بقى عمو مصطفى، يا لاههههههه. أي طلبات مش بتخلص، بيضرب يجي خمسين كوباية شاي وقهوة، غير ما شاء الله بياكل كتير جدًا. وبتهمي بالبيت هناك وهنا، فحضرتك بتعملي مجهود جبار، وأحيانًا بتشتغلي أون لاين بالقطعة كمان.

ابتسمت عائشة بحب لنهر: لا والله، كنت بعمل كووووول ده؟ نهر: آه والله، اسألي تيزه انتصار كده. حتى إنتي علمتيها الخياطة واشتغلت في البلد عندها خياطة بفضلك. آه، حضرتك أي مكان إنتِ فيه الناس بتتعلم منك. عائشة: هقول للتوك توك برضو يوديني البريد أجيب الفلوس كلها. أما أشوف الدنيا هتبقى ماشية إزاي. فين تعريف الهوية؟ نهر: اسمها البطاقة. أنا اخذتها معايا قبل ما تسافري، كانت في شنطتك. هجيبها لحضرتك.

تجهزت عائشة وذهبت للمدرسة وتكلمت مع الناظر والمدير عن حالة نهر الصحية، وأن تحضر على كرسي متحرك إلى أن تسترد صحتها، وألا تحضر طابور الصباح حتى لا تسبب مشكلة في دخول الطلاب لفصولهم صباحًا. وافقوا. بعدها ذهبت لمكتب البريد، وبالبطاقة سحبت المبلغ الموجود به. وكان بجانب البريد سوق، اشترت منه بعض الخضروات والفاكهة، مع نظرات سيدات القرية لها باستغراب وإعجاب. ورجعت بتوكتوك. ساعدها صاحب التوكتوك في إدخال ما اشترت داخل الفناء الخارجي للبيت. أغلقت البوابة خلفها، وكانت نهر تنتظرها في المضيفة مع فتح المضيفة على الفناء الخارجي.

ذهبت إليها عائشة: إيه ميعادك هنا نهر؟ نهر: قلقِت عليك، فقولت أستناك هنا.

عائشة: أنا مش صغيرة. روحت المدرسة، وعلى فكرة اتكلمت مع مدرسينك عشان أعرف مستواك. بس قالوا إن الدراسة بدأت من شهر ونصف، وإنتِ غايبة من تقريبًا نصف المدة دي، فما يعرفوش مستواك الحقيقي إيه. لكن مدرسين السنة اللي فاتت قالوا عليك ممتازة، أتمنى تكوني عند حسن ظنهم فيك. والبريد كان زحمة شوية. المهم هدخل آخد شور سريع من الحر، وساعديني آخد الدوا ونتغدى وأنام شوية قبل ما الناس يجوا. نهر: حاضر آنة.

مر الوقت وجاء علي مع أمه وعبد الله، وفتحت لهم عائشة البوابة ليدخلوا على المضيفة. وكانت هناك نهر التي ذهلت من دخول علي بالكرسي المتحرك. نظر إليها علي وقال: دي أوامر خالتي عشان تقدري تروحي المدرسة. الأول عاملة إيه؟ نهر: الحمد لله أبيه، واحشتيني تيزة. انتصار: إنتِ أكتر يا حبيبتي. أنا من الصبح بحاول أعمل لك حاجة، فعملت لكم شوية قراقيش يا رب تعجبكم. وحمرت بطة ومحشي ورق عنب بالهنا والشفا يا رب.

نهر: ديمًا تعبانة نفسك، بس إيه الرضا ده؟ جيتوا كلكم من غير ما يعترض حد. انتصار: البركة في خبر إن رقية معاك. نهر: هما هناك عرفوا إن آنة رجعت؟ عبد الله: خالتي شرفتنا بالزيارة قبل ما تيجي عندك يا نهر. نهر: نعم؟ ونظرت لأمها، ده بجد؟ روحتِ هناك ليه طيب؟ عبد الله: كانت بتصفي حساب مع عمي وعمتي كمان، بس إيه ما أقولكيش، كنت عايز أروح أبوسها؟ (نظر إلى عائشة)

بصي، حصل شرخ في ضلعه وكدمة في رجله، بس كرامته نآحة عليه شوية، قال يريح عندنا يومين. لما عرف إن علي جاي وعايزنا معاه، قال لستي تخلينا نيجي عشان يطمن هو عليكوا ونبقى حمامة سلام بينكم؟ نهر: آنة، أنا مش فاهمة حاجة، شرخ إيه وكدمة إيه؟ عبد الله: أنبي يا خالتي احكي لها، أنا. أصل علي كان خرج وأمي مش هتعرف تحكي.

عائشة: أنا شايفة إنك رغاي وهتصدعنا. وأبقى قول لعمك ولا حمام الدنيا هيصلحوا حاجة بينا. ولو راجل، يبقى يقرب من حد فينا. وبعدين أنا راضية ذمتك، إنت حمامة سلام؟ ده أنا حاسة إنك فرحان في عمك. عبد الله: حاسة مش متأكدة؟ عائشة لعلي: هو إنت سايلنت كده على طول يا دكتور؟ من ساعة ما جيت بتبص لنهر بس، مالك فيه إيه؟ علي: أبدأ من ساعة ما خرجت وما عرفتش أشوفها، فبطمن عليها مش أكتر. حاسة إنك بتتحسني يا نهر ولا لأ؟

نهر: الحمد لله أبيه. عائشة: نهر كانت مصورة فاتورة المستشفى بالموبايل وعايزة فاتورة الكرسي عشان تاخد حقك يا دكتور. علي: عمي اللي غلط، والمفروض حساب الحاجات دي عليه. نهر: لا يا أبيه، إنت وكلنا عارفين إنه مش هيدفع مليم ليا. فانت ذنبك إيه؟

عائشة: هو معاه حق، هو المتسبب في كده. أقل واجب يتكفل بعلاجك، لكن إحنا مش بنقبل فلوس من حد، وخصوصًا من معدوم الضمير زيه. ولأن بنتي قالت لوالدك هتدفع ثمن المستشفى، وأنا كلمت بنتي عندي غالية، يبقى هندفع. وقولت لك يا دكتور إن الكرسي على حسابي، فكتر خيرك إنك تعبت وروحت جبته. وكده كفاية عليك، مش هنقبل حد يصرف علينا. انتصار: إحنا حد يا رقية؟ إخص عليك. دي نهر زي ورد عندي، وغلاوتها عند علي وعبد الله ما تتقدرش.

عائشة: الحق حق، حتى بين الإخوات يا مدام انتصار، وده آخر كلام عندي. علي: حاضر يا خالتي. انتصار: إنت بتقول إيه يا علي؟ علي: بقول حاضر يا أمه، عشان لو قلت غير كده لمدام عائشة هتغضب علينا ومش هتسمح لنا نطمن عليهم، وهتبعد وتعاند. فحاضر زي ما تحبي، المهم يكون فيه ود ونعرف نطمن على بعض. عبد الله: إنت خايف من خالتي تغضب علينا؟ يا عم دي بنت نزل عليها ما فيش. عملت فيها المرأة الحديدية، وفي الآخر كسرت دراعها وعملت لعمك

(وشاور باستهانة بيده) شرخ، مجرد شرخ وكدمة. عائشة بغضب: لأ لأ كده لسانك بدل ما أطلع عليك غضبي، واهدي كده عشان ما تزعلش مني، أوك؟ ولا تحب تجرب؟ (ونظرت على شيء) فنظر عبد الله إليه ووجده الصاعق. عبد الله: يالهوووواي! أنا أبويا قالي مليون مرة لساني هيجيب آخرتي. عاوزة تكهربيني يا خالتي!!

ده أنا طيب ولساني على الفاضي. وبحبك والله بحبك. خد منها يا عم الفلوس خلينا نروح بجميع أعضائنا إلا خالتك تتعصب ولا حاجة. حلو كده يا ست الناس؟ عائشة: حلو يا حبيبي شاطر. نظرت لعلي: ممكن توصل الكرسي من فضلك. علي: أعطاها الوصل وحصلت المبلغ ودخلت غرفة نهر وأحضرت له المبلغ وشكرته. انتصار: ممكن ندخل أنا وإنت جوه نتكلم مع بعض زي زمان، ولا مش عاوزة؟ ابتسمت لها عائشة: لأ طبعًا تعالي. (ونظرت على نهر)

ما تقفليش البابين بتوع المضيفة دي الأصول، ماشي؟ نهر: حاضر آنة. عبد الله: ما تخافيش مش هناكلها، دي غالية علينا. يا رب ترجع لك الذاكرة بدل الذل ده. نظرت له عائشة بحدة. عبد الله: إيه ناوية تأكليني ولا إيه؟ أقوم أروح وأريحك مني؟ عائشة: اقعد من غير ما تتكلم. الكلام وحش عشانك، جرب هتستفيد. يلا يا مدام انتصار. انتصار وهي تضحك: والله وجه اليوم اللي تخاف تتكلم فيه يا عبد الله. بمجرد دخول انتصار وعائشة للداخل.

نهر: احكي يا عبدو إيه اللي حصل؟ هموت من الفضول. حكى عبد الله ما حدث بطريقته التي جعلت عيني نهر تتسع شيئًا فشيئًا وهي لا تصدق ما حدث، إلى أن انتهى عندما رجعوا هو وأبيه وعمه للبيت بعد الكشف عليه. نهر: يعني آنة كسرت إيدها على عمو مصطفى وعمر رجع مع أنه، وكمان آنة قالت له خليك مع أبوك. طب هو عامل إيه كويس؟ علي: ما تقلقيش، كويس ولا في دماغه حاجة غير اللعب. أخوك مش زيك، اللعب بس اللي شاغله.

عبد الله: بقولك يا نهر، ما تودينا المطبخ نعمل دور شاي. نهر: ما إنت عارف المكان، روح اعمل. أنا مش هعرف أشيل صنية وأجيبها، ومش هينفع أوديك آنة تيجي تلاقيني معاك في المطبخ (ضحكت) تكهربنا إحنا الاتنين، دي عائشة مش رقية، خلي بالك. علي بضحك: أو تلاقيك لوحدك دخلت من غير ما تستأذن، تكهربك برضو، بس لوحدك.

عبد الله: يعني كده متكهرب وكده متكهرب. أنا مصدع آه، بس مش لدرجة إني عشان أشرب كوباية شاي أتكهرب. طب أطلع أجيب كوبايتين مع علي، أي قهوة وانت تدفع تمنهم يا دكتور، إنت لسه واخد فلوس كتير من خالتي وأنا مفلس. نهر: أنا هتصرف. وقامت بصعوبة، ساعدها علي في النهوض. ذهبت إلى حجرتها ووقفت أمامها. نهر: تيزة انتصار، تيزة. انتصار خرجت: نعم يا نهر؟ جيتي ليه؟ نهر: عبد الله مصدع وعايز شاي، وأنا مش هعرف أودي شاي المضيفة. ممكن تعملي؟

لأن آنة مش هتعرف. انتصار: ممكن أدخل المطبخ أعمل دور شاي يا رقية. عائشة: بقالي ساعة بقولك عائشة. طبعًا ادخلي، وهاجي معاك نعمل لينا كلنا ونشرب مع بعض، وبعدين ندخل تاني هنا. نهر: تيزة في طلب رخِم شوية، عارفة إني هتعبك، بس مش بإيدي. انتصار: قولي يا حبيبتي، ولا يهمك. نهر: آنة مش عارفة تنام في الأوضة الكبيرة لأنها أكيد مش نظيفة، وبتنام في المضيفة، وأنا وهي زي ما إنتِ شايفة. ينفع تنضيفها بسرعة عشان تعرف تنام على سريرها؟

لو مش عاوزة مفيش مشكلة. عائشة: ده اسمه قلة ذوق وأدب يا نهر. ضيفة جايه عندك، شاي ماشي، لكن تنظفي الأوضة؟ إنتِ محتاجة تفكري قبل ما تتكلمي، عيب كده. انتصار: نهر ما غلطتش، هي بتعتبرني خالتها، أخت أمها. وعادي، دي أوضة مش شقة، الموضوع كله عشر دقائق، ما تعملهاش حكاية. وهي قصدها راحتك. وبعدين، ما بتناميش جنب بنتك ليه؟ كنت بنام جنبها لما كنت معاها، وهي أصلًا بتخاف تنام لوحدها؟ عائشة: بتخاف تنام لوحدها ليه؟ دي طولي.

انتصار: أنا رايحة أعمل شاي وهحط قراقيش كمان زي زمان. تيجي معايا نهر ولا هتروحي المضيفة؟ نهر: آجي يا تيزة. عائشة تقبلت تغير الموضوع وقالت: يبقى أنا هروح للشباب. دخلت انتصار ونهر المطبخ لتبدأ انتصار في عمل الشاي وتفتح ما جاءت به وتخرج قراقيش للشاي وتضع البطة في الثلاجة، ومعها حلة صغيرة محشي. انتصار: أمك زي ما هي، مش بتحب حد يدخل أوضتها غيرها وإنتِ. نهر: لأ تيزة، مش ده السبب.

انتصار: اومال حسيت مش عاوزة أدخل أنظف الأوضة ليه؟ نهر: هي خايفة تدخل الأوضة. الدكتور قال إنها مش فاقدة الذاكرة، هو بس علقها الباطن عايز يهرب من الصدمات اللي عاشتها، وإن هي لو واجهت الماضي هتفتكر بسهولة كل حاجة. هي خايفة تدخل، عقلها مصور لها لو دخلت الأوضة هتشوف ذكرياتها وهتفتكر كل حاجة، وهي مش حابة شخصية رقية اللي ما قدرتش تحمي نفسها وبنتها من عمو مصطفى. فبتبعد عن شيء حاسة إنه هيضعفها، فاهمة حاجة؟

انتصار: فاهمة مش كله، بس فهمت إنها خايفة تدخل الأوضة تفتكر، لكن ليه مش بتنام معاك؟ نهر: بتعاقبني، عايزة تقول لي ما أكذبش عليها تاني. غالبًا فهمت إن بعدها عني ده أكبر عقاب ليا. دخلت عائشة إلى المضيفة. عائشة: الشاي والدتك بتعمله يا حمامة السلام. عبد الله: معلش، مصدع فعلاً. قائم من بدري ومن الكلية على هنا. عائشة: لا الطبيعي إننا نضيافكم، لكن ملحوقة. أخف بس وأعمل لك أحلى ضيافة.

عبد الله: من غير ما تقولي. ده إنتِ بتعملي كيكة وحلويات تحفة. عائشة: عايزة منك خدمة، ممكن ولا لآ؟ عبد الله: اؤمريني يا خالتي.

عائشة: نهر حكت لي عن فكرة أختك لما كانت عايزة تعرف نهر ومامتك بيتكلموا في إيه. عايزة أستغل الفكرة. شوف يا دكتور، تحت التنفيذ إنت. ببساطة، هتسألني كحمامة سلام، طبعًا زي عمك ما قالك، ليك ما أرجعش لعمك. وتتحاور معايا عشان تقنعني، وأنا هجاوبك. وكل ده وإنت بتسجل لينا عشان تسمعه لعمك. احتمال يطلع عنده دم ويبعد عن طريقنا، لأني مش متقبلة أعيش معاه ولا دقيقة واحدة. موافق؟ عبد الله: إشمعنى أنا؟ بتثقي فيا ليه؟ ما قولتيش لعلي.

عائشة (ونظرت لعلي المرتقب إجابتها) : لأ طبعًا، علي رزِين وبيفكر، ما يعملهاش. إنت متسرع وتعملها عادي. دخلت نهر وانتصار، ومع انتصار صينية بها الشاي والقراقيش. عبد الله: حاضر، هعمل اللي عاوزة، بس نشرب الشاي ونبدأ. عائشة: شكراً. عبد الله بغيظ: عفواً. أنا مش عارف واخدة الفكرة دي عني ليه، بس حاضر. شربوا الشاي وأكلوا من القراقيش في جو من المرح والضحك. وبعدها أخرج عبد الله موبيله على وضع

التسجيل ليقول عبد الله: يا خالتي، ليه ما تفكريش ترجعي لعمك؟ ده بيحبك وإنتِ أخدتي حقك وزيادة، حتى عمر يبقى بينكم. عائشة: لأ طبعًا. هو راجل لا يؤتمن. المفروض إنه مش جاهل، ده معلم أجيال، يعني عنده أكتر من الحد الأدنى من المعرفة. أكيد قبل ما يتجوزني كان عارف إن ليا بنت، ومع ذلك اتعامل معانا بقلة ضمير. بص يا عبده. عبد الله: عيون عبدو.

ابتسمت عائشة وأكملت: زمان كنت مع والدي في قريته. أصل والدي على فكرة من أصل مصري. جده الكبير كان من الحرفيين اللي وصلوا تركيا من مصر، عشان كده كان حريص يحفظنا قرآن من صغرنا. فيه والدي أختين وهو الولد الوحيد ومن قرية. كل فترة يزور إخواته هناك. المهم أخدني قريته، كنت تمن أو تسع سنين. وهناك، ومن غير مقدمات، دخل رجل كله غضب وقطع لشاب وقتها إيده. أنا اترعبت وصرخت. ووالدي غطى عنيا، لكن بعد ما شفت كطفلة الحادثة دي أثرت فيا جدًا. ليه حد يعمل كده؟

وسألت والدي بعدين، ليه حد يقطع إيد حد بالطريقة البشعة دي؟ كان جوابه إن الشاب متزوج جديد من بنت الراجل واختلفوا، فالشاب رفع إيده على زوجته وضربها على وجهها، وده رد فعل الراجل على اللي حصل لبنته.

والدي قال: بناتنا وكرامتهم خط أحمر. كان ممكن يحل خلافه من غير ما يهين مراته. الضرب حل الراجل اللئيم ضعيف الشخصية. أنا ما اقتنعتش صراحة، لأن حتى الإسلام قال قطع اليد السارق. لكن دلوقتي عزرت الراجل. الوجع مش في الضرب، الوجع النفسي أقوى بكتير. فقال سبحانه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) . وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل بالإحسان إلى زوجته،

فقال صلى الله عليه وسلم: "استوصُوا بالنساء خيرًا". انتصار: بس يا رقية، هنا أقصد الأرياف يعني، عادي إن الراجل يضرب مراته. ده إحنا ياما بنصحى أو بنام على صوت ست في الشارع بتصوت من ضرب جوزها لها. عائشة: نسبة الجهل في الريف كبيرة يا مدام انتصار، ولكن مين قال إن الضرب مش بيعمل شرخ كبير جوة الست؟ وبعدين ده للجهلة، ولكن مربي أجيال عقله كده! قال تعالى:

(واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) . والرسول الله صلى الله

عليه وسلم وضح الآية وقال: "حق المرأة على الزوج أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت". والضرب كمان له قواعد، زي ما يضربش الوجه والضرب ما يأذيش. يعني أيام الرسول كانوا بيضربوا بالسواك، حاجة كده زي القلم الرصاص. غير إن الضرب مرحلة أخيرة، يعني الأول الزوجين يحلوا المشكلة بالكلام مع بعض. ما نفعش يبقى الهجر في الفراش. ما نفعش حكم من أهله وحكم من أهلها. في الآخر الضرب غير المبرح، حتى الضرب يكون زي ضرب الأطفال كده في أماكن لا يكون فيها عظم، يعني مكان يكون فيه لحم ولا يكون فيه عظم عشان لا قدر الله لو الواحد خرج عن شعوره ما يكسرش عظمه.

انتصار: هو الضرب كمان يقعد ينقي يضرب أنهي حتة ودي أنهي حتة فيها لحم وما فيهاش عظم يا رقية؟ عائشة بابتسامة: زي المعقدة مثلا. انتصار: الإيه؟ مش فاهمة. ليقف عبد الله ويضع يده على خلفيته ويقول: دي يا أمه مش زي ما أبويا ما بيعمل رايح جاي يضربني على آفايا (ووضع يده عليه) وده كله عظم صح يا خالتي؟

عائشة بضحكة: لأ دي منطقة خطر وممكن يجيلك تخلف، وده واضح بوادره عليك. دي أول التقاء الحبل الشوكي العصبي بالمخ، وفيه أجزاء مهمة ما ينفعش الضرب فيها. انتصار: كده عبد الله ما ينفعش يضرب أصلاً. المعظم ده معندوش لحم أصلاً. ليضحك الجميع ويقول عبد الله: أبقى قولي لابويا بقي.

عائشة بحزن: عمك اللئيم بقي ضربني أنا وبنتي لدرجة إن راسي انفتحت وبتوجعني لغاية دلوقتي. مش بس كده، الدكتور النفسي قال إن ذاكرتي موجودة، أنا بس بهرب من واقع أنا رافضاه، يعني وصلني إن عقلي الباطن يجبرني أنسي فترة كبيرة من حياتي خوفًا منه. أنا عرفت إن نهر بنتي ومالهاش حد غيري قبل ما أقابل أهلي، وقررت تأجيل معرفتهم بجودي. متخيل إنت لو والدي عرف إن بنته بتتضرب وحفيدته؟

على فكرة والدي أصبح له شركة من أكبر وأهم شركات تركيا، يعني وهو قاعد على كرسيه وبإشارة منه. متخيل ممكن يعمل في عمك إيه؟ عبد الله: ممكن يقتله؟ عائشة: القتل هيريحها. لكن ممكن يبعت حد يجيبه تحت رجليه ويعذب فيه ليل ونهار. في أبو سينام عرف حكايتي كلها، ولو جرى لي حاجة أكيد هيروح لوالدي ويعرفه. ولو بقول لو رجعت لعمك، صدقني مع أول يوم هقطع له دراعه مش إيده. أنا نار في قلبي منه، وخصوصًا لما بشوف وصلني لأيه.

علي: قلبك أبيض يا خالتي، هتودي نفسك في داهية ليه؟ عائشة: لا أنا أتعدم أو أتسجن ولا يهني حد. مهما كان الحد ده. أتربيت على كده. ويلا قوموا روحوا بقي. الدنيا ليلت واتأخرتوا. عبد الله: إنت قلبتي ليه كده؟ على العموم ورايا مذاكرة وعلي عنده عيادة. يلا يا عم نمشي. وقفل تسجيل موبيله.

ابتسمت عائشة وقالت: كده ممكن نقعد مع بعض براحتنا. أنا بس كنت عايزة أعمل إني بطردكم عشان يفهم من التسجيل إن ما حدش عزيز أو هياثر عليا. آسفة بس كنت عايزة رد فعل طبيعي. (نظرت لانتصار) مدام ممكن معلش تسخني الأكل اللي جبتيه النهاردة نأكل مع بعض. علي: فعلاً يا خالتي، عندي عيادة، والواد ده عنده مذاكرة. عائشة: نأكل مع بعض الأول من فضلك. مش كفاية مش عارفة أضايفكم. ممكن يا مدام تسخني الأكل.

عبد الله: على حسب الأكل إيه، لو عادي نروح، لو حلو نقعد. انتصار: يعني هناكل الأكل اللي جايبينه يا رقية؟ ما يصحش. أفرش وأجيب جبنة وأقلي بطاطس. عبد الله: يلا نروح. عائشة: من فضلك من اللي جبتيه لو سمحتي. انتصار: ماشي، هسخن المحشي والبطة. عبد الله: أنا قاعد يا علي، لو عاوز روح الحق العيادة، وأنا هاخد نايبك عادي. عائشة: ولا يبان عليك إنك آكيل. عبد الله: ببذل مجهود جباااار والله من الفجر لآخر الليل ومحدش مقدر.

سخنت انتصار الأكل وأكلوا جميعًا في جو أسري جميل. ونظفت انتصار المطبخ وعملت دور شاي، واستأذنوا للخروج. قبل الخروج، نهر لعلي: أبيه، من فضلك اتصل بجدو عبد العزيز طمنه عليا، وقول له مش عارفة أكلمه لأن الموبايل مسحوب مني. عائشة: بلاش يا علي، الموبايل مسحوب عشان المكالمات اللي ملهاش لازمة وعشان تركزي في المذاكرة. لكن جدك غير، هخليكي تكلميه وهكلمه معاك، أوك. نهر بفرحة: أوك. شكراً.

مشي علي وأخوه وأمه سعداء من تقبل رقية لهم، واطمئنوا على نهر ورقية. وكلمت نهر ورقية عبد العزيز، الذي فرح بالمكالمة كثيرًا واطمأن هو الآخر. صباحًا جاءت باكرًا كلًا من أنهار ورانيا لنهر. نهر: لسه فاكرين؟ ما جيتوش امبارح ليه؟ أنهار: خالتي قالت لنا امبارح جاي لكم ضيوف، وقالت نِجي بدري عشان نساعدكم لأنك هتيجي معانا النهاردة المدرسة. رانيا: هتيجي إزاي يا نهر؟ إنتِ مش قادرة تمشي.

عائشة: أنا جهزت لك شوية حاجات بسيطة تاكليها في المدرسة. بنات ساعدوا نهر تغير لبسها. يلا، أنا جبت كرسي متحرك، هنروح ونيجي بيه. رانيا: هنمشي للمدرسة ونيجي بيه، لكن نهر هتطلع إزاي الدور الثاني في المدرسة؟ عائشة: اتصرفت واتكلمت مع مدير المدرسة. يلا عشان لسه هتدخل الحمام قبل ما تمشي، وهنسرح لها شعرها. نهر: لا أنا هعرف أسرح لنفسي.

بعد ساعة إلا ربع كانت نهر جاهزة للخروج. قعدت نهر على الكرسي، وأخذت أنهار تدفع الكرسي للأمام ورانيا حملت حقيبة نهر. مشت معهم عائشة إلى المدرسة. رانيا: خالتي، ما تجيش آخر النهار. أنا وأنهار هنجيبها البيت، بس أنا هزوق الكرسي وأنهار تشيل الشنطة. عائشة: لا حبيبتي، هاجي قبل ما تخرجوا عشان أكون معاكم. مع أني مش بعمل حاجة، لكن لازم يكون معاكم حد كبير.

وصلوا المدرسة وأدخلوها معهم، واستقبلها أحد الأساتذة وعاملين نظافة. ساعد العاملين نهر بالصعود بالكرسي للدور الثاني، وجلست معها عائشة في فصلها وانصرفت عندما انتهى طابور الصباح ودخل الطلاب فصولهم. رجعت عائشة للبيت مشيًا، ما إن وصلت حتى اتصلت بعبد الله الذي أخذت رقمه قبل مغادرة أمس. عائشة: صباح الخير يا عبد الله. الوقت مناسب أكلمك. عبد الله: أيوه يا خالتي، أنا في الميكروباص رايح الجامعة. أيوه الوقت مناسب، خير.

عائشة: سمع عمك التسجيل؟ عبد الله: أيوه يا خالتي، وكان نصيبي تهزيق من أبويا، أنما إيه عنب. عائشة: معلش يا حبيبي، المهم مصطفى قال إيه أو عمل إيه؟ عايزة أفهم هعمل إيه الفترة الجاية. عبد الله: كسر الأوضة بتاعته مليون حتة، جاب عاليها واطيها، وقعد يصرخ ويكسر في كل حاجة قدامه. وجعه كلامك باين. هي ستي قعدت تهدي فيه وتقول له يطلقك، بس هو كان بيتجنن أكتر.

عائشة: يعني مش بيتعلم، ولسه بيغضب ويثور، وطبعًا مالقاش حد يطلع عليه فيا. أم كسر البيت، همجي زي ما هو. شكراً عبده. إيه هيحصل؟ هنشوف بعدين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...