لم تكن تشفي رضا تماما حتى بدأت بإعادة مشروعها مع نهر واستطاعت متابعة تعليمها تحت رقابة وإشراف رقية، التي كانت تشجعها أن تبذل كل طاقتها في التعلم والاعتناء بأطفالها والعمل الدؤوب. كما علمتها فن الخياطة والتطريز. وبالنسبة لأخيها سامح، فقد كان يزورها بين الحين والآخر من وراء أهله ويمضي معها بعض الوقت. اتصلت نهر ببرهان أغا قبل انتهاء الفصل الدراسي الأول وبعد أخذ الإذن منه بالاتصال. نهر: مساء الخير أغا.
برهان: مساء الخير رينا، هل من جديد؟ نهر: لا يوجد جديد بالموقع، العمل يسير بجدية وكما تعلم، المستشفى كبير، لكن يوجد جديد سمعته وتحققت منه خارج المستشفى. برهان: قولي وأسمع.
نهر: قبل سنوات اشترت فيروز هانم أرض المستشفى من الجهات الحكومية بسعر جيد، لكن كان محملًا على سعر الأرض سعر أرض مجاورة صغيرة حوالي سبعمائة متر، وكتبت تلك الأرض باسم رفيق. كنت أظن تلك الأرض تبع المستشفى لأنها مجاورة لها، وكان ينزل بها بعض مواد البناء من حديد ورمل وأسمنت أولًا ثم طوب وما إلى ذلك. تم البدء حاليًا في أعمال الحفر لتلك القطعة بعد الانتهاء من الهيكل الخرساني للمستشفى وبناء حوائط الدور الخفي الذي تكلمت عنه
سابقًا. تكلفة بناء هذا المبنى صغيرة طبعًا بالنسبة للمستشفى، خصوصًا أن هناك نسبة بناء لقطع الأرض، فلن يكون بكامل الأرض، وتكلفة البناء محملة أيضًا على المستشفى، وستكون بينها وبين المستشفى سور مشترك له باب لسهولة الحركة بين الاثنين. ما اكتشفته أنها ستكون مخزنًا للأدوية والمعدات الطبية، لأن للأسف الأسعار هنا تتغير كل فترة بسيطة. استطعت الحصول على صورة من عقد ملكية الأرض وعرفت بداية الخيط عندما سمعت رفيق ومعاذ يتكلمان عن
ضرورة البدء في البناء. وقد كانا يتكلمان باللغة الإنجليزية أو الألمانية أحيانًا حتى لا يستطيع العمال فهم ما يتكلمون به. كان ذلك في أحد أدوار المبنى وليس مكتب رفيق، لذلك لا وجود لتسجيل صوتي لهم.
سكت برهان لحظات ثم قال: منذ بدأ عملك هذا ولم أسألك عن كيفية حصولك على المعلومات، لكن أن يتكلما في أحد الأدوار وتسمعي الحوار، فأحب أن أعرف كيف سمعتي؟
نهر: أتنكر كشاب وأعمل في الموقع عامل مشروبات، وقد طلبا مني قهوة، وطبعًا حصلوا عليها. وبقيت على مقربة منهم بأمر من رئيس العمال حتى أحضر لهم أي شيء يطلبونه. كل من كان حولهم عمال، وطبعًا هم متأكدون من عدم فهمهم لما يقولون. عمومًا، أنا اكتفيت من هذا العمل، بل وتركته، وقلت لهم إني سأرجع لقريتي بالأرياف. برهان: هكذا قررتِ قبل أن تخبريني.
نهر: أولًا، اكتمل المبنى كخرسانة وتم عمله كما هو مخطط له بالرسومات، وبدأوا ببناء الحوائط، حتى المبنى الصغير المجاور سينتهي كخرسانة في أقرب وقت لصغر حجمه. وسأبعث لك ببعض الصور له. لماذا أبقى ولن آتي بجديد؟
ثانيًا، هذا العمل مرهق جدًا ولا يتناسب مع كليتي حاليًا، فيوم الإجازة أقضيه هناك ولا أستطيع القيام باليوم التالي. وأساسًا الفترة الماضية كانت عندي مشاكل أسرية أدت لغيابي فترة. وأخيرًا، أمي أمرتني أن أترك ذلك العمل وأنا أطيعها بلا تردد، هي أهم ما لدي.
برهان: أسباب مقنعة، لكن كان يجب مناقشة الأسباب معي أولًا. فيجب أن تخبريني قبل أن تتركي العمل بفترة لأبحث عن بديل. هذا غالبًا شرط في كل بنود العمل، إن أنا طلبت منك أن تتركي العمل فجأة لابد من تعويضك، وإن أنتِ تركتيه فجأة، يجب تعويضي.
نهر: حسنًا، لم يكن بيننا عقد عمل ولا نص عمل حتى. ولن أستطيع مواصلة هذا العمل لأني وصلت لآخر احتمالي، فقد تسبب ثناء المهندسين على حقد العمال ورئيسهم أيضًا، الذي أصبح ينظر إلي بكثير من القلق على منصبه بعد أن قمت بعدة أشياء لم أنتبه أنها ستعزز موقفي مع المهندسين. عمومًا، شعرت بارتياح الجميع من تركي العمل، وأعتقد أنه سيكون مرحبًا بي، فقد أن أزورهم كل فترة مجرد زيارة لا تتعدى ساعات قليلة.
برهان: لا تقنعيني، بعد أن اتخذتِ قرارًا وقمتم بعملِه، كان يجب أولًا إبلاغي. هذا أبسط ما في قانون العمل، أم أنك تختبرين صبري لأنني لم أبعث لك منذ فترة بأموال مقابل عملك؟ تخيلت أن تطلبي مبلغًا وفق تقديرك له، ليس أن تتركي العمل فجأة وفي سياق الكلام كما فعلتِ الآن.
نهر: لا أرى أي سبب لغضبك مني أغا. لقد قلت لي سابقًا أنك لا تعتمد على مصدر واحد لمعلوماتك، وألا أغتر بما أستطيع أن أعمل، لذا لا داعي للعتاب أو الغضب مني. أصبح الوضع خطرًا بالنسبة لي كبنت، ممكن أن أنكشف في أي لحظة، وأيضًا لست مستريحة بالتعامل وجهًا لوجه مع معاذ ورفيق، ولا أحب أن أفعل شيئًا مرغمة. أما بخصوص أتعابي، فإني من أول الأمر تركت الأمر لتقديرك، كما أني تعلمت جيدًا من هذا الموقع عمليًا بعض الأشياء.
برهان: إذًا فلتأتيني بالأوراق الدالة على تحميل كلفة المبنى الجار للمستشفى على تكلفة المستشفى. نهر: ليس في استطاعتي ذلك، أنا أعمل بمفردي فقط، وهذه الأوراق أعتقد أنها في مكتب رفيق وليست بالموقع، ثم أن الذي باستطاعته اكتشاف ذلك لست أنا، لقد قلت لك ما سمعت. برهان: إذًا كيف استطعتِ أن تأتي بعقد أرض رفيق؟
نهر: من المصادر الحكومية هنا، مجرد تصوير العقد وليس الأصل. كما يجب أخذ إذن البناء أو رخصة البناء قبل البدء فيه. وأنا لا أقوم فقط بعمل المشروبات، بل أيضًا بنقل الأوراق وعمل بعض المشاوير لبعض الأعمال التي تخص الموقع وبعض المشاوير من الموقع لمكتب رفيق. برهان: إذًا استمري فترة بسيطة إلى أن أحصل على بديل، أو أدخلي ذلك الآدو بدلًا منك.
نهر: لن أدخل آدو، بذلك الأمر هو بالفعل لديه عمل ولن أخاطر به، فسوف ينكشف سريعًا. غير أن على يديه مرسوم صليب، فسيتعامل معه العمال بشيء من الحذر، لأن طبقة العمال لها ثقافة معينة هنا. نعم نتعايش مع بعضنا، لكن سيكون تقريبًا المسيحي الوحيد هناك. برهان: هو مسيحي؟ تخيلت أنكم أقرباء، لما ترتبط فتاة مسلمة مثلك بمسيحي. نهر: يا الله! حتى أنت أغا؟
ليس ارتباطًا، بل هو رابط أخوة. أنا متمسكة بديني وهو كذلك، ولن تتطور علاقتنا لأكثر من الأخوة. أتمنى له الخير وهو كذلك. عمومًا، ليس مجال النقاش بيننا علاقتي بأدو. لك عندي كاميرا سأبعثها لك، لأن الكمرتين الأخريين في مكتب رفيق والدور الخفي، ولن يلتفت إليهم أحد، لأن الدور الخفي انتهوا من الحوائط وأيضًا البياض، وسمعت أنهم يستعجلون وصول تشطيبات الأرضيات والأسقف التي ستورد لهم من عندكم. وفقط ذلك كل ما أردت قوله.
برهان: سأعاقبك رينا على ترك العمل في تلك المرحلة دون إخباري مسبقًا، ولا أريد الكاميرا الأخيرة حتى لا تقع بأيدي فيروزة أو عمران، فهم من يستلمان أي طرد يأتي إلي.
نهر: افعل ما تريد أغا. أنا أيضًا لا أعمل تحت تهديد. أضف ذلك إلى قائمة أسباب تركي العمل. سأبعث لك برابط الكاميرات لو أحببت أن ترى البث منها مباشر. هي موصلة طبعًا دائمًا، ويمكنك من الآن أن ترى ما يحدث هنا. طبعًا كنت أقوم أنا بتسجيل بعض اللقطات التي أراها مهمة وأبعث إليك بها. انتهت مهمتي الآن، سيصلك آخر مستجدات في الفترة السابقة على فونك بعد المكالمة مباشرة، وتعرف رقمي إن أردت الاستفسار. إلى اللقاء أغا، فأنا أيضًا مشغولة جدًا.
وأغلقت الخط دون سماع الرد، مما أغاظ برهان، ولم يدري لماذا، هو عنده إحساس مصاحب للغضب وهو الإعجاب بشخصية نهر.
لم تستطع نهر أن تبقى كثيرًا في مكانها بعد إنهاء المكالمة، كأن حملًا كبيرًا على صدرها، فقد أغضبها انتهاء المكالمة بهذه الطريقة. هي لم تكن يومًا كذلك لتغلق مكالمة مع أكبر منها بهذه الطريقة. حاولت أن تهدي من نفسها ودخلت أخذت شور، لكن كان هناك من يزعجها حتى في ذلك الوقت، حيث دق عليها الباب، أكثر من بنت من الدار تريد الحمام، فيوجد ثلاثة حمامات فقط في الدار لأكثر من أربعين بنت، منهم واحد فقط بدش قدم، والباقي بقاعدة وحوض فقط.
رجعت من الحمام مسرعة وتوجهت لغرفتها، وبعثت برسالة لبرهان أغا: آسفة لأني أغلقت الخط، أرجو أن تسامحني، أنا مضغوطة جدًا دراسيًا وعائليًا، فأرجو منك المعذرة. بعثت لك ببعض الفيديوهات لسير العمل بالموقع وعقد تمليك الأرض، وأيضًا فيديو توضيحي لمكان مبنى رفيق بالنسبة للمستشفى من سطح أحد العمارات المقابلة للموقع.
مضت الأيام مسرعة، وأخذت شفق وآسر الإجازة ليسافر محمود بأولاده ويتركهم لرضا، وهو محمل بأنواع من تموين البيت والكثير من الشوكولاتة والمكسرات ليمضوا بعض الوقت على وعد أن ملوا من البلد يتصلوا به فيأتي ويأخذهم معه القاهرة. وبعد أن أنهت نهر هي الأخرى امتحانات الترم الأول، ذهبت إليهم. كانوا يقضون معظم الوقت في شقة رقية، أما عمر وآسر فكانا معظم الوقت بشقة رضا يلعبون على اللاب توب ألعاب عديدة، وبعد العصر ينزلون يلعبوا كرة قدم في جرن القرية
(الجرن: مكان واسع يحصد فيه الفلاحون المحاصيل وخصوصًا الأرز ويقام فيه بعض المناسبات الدينية للقرية كما تثبت فيه بعض الألعاب في الأعياد كالمراجيح) اتصل برهان على نهر ماسنجر، وكانت بالبيت تهدد عهد وتلعب معها، ففتحت الفون دون أن تنظر لتقول: السلام عليكم، مين الرخم اللي بيتصل علي الصبح في الإجازة ده (ظنًا منها أنه آدو) ليأتي
إليها صوت برهان وهو يقول: أنا برهان أغا، وأظن قلتي أتصل بأي وقت، وفهمت ما قلتي. أنا برضو بعرف عربي ومصري مش قوي بس بعرف. نهر بالتركية: آسفة، لم أنظر من المتصل وتخيلت أنه آدو. برهان: أتريدين أن أتصل بوقت آخر؟ نهر: لا تفضل، لا أعمل شيئًا، فقط ألعب مع عهد وهي بيبي لم تتخط الثلاثة أشهر. برهان: سأختصر، أريد أن أحضر لمصر، فهل تستطيعين أن تدخليني القبو السفلي؟ أريد أن أراه على الطبيعة. نهر: لما الاستعجال أغا؟
المبنى تحت الإنشاء، نعم انتهوا من أعمال الخرسانة ومعظم أعمال المباني، لكن لم ينتهي بعد. برهان: أريد أن أراه بعيني رينا، أحب أن أعرف كيف تم تقسيمه. آتى صوت رقية وهي تقول: يلا نهر، الفطار جاهز، هاتي عهد وتعالي. نهر: عفوا أغا، سأرد فقط على أمي (علت صوتها) : معي فون شغل، أنه أفطروا وسأفطر مع عمر وآسر لما يصحوا. دخلت رقية: طب هاتي عهد وكملي تلفونك، وهتغسلي الصحون، ماشي. ابتسمت نهر وقالت: أوامر رقية هانم تتنفذ، حاضر.
خرجت رقية وأغلقت الباب وراءها. برهان: سمعت كلمة "أنه"، هي أمك؟ نهر: نعم، لكنها كل شيء بالنسبة لي. المهم، أفضل أن تؤجل الزيارة عددة أشهر أغا، إلى أن يتم الانتهاء من المبنى بكل التشطيبات والفرش أيضًا، كي تأتي وتعرف من الفرش طبيعة الغرف، هل هي فعلاً ستكون مشفى مصغر كما توقعت أم مجرد مخازن وحجر صحي كما قال رفيق.
برهان: الآن أستطيع الدخول، وخصوصًا إنك قريبة، عهد بترك المكان، ومن الجائز أن يدخلونا للمكان. لكن بعد فترة سيتغير العمال ليدخل كل من عمال الكهرباء والصحي والتكييف والتشطيبات، ولن نستطيع الدخول.
نهر: لم أقطع علاقتي بهم لهذة الدرجة، غير أن حراس المكان هم الأهم ولن يتغيروا، وعلاقتي معهم جيدة، وقلت لهم أني سأزورهم كلما نزلت للقاهرة. ومن يعمل مكان عملي أعرفه جيدًا، لا تقلق، أستطيع تدبر الأمر، خصوصًا أننا إن زورنا المكان لابد أن يكون ليلاً في غير وجود عمال. برهان: اقتنعت. سأرى ما يمكن عمله. والدتك صوتها حنون وواضح أن علاقتكم قوية، حافظي على علاقتك بأهلك، لأن هذه علاقة دم ورحم. وتفضلي، إفطري. سلام.
نهر: حاضر، سلام أغا. شفق تطورت علاقتها برضا، التي بدأت تنتقي ألفاظها بعدما أصبحت تتعلم من رقية الكثير. كما أن رقية صارحتها بما قاله أمجد لها وشجعتها أن تبدأ حياتها من جديد. شعرت بمشاعر جديدة عليها تجاه محمود، فهو أول رجل يدافع عنها ويحميها، وقررت حتى ولو انتهت علاقتها به، ستجعله هو ورقيه فخورين بها وستكون نعم الأم والأب لأبنائها.
على الجانب الآخر، في البيت الكبير. صعدت الحاجة لمحمد في شقته العلوية كي تحنن قلبه على إخوته بعد أن اعتزل مع نفسه، فلا يستطيع التكلم معهم ويعمل لنفسه كل شيء من غسيل وطعام وترتيب. كان باب الشقة به مفتاح من الخارج لأنه يتركه دومًا ويفتح فقط من الداخل عند الخروج، ففتحت الحاجة الباب واتجهت لغرفته لتجد ابنها على سريره يشهق بالبكاء. الحاجة: محمد، مالك يا ابني؟ قاعد بتعيط ليه؟
وزاهد الدنيا، حتى الأرض ما عدتش بتروحها، وأنا عارفة الأرض عزيزة عندك قد إيه؟ محمد: عاوزة إيه يا أمه؟ جاية ليه؟ وأنتِ مش بتقدرين تمشي، تقومي تطلعي؟ الحاجة: جاية عشان حالكم مش عاجبني، أنت وإخواتك يا ضنايا. بس اللي شوفتُه دلوقتي أول مرة أشوفك بتعيط ليه كده؟ محمد بقهر: بعيط ليه؟
هقولك يا أمه، بعيط عشان اتقهرت. آه يا أمه، اتقهرت، مش من دلوقتي، من زمان. من ساعة ما حسيت إني لعبة في إيديكم، من ساعة يا أمه ما أجبرتني أتجوز رضا غصب عني. ومع إني ارتحت لها في الأول واتفقت معاها إني هطلقها بعد فترة وهحافظ عليها، في الأول ملت حياتي ضحك وونس، خصوصًا إن دمها خفيف. لغاية ما جت بنتك وقلبت حياتنا. طول عمري بعتبر عزيزة بنتي، في الأول كنت عاوز أربيها، بعدين حنيت ليها وسلمت لها وداني، وجيت على رضا الغلبانة. لغاية ما ابنك وبنتك من حقدهم عليها عملوا اللي عملوه، وفي الآخر بنتك تقولي إني بعمل لمصلحتك. يقولوا إيه الناس لما تتطلق وهي لسة بنت؟
جيت عليها أنا كمان وقلت أغرتني بعد ما كنت معاها حيوان وهجرتها حتى بالكلام معاها، مع إني كنت بشوفها بتطفي قدامي. وزي ما قالت رقية عني، رضيت ضميري بشوية أدوية لها وسبتها تداوي نفسها، وفي الآخر استكترت عليها يكون لها عيل. لكن ربك لما يحب ينصر مظلوم، غصب عني وعن بنتك، ربنا جبر خاطرها، تسكت بنتك، لأ، وحصل اللي حصل. الحاجة: وأنت هتخسر إخواتك عشان رضا؟ إلا ما عملتها عشان انتصار اللي كان روحك فيها.
محمد: عارفة إني كان روحي فيها. عملتي إيه غير إنك قسيتي عليا؟
أنتِ كمان. تعرفي ما كنتش عامل حساب إني تكون روحي في انتصار وقلبي يبقى مع رضا. ما تبصيش ليا كده. آه حبيت رضا، بس عشان غبي عرفت بعد فوات الأوان، لما شوفت محمود خارج بيها من المستشفى وهو شايلها خايف عليها، تمشي تتوجع وهي مخبية راسها في رقبته من الكسوف. نزلها براحة وقعدها في العربية. أنا كنت واقف بعيد، روحي انسحبت مني وكأن حد دب سكينة في قلبي. جيت هنا حسيت بالقهر. كنت فاكر محمود مش هيبقي عليها، فلاحة وهو بيه، إزاي يعني يتجوزها؟
بعدين راقبت البيت عندها، جاب عياله ليها وأمنها عليهم، وأنا بقيت بشوف عيالي سرقة من بعيد. أنا واحد ملوش قيمة ولا تمن عند أمه وإخوته. انزلي يا أمه الله يبارك لك وحاولوا تنسوني شوية. حرام عليكم بقي. الحاجة: لو عاوز ترجع لرضا أو انتصار، ارجع يا ضنايا وبلاش تقهر نفسك كده. محمد: أرجع لمين؟
لرضا اللي اتجوزت واحد نصفها على أهلها ورجع لها عيالها، اللي أنا كنت عارف إنها آخر فرصة لها تبقى أم، بس برضه جرتها زي البهيمة عشان تنزلهم. وسمعت كلام ولادك وشيطاني. شافت مني إيه حلو عشان تسيب محمود وترجع لي؟ ولا انتصار ترجع لي إزاي بعد ما اتجوزت غيرها وخلفت، وأكيد عرفت اللي حصل ونزلت أكتر من نظرها. خليها مع عبد الله على الأقل بتراعيه. هتعمل إيه براجل خيال ماته، ابن أمه وودانه لأخواته؟
أصلاً مين بنت أو ست تآمن تدخل هنا الدار وإحنا من شهور سيرتنا على كل لسان في البلد؟ لأنك ما بتخرجيش، ما بتشوفييش نظرات أهل البلد ليا. بلاش ابنك الصغير، ننوس عين أمه، مش بقي قاعد جنبك معظم اليوم بعد ما أهل البلد سحبوا العيال من الدرس عنده. ليهم حق، اللي يبيع عيال أخوه يعمل إيه في عيال الناس.
الحاجة: لما كل الناس تبعد عنكم، لازم أنتم تشدوا ظهر بعض، مش تخاصموا بعض. حتى مصطفى مقاطع عزيزة وشايف إنها السبب في إن الناس ما بتبصش في وشه، لدرجة قدم طلب نقل لمدرسة برة البلد. محمد: والله أحسن يبعدوا عن بعض عشان هيضيعوا بعض. بنتك من يوم ما حطت رجليها في البيت والدنيا قلبت وشها. لنا الله يكون في عون جوزها. استحمّل كتير، والواحد ما حسش بيه إلا متأخر. الحاجة: مين ده اللي استحمّل كتير؟
ده كل يوم بيكلمها عاوز يرجع، لكن أختك مسوّياه. قالت عاوزة شقة جديدة وذهب وعفش جديد، وهو بيجهز كل ده عشان يرجعها، وهانت خلاص، كلها أيام بالكتير وترجع تنور بيتها. محمد: بجد!!! بركة مع ألف سلامة. كده اتأكدت إن عزت أمه داعية عليه ليل ونهار، مش كافية اللي شافه منها. لا، الغبي عاوز يعيد من تاني أيامه السودا. كويس، هبقى وأبخ خروف وأوزعه للغلابة لو عزيزة بنتك غارت من هنا وندرت عليا ما أدخلها بيتي.
الحاجة: كده يا محمد، بدل ما تفرح لأختك برجوعها لبيتها وجوزها وعيالها، فرحان بس عشان هتفارقنا؟ طب دي كانت واخدة بحسي. محمد: أمه، افرحي براحتك. أنا سيبيني في همي. بعد فترة نزلت الحاجة ولم تنجح في أن تصلح بين أبنائها. ليلاً في البيت الكبير، دق الباب الخارجي ليقوم مصطفى ويفتح الباب ليفاجأ بمحمود زوج رضا. مصطفى: خير، فيه إيه؟ مع إني ما بشوفش وشك غير لما يبقى فيه مصيبة.
محمود بضحكة صفراء: المصايب دي تخصصك أنت وأختك. عمومًا، عاوز أختك في كلمتين. مصطفى: ليه؟ محمود: هتعرف أكيد لما أكلمها. ما أكيد هتفضل معاها، مش أنتم برضو مع بعض في كل خطوة؟ مصطفى: خليك على الباب، هنادي عليها. (نادى عليها بصوت عالٍ) لتأتي وهي تقول: فيه إيه يا مصطفى؟ مصطفى: محمود بيه عاوزك. عزيزة: محمود بيه مين؟ وخرجت لتري محمود. عزيزة: عاوز إيه يا جدع أنت؟ ولا عشان بتشتغل في الحكومة هتتهجم علينا.
محمود بابتسامة: لا، أنا ما بهجمش على حد، أنا راجل متحضر. أنا بس جاي أخلص بقية حساب (وأشار بيده على فمها) وسيبني أكمل كلامي الأول. بصي يا زوزو، مش بتحبي برضه ينادوك زوزو؟ أنا العلقة اللي أخدتها في الحبس ما كيفتنيش صراحة، وقررت أسقيك من نفس الكاس اللي كنتي عاوزة تسقي رضا منه. مش برضه خططتي تطلقيها من أخوك وتحرميها من عيالها؟ عزيزة بخوف: تقصد إيه؟ مانا مطلقة أصلاً.
محمود بضحكة: بس كنتي بتتصلي بطليقك ومخططة ترجعي له ولعيالك، صح؟ ما تتكسفيش، أنا عارف كل حاجة، وأنا اللي قايل لجوزك في الكلام، مع إن يا عيني مش طايقك. عزيزة: إزاي يعني ما تتكلم طول؟
محمود: بعد ما أخدت رضا وشوفتها بعيني وهي كانت بتموت، وشوفت عيالها الغلابة وهما بيعيطوا بحرقة من الجوع وأمهم لا حول لها ولا قوة، والست رقية رغم تعبها وهي بتحوط عليهم، أقسمت لأعلمكم الأدب. وزي ما مرات أبوها ما كانت بتضربها، بعت اللي ضربها وكسر لها إيديها، وكده كان كافي عليها. مهما كان، ست كبيرة. أنتِ بقي شرك كان أكبر، روحت لطليقك اللي كان أصلاً مش طايق سيرتك وحكيت له كل بلاويك، والمفاجأة إنه عرف من أهله والجيران بلاويك الثانية، وعرف مني إنك كل شوية بتحاولي تكلميه وهو رافض. قلت له يسايرك في الكلام ويديك أمل في الرجوع عشان يخلص من زنك. في نفس الوقت كان بيجهز لجوازه وجواز بنتك. آآآه.
أخرج من جيبه كروت فرح، حتى دي كروت فرحه هو وبنته. وأنا ساعدته يلاقي له شغل بره مصر. دلوقتي سافر هو وعروسته وعيالك بره مصر، وبنتك كمان اتجوزت وسافرت، وطبعًا كلهم مش عاوزينك تعرفي هما سافروا فين أصلاً. خلاص طلعتي بره حياتهم. عزيزة وقد شحب وجهها: أنت كداب، كداب. حتى لو عزت اتجوز عيالي مستحيل يسيبوا أمهم أبداً. محمود: ليه؟ ما أنتِ سبتيهم لأبوهم؟
قال عشان تعلميه الأدب ويتحمل مسئوليتهم، والراجل للحق هو والعيال ارتاحوا لما سبتيهم. أصل أنتِ حقدك مكره الناس فيك. عمومًا يا زوزو، دي صور طبعتها مخصوص عشان تشوفيها. أصلي صراحة عاوز أتأكد إذا كان عندك دم وبتحسي ولا لأ (ورمى ظرف فيه صور للفرح)
. وعشان أنا كريم، هبعت لك كذا فيديو من الفرحين، بتاع بنتك وطلاقك. كده زي ما كنتي عاوزة لرضا، إنتِ كمان بقيتي زيها، بس رضا ربنا نجاها هي وعيالها. وأآه، حسك عينك تقربي منهم. أنا مش زي أمجد باشا، أنا قرصتي والقبر. ويا ويل اللي يغلط في حد تبعي. سلام يا زوزو. وبالمناسبة، هتلاقي تليفونات ولادك كلها مقفلة، وحتى الشقة اللي كانوا عايشين فيها اتباع. كل هذا وهو يكلمها من على باب البيت ولم يدخل خطوة.
أغلق مصطفى الباب وهو في حالة ذهول مما قال محمود. أحست عزيزة بدوار وهي تلتقط الصور واتسعت عينيها ببكاء وهي تقلب فيهم. مسكت فونها بصدمة عندما أتى إليها صوته لتفتحه وتري تحميل للفيديوهات بعث بها محمود إليها، فتقع مغمي عليها. مصطفى: الله ينكد عليك يا محمود الكلب. يعني زوزو هتفضل قاعدة في أربيزنا؟ وأنا اللي فرحت إنها هتغور من هنا. هز مصطفى عزيزة برجله ليقول: قومي يا بنتي، أنا ظهري واجعني ومش هقدر أرفعك، لكنها لم ترد.
ليغضب هو ويقول: هو ده وقته؟ ثم نادى بأعلى صوته: يا محمد، يا محمد، تعالي شيل أختك، مش قادر على ما أجيب لها أي حاجة تفوق بيها. أما عن محمود، ذهب وأخذ أولاده ونهر ليعودوا ويبدأوا الترم الجديد.
بعد عدة أشهر، انتهى بناء المستشفى وتشطيبه بالكامل، وبدأ في وصول الأجهزة الطبية لفرش المبنى. لم يتبق غير أعمال نهائية في اللاندسكيب الخارجي. ليصل برهان أغا قبل موعد افتتاح المستشفى بأسبوعين، ومعه إيمري لأنه خبير بالأجهزة الطبية ويعرف عمل كل جهاز، ولأن نهر لم تقطع علاقتها بعمال المكان، بل كانت تجدد علاقتها بالعمال بزيارتها كل شهر مرة للمكان وقد سمح لها بذلك. ولأنهم انتهوا من إخفاء دور القبو المراد إخفاؤه، فلم يعد دخول
العمال بكروت كما في أول الأمر، لكن نهر بفضل زرع الكاميرا الثلاثة المتبقية معها، لتزرعها في الغرفة العلوية المنفصلة عن المستشفى لدخول القبو عن طريق السلم. عرفت الرقم السري الذي يدخلها من خلال فتح الجدار، ففتحتة في أحد الليالي، وكان معها آدو لتصور جميع كتالوجات والأجهزة الموجودة بالقبو وتصوير كامل القبو فيديو لبرهان أغا ليراه عندما يأتي. جمعت نهر كل ذلك قبل وصول برهان بيومين وأرسلت آدو لاستقبال برهان ورفيقه لأخذهما
وتوصيلهما لشقة مفروشة ومجهزة لهم، بينما هي كانت تتلقى محاضرتها الأخيرة للترم الأول من السنة قبل الأخيرة لها في الكلية
(ثالثة عمارة) . بعدها ذهبت لبيت المغتربات، أخذت شور ولبست زي عملي قميص وجاكيت وبنطلون، وأخذت معها شنطة بها كل الأوراق واتجهت لمكان الشقة (برهان طلب إيجار شقة بدلًا من المكوث بفندق حتى لا يعثر عليه معاذ أو رفيق، كما كان الإيجار باسم آدو، أراد ذلك إمعانًا في صعوبة الوصول إليه مع تغير شريحة فونة على أن يضعها عندما يريد الاتصال بأهل بيته) إيه هيحصل نشوف الفصل الجاي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!