في القاهرة أتت نهر للفندق الموجود به إدوارد لمقابلة أحد مديري الفندق المسئول عن الصالات متعددة الأغراض الموجودة في الفندق بناءً على طلبه لها. فهي لا تعطي رقم هاتفها لأحد، فقد إدوارد من يخبرها أن كانوا يحتاجون موظفي خدمات عندما يتطلب الأمر، ويأخذ هو راتبها ويعطي لها. حتى أنهم يعرفونها باسم رينا وليس نهر، ومعروف أنها أحد أقارب إدوارد. دخلت نهر المكتب بعد أن دقت الباب، وكان مشغولاً ببعض الأوراق أمامه.
نهر: مساء الخير مستر حازم. رفع رأسه إليها: مساء النور، أخيراً جئتِ آنسة رينا. أنا انتظرتك الصبح، نحن داخلون على المغرب. نهر: عفواً منك يا آدو، قال إن حضرتك موجود اليوم لغاية عشرة بالليل، وأنا عندي كلية الصبح، حتى جئت من الكلية على حضرتك، ما روحتش. حازم: أوه، معلومة جديدة هذه. لم أعرف أنك تدرسين. طيب، كدة فيه مشكلة؟ نهر: مشكلة إيه؟
حازم: آخر فرح كنتِ فيه، لفتِ الأنظار لكِ بشكل كبير، خصوصاً بعد ما رقصتِ مع آدو وغنيتِ كمان. وبصراحة كنت أريد أن تعملي معنا بشكل دائم، مش مجرد مرة أو مرتين في الشهر، خصوصاً أنكِ تعرفين لغات، إيطالي وفرنسي، مش كدة؟
نهر: فهمت. طبعاً لن ينفع أن أعمل بشكل دائم، لأن دراستي أهم. أصلاً أعمل لأصرف على دراستي، هذا أولاً. ثانياً، وهذا هو الأهم، حضرتك غالباً استدعيتني علشان كما تقول رقصي وإني غنيت أغنية فرنسي. مع إني معكم قربت من السنة، لكن أريد أن أوضح نقطة، أنا لا أمارس الرقص والغناء. الموضوع كله إني سمعت من المدعوين أن العروسة يتيمة الأم منذ صغرها، وأبوها محاوط عليها بزيادة، حتى إنها لا تعرف العريس. ولما رحت أقدم لها تشرب، كانت شبه
ستعيط. طول الفرح خائفة ترقص مع عريسها، مع أن الرقص كان سلو. فأنا في آخر الفرح حبيت أفرحها، فراقصت مع آدو علشان تتشجع، وبعدين راقصت معها هي وغنيت، علشان يعني الموضوع تعاطف بحت، مش مهنة أريد أن أشتغلها. ولا تتصور الفرح هذا سبب لي مشاكل قد إيه في الكلية، لأن للأسف حضر معييد عندي وأخذ كذا صورة ونشرهم في الكلية. أنا أعرف لغات وأتعامل من زمان مع سياح، فلو فيه حاجة هنا تبع الترجمة، أوكي.
حازم: أنا مدير الجزء الترفيهي في الفندق، أو بمعنى أصح الصالات متعددة الأغراض، بتاع الحفلات أو المؤتمرات والاجتماعات. كنت أريد فقرة الرقص والغناء، لأنها صحت المعازيم بعد ما كانوا سينامون. مع أن الفرح كان مليان فقرات، لكن الكل انجذب إليكم أنتم. ولما سألت، قالوا قريبة آدو. وبتيجي تخاطيف، حتى أن فلوس شغلك تضاف لبونص آدو، وما فيش تسجيل بيانات لكِ، وهذا غريب، خصوصاً في فندق كبير. فكري كويس، العائد المادي سيكون كبير، خصوصاً إن فيه هنا صالة تعليم رقص، يعني ممكن تطوري نفسك من غير ما تدفعي مليم، والعائد هيكون أكثر مما تتخيلي، بدل ما تستني التعيين أو تشتغلي في شركة. أنتِ غالباً يا طالبة في السن، يا آثار.
نهر بضحكة: لأ، هندسة وقسم عمارة. رفع حازم حاجبيه باستغراب: بجد؟ بارك الله فيكِ. هذه تحتاج شغل جامد ومجهود، لكن برضو هنا سيعود عليكِ بالنفع أكثر من أن تتعبيني في أي شركة. وبعدين يا ستي، ممكن تكملي هندسة على جنب، حتى لو هتعيدي السنة. ما تقنعينيش إنك بتنجحي بتقدير امتياز، يعني، ومستنية تتعبيني معيدة.
نهر: يهمني أحقق حلمي وحلم أمي، والفلوس مهمة طبعاً، لكن مش على حساب دراستي. أنا استغلت في فنادق من وأنا اثنا عشر سنة، وعندي خبرة في قسم الأطفال والنادي الرياضي والصحي كمان. وحتى شغل ريسبشن، بشتغل في الصيف في الأقصر وشرم والسفاري، يعني توتال ربح السنة مش بطال. حازم: واو! في سنك هذا وبتعملي كل هذا؟
أبهرتيني. أنا هديكِ رقم تليفوني، لو غيرتي رأيك في أي وقت. الموضوع مجزي مادياً ومش هياخد منك وقت كبير، هو ساعة كل حفلة، وإحنا الحفلات دي بتبقى أكثر في الصيف، وإنتِ فاهمة. خرج حازم مع نهر إلى بهو الفندق ليودعها، فلتفت نظر نهر أربعة من الرجال كبار السن، فنظرت لهم بصدمة والتفتت إلى حازم.
نهر: الراجل اللي هناك ده أنا أعرفه. مستر حازم، ده برهان أغا، من أشهر معماري تركيا، وله شركة منفذة مشاريع في كثير من بلدان العالم. كمان معرفته بي مهمة جداً بالنسبة لي. حضرتك ممكن تساعدي في ده. حازم: أنهي واحد فيهم، وأساعدك إزاي؟
نهر: أجمل وأشيك واحد فيهم. وتساعدني إني آخذ فرصة أكلمه. أول مرة أعرف إنه بيجي مصر. أنا أعرفه من المجالات والسوشيال ميديا. إن شاء الله أكون الروم سيرفس بتاعه. لو تعرف بيعمل إيه هنا، وأنا انطلقت في أي مكان. ممكن تستعلم عنه من الريسبشن، تشوف هيقعد قد إيه؟ ولو لهم مترجم أو لا. والله هشرفكم لو كنت جايد لهم هنا.
حازم: آسف، أنا ما أقدر أساعد وراء معلومات لضيف هنا، ممكن يضايقه، خصوصاً زي ما بتقولي له وضعه. وما دام مهم، يبقى أكيد معاه مش بس مرشد، مش بعيد يكون لكل واحد من دول عشرة بودي جارد. سلام يا رينا، أنا ضيعت وقت كتير اليوم. بدون تفكير، اتجهت نهر بخطوات واسعة إلى برهان أغا ورفاقه لتقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ليردوا: وعليكم السلام. برهان أغا بالعربية: من أنتِ ولماذا اقتحمتِ مجلسنا؟ نهر بابتسامة: واو!
حضرتك بتعرف عربي كويس جداً. اسمي رينا، واحدة من المعجبين بحضرتك. تكلم أحد الرجال بالتركية: ماذا تقول تلك الفتاة يا برهان؟ تكلم برهان بسخرية: تقول إنها إحدى معجبي. لم أرَ وقاحة أكثر من هذه. فتاة بتلك السن ترمي بشباكها رجل عجوز بمثل سن جدها. أحد رفاق برهان: حظك في النساء لا يضاهي أحد، حتى في ذلك العمر. عموماً، إن لم تريده، أعطيه لي. وضحك وضحك البقية.
نهر بالتركية: اسمي رينا، وأعرفك برهان أغا، أنه من أهم المعماريين حالياً بتركيا، ولك شركة مقاولات معروفة ومشهورة. يبدأ من عندكم التصميم وينتهي بتسليم المبنى كاملاً من كل شيء. فيه أقسام متعددة عندكم، وأهمهم التصميم المعماري والمدني، الذي فيروزة هانم ترأسه. ومش جاية أبداً أتطفل عليكم. كل الحكاية إني طالبة في قسم الهندسة المعمارية، وشاهدت شخصية أحب أعمالها. هاااااه! (نظرت لمن تكلم سابقاً)
بأكد، شخص أحب أعماله. لا أعرفه على المستوى الشخصي، لكن قرأت عنك كثير من المجلات. عموماً، أنا أعمل أيضاً في مجال السياحة. لو أحببتم أن تتنزهوا في أماكن أثرية أو مزارات، أو حتى أماكن تعرفكم طبيعة البلد. الرجل: اسمي طاهر، تاجر مجوهرات وصديق عمر برهان. فاجأتينا بمعرفتك التركية. أنا عن نفسي مستعد أخرج معكِ الآن لأي منطقة، تعويضاً لكِ عن كلامي.
نهر: شكراً للعرض، لكن أنا عندي اليوم عمل كثير للكلية، ولم يكن بحسابي الخروج، كما قلت، أدرس. طاهر: أفهم من ذلك إنه عرض حصري لبرهان.
نهر: لا، أنا تفاجأت بكم اليوم، ولم آتِ اليوم للعمل، بل لمقابلة شخص هنا وأرجع، لأني خرجت من الكلية إلى هنا مباشرة. وفعلاً عندي لوحات تحتاج أن تتسلم. عموماً، ممكن أكون متفرغة من غد آخر النهار، من خمسة لعشرة ليلاً. فكروا، أنا معي وسيلة مواصلات، لكن أنتم حددوا إلى أين تريدون الذهاب. ومن حسن الحظ اليوم الأربعاء، وأنا جمعة وسبت إجازة، بمعنى لو تحبون هذين اليومين، آتي مبكراً لكم. برهان: من أين تعرفين اللغة التركية؟
نهر: أمي تركية، تعلمت التركي قبل العربي، وأعرف أكثر من لغة أخرى. تستطيع القول إن اللغات هواية عندي، مثل أمي بالضبط. برهان: تركية؟ تزوجت هنا، وأبوكِ تركي؟ نهر: لا، مصري. ولذلك أعيش بمصر، لكن بمفردي بالقاهرة، لأن كليتي هنا. بقية عائلتي في الأرياف. برهان: غريبة جداً. نهر وهي تنظر لعينيه: ما هو الغريب؟ أظن أن حضرتك زوجت ابنتك لنديم بك، وهو مصري. برهان: هاااااه!
اهتمامك ليس مجرد إعجاب لمعماري، لدرجة أنكِ تتابعين أشياء شخصية عني. عموماً، استغربت إن أرياف يتركون ابنتهم تعيش لوحدها في المدينة. (ونظر لها بتتمعن، يريد أن يستشف الحقيقة من عينيها، فهي منذ رأها ويشعر بمشاعر غريبة عليه)
نهر: يوجد بيوت مغتربات هنا كثيرة للدارسين أو حتى من يعملن، تفتح وتغلق في مواعيد محددة، تحت إشراف وزارة الخدمة الاجتماعية، وفيها مشرفون علينا، ونأخذ الإذن منهم لو تأخرنا أو غبنا، وعلينا الاتصال بأهالينا. (رن هاتفها) لتري رقم آدو. نظرت له وقالت: ممكن أجلس دقائق لكي أرد على المكالمة. أحد أصدقاء برهان: اجلسي يا ابنتي واستريحي. تأفف برهان بغضب، ل تجلس نهر.
نهر: أيوه آدو، اسمع، علشان معايا ناس. أنا سبت لك أكل الغداء عند زمايلك تحت، لأن مستر حازم كان عاوزني هنا. لو قريب، تعال الريسبشن بسرعة، عشر دقائق وبس... صمتت فترة لتجيب: لما تيجي، هتعرف. سلام. برهان: هذا أخوك؟ نهر: تستغل معرفتك بالعربي وتسمعني؟ برهان: أنتِ تعرفين أنني أعلم العربية، لماذا جلستي وتكلمتِ بصوت واضح؟
نهر: لم أحب أن أترككم قبل أن تتعرفوا عليه. هو شاب مجتهد وأمين ويعمل هنا، وسيبدأ العمل بعد نصف ساعة. عموماً، لو أرادوا أن تتنزهوا بالقاهرة من خلالنا أنا وآدو، سيعطيكم رقمه، ويكلمني لأتي لكم معه. يترك العمل فجراً ليستريح قليلاً. قرروا وبلغوه. أتى إدوارد. إدوارد: مساء الخير. واقترب من نهر ليقول بجانب أذنها: مين طقم العواجيز دول؟ إحنا هنشتغل في الآثار ولا إيه؟ نهر: اتلم. فيهم برهان أغا، بيفهم عربي. إدوارد: مين برهان أغا؟
ثم فتح فاه بصدمة: قصدك جد آدم اللي أنتِ شاكة إنه جدك. نهر بهدوء: الله يخرب بيتك! إنت هتفضحي؟ ورووقة هتروقنا إن شاء الله. اثبت يا آخرة صبري. تكلم برهان بقسوة: أتيت إلى هنا كي تتسامر معها بصوت خفيض. سنذهب إلى غرفنا. وشاور لأحد الرجال. نهر: حد يحب ياخذ رقم آدو لو احتجتم لحاجة في الفندق أو خارجة؟ طاهر بضحكة قوية: أنا أريد. وقد حزمت أمري وأريد جولة سياحية، وسنبدأ من غد، وسأترك اختيار الأماكن لكِ يا صغيرتي.
أحد الرجال: وأنا أيضاً، أعجبتني ثقتك بنفسك، وأريد أن أرى ما لم يره السائح العادي. أريد التجول في الشوارع وتذوق الأكل الشعبي هنا. برهان: ماذا حدث لكم؟ نحن متفقون مع مرشد وسيأتي لنا غداً. أم أنكم نسيتم؟ طاهر: أنا أريد تلك الفتاة، أقصد أرى أنها ذكية ونشيطة. وسأكون معها ذلك الفتى ليساعدها (نظر لنهر) . أليس كذلك؟ نهر بضحكة: أعدكم لن تندموا، وسترون. نلتقي غداً هنا، الخامسة مساءً. سأجعلها أمسية لا تنسى.
برهان: أنا لن آتي معكم. الرجل الرابع: أنا مع برهان أغا. نهر: أوك، النتيجة اثنان اثنان. سأذهب فقد تأخرت. إلى اللقاء. طاهر: ألن تعطينا رقم الهاتف؟ نهر: سأعطيك رقم آدو، لكنه لا يعرف التركية، رغم أني حاولت معه. لا أستطيع أن أترك رقمي، لأني مقيمة في دار المغتربات، ثم صباحاً في الكلية، ولا يسمح بفتح الهاتف في الكلية. أراكم غداً، وشكراً لثقتكم. (نظرت للرجل الآخر الذي سيأتي معها) هلا تشرفت باسمك سيدي؟
الرجل: ديمير، صاحب شركات لعمل الأبواب المصفحة والخشبية. نهر: تشرفت بكم. ممكن هاتف أي منكم أسجل عليه رقم آدو. أعطاها طاهر هاتفه، فسجلت الرقم وأخذت رقم غرفتهم، وودعتهم ومشيت مع إدوارد. إدوارد: أنا لازم أروح أستلم الشفت علشان أرجع بدري أريح، وأتفق مع حد ياخذ مني ساعتين لبكرة وأعوضه بيهم بعده. بس هو برهان ده هو هو برهان اللي أنتِ شاكة إنه جدك؟ نهر بتعب: أيوه آدو. مش محتاجة أقولك، إياك ثم إياك تقول كلمة، لأنه...
إدوارد: هقول إيه؟ هو أساساً زي ما فهمت من حركاته، مش جاي معانا. وشه كان غضبان قوي. بس بقولك، عيونه الرماضي دي كلها عيون ماما. ولما قرب منك، كأنكِ بنته. عندك حق تشكي. هو جد آدم برضو، صح؟ نهر: روح شغلك، وأنا لازم أروح. عندي لوحات لازم أخلصها. غير بكرة هيكون طويل. هفهمك أنا كل حاجة بكرة. يلا علشان ما تأخذش جزاء. إدوارد: طب مستر حازم كان عاوزك ليه؟
نهر: ما فيش فايدة، مش هتبطل فضول. عاوزني راقصة ومغنية في حفلات الفندق. طمع فينا لما رقصنا وغنينا في آخر فرح. إدوارد: ابن الدزمة. نهر: سلام، لأني بجد تعبانة بجد. نتقابل الصبح في المترو. سلام. صباحاً في المترو، بعد أن فطروا سوياً. يعني أنت هتبدر الكشف على ماما؟ أروح أجيبها السبت وأوديها مستشفى، وأنت هتجيب برهان أغا وكأنه جاي بالصدفة، يقوم هما الاثنين يتفاجئوا ببعض هناك، وماما تقطع علاقتها بنا إحنا الاثنين، صح كده؟
نهر: ما تتعبنيش يا آدو، وافهم. لما هتوديها المستشفى، هتقول إني هقابلكم لما ترجعوا في شقتك، لأني مشغولة. وهتروح تعمل كأنك بتاخد دور وتسبها في الانتظار. وأنا هدخل برهان أغا برضه في الانتظار، ونراقبهم من بعيد. لما يجي الدور عليها، هتنادي عليها الممرضة، لأني قبلها هكون حجزت لها. هتقوم، وإنت تحصلها على أوضة الكشف، يبقى لقاؤهم صدفة. إدوارد: صدفة إزاي؟ ما هو لما يشوف بنته،
هيدخل معاها ويقول لها: أنا أعرف الواد ده، ويحكي. وهي أكيد هتفهم. نهر: لو دخل معاها، أنا اللي هدخل معاها وأسبق وأقول إنها عميلة في الفندق. إنه ما يعرفش إني أخذت صور من المجلات الموجودة بشنطتها، وما يعرفش إني بربط المواضيع ببعض. فهمت؟ إدوارد: لو هختار بينك وبين ماما، هختار ماما يا نهر. صحيح أنتِ بتغديني كل يوم، بس دي ماما.
نهر: وده يسعدني يا آدو. أنا بعمل كده لأنها اتعذبت كتير. أنت شفت جزء، لكن أنا معاها. ليه تتحرم من خير أهلها وتعيش هنا في فقر وقهر؟ عمر كبر، وأنا كمان حرام نجني عليها بقية حياتها. أنا قلبي بيوجعني وأنا سايباها لوحدها في البلد. مش عارفة إمتى يروح لها مصطفى يعكنن عليها أو يعايرها بمرضها، ويفرج الجيران عليها. عاملة نفسها قوية وهي بتشيل في قلبها علشان ما أزعلش. أنا أدري بها. إدوارد: وده يديك الحق إنك تقرر عنها؟
هي أمك، مش أنتِ. وبعدين يا نهر، هي أدري وأعرف بأهلها مننا. قرارها تكون وسطنا، مش وسطهم. السعادة مش بالفلوس وكثرتها، السعادة بناس حواليك. أنا فرحتي بوجودك أنتِ وماما، حتى لو بتجي عندي أيام قليلة في الشهر، أكبر من فرحتي بأني معايا فلوس وقاعدتي معاك على الفطار في المترو كل يوم، وأكل بيتي بأكله محسسني إني مهم عند حد، مش وحيد في الدنيا. بعدين، لو اتعرف عليها وأخذها، هنروح معاها أكيد. وأنا ما فكرتش فيا؟ هرجع لوحدي؟
نهر: تفضل لوحدك ليه؟ لو إنه سافر، يبقى أنت هتسافر معاها. وتعال هنا، هو إنت مش عارف إن عمر هنا؟ يعني علاقتنا بمصر عمرها ما هتنتهي. وعم أمجد وعمو محمود وتيزة انتصار وعبد الله، كل دول جذور لينا تخلينا مش ممكن نسيب مصر. ودراستي اللي لسة مكملتهاش. أهدى يا آدور، وادعي نعرف نضبط الدنيا. يلا، لأني هتأخر، وإنت روح ريح شوية. عدي عليا أربعة ونص قدام الدار، نروح مع بعض الفندق، مش حمل شعلقة في المواصلات.
عدى عليها آدو، وكانت في انتظاره أمام الدار. ركبت بجانبه. آدو: مش شايف معاك عمود الأكل ليه؟ نهر وهي تنظر له بجانب عينها: يمكن لأني سهرت أعمل اللوحات، وما كانش فيه وقت أعمل حاجة. أنا طالعة الساعة أربعة، رميت نفسي في تاكسي وجريت أغير. يا ابني، أنا بنهج لسة. آدو: يعني هنقعد على لحم بطننا النهاردة يا هانم؟ نهر: أنا لو كنت مراتك، ما كنتش هتعاملني كده. في إيه يا آدو؟
الراجل امبارح قال عاوز يدوق الأكل المصري. يعني هناكل لما نخرج. آدو: ودول هيقدروا على الأكل المصري؟ إنت مش شايف إنهم رجالة في سن الضياع دول؟ آخرهم شوية بليلة أو ذرة مشوي، وكمان نفرطه لهم. نهر: وممكن لما نروح خان الخليلي، نروح مصمت، وأخليهم ياكلوا عكاوي وملوخية، حاجة كده ترم عظمهم وترجعهم شباب. إدوارد: نهر، إنتِ ناوية على إيه بالضبط؟ الناس دي أمانة في رقبتنا. وليه خان الخليلي؟
نهر: واحد فيهم تاجر مجوهرات، وفي خان الخليلي شغل الفضة والذهب على أصوله، والمشغولات النحاسية والانتيكات، وأكيد ذوقه عالي يتفرج. كمان هناك فيه كذا ورشة أرابيسك وشغل خشب معشق في وكالة الغوري، وشغل صدف. وده هيعجب الراجل الثاني إن شاء الله، لإن عنده مصنع أبواب. ده غير كذا جامع أثري بأبوابهم تحفة. متأكدة هياخدوا صور للذكرى، خصوصاً زي ما فهمت زيارتهم الأولى لمصر. آدو: حلو. اللي يهمني بقي الأكل إمتى؟ نهر أخرجت من
حقيبتها موزتين وعيش فينو: اتسلى بدول وأسند بيهم نفسك على ما ربنا يفرجها. آدو: ليه بتعاملني على إني قرد؟ إيه هتغدي سندوتشات موز؟ نهر: اركن على جنب يا آدو. هدخل أجيب الناس من جوة. على ما تاكل، قلت لك سد جوعك شوية. وقلت هتصرف وندخل مصمت. إيه يا عم، هدي معدتك علينا شوية. بني آدم غريب، مخه في كرشه. دخلت نهر ورجعت بأربعة رجال. آدو: مش هما اتنين؟ نهر: واثنين بودي جارد. اطلع على الخان يلا.
قضوا جميعاً يوماً رائعاً، وسعد كل من ديمير وطاهر بكل شيء. لم يتخيلا أن يسعدا بتلك الطريقة، خصوصاً بكمية الشرح الرائع لنهر بكل ما يمرون به، والطعام التي أحسنت اختياره لهم، ولم يذوقا مثله قط (كوارع وملوخية وكبدة مشوية) . أوصلتهم لداخل الفندق، وأوصلهم البودي جارد لغرفهم. اتصل طاهر ببرهان أغا ليحكي له عن يومه وكم كان رائعاً في كل شيء، ودعاه إلى غرفته ليريه ما اشتراه من أشياء ومن صور التقطها، ونصحه أن ينضم إليهم.
طلب برهان من صديقه أن يعطيه رقم رينا، فقال إنها لم تعطِ أحد رقمها، بل اتفقوا أن يتقابلوا بصالة الاستقبال الواحدة ظهراً، أي بعد صلاة الجمعة. برهان: وإذا حصل أي شيء وأحببت تأجيل الميعاد. طاهر: ابعت رسالة على ماسنجر أو على تليفون آدو بالإنجليزية. برهان: إذاً، ابعث لها إن كانت متفرغة صباحاً لترافقني لمنطقة ما هنا بالقاهرة. طاهر: أي منطقة برهان؟ ولماذا؟ ماذا حدث معك اليوم صباحاً منذ أن جئت من الخارج، وأنا أرى توترك.
برهان: صباحاً مضيت على أوراق ملكية الأرض التي ستبنى بها المستشفى، لكنني لا أثق في رفيق أو معتز، هما جشعان للغاية. طاهر، لا أفهم حقاً كيف برمجوا رأس فيروزة وعمران، وقبلهم إيزل. طاهر: أنت لم تنسَ بعد أن معتز تزوج حفيدة رغماً عنك، لكني أظنهم سعداء. آغا إيزل لم تعد تلك البنت الصغيرة.
برهان: لم أرغم بذلك فقط يا طاهر، بل أرغمت أيضاً أن أشتري تلك الأرض لأبني مستشفى يكون مديرها ذلك التافه الحقير. أعلم أنها خطوة ليبعد بها حفيدتي عني، وبعدها يستولي على أموالها. لكن المصيبة الكبرى أن حفيدتي وابنتي وزوجتي مقتنعين أنه إنسان نظيف، وإني أتجنّى عليه، بل ويشجعونه. هو أصبح على يقين أن بوجوده بتركيا وعيشه معنا لن يحصل إلا على ما أريده أنا. لذلك، أدخل في رأس إيزل أنه تعب من السفر لهنا للاطمئنان على أخوته، خصوصاً بعدما استقر رفيق هنا وفتح شركة مقاولات.
طاهر: طالما أنك متأكد من أنه سيحاول الاستيلاء على ممتلكات إيزل، لماذا تنفذ له تلك المستشفى؟
برهان: حتى يعمل. طاهر، هو إلى الآن مجرد طبيب في المستشفيات. صهري أنا يعمل ليقبض مرتب آخر الشهر لا يكفي حتى مصروفه الشهري. أقنع إيزل أنه يريد أن يكبر، وسيشارك أخيه بعمل عيادة في حي مصري هنا، وسيضطر للإقامة هنا لفترة من الوقت. فما كان منها إلا أن ناقشت الفكرة مع فيروزة وعمران، الآتي أشارا عليها ببناء صرح يكون هو مديره ويعمل به ليكبر ويكون ذاته سريعاً. طاهر: لم يكن عليه أن ترضخ له من البداية وتزوجه إيزل.
برهان: لا تذكرني. فقط كسر ظهري عندما علمت أنه احتال عليها وأصبحت حامل منه. كانت أيام عصيبة. ماذا كان بيدي لأفعل؟ قلت أزوجها له قبل الفضيحة. طاهر: كنت ببساطة تنزل الطفل وتسجنه للاعتداء عليها. برهان: هي تحية حد الجنون، وكانت لن تخضع لما أقول.
لقد وقفت في وجهي وقالت: نريد أن نتزوج ونحب بعضنا البعض، لا تحرمنا من السعادة. المهم، أريد أن ترافقني تلك الفتاة إلى موقع الأرض. أراها بعيني، وأعرف المباني المحيطة بها وطبيعة المنطقة. سيبدأ العمل بالحفر في خلال هذا الشهر. طاهر: على بركة الله. برهان، لا تقلق، فأنت بيدك كل ممتلكات عائلة برهان، وستكشفه لها عاجلاً أو آجلاً. برهان: اتصل بتلك البنت لأرى الأرض غداً وأعرف بالتفصيل في أي منطقة سنبني ذلك الصرح.
اتصل بها طاهر ماسنجر، وأعلمها أن برهان أغا يريدها غداً باكراً. ردت نهر مباشرة لتسأل في أي وقت يريد، فسأل برهان ليقول السابعة صباحاً، فوافقت نهر. عندما نزل برهان للاستقبال، وجدها تجلس هناك. برهان: صباح الخير. نهر: صباح الخير. برهان: هيا، أنت معك سيارة، أليس كذلك؟ نهر: لم يقل لي طاهر بك أن يكون معي سيارة، لكن من الممكن أن آتي بفان التي نعمل عليها أنا وآدو. أعطني عشر دقائق أذهب إليه لأخذ المفتاح، فهو على وشك الانصراف.
أشار بيده أن تذهب، فذهبت وكانت أمامه في خلال عشر دقائق وهي تنهج وتقول: جاهزة، تفضل من هنا. ليمشِ بجانبه متجهاً لباب الخروج. برهان: لماذا لا يوجد لكِ سيارة خاصة؟ نهر: سعر السيارات هنا عالي، وأفضل استعمال الدراجة عندما أذهب للكلية. وصلا الميكروباص. نهر: تحب تركب في الأمام أم الخلف؟ برهان: أليست هذه وسيلة مواصلات جماعية هنا؟ نهر: نعم، هي كذلك، واشتراها آدو لتنزه بها السائحين، وبالطبع في العادة نختار عائلة أو مجموعة.
برهان فهمت. سأركب في الأمام. وصعد وركب بجانبها، وأخرج من جيبه ورقة ليقول لها: أريد أن أصل إلى هذا العنوان. أخذت نهر ثم قالت: القاهرة الجديدة، التجمع؟ برهان: ما به العنوان؟ نهر: أول مرة أذهب هناك. سأفتح GPS لأني لا أعرف الطريق. برهان: افعلي ما تريدين، لكن بسرعة. أود الرجوع سريعاً. بعد حوالي ساعة إلا الربع، وصلوا لخلو الشوارع، فاليوم الجمعة. نهر: دي أرض فاضية. برهان: هل أخبرتك أنها مبنية؟
هل تعرفين شيئاً عن تلك المنطقة؟ نسيت، أنتِ أول مرة تأتين إلى هنا.
نهر: منطقة التجمع من المناطق الجديدة، طبعاً. حضرتك شفت الزحمة الموجودة في وسط القاهرة. المنطقة هنا المفروض إنها راقية، اللي يسكن هنا لازم يكون عنده عربية، لأن عدد الأدوار محدد، ويغلب على المنطقة أنها إما فيلات أو كمبوند، أو بيعت أراضٍ لأهالي لعمل سكن خاص. المفروض إن فيه مشروع مونوريل هيتعمل هنا، وبدأوا فيه بالفعل. فيه مواصلات عامة، لكن قليلة ومش بتوصل لأماكن كثيرة. هنا أشهر منطقة في التجمع مدينة الرحاب، ودي مدينة
بمعنى الكلمة، لأن كل الخدمات موجودة بها، حتى الباصات الداخلية. وأيضاً عدد باصات للمناطق المختلفة في القاهرة، وكمية مولات كثيرة داخلها وخارجها. المستوى المعيشي هنا مرتفع، وزي ما حضرتك شفت، مش منطقة مستوية. معظم المباني هنا مبنية على مستويات مختلفة نتيجة ميل شديد في التربة.
برهان: بارك الله فيكِ. هذه الأرض، وصممنا مستشفى لها مدخل من الشارع الرئيسي، مرتفع عن الشارع الخلفي حوالي خمسة أمتار، لذلك صممت أن يكون المدخل الرئيسي على الأرضي، وما به من استقبال وعيادات خارجية وطوارئ، والخلفي على الجراجات. أمس أنهيت كل إجراءات الأرض، وسنبدأ قريباً في الحفر. نهر: هل ستنشأ مقر جديد للشركة في مصر؟ قصدك تنفذ المشروع؟
برهان: لا، لكن أفكر جدياً أن أشتري قطعتي أرض بالقرب من هنا لأنشأ عليهما قصرين، يصبحا بعد أن يأخذ الله أمانته لحفيدي. لذا، بما أني أرى أنك مجتهدة، أريد منك تقريراً كاملاً عن هذه المنطقة، طبيعة السكن بها وكثافته، متوسط عمر البنايات، وأقرب مستشفيات والخدمات، سعر الأرض من ثلاث سنوات إلى الآن، وحصر للأراضي القابلة للبيع ومتوسط الأسعار. باختصار، كل معلومة عن هنا. طبعاً لن تكوني مصدري الأوحد، سأقارن بين ما يأتيني.
نهر: لا أعتقد أني أستطيع فعل ذلك. لقد أخبرت عمي طاهر. برهان: عمك طاهر؟ نهر: نعم، سمح لي بأن أناديه عمي. المهم أني سأكون معه اليوم وغداً، واحتمال يوم الأحد. وقال إنكم ستنتهون من العمل والتنزه، وترجعون دياركم الاثنين ظهراً. وطبعاً سأكون في كليتي، فمستحيل أن أراكم. بعد ذلك، عندي أسبوع حافل من التسليمات لمشاريع وأبحاث، وبعدها امتحانات آخر العام. فمن أين لي الوقت للبحث والتحري عما تريد؟
لذلك أعتذر عن قبول هذه المهمة. أما موضوع أن أهتم بعملي لأجل المقارنة، فأنا لا أقبل بعمل إلا أن أنهيه بأحسن وجه. فلا داعي لترهيبني كي أدقق في عملي. والآن، هل تحب أن تأخذ جولة حول المكان لتتعرف أكثر عليه وما حوله؟ برهان: فكري في الأمر. أنا يدي سخية على من يتقن عمله.
نهر: فكرت. مهمتي الأساسية الدراسة، وعملي لا يجب أن يؤثر فيها بشكل كبير. لأنه يؤثر، لكن لن أسمح بأن يأخذ ولو ساعات في الأيام الأخيرة من العام، فهي مخصصة للتركيز في الدراسة. برهان: إذاً، فلنتجول حول المكان. بعد قليل. برهان: أين ستأخذين طاهر وديمير اليوم؟ رغم أن طاهر أخبرني بمدى تعبه من كثرة المشي، لكنه كان سعيداً للغاية.
نهر: إنهم شخصيات لطيفة، وأنا أحب التعامل مع رجال ناضجين عن التعامل مع الشباب. لكنهم ما شاء الله يتمتعون بحركة خفيفة وروح جميلة. فكرت أن نذهب لجامع السلطان حسن، وهو جامع أجمع كثير من الرحالة على جمال بنيانه وتناسقه. بالمناسبة، يرجح أنه من إبداع معماري سلجوقي، ولو إنه لم يكشف أو يعرف بعد عنه، لكن مرجح أنه كذلك. وهو من المساجد المحببة لنفسي، ودائماً صيفاً أو شتاءً الجو بداخله ممتاز. وبجانبه مسجد الرفاعي، ومدفون به كثير من الأسر الحاكمة العلوية وشاه إيران بعد نفيه، ويتميز بروعة التشطيبات وزخامتها. والإثنان قريبان من القلعة، وما أدراك ما القلعة؟
عدد مبانٍ أثرية ومتاحف غاية في الجمال والروعة. لا تنسَ أن تقول لمرشدك أن يرافقك لهناك. وأنصحك أن تصلي بمسجد سارية الجبل، وهو مسجد صغير نسبياً ملحق بمباني القلعة، به الكثير من السكينة، وبعيد عن مرمى نظر السائحين الزائرين للقلعة. برهان: أتعلمين أنكِ كثيرة الكلام؟ قلت جملة، لكنك شرحتِ لي كثيراً. أرجو منكِ الإجابة باختصار، لا استفاضة. إيه هيحصل بعد كده؟ ويا ترى طريقة كلام برهان أغا لنهر هتتغير ولا لأ؟ هنشوف في اللي جاي.
أسرار الماضي لبنت ناس ( بقلم / رينا الهادي )
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!