عائشة أغلقت مع عبد الله ثم اتصلت ماسنجر بإيمري: "إيه فكرك بيا عائشة؟ أنا قولت خلاص نسيتينا." "هو أنا لازم أتكلم كل يوم؟ هو بس إمبارح أقفل ولا مشغول؟ "لا، احكي. أنا بفطر أصلًا ومشغل السماعات، قولي." "هحكيلك على اللي حصل وقول رأيك بصراحة." أسمع بقى. وحكت كل ما حدث. "ليه وصلتي لزوجك الكلام ده؟ وليه سألني عن رد فعله؟ "قولت أخوفه يقرب مننا وأعرف شخصيته أكتر، هل بيخاف وبيستعرض القوة علينا ولا هيكمل ويجي يتهجم علينا؟
أنا طول الليل مش عارفة أنام ومجهزة جنبي الصاعق، قولت كمان أوصله رسالة إنه كده كده خسرنا، يقوم يطلق. لكن لأ، اللي عملته فيه نفع ولا حتى اللي قولته." "برضو مش فاهم هدفك إيه؟ "يطلقني قبل ما الشهر اللي نديم إداهولي ينتهي، أو أعرف هو بيعمل فيا أنا وبنتي ليه كده؟
ما هو مافيش حد بيحب حد ومتمسك بيه ويوجعه كده. أنا سمعت حاجات عنه رهيبة، مع إن رقية دائمًا واقفة جنبه. كمان أنا مع إني عاوزة أفهم كل حاجة حواليا، إلا إني خايفة أدخل أوضة النوم الخاصة بيا هنا، خايفة قوي ومش قادرة أدخلها." "حددي إنتِ عاوزة إيه؟ عاوزة تفتكري أو لأ؟ عائشة اللي عرفتها قوية وشجاعة، ليه بقيتي جبانة كده؟ الوقت بيمر وإنتِ لسه مكانك، ونديم مش هيمد لك ساعة واحدة عن الشهر."
"خايفة قوي أفتكر وأرجع لشخصية رقية اللي مش عارفة تحمي نفسها أو بنتها. خايفة أحن لعمر. خايفة أضعف. إيمري، أنا حبيت نهر وسينام جدًا وأهل مصطفى مش كلهم وحشين. صحيح مش مستريحة له ولا متقبلة الريف هنا، لكن خايفة من الماضي وكل ما فيه. إيمري، أوعى تتخلى عني. وما بعتش شغل؟ أنا أملي أشتغل وأكون مسؤولة."
"لأ يا ستي، شغل الترجمة عندي كتير لأني بتعامل من كذا شركة بالخارج ومحتاج حد موثوق فيه. الترجمة الفورية فيها كتير غلطات ومش دائمًا بتكون صحيحة. كمان محتاج تكوني معايا في صفقات مهمة. أنا هبعت النهاردة ملف عاوزاه بكرة ضروري، وإنتِ شوفي هتعملي إيه في حياتك." "طيب، ابعت أتسلى فيه." "تمام." في هذه الأثناء، ذهب نديم إلى جامعة سينام وقابلها بعد أن استطاع أن يحصل على رقمها. "خير عمو؟
مش حضرتك اللي كنت عندنا من فترة وبابا ورقية قالوا عنك صديق مشترك؟ ابتسم نديم، فيبدو أن كلامه معها سيفيده. وها هي أول الغيث قطرة، قالت اسمه المصري رقية. فلم يستطع الحصول على معلومة واحدة غير اسم رقية من إيمري عنها عندما قابله، وأصر أن تأخذ عائشة وقتها كامل. "مش هعطلك سينام، أنا فعلًا صديق مشترك. كنت طالب في نفس الجامعة مع عائشة وكنا أصدقاء. واتفاجئت بيها. عايشة لسه؟
مع إني حضرت مراسم الدفن. من غير ما أعطلك الأول، تعالي نشرب شاي أو قهوة قريب ونتكلم مع بعض. أنا عاوز أطمن على عائشة. عايشة إزاي علشان أقدر أساعدها." "هي قررت تسافر لنهر مع إنها عرفت أهلها فين من ساعة ما بقت عائشة. وهي محيراني والمسكينة نهر كانت هتموت من القلق عليها. ما صدقت بعدتها عن المتوحش جوزها. ربنا يستر وما يعملش مشاكل معاهم زي كل مرة." "حبيبتي يا سينام، أنا عندي أولاد أكبر منك. الظاهر هتكونوا أصحاب."
أخذها على الكافيه ليستمع إليها ويعرف ما يريد، وبدون مجهود منه، حكت له سينام كل ما تعرفه. وبالطبع، لم يذكر لسينام أنه زوج أخت عائشة. ظنت سينام إنها تساعد عائشة ونهر، لكنها لم تستطع أن تخبر نديم عن اسم عائشة بمصر أو اسم نهر كامل لأنها لا تعرفه أصلًا. فهي دائمًا ما تقول نهر ورقية فقط. بعد أن حكت له كل ما تعرفه. "سينام حبيبتي، ممكن تحاولي تجيبي اسم نهر أو عائشة بمصر؟ الموضوع مهم بالنسبة ليا."
"هسأل نهر، لكن نهر هتسألني ليه؟ أقول إيه؟ "طبيعي الواحد يعرف اسم صديقه كامل." "ليه؟ ما أنا بتكلم معاها براحتي عادي وبنتقابل في الإجازة لما بروح مصر." "لأي ظرف سينام. هي مش ليها حساب على تويتر والفيس بوك أو إيميل؟ طب هاتي رقم تليفونها." "لأ طبعًا. عملت كده مرة وخصمتني عشر أيام. لأ دي صاحبتي الوحيدة." "طب افتحي وشوفي اسمها على الفيس مثلًا." "اسمها على الفيس رينا وبس. وده اسم شغلها. اختاروا لها جدو عبد العزيز."
"مين جدو عبد العزيز؟ "لأ، ده قعدة تانية بقى علشان المحاضرة. سلام عمو." "هاتصل بيكي سينام." "أوكي عمو، باي." عند عائشة: بدأت بالترجمة، لكن لم تتخيل كم المصطلحات الطبية الموجودة بها، لتستعين بالنت. وترجم عروض الشركات. إلى أن رن المنبه الموجود ليعلن أنها لابد أن تتحضر لتذهب وتحضر نهر. ذهبت المدرسة وصعدت لفصلها، وكان الجميع ينزل وهي صاعدة. وصلت، كانت نهر تجلس على مقعدها وبجانبها كلا من أنهار ورانيا. "برضو جيتي يا خالتي."
"طبعًا، ومعايا اللي هيساعدونا ننزل الدور." "إحنا تحت أمرك يا ست أم نهر." "معلش بتعبكم معايا." "آنا أنا بحبك قوي. أنا انبسطت قوي النهاردة وكان فيه حاجات كتير اتناقشت مع المدرسين فيها. ربنا يخليكي ليا يا رب." "ماشي يا لمضة. كله هيبان في النتيجة." "ما تخافيش على النتيجة. نهر طول عمرها سوسة بتطلع من الأوائل وهي بتشتغل. أومال بقى لما تكون فاضية هتكون الأولى على الجمهورية." عائشة نظرت لها بصدمة: "بتحسديها عينك عينك كده؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ. صدق الله العظيم." "أنا أحسد نهر؟ لأ طبعًا. إحنا ديمًا أوائل مع بعض وأول مرة نتفرق عن بعض في الأقسام والله." "يعني تقولي سوسة ومعرفش إيه؟
يلا يا جماعة ننزل ونبقى نشوف موضوع سوسة ده في البيت. أنا هسبق على تحت وأنتم خليكوا وراها." "شكل خالتي رقية هتنفخك. لسانك عامل لك مشاكل يا أنهار." "فعلاً لساني عاوز لجام." لتضحك نهر وتقول: "فاكرة عبد الفتاح القصري وهو بيقول في فيلم: ده قوام عاوز بردعة ولجام." "لأ يا أختي، عاوز لجام بس. وقدام خالتي بس. وبعدين بقيتي بيئة يا نهر؟ معاكِ كذا لغة ومصاحبة أجانب وناس علوي وتقولي بردعة ولجام؟
وأمك اتغيرت قوي يا نهر. يعني شكلها أرقى ولسانها أستغفر الله العظيم." "أمي حلوة وعجباني في كل حالاتها، حتى وهي بتحاول تقسي عليا بموت فيها. وأنا متربية في الريف وأعرف البردعة واللجام." دخلوا جميعًا البيت وجاء إبراهيم ليساعدهم في طلوع عدة درجات المدخل. وترك نهر بالكرسي عند حجرتها، استأذن ومشى. "أول مرة أحس إن اليوم طويل قوي كده وإني حمل على الجميع."
"لو ما كنتيش كذبتي عليا ما كنتش المتوحش ده هجم عليك. إن شاء الله ننظم الدوا وتخفي." "إحنا هنروح بقى يا نهر وهنيجي العصر نذاكر شوية." "ينفع يا خالتي آبات معاها النهاردة؟ كده كده بتباتي في المضيفة." "تعالوا ذاكروا مع بعض، لكن بيات لأ، ما يصحش بنت تبات بره بيتها." "أبويا موافق وعارف إنكم الاتنين لوحدكم، حتى مش معاكم عمر. يبقى هيرفض ليه؟ "حبيبتي لأ. أنا ونهر هنسهر شوية مع بعض، حلو كده؟ "بجد؟ أنا هسهر مع بعض؟
"أيوه. جالي شغل على اللاب وفي شوية حاجات مش تمام. هنقعد نظبط مع بعض وتفهمني شوية حاجات؟ "تمام. أنا." بصوت منخفض لنهر: "بتقولك شغل، مش اللي في بالك." بصوت منخفض: "مش مهم. شوية شوية هتحن وتصالحني." "طب يا خالتي سلام. هنيجي سلام. يلا يا نهر." "ممكن نقعد مع بعض دلوقتي لو تحبي." "لأ، نتغدى الأول ونشرب شاي وريحي ساعة أو اتنين. لو فيه وقت نقعد أنا وأنتِ قبل ما أصحابك يجوا وتذاكروا مع بعض." رن الهاتف. "ده علي."
"ردي عليه طيب." عائشة ردت: "خير يا دكتور؟ مش كنت هنا امبارح." "إزي حضرتك يا مدام عائشة." "على حسب اللي هتقوله. أدخل في المفيد. بتتصل ليه؟ "من غير ما أضيع وقت حضرتك، كنت عاوز أطمن عليكم أولًا. وثانيًا أبويا وعمي كانوا عاوزين يعزموكم زي ما عزمتونا. إيه رأيك؟ ولو وافقتم هاجي آخدكم وأرجعكم؟
"سبيني أفكر وأرد عليك. غالبًا هرد عليك بكرة أو بعده بالكتير. أما بالنسبة لينا، تمام. نهر راحت المدرسة ولسه جايه دلوقتي وإن شاء الله هتتحسن. فيه حاجة تانية؟ "ليه يا خالتي بتآفلي في الكلام على طول؟ هو أنا قالقك في حاجة؟ "أنا مش عارفة أنا بتعامل مع مين، فطبيعي مش مستريحة لحد. وخصوصًا لو كان له صلة باللي بتقولوا عليه جوزي، فسامحني لأني مش هقدر أثق في مخلوق غير لما أتأكد من صدق نيته.
اتنين بس بثق فيهم هنا: نهر، لكن زعلانة منها، ووالدتك وبس." "بالله عليكِ، ازعلي من الكل زي ما إنتِ عايزة. لكن بلاش نهر. كانت بتموت في اليوم ألف مرة في بعدك. نهر بتحبك فوق ما تتخيلي. وعمري ما شفتها منكسرة زي ما شفتها بعد فراقك. لأنكم ديمًا ظهر بعض، مش أم وبنتها، لكن أنتم زي الروح والجسد." حست عائشة بصدق كلامه وقالت: "ربنا يسهل يا دكتور. سلام علشان ورايا حاجات كتير." وأغلقت الخط.
توجهت رقية للمطبخ وخرجت طاسة صغيرة وأشعلت البوتجاز للتسخين. جاءت إليها نهر متعكزة على عصاها وأخرجت مكونات السلطة وبدأت في عملها. "بتعملي إيه؟ "إحنا بنحب السلطة في الأكل، هعمل شوية." "طيب، هو إيه البتاع اللي بسخنه ده؟ لاقيته في الثلاجة؟ ده شوربة ولا إيه؟ "لأ، ملوخية. وحضرتك بتحبيها مع الرز وممكن تتاكل مع عيش. فيه علبة في الثلاجة فيها باذنجان مخلل، هطلع شوية." بعد أن أكلوا، علقت نهر على الشاي.
"حلوة البتاع اللي أكلناه ده. إن شاء الله لما نروح تركيا هوديكِ تأكلي كفتة تجنن هناك، بس لما أبقى أسامحك الأول." نهر بابتسامة: "اللي عمل الأكل اللي في الثلاجة تيزة إنتصار. وهي نفسها في الأكل حكاية. أما بقى موضوع تركيا ده، فأنتِ إن شاء الله هتسامحيني. أنا ما هونتش عليك تفضلي زعلانة مني كده." "بالمناسبة، دكتور علي اتصل. قال عمّه وأبوه عازمينا على الغدا. إيه رأيك؟ "زي ما تحبي." "وإنتِ تحبي إيه؟
"بصراحة، مش حابة أروح. رغم إني عارفة تيزة إنتصار مش هتقصر في واجب، وأكيد هتعمل كل اللي بنحبه." "ما تتنازليش عن حقك في إن يكون لكِ موقف. مش عاوزة، قولي مش عاوزة ومش هجبرك على شيء. لكن زي ما تحبي دي أنا مش هقبلها. فهماني؟ "فاهمة. حاضر. لكن حضرتك قولتي إيه على العزومة." عائشة وهي تصب الشاي:
"قولت هفكر. لكن هروح. الهروب مش حل. هروح أتفاهم معاهم على اللي جاي. أنا أصلًا مش حابة آخدك معايا لأن من الواضح إن أهله داخلين في كل كبيرة وصغيرة في حياتنا. هروح وأواجه." "ولو اتهمت عليا؟ "مش في حالة يتهم عليا. وهروح قبل ما يسترد صحته. هروح وهو عينه مكسورة مني. خالي تفكيرك في مذاكرتك وبس وما تشغليش فكرك بمشاكل الكبار." شربوا الشاي ودخلت نهر تريح ساعة. وقامت وذهبت إلى أمها في المضيفة فرأتها على اللاب تعمل.
"محتاجة مساعدة في حاجة." "صحيتي بسرعة ليه؟ "مش متعودة أنام الضهر كتير. كنت بخطف نصف ساعة في الشغل بس." "طيب، روحي صلي العصر. أذن." نهر توضأت، صلت العصر، وعملت شاي ونادت على أمها لتشرب معها الشاي. "لسه مش عارفة تمسكي صينية؟ "للأسف لأ." "ممكن تمسكيها إنتِ بإيد واحدة خصوصًا إن ما فيهاش غير كوبايتين." "صعب تتحكمي بإيد واحدة إلا لو هتمسكي كوباية واحدة، لكن صينية ما أعتقدش. خلينا نشرب الشاي هنا أحسن."
"أوكي. مع إني كنت حابة أشرب قدام اللاب. فيه شوية حاجات عاوزاك فيها علشان هبعت الشغل بإذن الله بالليل." "حاضر. أنا نشرب الشاي بسرعة ونروح نشوف الحاجات دي." فعلًا شربا الشاي وذهبا إلى المضيفة لتقول رقية كل ما تريد وتجاوب عليها نهر. عملي على اللاب إلى أن جاءت أنهار ورانيا للمذاكرة. مع رفع أذان المغرب، لتصلي بهم عائشة المغرب ويدخلوا للمذاكرة. بعد فترة، دخلت أنهار ورانيا المطبخ ليعملوا شاي ويعطوا عائشة واحدة وهي بالمضيفة.
"شكرًا. لكن كفاية شاي كده. ابقوا اعملوا عصير المرة الجاية. وأعطوا نهر الأدوية بتاعها كمان ساعة العشاء وهنتعشى مع بعض." "حاضر يا خالتي. سلام." بعد العشاء، كانت رقية انتهت من عملها وبعثت به إلى إيمري، الذي علم للتو ما قالت سينام لنديم. "مش من حقك سينام تتكلمي عن حد من غير إذنه. نديم امبارح طلبني لنفس السبب، وهو متفق مع عائشة يمهلها شهر. فأوعي تتكلمي مع مخلوق عن عائشة، مفهوم؟
"إنتم قولتم صديق مشترك، وهو قال عاوز يساعدها ترجع لأهلها. وحضرتك عارف هي ونهر متعذبين قد إيه مع الحيوان اللي هناك. ما تخيلتش إن ده هيضيقكم. أنا آسفة." "حبيبتي، لو عائشة عاوزة تعرف حاجة عنها كان عطت له رقمها. لكن هي حرة في حياتها. إحنا ما نعرفش ماضيهم إيه وهو بالنسبة لها إيه. أنا أعرفه كشغل مش معرفة شخصية. عائشة مش مسامحة بنتها عشان كذبة كانت بتحميها بيها. لو عرفت باللي قولتي له نديم هتعمل إيه؟
هي مش صغيرة. أنا هتصرف مع نديم وهخليه مش يتعرض لكِ تاني. وكويس إنك حكيتي لي على مقابلتكم." عند عائشة بعد العشاء مع البنات. "يلا يا بنات علشان الشوارع هنا هتبدأ تفضي. روحوا وكملوا في بيتكم." "هنروح بعد نصف ساعة كمان، بس بيوتنا مش بعيدة." "طيب. هستنى علشان أقفل الأبواب وراكم وأنام. يلا أسيبكم تكملوا."
وفعلًا، بعدما خرجوا، أغلقت الأبواب وراءهم ومشيت إلى غرفة النوم الرئيسية بقلق وخوف. وفتحتها لتدخل وفتحت النور. ما أن دخلت حتى أحست بالارتياح. رأت بعض الصور على المرآة. فتحت درج لتجد ألبوم صور. فتحته لتشهق بصدمة وتنزل دموعها على خديها مع رجوع الأحداث إلى عقلها. كانت تبكي بقهر وهي تقلب الصفحات إلى أن انتهت ووضعت الألبوم في حضنها وهي تبكي وتكتم صوتها. أمسكت بعد فترة صورة لأحمد لتقول: "شايف يا أحمد؟
بنتك هان عليها تبعدني عنها بحجة إنها بتحميني. المغفلة! مليون مرة أقول لها إنها قطعة من روحي. إزاي ما فكرتش إني لو رجعت ليا الذاكرة هموت ألف مرة في بعدها؟ إزاي أقدر أعيش من غيرها؟ وهي البنت والأم والأخت والصديقة. ده أنا دخلت راجل غريب حياتي علشان يكون لها حد جنبها لو جرى ليا حاجة، واستحملت علشان أخوها يكبر ويبقى سند ليها. إزاي؟ ده الهوا في بعدها نار بتنفسه. يرضيك عمايل بنتك دي؟
والله مقهورة يا أحمد، مقهورة قوي. ربنا ينتقم منك يا مصطفى، إنت السبب." بكت من كل قلبها. وبعد فترة، طرقت عليها نهر الباب. لترد عائشة: "امشي يا نهر. مش عاوزة أشوف حد دلوقتي. عاوزة أنام. أنام." "طب إنتِ كويسة؟ فيه حاجة؟ صوتك مش طبيعي؟ "قولت امشي. شوفي هتذاكري ولا تنامي ولا تعملي إيه وسيبيني في حالي. مش عاوزة أتكلم ولا أقعد مع حد." "آنا أرجوك طمنيني عليكِ. مالك فيكِ إيه؟ ليه صوتك كده؟ وهمشي على طول والله."
فتحت عائشة باب الغرفة وهي تنظر لنهر بجمود: "عاوزة إيه؟ إنتِ ليه مش بتفهمي غير نفسك وبس؟ قولت عاوزة أكون لوحدي. كفرت." وهي تنظر إلى وجهها: "ليه كل البكي ده؟ حصل إيه؟ "إنتِ مالك؟ فهميني!!! إنتِ مالك؟ قولت كذا مرة أكون لوحدي. إنتِ أمي أو وصية عليا؟ بتخنقيني ليه؟ زعلانة أو مضايقة؟ ببكي أو بضحك؟ قولت مش عاوزة حد." وصفعت الباب في وجهها. فكرت نهر أن تخبط عليها لكنها رجعت وقالت:
"أكيد افتكرت كل حاجة. وعشان كده انهرت. وأكيد فاكرة إني استغنيت عنها في حياتي وزعلانة مني. آآآآه يا رقية، والله ما كان قدامي حل. والله ما بإيدي أبعد عن حضنك." جلست نهر على باب غرفة والدتها تبكي، وعائشة تبكي هي الأخرى في غرفتها إلى أن أخذهما النوم. أفاقت عائشة على صوت يقول لها: "بنتنا على الباب يا رقية، مكسورة وحزينة. قومي دخليها أوضتها وادفوا في حضن بعض."
فتحت عائشة الباب لتجد نهر تقع أمامها فقد كانت مسنودة على الباب. وأفاقت نهر من نومها فجأة وهي تنظر لوالدتها بترجٍ. "قومي أوصلك أوضتك. إيه منيمك هنا على البلاط؟ وكمان الدنيا بردت. إحنا داخلين على الشتا." "آنا إنتِ زعلانة مني صح؟ "استغنيتي عني يا نهر؟ وإنتِ عارفة ومتأكدة إن روحي فيكِ. هنتِ عليكِ تسفريني؟ وكنتِ متأكدة إني مش هفتكر حاجة ما دام بعيدة عن الماضي. ليه يا نهر؟
أنا من غيرك إنتِ وأخوكِ معرفش أعيش. أنتم كل حياتي." "و أبوكِ وأمكِ وأختكِ وحياتكِ إيه؟ وفوق كل ده أمانك؟ هعمل إيه أنا بوجودك معايا إذا كنتِ مهددة كل ساعة إني أخسرك بمليون طريقة؟ أعمل إيه أنا؟ وإنتِ كل فترة إما مضروبة أو محبوسة. أبعد عنكِ؟ آه، هستحمل وأنا عارفة إنكِ بخير. هيبقى فيه أمل في يوم أشوفكِ، لكن أفقدكِ لأ ومليون لأ. أنا بموت يا آنة، فاهمة؟
بموت بمجرد ما افتكر حالتكِ وإنتِ فاقدة الوعي والدم حوالين راسكِ من كل اتجاه. مش هستحمل كده تاني. والله ما هستحمل." وبكت بكل قهر على حالهم. قعدت عائشة على الأرض وضمت ابنتها إليها بقوة: "مهما حصل، ما تبعديش عني أو تبعديني عنكِ. فاهمة؟ هسامحكِ المرة دي، لكن ورحمة أبوكِ اللي صحاني عشانكِ، وحياة أبويا، أنا المرة الجاية هختفي من حياتكِ خالص يا نهر لو بعدتيني عنكِ." وهي تخفف دموعها:
"خلاص يا روقة. سماح. الحمد لله اللي جمعنا تاني على خير." "مش عاوزة مخلوق يعرف إني افتكرت حاجة. مفهوم يا بنت رقية." "مفهوم يا عائشة. هنام في حضنكِ النهاردة؟ وهي تساعدها في النهوض: "هنام في أوضة أبوكِ وندفي بعض." دخلا الغرفة ونامت رقية وهي معطية ابنتها ذراعها لتضع رأسها فوقه ويناما معًا في مشهد جميل لأم وابنتها في أحضان بعض.
أذان الفجر لتسمعه كل منهما ويقوما يصليا. بعدها ذهبتا للنوم مرة أخرى وضبطا المنبه ليقوما. عائشة تعد بعض الأشياء لنهر وتجهز نهر للمدرسة. بعد أن أوصلت ابنتها، اتصلت بعلي تبلغه موافقتها على أن تأتي لزيارتهم يوم الجمعة. جاء يوم الجمعة وقبل أن تذهب عائشة مع علي. "نهر، لو جه أخوكِ معايا، إياك ثم إياك تعرفيه إني فاكرة حاجة." "عمر ده طفل؟ وبعدين مين قال هيجي معاكِ؟
"أنا أعرف مصطفى كويس قوي. مش هيتقبل إني أطلق منة بسهولة. مين يلاقي زوجة خدامة له ولابنه وبيظهره بين الناس مش ناقصة حاجة ومش بتكلفة حاجة غير بواقي الأكل ليها. مصطفى أناني ونرجسي. مش مستبعدة يقولي خدي عمر مع نهر لأنه هيفكر يعجزني لأنه عارف إني مش هعرف أشتغل حاجة في البلد ومش معنا غير معاش أبوكِ، فهيحملني عمر ومصاريفه ودروسه وأكله ولبسه علشان أرجع له وأنا خاضعة. ما يعرفش إني بشتغل دلوقتي. ومن ناحية تانية، يلاقي اللي ينقل أخبارنا له ويعرفه كل كبيرة وصغيرة عننا، وهو كده كده هيشوفه في المدرسة كل يوم."
"ممكن يعمل كده فعلًا. عمل كده ودخله ينام عندي علشان يفتش عليكِ لما رجعت البيت. بس يا ريت على الأقل نكون مطمنين عليه معانا." "بس أنا هربيه كعائشة مش رقية. أنا لما رجعت رجعت معايا كتير من شخصية عائشة ومش هسمح بأسلوب عمر. هيعقد معانا بأسلوبها. إحنا هنكون إيد واحدة ويساعد في البيت، مش هيكون أمير وإحنا خدمة. فلو حصل وجيه، أوعي تعترضي على أي شيء يخصه." يوم الجمعة. جاء علي يطرق البوابة الخارجية لتخرج عائشة وتسلم عليه.
"مش هنستنى نهر؟ أدخل أجيبها." "لأ، نهر مش هتيجي. مش عاوزة وأنا كمان عاوزاها هنا. يلا علشان ما أتأخرش عليها." "أدخل أسلم عليها طيب." "وإحنا راجعين على، علشان تقدر تقعد معانا شوية. يلا يا دكتور." مشي علي على مضض واتجه للعربة وفتح بابها لعائشة لتركب بجانبه وذهب لمقعد السائق لينطلق إلى البيت الكبير. بعد فترة وجيزة وصلوا البيت ليفتح علي الباب ووراءه عائشة. "أقعد فين يا دكتور؟ فين أوضة الضيوف عندكم؟ ليخرج مصطفى ويقول:
"هو إنتِ ضيفة؟ "أيوه، بالضبط كده وماليش أي صفة تانية حاليًا. حتى صفة إني أم ابنك أنا مستغنية عنها يا أستاذ مصطفى. أنا طبعًا عارفة إنك مش موافق، بس ده مش هيغير شيء لأني مستحيل أرجع لك ولو فيها موتي. فياريت نقصر ونقول باعتين تستضيفوني ليه؟ محمد من خلف أخيه تقدم ليسلم عليها: "إزيك يا أم نهر؟ سلامتك مال إيدك؟ "دخلت في حيطة والله. يسلمك. ممكن نقعد في مكان وأعرف عاوزني في إيه؟
"حيلك حيلك علينا. لتكوني فاكرة نفسك السفيرة عزيزة." "لأ، أنا عارفة نفسي. عائشة بنت الحسب والنسب اللي أبوها ربّاها كويس وعلمها على إيد مشايخ وأستاذة محترمين. يا حاجة، هقف كتير ولا أمشي ولا أعمل إيه؟ "تفضلي من هنا يا أم نهر. ألا صحيح، فين نهر؟ "مش حابة تيجي هنا وحقها. وأنا ما آمنش عليها في بيتكم." "ليه كده بس؟ هو إحنا هنؤذيها؟ دي زي بنتي."
"من ناحية تأذيها، فسبق وأخوكِ المحترم كسرها. مش آذاها. وأكتر من مرة. ومن حيث إنها زي بنتك، فهو ينفع تروح تاخد مراتك من عندها وهي حتى مش عارفة تجيب كوباية الماية لنفسها وتقول لها كفاية إن ابنك دفع المستشفى ولا تحلف بالطلاق على ابنك ما يروح لها. هي دي بنتك؟ على العموم، أنا عطيت حساب المستشفى لابنك مع إن اللي اتسبب في كسرتها أخوكِ الغالي. إلا صحيح، اسم حضرتك إيه يا أبو الدكتور؟
"يا أم نهر، كانت ساعة شيطان وكنت خايف على أخويا. نهر بلغت فيه." "حقها، ولا كانت بتتبلي عليه؟ بأي صفة وبأي وضع بتقول زي بنتك؟ وقفت جنبها طبطبت عليها؟ ولا بس وافقت إن بنتك تحط موبايل تتجسس عليها وعلى مراتك اللي في أول فرصة حلفت بالطلاق عليها لو حد يساعدها؟ بص من غير رغي كتير. إنتم عيلة. أنا مش عاوزة أكون منها." "وهو إنتِ كنتِ تطولي؟
ده إنتِ قدامك شؤم. أول جوز لكِ مات. والتاني يا حبة عين أمه اتبهدل معاكِ ومن مصيبة لمصيبة." عائشة بابتسامة: "وعلشان كده برحمكم مني بأقول مش راجعة له. لو السما انطبقت على الأرض، مش عاوزاه أو طايقاه. أنا مش عارفة الغبية رقية لغاية دلوقتي معاه ليه؟ طلقني يا أستاذ مصطفى بالذوق علشان لسه فيا حتة بتقول أبو ابنك، بلاش محاكم." "مستعد أطيب خاطر نهر. وما تنسيش إنك مديتي إيدك عليا. ودي لوحدها كبيرة قوي." عائشة باستغراب:
"لأ، بجد؟ ومش كبيرة يا محترم تفضل مجوز واحدة كارهالك؟ ومصطفى والدموع في عينيه: "ليه يا رقية؟ ليه كرهتيني كده؟ "فيه حديث بيقوله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم. وإنت لئيم قوي يا مصطفى. بقول رسول الله." "فاكرة نفسك إنتِ الوحيدة اللي بتقرا؟ الحديث ضعيف يا رقية وسنده ضعيف."
"تقدروا تقولوا لي هل الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن خير الناس لأهله؟ "معاذ الله، طبعًا كان خيرنا لأهله. السيدة عائشة قالت: كان خلقه القرآن." "حد فيكم عارف موقف واحد أهان الرسول أحد من زوجاته؟ ولا كل ما وصل إلينا كان إكرامه لزوجاته ومساعدته لهم، حتى إنه كان يخيط ثيابه ويخصف نعله بنفسه. حتى في حادثة الإفك لم يقل كلمة تجرح زوجته رغم انقطاع الوحي عليه لفترة." "لأ طبعًا، ما سمعناش إنه أهان أحد زوجاته أبدًا. حاشا لله."
"كمسلمين بنقتدي برسولنا بالقول والعمل. فحتى لو الحديث إسناده ضعيف، لكن لم يعمل الرسول إلا بكل ما فيه. كان خير الناس لأهله. إنت بقى يا مصطفى بيه، هل إنت اتجوزت وتفاجئت بأن ليا بنت؟ إنت من قبل ما تتقدم ليا كنت عارف إني أرملة وليا بنت. عملت إيه لينا؟ هل كنت أب ولا سجان؟
البنت مع أول فرصة طلعت اشتغلت في الشارع وهي بنت ست سنين. ست سنين يا مؤمن. وفي الآخر راحت تعيش لوحدها في بيت أبوها وبتصرف على نفسها. ليه تروح لها تؤذيها ليه؟ مصطفى بزعيق: "بعدتك عني يا رقية، بعدتك عن زوجك وابنك وبيتِك واستغلت فقدانك للذاكرة؟ "وهو إنت بعد ما فتحت دماغي كنت منتظر أرجع لك يا راجل؟
ده أنا عرفت إن قعدت معاك سنين بخدمك بعد ما غدرت ببنتي وكنت هتموتها، وكنت عكازك ولفيت معاك على الدكاترة، وبرضو لما شميت نفسك وقمت استقويت علينا. يعني مش عارفة جايب الثقة دي منين؟ ده إنت اللي يخسرك كسبان. الناس مسمياك في البلد هولاكو. بس خلاص، رقية ماتت وراحت أيامها. اللي قدامك عائشة اللي مش هتسيب حقها." "طب نتغدى ونتكلم، ما تخدناش على الحامي كده." "وحضرتك فاكر إني ممكن أحط لقمة من عندكم في بوقي."
"إنتصار هي اللي طابخة، مش حد غريب." "وحتى لو، سبحان الله، واثقة في إنتصار واستريحت لها من أول ما شفتها. لكن أنتم آمن لكم إزاي؟ مش بعيد الحاجة أو أخوك يحطوا حاجة ليا." "إنتِ كده زوديها قوي وأنا ساكت. مش ضعف، لكن للصبر حدود." عائشة بتحدي:
"أعلى ما خيلك اركبوا وروني هتقدر ترجعني إزاي. محمود وابنك معرفيني الدور كله وتقرير صغير من المستشفى بالحادثة بتاعتك إنك فقدت رجولتك مع تقرير باللي عملته فيا للمحكمة وتبقي كده خلصت. تري هيحصل إيه بعد كده؟ هنشوف."أسرار الماضي لبنت ناس ( بقلم / رينا الهادي )
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!