في تركيا، إسطنبول. رقية أرادت كوبًا من الماء، لم تجد سنيام بجانبها. اعتقدت أنها في حجرة المذاكرة، ففتحت الباب بهدوء لتذهب إلى المطبخ. لكنها تصنمت مكانها وهي تسمع سنيام في حجرة المعيشة.
سنيام: يا نهر، قلت لك كل شيء تحت السيطرة. هي نائمة الآن، وأنا فعلت كل ما قلتِ عليه. عملت نفسي أودع صديقتي في المطار وجبتها إلى هنا. طبعًا هي استريحت أما لاقتني جالسة لوحدي. لم أعرف أكلمك البارحة ولا اليوم، كنا جالسين نرغي. خفت تسمعيني أو تريني وأنا أكلمك.
نهر عبر المكبر: طيب، ابقي كلميني عندما يسمح لك الوقت. وأوعي تغيبي عن عينك. عرفيها كل شيء عن الموبايل وكيف تعمل بحث في جوجل، سيسهل عليها وعلينا كثيرًا الوصول لأهلها ونحن نستريح. سنيام: علمتها والله، بس طريقة كلامها وأسلوبها يقولان إنها بنت ناس من الطبقة المخملية، وممكن تعيشي في مستوى عالٍ قوي. ما أنتِ لازم تستفيدي أنتِ كمان. نهر: سنيام، أنا لا أفكر بطريقتك. سأغلق، هناك من يخبط، تقريبًا خالتي أم إبراهيم. سلام الآن.
سنيام: إيه، يجبها في الوقت هذا؟ الدنيا ليل؟ نهر: تلاقيها تطمئن عليّ قبل أن تنام. نحن العشاء لم يؤذن له من قليل. باي سنيام. رجعت رقية إلى الغرفة بسرعة، وفتحت الباب بصوت وأغلقتُه، ونادت على سنيام. رقية: سينام. سنيام: أيوة يا رووقة. رقية: رووقة، أنا اسمي عائشة جول، أنتِ نسيتِ ولا إيه؟ سنيام: إيه، لا، لا. مش مركزة بس. رقية بتضييق العينين لها: أنتِ تعرفين أحدًا من مصر؟ سنيام: مصر؟ لا، خالص. لِمَ تقولين هكذا؟
رقية: أبدًا، أصلي هناك سَمَّوني رقية، قلتُ يبقى تعرفين أحدًا هناك يعرفني. سنيام بتوتر: بجد، أنتِ كنتِ في مصر واسمك هناك رقية؟ رقية: سأحكي لكِ بعدين. كنت أريد أن أشرب وأنام. أنتِ عندك كلية بكرة، لِمَ صاحية إلى الآن؟ سنيام: لا، كنت أذاكر وتعبت، قلتُ أطلع أغير جو في الصالة. رقية: تغيري جو في الصالة؟ طيب، أنا سأشرب وأنام. سنيام: تصبحين على خير يا... رقية بسرعة: عائشة. أوعي تنسي، عائشة.
أخذت زجاجة من الماء وذهبت إلى الحجرة. رقية بتفكير: سنيام تكذب عليّ. وكانت جايه المطار لي، مش بتودع حد. وتعرف نهر اللي قالت إنها صديقتي؟ كيف يعني صديقتي؟ أنا عيلة، أنا المفروض فوق الأربعين وهي يا دوب سبعة عشر سنة.
وسينام تقول لها: "ستستفيدين لو أنا لقيت أهلي". واضح أنهم يستغلوني وأنا لا أتذكر شيئًا من الأربعة وعشرين سنة التي عشتها في مصر. أنا ما في حل أمامي إلا أني أجاري سينام، خصوصًا أنا بيتنا القديم هنا مش موجود أصلاً. سأصل إن شاء الله إليهم، بس بهدوء دون أن يعرف أحد عني شيئًا. الله أعلم، ممكن يكونون يريدون استغلال أهلي. الحمد لله ما قلت لأحد عن اسم عائلتي. ماشي يا نهر، أنتِ وسينام، سأرى أنا ولا أنتم. وأنا اللي حبيتهم ودخلوا قلبي، وخصوصًا اللي اسمها نهر دي. طيب، علاقة أمجد ومحمود إيه بهم؟
ولِمَ ساعدوني؟ ممكن يكونون شبكة نصابين دولية، وممكن يؤذوا بابا أو ماما. ما أنا لا أعرف، هما بقوا إيه ولا عايشين ولا لأ. لا، عائشة، عايشين إن شاء الله. أنا لازم أنام وأرتب أفكاري. نامي يا عائشة، وفوقي كدة، وأوعي تخلي أحد يستغلك. صباحًا، استيقظت سنيام ونزلت إلى الأسفل لتجد... صوت قوي يأتي من غرفة الألعاب. دخلت لتُرى رقية تُلكم كيسًا معلقًا بقوة، وينزل منها العرق غزيرًا من جميع جسدها. سنيام: بتعملي إيه؟
ومين جاب الكيس ده هنا؟ مش فاكرة إنه كان موجود. رقية: أنا جبته، وبأتدرب عليه. أصلي كنت واخدة حزام في الكاراتيه، وحسيت إني ما اتدربتش من زمان. سنيام: بجد! لِمَ يعني؟ زمان كنتم هوانم، أعرف كنتم تتعلمون رقص، تلعبون تنس، خيل، لكن كاراتيه وملاكمة مش لايق عليك.
رقية: والدي كان يخاف علينا ويحبنا جدًا. جاب لنا في البيت ناس تعلمنا قرآن ولغات، ومن وإحنا أربع سنين كنا نتعلم رياضة من أول ركوب عجل وخيل وسباحة. كبرنا شوية، اتعلمنا الفنون القتالية وإزاي أدافع عن نفسي، ودخلت مسابقات كمان. تفكيره كان: البنت تقدر تحمي نفسها بدينها، ثم أخلاقها، وأخيرًا ذكائها وقوتها، وخصوصًا في الزمن ده. لما قررت أدرس في الخارج، اعترض في الأول، لكن قال: "أنا ربيت وعلمت كويس"، ووافق في الآخر.
سنيام: طب، بتدربي دلوقتي لِمَ بالعنف ده؟ رقية: علشان أحمي نفسي برضه وقت اللزوم، وأدب اللي عاوز يتأدب لو احتاج الأمر. سنيام: مين اللي عاوز يتأدب؟ أنتِ بتخرجي قليل في النهار، والدنيا اتغيرت، فيه شرطة في كل مكان، وفي بلدك. رقية: يعني حد عاكسني أو كذب عليّ أو حب يخدعني. أنا مش بثق في أحد بسهولة. سنيام وهي تبلع ريقها: حد مين ده؟ ما فيش أحد بتتعاملي معاه غيري.
رقية: ما أنا هتعامل مع غيرك. ولو أنتِ بتخدعيني، صدقيني مش هرحمك، أصل أنا مش بسيب حقي. سنيام: وأنا هخدعك لِمَ؟ أعرفك قبل كده. أنا بساعدك بس، وبعدين أهو أنتِ شايفة ما فيش حد غيري هنا. قلتُ نتسلى مع بعض. ده حتى أنتِ في سن أمي. رقية باعتراض: أمي إيه! أنتِ عبيطة؟ ده أنتِ أطول مني. سنيام باضراب: أنا رايحة الجامعة. عاوزة حاجة؟ رقية: غيري وافطري، وخذيني معك. سنيام: آخدك فين؟ هتدخلي الجامعة إزاي؟
رقية: لا، أنا مش هدخل، هتفرج عليها من بره وأمشي في الشوارع شوية. أعرف إيه الجديد، ولما تخرجي هتلاقيني، نروح مع بعض. بس قولي هتخرجي إمتى. سنيام: هتتمشي لوحدك؟ رقية بإعادة كلام سينام: آه. فيه شرطة في كل مكان، وأنا في بلدي. وطبعًا أقدر أدافع عن نفسي، ومعي شوية فلوس. ممكن أشرب شاي أو قهوة أو سندويتش كفتة. هتعرف على البلد، ما تخافيش. أنتِ عرفتيني أستخدم الموبايل. لو حصل حاجة، هتصل بك.
سنيام: تمام. هعمل سندويتش وأطلع ألبس. أعمل لك معايا. رقية: أوك. هاخد شاور سريع، وهعمل شاي ليا ولك. وإنتِ اعملي السندوتشات. توجهت سينام إلى المطبخ، ورقيه تقول لنفسها: أنا كده اتأكدت إنك تعرفيني من قبل كده. واحدة تانية كانت طردتني أو على الأقل عاتبتني على إني هددتها. لكن تدافع عن نفسها كده؟ يا ترى أنتِ ونهر عاوزين مني إيه؟ هقعد معاكِ هنا في أمان على معرفة مكان أهلي.
خرجت رقية معها إلى الجامعة، وتركتها وذهبت تمشي في طرقات المدينة لتعرف ما بها. فتحت الموبايل ولعبت به لتعرف آخر الأخبار. لفت نظرها صورة لوالدها، وتحت الصورة خبر أن شركات برهان للتنمية العقارية تطلب مهندسين حديثي التخرج لمشروعاتها الجديدة، وأيضًا بمناسبة قرب مرور خمسة وثلاثين عامًا على إنشاء الشركة، وأن الشركة ستحتفل بالسنوية في مقرها الرئيسي بعد أسبوع.
بحثت عن عنوان الشركة وعرفتُه. ذهبت إلى الشركة وسألت الاستقبال، وعرفت أن أباها وأمها في دبي لافتتاح أحد مشروعاتهم هناك. قررت أن تفاجئهم وتستعد أن تلقاهم في العيد السنوي للشركة. خرجت من الشركة بسرعة وهي سعيدة، فقد أصبحت تعرف أن شركة أبيها أصبحت من أكبر الشركات التركية، ولها مشاريع في أنحاء العالم، وذلك بفضل أبيها وأمها، وبتأكيد أختها عمران الأكبر منها. وفوق كل ذلك، عرفت أين هم، وسهل عليها الآن أن تعرف أين يسكنون. جرت لتوقف تاكسي ترجع به إلى جامعة سينام.
لمحها سيد نديم الذي تصنم لبعض الوقت وهو يدخل إلى الشركة، وهي توقف تاكسي من أمام المبنى. توقف لثوانٍ وهو يقول: مين دي؟ حاسس إني شوفتها قبل كده. سأل الحارس أمام الباب: مين دي؟ الحارس: يا فندم، ناس كثير جايين يعملوا مقابلة شغل، أكيد منهم. نديم: منهم إزاي؟ هي مش شابة صغيرة حديثة التخرج؟ هي كانت فين؟ الحارس: يا فندم، هي وقفت بس عند الاستقبال شوية وخرجت. اتجه سيد نديم إلى الاستقبال. نديم: مساء الخير.
الموظفة: مساء الخير سيد نديم. الوفد لسه ما وصلش، ميعادهم بعد ساعة ونصف. نديم: عارف، وبأكد يطلعوا على الدور الثالث فور وصولهم، ومش عايز أي صحفي يطلع معاهم. لكن مش ده اللي عايز أسأل عنه. فيه سيدة خرجت من هنا من دقائق، هي مين وعاوزة إيه؟ الموظفة: يا فندم، اليوم كان مزدحم جدًا، صحفيين وناس بتقدم على وظائف، وطاقم الأمن الجديد. فمش عارفة حضرتك تقصد مين؟ نديم: ست عاملة شعرها كعكة، ولابسة بنطلون واسع وبلوزة روز، ووشاح رمادي.
عمران: ياااه! مين دي اللي بتوصف لبسها بدقة كده؟ نديم وهو يلتفت: مش عارف، بس حاسس إني شوفتها قبل كده، فجيت أسأل. عمران وهي تنظر للموظفة: مين دي وكانت جاية لِمَ؟ ارتبكت الموظفة وقالت: مش عارفة يا فندم. هي جت وقالت بثقة: "برهان أغا موجود حاليًا". رديت وأنا كنت مشغولة بترتيب الورق: "إنه هو وفيروزة هانم في دبي لافتتاح مشروع هناك". ردت وقالت: "شكرًا ومشيت".
عمران: وإنت أي حد يجي يسألك تجاوبيه من غير ما تسألي مين وبيسأل لِمَ؟ احمر وجه الموظفة بشدة، واخفضت وجهها أرضًا وهي تقول: "بعتذر يا فندم، آسفة جدًا. أنا كنت لسه هسألها، لكن هي اتجهت للباب وخرجت بسرعة. أكيد حضرتك هتيجي ثاني، هي ما راحتش أي مكان. دخلت وخرجت في دقائق." عمران بغضب: وده شايفاه عذر؟ مخصوم منك يومين. ده إهمال في وظيفتك، والمرة الجاية رفد. ده مش محل بقالة. نديم بابتسامة للموظفة: شوفي شغلك. ووضع يده في يد
عمران وهو يقول بصوت هادئ: ليه العصبية دي كلها؟ البنت مشغولة بمليون حاجة، ودي ست بتسأل على برهان بيه، ممكن تكون من الناس اللي بيساعدهم. ومعظم تركيا عارفة أن برهان آغا بيفتتح أكبر مستشفى في دبي، مش سر يعني. هي ما قالتش سر. دخلوا المصعد.
عمران وهي تنظر إليه بتعجب: فعلاً مش سر. السر إنك مهما لبست مش بتعرف أنا لبست إيه جديد، لكن أنت جاي تسأل عن ست شوفتها خارجة من هنا ووصفِت حتى تسريحة شعرها ولبسها. يا نديم بيه، فكنت عاوزة أعرف مين اللي لفتت انتباهك للدرجة دي؟ نديم: أنتِ بتشكين فيا يا عمران؟ عمران وقد اتضح لها أنها أخطأت بالكلام: لا، أبدًا حبيبي، لكن استغربت. أنت حياتك التصميم والإبداع والشغل، فغريبة تهتم بست.
نديم: سبب اهتمامي إني متأكد إني شوفتها قبل كده. حتى الألوان وطريقة اللبس مش غريبة عليا. الرمادي والروز والوشاح ورفعة الشعر لفوق كعكة. عمران: الاستايل ده يخص عائشة جول. وعلى الرغم إنها ماتت من سنين، لكن لسه ساكنة قلبك يا نديم، ومصر تجرح فيا حتى بعد أكثر من عشرين سنة.
نديم بتنهيدة: قلتي بنفسك ماتت من سنين. وأنا لما اتجوزتك ما حدش جبرني. اتجوزتك بكامل إرادتي. فمن فضلك بلاش تفتحي في جروح ليا ولكِ، وتعذبينا بيها. عن إذنك، ورانا شغل كثير لازم نجهز له. ذهب نديم إلى مكتبه
وهو يفكر في كلام عمران: نعم، هو نفس طريقة لبس وتسريحة عائشة. ليس ذلك فقط، بل نفس الطول والمشية والشبه. لكن تلك اللي رأيتها مطفية الوجه، أكبر سنًا. ربما أحد أقاربه برهان آغا، لأنها تبدو أكبر سنًا من عمران. وعمران كانت أكبر من عائشة. أمسك رأسه بين كفيه وهو يقول: ركز يا نديم، عندك اجتماع مهم، وبرهان آغا معتمد عليك، وأنت تعبت جدًا في المشروع ده. أكثر من سنة بتحضر له. ركز في شغلك اللي بتعشقه، طلع مجهودك فيه.
عند جامعة سينام. سنيام: كنتِ فين كل ده؟ قلقت عليك جدًا. أنتِ ناوية تجيب لي سكتة. عائشة وهي تضحك: عفواً منك، أنا مش صغيرة علشان تقلقي عليّ. نظرت إليها سينام بضيق وهي تقول: أنتِ شايفة كده؟ أنتِ ما تعرفيش حاجة هنا من أكثر من عشرين سنة، زي ما قلتي. عائشة بنظرة متفحصة: أنا قلت لك كده. سنيام: أيوة، هعرف منين يعني؟
عائشة: أنا مش ناوية أزعلك النهارده، لأني مبسوطة قوي. ومعلش يا حبيبتي، أنا بقيت أنسى كثير. السبب إني عرفت أهلي فين، لهم شركة هنا. والسنوية بتاع الشركة كمان عشر أيام، ونويت أفاجئهم. سنيام: أنتِ كويسة يا عائشة؟ إيه يخليكِ تستني لما عرفتي مكانهم؟ ما رحتيش لهم على طول لِمَ؟ أنتِ مش مشتاقة لهم؟ عائشة باستغراب: كنتِ عاوزاني أروح لهم على طول من غير ما أقول لك وأتناقش معاك؟
سنيام: ما أنتِ ممكن تقولي لي بعد ما تطمنينهم وتطمئني عليهم. هو إحنا هنروح من بعض فين يعني؟ عائشة: عاوزة أظبط نفسي، عاوزاهم يشوفوني بأحسن شكل، مش مبهدلة كده. سنيام: على العموم، مبروك إنك لقيتيهم، فرحت لك. ومن ناحية إنك تظبطي نفسك، أنا أعرف بيوتي سنتر كويس، وأماكن نجيب منها لبس كويس جدًا. وما تشيليش هم الفلوس. وممكن أبقى أروح معاك لو تحبي. عائشة: هتسلفيني يعني؟
سنيام: زي ما أنتِ عاوزة. ولو إني أفضل تعتبريهم هدية صداقة بينا، زي ما شفتي مستوايا المادي كويس، ومعي مبلغ كويس في البنك. من بكرة بعد الجامعة، أنزل معاكِ ونظبط، ما دام فاضل عشر أيام. عائشة في نفسها: إيه ده؟ غريبة. عاوزة تديني؟ وكمان كانت عاوزاني أروح لأهلي من غير ما أعرف. هي إيه بالضبط؟ عاوزة مصلحتي ولا متفقة مع نهر عليا؟
كله هيبان. وبرضه هحرص. أنا قلت هقابل أهلي كمان عشر أيام، والحقيقة كمان أسبوع، لأني أكيد هروح لوحدي.
مر ذلك الأسبوع في التسوق والعناية ببشرة وشعر رقية، والمرح واللعب والتمارين الرياضية، واستعداد رقية لليوم المنتظر. في يوم الحفلة، استعدت رقية، وسقت سينام منوم قوي قبل أن تجهز. أرادت أن تذهب بمفردها، فهي لا تريد أن تسبب أي مشاكل محتملة لأبيها. رغم إنها استراحت لسينام، لكن عقلها يأبى أن يصدق أن نية سينام جيدة. فلماذا تكذب عليها وتكلم نهر وتعطي لها تقريرًا يوميًا عنها، غير الفيديوهات التي تبعثها لنهر؟
فعائشة أو رقية لم تفهم طبيعة العلاقة بين بنت مصرية بمستوى متواضع مع بنت تركية بمستوى عالٍ. بعد أن نامت سينام، لبست عائشة وأخذت مفتاح السيارة الخاصة بسينام، واستعدت للخروج. قبل أن تفتح باب البيت، تفاجأت بمن يدخل، وكان أبو سينام. الرجل: مين أنتِ وبتعملي إيه هنا؟ وفين سينام؟ تفاجأت عائشة جول بهذا الرجل وهو يصرخ بها: قولتِ أنتِ مين وفين سينام؟ عائشة: اسمي عائشة جول، وسينام نائمة فوق في غرفتها. الرجل: قدامي أشوف بعيني.
عائشة: يعني إيه؟ عاوز تدخل تشوف صاحبتي وهي نائمة؟ لِمَ؟ أنتِ أصلاً مين ومعاك مفتاح البيت لِمَ؟ اسمع، أنا بعرف كاراتيه وملاكمة كمان، وأقدر أدافع عن نفسي وعنها. فاهم؟ وممكن أبلغ عنك الشرطة. الرجل
وهو ينظر للسلم وليس لها: أنا أبقى أبوها. ولو صاحبتها، أكيد هتكوني عارفة أنا إيه وكنت بشتغل إيه وأنا إيه دلوقتي. بنتي كانت عايشة لوحدها ولم تستأذن أن أحد يكون معاها. وطبعًا مش هسيبك غير ما أطمئن على بنتي. اتفضلي اطلعي قدامي بدل ما أنا أطلب الشرطة. يا مدام، إيه رأيك؟ عائشة: ممكن بطاقة تعريف شخصية؟ مش معنى إنك معاك مفتاح البيت تكون باباها، وتسمح لي تروح لها.
الرجل بدهشة: أنا هروح لها أطمئن عليها لأني شاكك فيكِ، وعشان ما تهربيش. وأنا اللي أقول. وريني إثبات شخصية، فاهمة؟ قدامي، لأن صبري خلص. تحركت من أمامه باتجاه حجرة سينام. فتحت الباب لتقول: اتفضل، نايمة أهي. دخل الحجرة وحاول إيقاظها، لكنها لم تستيقظ. نظر لعائشة باستفهام وقال: مالها؟ عائشة بارتباك: واخدة منوم. الرجل باستفهام: واخدة إيه؟
طبعًا مش هي اللي أخدته. بنتي ممنوع تاخد منوم أو مهدئ، ومش هتعمل كده من نفسها. أنتِ عطيتيه لها لِمَ؟ وأقسم بالله لو كذبتي لأكون حابسك. ما تعرفي تخرجي منها. أنا ما عنديش غيرها، وما عنديش استعداد أبدًا أخسرها. (أطلق صرخة قوية لعائشة وأمسك ذراعها بعنف يضغط عليهما) انطقي. عائشة وقد تجمعت الدموع بعينها لتنفجر على وجنتيها: لا، أرجوك! كلّه إلا اليوم! تعالي معايا، لكن اتحبس اليوم ده؟ لا، أنا مستنية اليوم ده كتير قوي. أرجوك.
الرجل وهو يدفعها بعنف للخارج: أحكي لي الأول، وأشوف هتصرف معاكِ إزاي.
عائشة باختصار: أنا تركية، سافرت بالخارج، وحصلت حادثة لي في بداية التسعينات. مش فاكرة أي شيء بعد الحادثة. أنا قمت من أسبوعين تقريبًا. عرفت إننا في أكتوبر 2014، وإني متزوجة بآدمي أقل شيء يتقال عليه همجي. ضربني وفتح دماغي. مش فكراه أصلًا، وليا منه ابن. أنا كنت 19 سنة لما عملت الحادثة. فيه بنت ساعدتني عشان آجي هنا تركيا. لما وصلت المطار، بنتك قابلتني. قالت كانت بتوصل صديقة لها، وأصرت ترافقني وتكون معايا. أول حاجة عملتها،
رحت بيتنا. لكن ما كانش موجود أصلًا، كان مبنى تاني خالص. قررت أحجز في فندق، لكن سينام قالت إنها عايشة لوحدها، ونسلّي بعض على ما ألاقي أهلي، وأن الوصول لهم سهل بعد تطور التكنولوجيا. وعلمتني إزاي أعمل بحث في جوجل وأعمل إيميل وفيس. كنت مرتاحة لها جدًا، بس اكتشفت صدفة إنها بتراسل وتتكلم مع البنت اللي ساعدتني، وعرفت إنها كانت مستنياني في المطار. بعدها عرفت مكان أهلي، فقولت لها. وكانت صدمة ليا لما بنتك أعطتني مال أتسوق
وأروح بيوتي سنتر. اهتمت بيا جدًا، وبتتواصل مع البنت الثانية باستمرار، وتحكي لها كل نفس ليا، وتكذب عليا. فهمتها إني هقابل أهلي بعد يومين، وأنا رايحة أقابلهم اليوم. خفت من سينام والبنت لِمَ يكذبوا عليا؟
سايبة ورقة جنبها إني هرجع لها كل مالها، وإني روحت لأهلي. مش عاوزة حد يستغل أهلي في شيء، مش بعد أكثر من عشرين سنة أسبب لهم أي مشاكل. أنا رحت شركة والدي، لكن كان مسافر. والذكرى السنوية للشركة هيكون موجود، هفاجئه هو وأمي وأختي. أعطيت لسينام حبوب تنام، وأروح. مش قصدي أبدًا أؤذيها. الرجل: اسم البنت اللي ساعدتك وبتكلمها سينام إيه؟ عائشة: اسمها نهر. الرجل بابتسامة: فعلًا، دي صاحبة بنتي الوحيدة. يبقي أنتِ رقية، صح؟
عائشة: عائشة، مش رقية. رقية دي أول مرة أسمعه من أقل من شهر. أنت تعرفها، نهر دي؟ الرجل وهو يمد يده ليصافحها: إيمري، اسمي إيمري. وأيوة أعرف نهر، وكلمتها مرتين أو ثلاثة. بنت طيبة وذكية، وساعدت بنتي كثير جدًا وأنقذتها من الموت. بيكذبوا عليكِ لِمَ؟ معرفش. لكن هساعدك. عائشة: تساعدني إزاي؟ إيمري: هتدخلي الحفلة إزاي؟ عائشة: هروح مقر الشركة وأدخل. إيمري بضحكة: أنتِ فعلًا جاية من الماضي. حتى الماضي كان لازم تدخلي بدعوة.
عائشة: أدخل بدعوة شركة والدي؟ إيمري: حد يعرف إنك بنته؟ بتقولي من أكثر من عشرين سنة يا عائشة هانم. أكيد، حتى لو حد كان يعرفك، السنين بتغير الشكل. عائشة: أنا نفسي ما عرفتش نفسي لما بصيت في المراية. عندك حق. هندخل إزاي؟ إيمري: أنا كنت شغال في الجيش، استقلت، لكن ليا علاقاتي ووزني في السوق. أنا رجل أعمال دلوقتي، عندي أكبر شركة لتوريد واستيراد الأجهزة الطبية. وأقدر أتصرف. أنتِ رايحة فين بالضبط؟
عائشة: شركة برهان للاستثمار العقاري. إيمري: ما فيش داعي أصلًا أتصرف. أنا مدعو للحفل ده. أنا جاي أحضر الحفلة، وقولت أعدي على سينام. لكن الحارس بره قال إن معاها ست كبيرة. صراحة، افتكرتك والدته سينام، واتعصبت، لكن اتفاجأت لما شوفتك. عائشة: بسرعة حضرتك كده، الحفلة بدأت من بدري، نلحق بقى إن شاء الله آخر الحفلة.
إيمري: لا، ما تقلقيش، الحفلة تبدأ بعدها بكثير. يدخل أصحاب المكان يلقوا كلمة ويكملوا الحفل. اتفضلي، بس هأنبه عليك، الشركة من أكبر وأشهر شركات تركيا، هيكون فيه صحافة ورجال أعمال. أفضل تتصرفي بهدوء، وهحاول معاكِ ما يحصلش مشكلة. مبروك مقدمًا رجوعك لأهلك. عائشة: شكرًا ليك عمو. إيمري وقد قهقه عالياً: عمو! عمو! اتفضلي يا بنتي، الفرق بينا ممكن يكون سنين قليلة، لو ما كنتيش أكبر مني.
عائشة بغيظ: سوري، لسه مش مقتنعة إني كبرت كده، وسينام أعطيت ليا إحساس إني صديقتها. إيمري بتفهم: مش قصدي أضايقك، لكن استفزني لقب عمو، وأنت فوق الأربعين أعتقد. عائشة بحنق وبالعربية: داهية في شكلك، غليظ. إيمري: غالبًا بتشتمي لأنك بتتكلمي غير التركية، ومش عاوزاني أعرف. عائشة: أنا أشتم؟ لأ، أبدًا، ده أنا مؤدبة. إيمري بتريقة: اتفضلي على العربية يا مؤدبة، وما تتكلميش بغير التركي أو الإيطالي أو الإنجليزي عشان أفهم.
تقدمت عائشة إلى العربة لتقف عند الباب، ويأتي إيمري يفتح لها الباب لتدخل، ويغلق خلفها، ويذهب إلى مقعد السائق. بعد دخوله السيارة... عائشة: شكرًا، لكن لِمَ لا يوجد سائق لك؟ إيمري: بحب أسوق لوحدي. عندك مانع؟ عائشة: لا، آسفة. إيمري: هندخل مع بعض كأنك معي، ومش هتغيبي عن عيني لغاية ما توصلي لأهلك. بلاش أي حركات طفولية هناك. هأطمئن عليكِ إنك رجعتي لأهلك، وهرجع لسينام. عائشة: أنا مش طفلة. وإيه طمئنين عليكي دي؟
كنتِ تعرفيني قبل كده؟ ثم من يوم ما فتحت عيني في المستشفى، كل الناس طيبة وعاوزة تساعدني. مش غريبة؟ الدنيا بقى فيها خير كثير. الأول نهر، وبعدين سيد أمجد ومحمود، وسينام، وإنت هتوصلني لأهلي. مش غريبة. إيمري: حظك حلو. جايز كنتِ طيبة، أو والديك عملوا أعمال صالحة. هنشوف، كله هيبان بعدين. اللي متأكد منه، إن سينام ونهر بنات كويسة وطيبة. بنتي مش بتعرف تأذي حتى نملة، فأكيد مش هتأذيك.
بعد مدة، وصلوا لمقر الشركة. كانت الحديقة المحيطة مزينة، ومرتب بها الكثير من المناضد. توجهوا لداخل المقر ليجد الحارس يقول: اسم حضرتك. ويعطيه إيمري الدعوة، ويدخل بصحبة رقية، التي سمعت صوت أبيها يتكلم على المنصة. يا ترى هيحصل إيه؟ نشوف في الفصل الجاي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!