الفصل 52 | من 57 فصل

رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم رينا الهادي

المشاهدات
22
كلمة
8,210
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

محاولات مضنية (٥٢)

إنتهي الفرح بعد ساعتين تقريبا من بدايته. لتتجه بعدها علياء وعروسه لعربية مزينة، تتجه إلي مطار القاهرة ومنها إلي شرم. بينما اتجه كلا من رضا ومحمود إلي سيارة محمود، وراء علي. أما رقية ونهر وانتصار وأولاد رضا ومحمود وعمر، اتجهوا لبيت رقية. ليأتي كلامنهم بشنطة سفر ويركبوا جميعا ميكوباص يتجه أيضا لمطار القاهرة. بعد أن استأذن عمر أباه أن يذهب معهم وبالطبع وافق، لكنه رآهم في الطريق. وعرف أن البيت القديم تم بناؤه من جديد، وكانت صدمة ثقيلة عليه. كاد يخرج من العربة غاضبا، لكن محمد أمسكه.

"ناوي على إيه؟ نازل هنا ليه؟ "إنت مش شايف اللي أنا شايفه؟ البيت ده اتبنى امتى؟ وإبن الكلب عمر ما قاليش ليه؟ سنته سودا هو والنصاب اللي كان شاري البيت." "نصاب ليه؟

لو تقصد الفلوس اللي كنت مديها له عشان يهد البيت، هو عمل اللي إنت طلبته. إنت ما اتفقتش معاه إنه ما يبيعش الأرض لنهر. ثم إنت ما حدش جه البلد هنا من فترة، وأنا عرفت إن نهر بنته من غير ما رقية نفسها تعرف، كانت عاملاها مفاجأة لأمها. على حكي ليا، وكمان قالي إن عمر اتفاجئ لما جه المرة دي بس. فاكر إنك عارف. بلاش تبوظ علينا فرحتنا وتعمل مشاكل. عشان خاطري وخاطر علي، أبوس رجلك عدّي اليوم ده على خير."

كانت تركب العربة مع مصطفى ومحمد الحاجة وعزيزة. "يعني البت نهر دي اشترت الأرض وبنتها وعملت عمرة، هي وأمها وعمر واتفسحوا في تركيا، ودلوقتي رايحين يكملوا في شرم. ليه بتقبض كام عشان يكون معاها ده كله؟ ولا عرفت مكان أهل أمها وبتستغفلنا؟

"اخرسي يا عزيزة. وإنت عاملة زي وابور الجاز، أهل رقية يشتروا البلد مش حتة أرض ما تكملش قيراط. ونهر ربنا يبارك فيها شاطرة من صغرها وبتجري على أكل عيشها. فوفري كلامك، خلي الليلة تعدي على خير. إمشي يا مصطفى يلا، مستني إيه؟ مشي مصطفى وهو في قمة غضبه، وقرر الاعتماد على عزيزة لتفكر معه في كسر فرحتهم بعيدا عن محمد.

قضوا أسبوعا بشرم ورجع علي مع عروسته إلي ألمانيا، بينما محمود طلب من رضا أن ترجع مع القاهرة على الأقل أسبوع، وبعدها سيوصلها إلي البلد. وعندما استأذنت رقية بذلك، سمحت لها بفرحة لأنها أخيرا اطمأنت عليها ورأت الفرحة أخيرا على وجهها. في القاهرة بعد حوالي شهر "هجنن يا طاهر، يعني إيه ملهاش أثر؟

مش موجودة في جامعة القاهرة أو عين شمس أو الكليات الخاصة حتى فنون جميلة عمارة. أنا متأكد إنها في كلية في القاهرة. أنا حتى شفت كل صور البنات في ثانية وثالثة ورابعة." "إنت متأكد إن الولد اللي اسمه إدوارد ده ما يعرفش عنها حاجة؟ "مفيش حاجة متأكد منها. لكن الغبي قال إنه ألغى الخط اللي كان باسمه ليها. مش فاهم ليه اشترى الخط من الأول باسمه. ووعد إنه لو عرف عنها حاجة هيقولي، لأنه محتاج مبلغ كويس عشان يتجوز."

"معتقدش إنه هيبيع رينا عشان مبلغ. اللي فهمته إنهم مش بس كانوا بيشتغلوا مع بعض، دول زي الإخوات." "أنا مكلف له مراقبة عليه وعلى تليفونه كمان. لو قابلها أو اتصلوا ببعض المفروض أعرف." "ممكن ندور في الجوازات للمملكة السعودية في الفترة اللي كنت فيها في عمرة في أسماء المعتمرين."

"رغم إنه كان صعب، لكن قدرت أحصل على قائمة بأسماء اللي وصلوا مصر في الفترة دي. وبرضو ما لقيتش اسم رينا. وطلبت صور للسيدات والبنات وما لقيتش حاجة. حتى مواصفاتها وصورها لما كنا أول مرة هنا، أعطيتها لناس يدوروا عليها في الأماكن السياحية والفنادق، مفيش حد عرف عنها حاجة." "طيب مش إنت كنت بتبعت لها أتعاب شغلها معاك؟ أكيد فيه معاك اسم للتحويل."

"كنت ببعت باسم إدوارد، وهو ده اللي معايا اسمه وبياناته. هي إقنعتني بكده في أول مرة وقالت إنه شخص أمين. وبعد كده قالت مش مشكلة تبعت عليه لأن شغله قريب من البنوك." "برضه نلف ونرجع لإدوارد. تفتكر واحد بتآمنه في فلوس، وكلنا شوفنا مش بتحب تتحرك غير بيه. ولما حكيت لي لما جيت مصر إنت وإيمري برضو كانت معتمدة عليه، مش طبيعي يكون مش عارف مكانها أو كليتها. زيد على ده خط تليفونها كان باسمه. الولد ده بيخبي علينا."

"عارف كل ده يا طاهر. عشان كده كل تحركاته عليها مراقبة. حتى خصوصياته بقيت عارفها. البنت اللي هيتجوزها بنت مش كويسة، سابته ورجعت له تاني غالبا عشان عرفت إن ممكن يجيله فلوس مننا. وبتسحب منه فلوس كتير جدا وأقرب يفلس. وبيشتغل ليل نهار ومفيش وقت يريح فيه أو يقابل حد." "طيب هنفضل هنا كتير؟ أنا اشتقت لأولادي وتركيا. وإحنا مفيش أي تقدم عملناه من يوم ما جينا مصر." "هنرجع خلاص. أنا كمان تعبت وفيروزة كل يوم تكلمني، ليه أنا هنا؟

"مش قولت سينام بنت إيمري كانت بتكلمها؟ مش ممكن تعرف أي وسيلة للاتصال بها؟

"كانت بتكلمها وتكلم إيمري ماسنجر. وزي ما إنت عارف، أغلقت حسابها وتليفونها. غير آدم كانت صديقة له على الفيس. ولما سألته تعرف حد مصري يساعدني لما أسافر مصر، قالي فيه بنت مصرية يعرفها من سنين لكن مش بتدخل على حسابها من فترة. ولما قلت له يوريني أي شات بينهم عشان أقدر أدخل أشوف أي بيانات لها، اتفاجأت إنه نفس حسابها اللي معانا وكنا بنتكلم منه ماسنجر." "هي تعرف آدم؟

"من قبل ما نشوفها أول مرة في مصر. وهي اللي قالت لي من أول مرة شوفتها. وأنا قلت لك إنها مش طبيعية. وعرفت إنها سألت آدم إذا له خال أو خالة. وآدم قالها لأ، لأنه هو نفسه ما يعرفش إذا كان لأمه أخت. زي ما إنت عارف، بعد خبر موت عائشة فيروزة انهارت ودخلت فترة المستشفى. ما خرجتش منها إلا على جواز عمران من نديم. والأطباء قالوا بلاش أي توتر. عشان كده كل الصور اللي فيها عائشة جمعتها عندي في مكتبي بالبيت أو الشركة. وما فيش حد يعرف عن الصور دي شيء. وآدم وأيزل جم بعد كده، ومش بنجيب سيرة قدامهم عن عائشة أبدا لخاطر فيروزة. يعني تعاملنا كان إن عائشة ما كانتش موجودة أصلا. إنت لأنك من زمان صديقي وأخويا ومربي معايا بناتي، عارف بعائشة."

"طيب يا برهان، دلوقتي اللي فهمته إن رينا اختفت لأنك خلفت وعدك معاها إنك تديها تفسير عن معرفتك بأمها. غير إنك وآدم أكدتوا لها إن عائشة مش بنتك، وهي أكيد اختفت خوفا على أمها. أمها بقى إنت ليه اتعاملت معاها بالجفاء ده؟ ويعني إيه مش عارف هي بنتك ولا لأ."

رجع برهان رأسه للخلف بتعب: "أنا كنت متفاجئ من الصور اللي شفتها مع رينا. اتهزيت من جوايا لما شفت شكلها بعد سنين. وأنا عارف إن السنين بتغير الشكل، لكن يا طاهر مش بالدرجة دي. شكل شبح مش بني آدمة. شكلها أكبر من فيروزة. شعر أبيض من طرف حجابها، كذا شعرة من الحجاب لكن واضحين. عيون ذابلة، بشرة باين عليها الإجهاد والتعب، وكرشة السنين. إيدها وارمة شوية وجسمها هزيل. لون عينها بس هو نفس لون عين بنتي. بنتي مش ممكن تسيبني السنين

دي كلها في ألمي وتبعد عني ويكون عندي أحفاد من غير ما أعرف. ما أقدرتش أتحكم في نفسي من غضب. ناديت بصوت عالي عليها وأنا بقول عائشة. جيت، بصت لي وقفت قدامي. مش فاكر قد إيه، لكن وقفنا قدام بعض فترة. نظراتها كانت غريبة. كانت واقفة قدامي صنم من غير ما يتحرك فيها عضلة. معرفش متفاجئة أو مصدومة. عينها اتحولت لعيون زجاج من كتر الدموع المحبوسة. فوقت من سرحاني فيها، وغضبت من شكلها وهيئتها. مش لو كانت عائشة كانت اترميت في حضني،

صح يا طاهر؟

لاقيتني بقول عاملة إيه. عائشة جاوبت بتوهان: الحمد لله. نظرت لها باستهزاء وقلت: مش بطالة أبدا. فيك شبه من لون بشرة بنتي وعيونها، لكن إنت مش بنتي، فالأحسن لك تبعد عني وبلاش ألاعيبك الرخيصة. ما أعرفش ولا عاوز أعرف إنت عرفتي منين حكاية عائشة، لكن تبعدي بدل ما يتأذى بسببك بنتك وإبنك." نظرت لي مطولا وقالت: "تقصد إيه يا آغا باللعب؟ ليستطرد برهان ويقول: "لو كانت بنتي هتقول برهاني مش آغا."

كان طاهر يستمع إليه للمرة التي لا يعرف عددها عن مقابلته بأم رينا، وهو منصت. هو آتٍ إلى مصر معه كي يراها، فقد كانت في معزة ابنته وكي يقف بجانب صديق عمره. "اهدأ يا برهان. إنت مش محتاج تبرر لي ليه عاملتها بجمود؟

أنا عارف إنت عانيت إزاي وقت ما نديم قال لك إنها عايشة وبتتعذب مع زوج ظالم وانهارت آمالك لما ما عرفتش توصل لحاجة. لكن مستغرب إنك تهدد ست بأولادها لو قربوا منك. وكمان مستغرب إننا لغاية دلوقتي وبعد حوالي ثلاث سنوات من معرفتنا برينا، ما نعرفش اسمها الحقيقي أو أي شيء عنها."

"صدمتي كانت قوية. لما مرت الأيام من غير ما تظهر رينا أو تكلمني. أيوة هي زعلت، بس توقعت هوصل لها بسهولة زي الأول. لكن إن تليفونها وجميع حساباتها تقفلها، ما تخيلتش كده."

"هي من الواضح إنها اتربت بطريقة خاصة. تتحمل مسؤولية نفسها. عندها إمكانية العمل في أكتر من مجال. من الآخر هي ذكية ومجتهدة وعندها ثقة وطولة بال للكفاح. ولا إنها تحتاج لحد. بدليل لم تحاول الاتصال بك لأنها لا تريد غير سعادة أمها. وهذا إحساسي بها من الأول. وأكيد هي عرفت إننا هنسأل عليها ولا تريد الظهور. فنرجع تركيا أفضل لأنها غاضبة منك." "هنرجع. فلأول مرة لا أعرف ماذا أريد." بعد عدة أيام

كان برهان بقصره يحتضن آسيل ويشاهدون معا فيلم كارتون لتدخل فيروزة. "مش ملاحظ يا آغا إنك بعيد عن الكل؟ حتى شركتك." "خلاص فيروزة، الصحة ما بقتش زي الأول. وغالبا مش هقدر أروح الشركة تاني. ممكن أتابع بعض الأمور من هنا. أنا عديت السبعين بكتير." "اخرجي برا يا آسيل، هتكلم مع جدو." "برهان

وهو يحتضنها أكثر: فيروزة مش عاوزاها تخرج من حضني. ومن فضلك اتركينا نكمل الفيلم. وإنت وعمران وآدم اهتموا بالشركة. ويا ريت كمان تدرسوا إمكانية فتح فرع لنا في مصر." انتفضت فيروزة من مكانها وهي تقول: "عندنا فروع في الإمارات وأمريكا وإنجلترا. ليه نفتح في مصر؟ الأوضاع الحالية ما تسمحش بفتح أي فرع بأي مكان. حتى العمل لسه ما رجعش مثل قبل. المشاريع معظمها انتهت على الورق فقط لعدم استقرار الأوضاع في جميع الدول."

"أنا حاسس بقرب أجلي. وأكيد مش في القاهرة. هتقول لإيزل ومنها لمعاذ. يعني احتمال معاذ يعيش في مصر بعد فترة. فممكن الشركة تبقى حجة وسبب وجيه إنكم تتابعوا إيزل لو استقرت هناك. مش بقول تعيشوا هناك، لكن على الأقل تتابعوا وتشوفوا بعض كل فترة. عموما، أنا اشتريت فعلا مبنى إداري كان لسه خلصان تشطيبات قريب من المستشفى."

"علشان كده كنت في مصر الفترة اللي فاتت. برهان أول مرة من يوم جوازنا تكون بعيد عني فترة طويلة. وبعد ما جيت دايما بالك مشغول ومش معانا. ديما واخد جنب منا ووقتك كله مع آسيل. للدرجة دي زعلان مننا؟ إحنا كمان زعلانين. عمرنا ما كنا متفرقين وإنت ديما بتجمعنا حواليك. وإنت وافقت على رجوع إيزل لمعاذ ليه؟ لسة شايل في قلبك وبعدنا عنك؟ "أنا موجود وسطكم. لكن خلاص كبرت وتعبت ومحتاج راحة." "من إمتى بتحب الراحة؟

لو كنت من محبي الراحة ما كانش ده بقي حالنا. من أكبر شركات تركيا في عالم الهندسة والمقاولات." "سيبني يا فيروزة. إنت ما تعرفيش اللي بيا. أرجوك مش محتاج غير الهدوء والسكينة وأقرب من ربنا. جايز يريح بالي. وأنا واثق فيكم، هتقدروا تشيلوا الشركة. من فضلك."

خرجت فيروزة، وبعدها نزلت دمعة من عين برهان وهو يفكر ماذا سيكون رد فعلها أن علمت أن من في قبر عائشة ليست ابنتهم، وأنه ربما أضاع بتصرفه ابنته الحقيقية، بل وابتعد حفيديها الآخرين عنها. وترن في أذنه كلمات رينا بأن عائشة من الحزن أصيبت بالسرطان مرتين. كما ترن في أذنه كلمات نديم قبل موته بأن ينفذ عائشة مما هي فيه. فيشتغل قلبه لوعة وحزن على عدم السماح لنفسه بالتأكد منها، وتعصبه على رينا وأمها وانفلات أعصابه. يسترجع نظرات عائشة له ودموعها المحبوسة، فيتألم قلبه أكثر. ودون إدراك منه، يحتضن آسيل أكثر.

تمر الأيام ببطء، ليأتي يوم تزور فيه فتاة برهان بقصره بعد أخذت الإذن منه، وتتهم فيه آدم بأنه على علاقة بها ويجب أن يتزوجها لأنها ربما تكون حاملا منه. وكان ذلك في عدم وجود آدم وأمه وجدته، فقد كانوا جميعا في الشركة وبرهان وحده بالقصر. ورغم أن برهان كان متأكدا من عدم صدق هذه الفتاة وأنها مجرد مكيدة لحفيده، وربما وراء هذه المكيدة معاذ، لأن الفتاة قالت له نصا "مالا يرضاه على حفيدته إيزل يجب أن لا يرضاه على بنات جنسها". فأحس بدوار ووقع أرضا. مع رعب الفتاة من الموقف، أخذت حقيبتها وجرت بسرعة. وتم الاتصال بفيروزة بعد أن رؤوا الخدم وقوع برهان آغا.

نقل للمستشفى ليظل عدة أيام ولم يفق بعد. اتصل إيمري بعائشة وطلب منها رقم نهر الجديد أو أي وسيلة للاتصال بها. فقالت إنها ستخبرها لتتصل هي به. ونبهته أنها ستدخل في امتحانات الترم الأول للسنة الأخيرة لها بالكلية بعد أسبوع، فلا تشغلها بأي عمل في الوقت الحالي. اتصلت نهر به بعد قليل من سنترال. "السلام عليكم." "عليكم السلام نهر." "أهلا عمو، أخبار حضرتك إيه؟

"هدخل في الموضوع على طول. رغم أن عائشة اتهمتني بأني سبب إن برهان آغا تقابل معاها في الحرم. ورغم إني حلفت بكل ما أستطيع، إلا أن الشك تمكن منها. ولم تعد تعمل معي كما في السابق أو حتى تحكي لي عن يومها. ورغم أن ذلك آلمني وبشدة، واني على يقين أن ما حدث من تدبيرك أنت، إلا أني صمت لما رأيت من الألم والدموع على حال أمك بعد العمرة. فلم أرد أن أزيد أوجاعكم. لكن علمت أن الآغا محجوز بالمستشفى من فترة ومستسلم لمرضه بشكل تام، وربما تكون أيامه الأخيرة. فأردت أن أخبرك لأن عائشة لن تتحمل هذا الخبر مع عدم وجودك ووجود أحد بجانبها حاليا."

"شكرا لأنك ما أحرجتنيش أمام أمي. وأيوة أنا سبب التقاء الآغا بأمي. وعدني إنه سيعرفني من هي إن رآها، ولكنه أخلف وعده لي وانهارت أمي ولم تستطع كالعادة أن تقول سبب انهيارها. سأحاول أن آتي لتركيا، ولكن يومين فقط. هل تستطيع أن تتدبر لي دخولي لغرفة الآغا والتكلم معه قليلا؟ ربما يصحو ضميره ويعرفني أي معلومة." "أستطيع تدبر ذلك. من الممكن أن أدخلك كممرضة، وأعتقد أنك تستطيعين أن تعتني بمريض." "اتفقنا. سأحاول الحجز في أقرب وقت."

"بل أنا حجزت لك مساءا." (وقال لها أين تذهب لتأخذ التذكرة وأين سينتظرها ليأخذها بعد وصولها تركيا)

وبالفعل وصلت مساءا ليأخذها لبيته باسطنبول ويتفق معها أنه سيأخذها للمستشفى غدا صباحا ويدخلها كممرضة. فمن في المستشفى يعرفونه. وهي مستشفى لبرهان بالأساس. وقد دخلها معه كثيرا، كما أنه متعاقد مع المستشفى على صيانة الأجهزة عندهم. اتفقوا أن يذهب بها ويذهب هو لعمله بعد أن يدخلها، لأنها لا تعلم كم ستمكث مع برهان. ويلتقوا آخر اليوم بالفيلا. كانت سينام في ذلك الوقت بإيطاليا وليست بتركيا. لتدخل نهر غرفتها وتنام وتصحو مبكرا وتحضر طعام الإفطار وتنتظر إيمري الذي نزل بكامل أناقته.

"إيه كل الشياكة دي يا عمو؟ "طول عمري شيك. جاهزة." "جاهزة. أنا حضرت الفطار، تعالي نفطر مع بعض ونكلم رقية." "هي عارفة بوجودك هنا؟ "أيوة، قلت لها عندي موضوع سريع لمدة يومين هنا. وقولت إني هبات عندك عشان تطمن." "تمام. نفتح بقى الكاميرا ونطمنها." بعد أن فطروا وكلموا عائشة، اتجهوا لطريق المستشفى. "ابقي خلي تليفونك مفتوح لو حبيت أطمن عليك." "عاوز تعرف رقمي؟

للأسف أنا تركت تليفوني وكل أوراقي بالفيلا. عمو أنا لا أطمئن للآغا حتى وهو مريض. لا أحب أن يصل أي أحد لي إلا بعد التأكد من حسن نواياه. لا تقلق، سأكون قبلك في الفيلا وسأجهز الغذاء." "هطلب لك يونيفورم الممرضات وسأبلغ الطبيب المتابع لحالة الآغا أنه يستريح بالتعامل معك على وجه الخصوص لتدخلي إليه. لكن أرجو ألا تجهده، هو بالأصل مريض للغاية." "هل تعرف إن كان هو وأمي تجمعهما علاقة ما؟

أقصد، هل هو أحد أقاربها أو صديق من أصدقاء أحد من أسرتها عمو؟ "أعرف بالطبع، لكن وعدت عائشة ألا أتدخل بذلك الموضوع. منتهي. وإنت تعرف ماذا فعلت بي عندما شكت بأني أقرب بينهما. فلا تقحميني في هذا الموضوع، لأن عائشة عنيدة وستقطع كل الخيوط بيننا إن أنا أخبرتك بشيء. لذا لا تسأليني. لكن سأقول أنك اقتربت جدا من معرفة كل شيء." "شكرا عمو على المساعدة." "أنت كسينام حبيبتي. أوقف السيارة بجراج المستشفى

وأخرج بعض النقود ليقول: خذي تلك النقود معك لأي طارئ. ممكن تتأخري وتحبي تاخدي وجبة أو تاخدي تاكسي للبيت." "معايا عمو وعاملة حسابي." "بليز نهر، خديهم كي أطمئن إنك لن تحتاجي شيئا وأنا بعيد." أخذتهم نهر بخجل: "لكنهم كثير." "ليسوا كثير على إحدى بناتي. ثم إنك أكرمتيني في مصر. هيا بنا."

خرجت من السيارة ودخلوا المستشفى والتقوا بالطبيب المختص، الذي قال لهم أن برهان أفاق أمس وقد زاره أهله أمس واليوم صباحا، وأصر هو على أن يذهبوا جميعا لعملهم ويأتوا مساءا. دلفت نهر بزي الممرضة حجرة برهان مع الطبيب، الذي ما إن دخل حتى مسك يد برهان وبدأ بقياس الضغط، ثم قال: "الحمد لله ضغطك اتضبط شوية. أنا جبت معايا ممرضة أعتقد إنك تعرفها، هتكون معاك لو احتاجت شيئا." بدون

أن ينظر برهان لها قال: "مش مستاهلة حد معايا، أنا محتاج أرتاح بس." كانت نهر تلبس كمامة وغطاء رأس أبيض على رأسها. لتقول بصوت رصين: "من الأفضل أكون معاك آغا. على ما سمعت حالتك غير مستقرة، وأعتقد إنت جربتني وياما أعطيتك حقن وأدوية." نظر لها بتمعن، فخلعت الكمامة وهو غير مصدق ما يراه. فارتعشت يده ليمدها إلى جانبه، لتهم نهر وتعطيه نظارته وتلبسها له، فيراها أمامه بوضوح،

فيحمم ليجلي صوته ويقول: "تفضل يا دكتور، أنا فعلا أعرفها." "ما تقلقش. لو في أي جديد هتصل بحضرتك." قبل أن يخرج الطبيب. "من فضلك بلاش حد يحاول يدخل دلوقتي، ممكن؟ نظر الطبيب إليهم بشك وحرك رأسه بموافقة وقال: "عموما حضرتك أخذت أدويتك، وما فيش دواء غير بعد ثلاث ساعات." وأغلق الباب وراءه. اتجهت نهر بعدها تغلق الباب من الداخل، ثم توجهت لبرهان وجلست أمامه على كرسي قريب.

"عرفت إنك مريض جدا، قولت أعطيك فرصة أخيرة تريح بها ضميرك وتقولي تعرف إيه عن عائشة وليه أحزنتها، لأنك اتفقت تقول لو عرفتها." نظر برهان لها وابتسم: "آسف رينا، لكن مفاجأة إن عائشة ما زالت على قيد الحياة. صدمني وصدمني أكثر شكل والدتك المفتقد لكل حيوية عائش. غير أني رأيت جثة من دفنت مكانها، كانت تلبس خاتم الجدة الكبرى للعائلة."

"معلومة إن فيه بنت كانت لابسة لبسها وشنطتها وحتى خاتمها عندي. لكن بما إنها دفنت من غير أي شك إنها ممكن ما تكونش عائشة، معناة إن الجثة اتشوهت لدرجة إن ملامحها لم تكن ظاهرة لتتأكدوا أنتم. لكن كان عندكم معلومة إنها ركبت القطر ده من زميلتها وأمها، ولاقيتوا حد لابس لبسها. وما كانش تحليل DNA انتشر، فدفنتوها من غير ما تتأكدوا، صح كده؟

"صح. لكن رغم التشابه بين والدتك وعائشة، إلا أن عندي شك إنها ما تكونش عائشة برضه. فهل ممكن تجيبيها المستشفى تعمل تحليل DNA لتتأكدي من صحة كلامكم؟ أنا آسف، لكن أنا الفترة الأخيرة تعرضت لخيبات أمل كثيرة." "لا أضع أمي تحت تهديد أو إنها تحزن تاني. مستحيل إني آتي بها لتركيا. احتمال مرفوض بالنسبة لي." (كاد أن يتكلم برهان لتشير نهر بيدها أنها ستكمل) "لكن ممكن تعمل التحليل من غير وجودها." قطب برهان حاجبيه: "تقصدي آخد منك إنت؟

"معنديش مانع لو تحب، لكن مش ده قصدي. بعد ما أصيبت السرطان مرتين وفي المرتين شعرها وقع. بعد تاني مرة لما بدأ ينبت تاني، أنا كل مرة أساوي لها شعرها كل أول شهر هجري بقص أطرافه. وفي كل مرة باخد المقصوص من شعرها وأحطه في التوكة بتاعتي. حتى شوف." وقامت بفك رباط شعرها. ثم أتت بمقص وقصت بعض خيوطه من الداخل ليظهر بعض من الشعر باللون البني الفاتح الممزوج ببعض الشعرات الفضية.

تنهدت نهر لتقول: "أخذت الفكرة من سيدنا خالد بن الوليد لما كان بيحط بعض من شعر رسول الله في خوذته عندما يذهب للحرب. الفكرة عجبتني وإحساس إن حاجة من ريحة أمي معايا بيطمني. كل توكة فيها كده، ولأني دائما لمة شعري فبستخدم التوكة كتير." (ثم بنفس المقص قصت أطراف من شعرها هي ووضعته في أحد المناديل الورقية) لتستكمل: "كده معاك شعري وشعر أمي. وللعلم أمي مش بتستخدم صبغات شعر لأنها راضية بحالتها الطبيعية."

"شعرك جميل. أول مرة أشوفه مفرود. كان شعر عائشة تقريبا بنفس الطول. هي بتحب الشعر الطويل وبتهتم بشعرها جدا." "ده حقيقي، وأنا كمان بهتم بشعري. نيجي بقى للمهم آغا." "مش هقولك حاجة غير لما أتأكد من التحاليل. وبالمناسبة، المستشفى ملكي. يعني لو طلبت إني أستعجل ظهور النتيجة هيحصل. وأعتقد هم تقريبا ست ساعات وتظهر." "عارفة إن المستشفى ملكك، لكن ليه مش عاوز تريحني غير لما تظهر النتيجة؟

أنا بس عاوزة أفهم ليه أمي بعدت عن أهلها من غير ما تعرفهم إنها حية؟ ليه وجع روحها اللي بشوفه في عينيها لما بالصدفة تيجي سيرتهم؟ ليه مش عاوزة تعرفني هم مين؟ حضرتك أول سلمة ليا أعرف بها أساعد. أنا مش عاوزاها تتعب تاني، عاوزة ليها أهل وسند غيري أنا وأخويا." "صحيح، اسمك الحقيقي إيه واسم أخوك؟ وعندك كام سنة؟ "وليه أقول لك عن أي حاجة وأنت في نفس الوقت مش عاوز تريحني بمعلومة واحدة؟

مفيش شيء ممكن تعرفه مني قبل ما تعرفني الأول الاسم الكامل لأمي." "عنيدة، لكن عائشة كانت مطيعة وكيوت." "مطيعة وكمان كيوت! آه، ما انت ما تعرفش إنها عملت ليا أنا وأخويا غرفة عقاب مثل ما أمها عملت لها وهي صغيرة. بس الفرق إن غرفتنا عبارة عن حظيرة طيور وكنا بناخد منها الأكل من الشباك لو يعني سمحت بأكل." برهان وهو فاتح فاه باستغراب،

ثم أفاق وهو يقول: "كده يبقى والدتك مش عائشة. عموما هنعرف." ثم أخذ التليفون الموجود بجانبه ليستدعي طبيب معين ويطلب منه أن يأتي بسرعة مع أحد الممرضين. وبعدها قال: "افتحي الباب من الداخل." ل يأتي الطبيب ويأخذ عينات الشعر للتحليل. قامت وفتحت الباب. ولمت شعرها كعكة بغير توكة. وبعد قليل دخل طبيب ومعه أحد الممرضين. "اؤمر آغا."

"فيه شعر موجود بالمنديل الورقي هذا وشعر آخر برباط الشعر. خذه للتحليل وقارنه بما عندك من عينات العينتين اللي بحوذتك من فترة وتحتفظ بهم. وأقصد عينات الدم. بمعنى آخر، تحليل DNA جديد. أريد معرفة صلة القرابة بين الأربع عينات. وأن تبعث بالعينات لمعمل آخر خارجي للتأكد من النتيجة وبأسرع وقت."

فهم الطبيب أنه يريد أن يعمل التحليل على عيناته هو وفيروزة هانم، ولكن لا يريد أن تفهم الممرضة الموجودة معه. كما أن التحليل السابق كان صدمة له، بعد معرفة أن من بالقبر ليست ابنته برهان وفيروزة، وقد آمنه برهان على هذا السر هو وصهره طاهر الذي عرفه بما يجري. "تمام. ست ساعات والنتيجة تكون عندك." "شكرا." وأغلق الباب من الخارج. "ليه يغلق الباب من الخارج؟

ولو محتاجة أخرج المفروض عندي كذا مشوار أعمله وهخرج كمان شوية وأرجع قبل ما التحليل يظهر." "مفيش خروج يا رينا، وهتقعدي لغاية التحليل ما يظهر. وده ما فيهوش نقاش. اتفضل يا دكتور." ليخرج الطبيب ويغلق الباب من الخارج. وسط ذهول وغضب نهر. نظرت له بعصبية: "برضه مصمم أفقد الثقة فيك؟ يعني إيه عاوز تحبسني على ما تظهر التحاليل؟

والله أعلم بعديها ممكن يحصل إيه. أنا مش قابلة الموضوع ده. اتفضل اتصل بحد يفتح الباب. مفيش حد يجبرني على حاجة مش عاوزاها. ثم إني جيت لك برجلي من مصر، عاوز إيه تاني؟ "عاوز أطمئن لوجودك. أنا تعبت وأنا بدور عليك، وبرضه معرفتش أوصل لك رغم كل الإمكانيات المتاحة لي." "مش بالغصب هتخليني معاك، ولا هقبل إنك تستغلني عشان توصل لأمي. وأنا لهذي اللحظة مش قادرة أفهم العلاقة بينكم إيه؟ "مش هاذيك أكيد، لكن مش هسمح بهروبك مني تاني."

"إنت ما تعرفنيش كويس لسه." "الغرفة بالدور الثاني وبعيدة عن الأرضي وحمام الغرفة على duct مش منور. يعني مش هتعرفي تخرجي غير بإذني. فاهدئي واستريخي."

أغمضت نهر عينيها وتنفس بعمق عددة مرات. ليبتسم برهان على فعلها، فطالما فعلت عائشة نفس الشيء عندما تغضب. فتحت نهر شباك الغرفة ونظرت لأسفل، فرأت مظلة من القماش السميك على سقف الدور الأرضي. المسافة بينها وبين هذه المظلة حوالي أربعة أمتار. ويوجد بعض الأشجار المجاورة للمظلة. وتعلم جيدا أن الدور الأرضي مرتفع عن بقية الأدوار، لأنه يجمع بسقفه كل تجميع الصرف وأعمال الإلكتروميكانيكل، فقد يصل ارتفاع إلى خمسة أمتار أو أكثر.

فكرت قليلا ثم ابتسمت بهدوء للآغا: "آخر كلام، مش هتسمح لي أخرج؟ "ريحي نفسك واهدي واستني معايا، واغلقي الشباك، جايب برد والغرفة مكيفة مركزي." نظرت

له وعلى وجهها ابتسامة: "أنا مفيش حد يجبرني على شيء." وسرعة رمت بنفسها من النافذة لأسفل. ووجهت جسدها نحو أحد الأشجار. لتسقط على المظلة بعنف وتنزلق عليها، وهي تحاول الإمساك بفروع الشجرة المجاورة. فامسكتها وتشبثت بها. ليميل الفرع بقوة لأسفل وترمي بنفسها قبل أن يرجع لأعلى من جديد، خصوصا أن الفرع ليس قويا ومن الممكن أن لا يتحمل. غير أن المسافة كانت ما زالت كبيرة للأرض. لكن لصغر حجم جسدها، كان الارتطام بالأرض غير قوي، فقط أحست بألم بأحد رجليها عند سقوطها. ليتفاجأ من كانوا تحت المظلة بها. فتبتسم

بهدوء وتقول بالتركية: "الحمد لله. وقعت وأنا بنظف الشباك، لكن بخير." ولأنها كانت تلبس لبس الممرضات والكمامة، اتجهت بسرعة داخل المبنى تسأل عن الحمامات. وذهبت سريعا لأنها وقعت أمام مطعم المستشفى الأرضي. دخلت ثم خلعت عنها لبس المستشفى التي كانت تلبسه فوق بنطلون جينز وبلوزة بكم. وفكت بسرعة غطاء الرأس وفكت شعرها لينسدل على كتفها وتخفي به جانبي وجهها. وخرجت بسرعة وهي تعرج على رجلها لتوقف تاكسي سريع.

في غرفة برهان، كاد أن يجن مما رآه. واتصل فورا بالتليفون وهو يصرخ: "حد يجي بسرعة ويفتح الباب! " واتجه وهو غير مبالي بالأجهزة التي تحيط جسده لينزعها عن نفسه بعنف إلى الشباك، لكنه لم يستطع أن يرى شيئا لوجود المظلة التي مزق جسد نهر جزءا منها. لتدخل بعدها ممرضة وهي تقول: "أمرك آغا، في حاجة." "الممرضة اللي كانت هنا رمت نفسها من الشباك. لازم تلحقوها، ممكن تكون اتآذت. بسرعة شوفوها فين وحالتها إيه. وسيبي الباب مفتوح."

بعد قليل كان أمامه أحد حراس المستشفى وهو يقول: "يا فندم، فعلا بنت وقعت من المظلة على شجرة بعدها على الأرض. وأظن إن رجلها اتصابت لأنها كانت بتعرج بها. اتجهت للحمامات بعد كده، ما حدش شافها خرجت. لكن لقينا لبس الممرضات في الحمام. واضح إنها غيرت جوا. وما حدش عرف بخروجها، لأن المطعم خاص بنزلاء وأهالي نزلاء المستشفى وبيخرج ويدخل منه أي حد." برهان وهو يمشي

بيديه على وجهه بعصبية: "لثاني مرة أسئ التقدير. مع علمي بعندها. أمسك تليفونه واتصل فورا بطاهر. وهو يشير للحارس أن يمشي ويقول: راجعوا الكاميرات وبلغوني بأي شيء جديد لو عرفتم راحت فين." بعدها بساعة كان طاهر عنده وقد أبلغه بما جرى، وكانوا يمشطون المستشفى ليروا أي شيء يدل على وجودها، لكن لا شيء. "يعني إيه؟ لا بطاقة ولا تليفون ولا أي شيء. دخلت هنا إزاي؟

لينتبه برهان: "دخلت مع الطبيب المتابع لحالتي. ومن كلامه عارف إني أعرفها." لكن قاطعه كلامه دخول طبيبه. "آسف، لكن أنا بأخذ شيفت لليلة العاشرة صباحا. وللأسف كنت مفعل التليفون صامت." "جئت بوقتك." "فيه ممرضة أتت معك صباحا؟ كيف أتت وأين بياناتها؟ ما دمت جئت بها."

"عفوا، أنا لم آت بها. ولكن إيمري بك هو من أتى بها صباحا وقال إنها كانت ممرضتك في الفترة الماضية وأنك تستريح لها. وطلب مني أن أدخلها إليك، وإن لم تحب مقابلتها فلتخرج فورا. وبعد أن قبلت بها، مشي هو. لكن لا توجد لها بيانات هنا." "يا الله! كلما تخيلت إني اقتربت، ابتعد." (أمسك الهاتف واتصل بإيمري وطلب منه الحضور فورا) "لما لم تسأله عنها مباشرةً؟ "لابد أن أفهم وتكون بجانبي يا طاهر."

آتي إيمري ودخل ووجد طاهر بالغرفة. وبعد التحية. "إيمري بيك، جئت صباحا برينا وأدخلتها لبرهان بعد أن أقنعت الطبيب بذلك. كيف أتيت بها لهنا؟ "برهان آغا كان قد طلب مني أي وسيلة اتصال بها، ولكن فوجئت بأنها أغلقت خطها وكذلك حساب الواتس والماسنجر ولم تعد موجودة بالفيس. وقال لي أن عرفت مكانها أن أخبره، أليس كذلك آغا؟ "نعم، حدث."

"هي أتت لتركيا وطلبت مني مقابلة الآغا بدون إثارة شكوك حولها. وبما أني أعلم أن الآغا كان يريد مقابلتها وعارف أنها كانت تراعي الآغا في مصر، لذلك لو أحد زار الآغا هنا من أهله ما يحصلش لبس. قلت لطبيب الآغا يدخلها كممرضة." "كلمتك من رقم تليفون. أكيد ممكن تعطينا الرقم؟ "كلمتني مرتين. مرة من مطار القاهرة قبل ما توصل، ومرة من مطار تركيا. مش تليفون خاص بها." "مش معقول. عاملة حسابها لكل شيء. يعني أعمل إيه دلوقتي؟ أوزع صورها؟

اللي يلاقيها له مكافأة؟ ولا أعمل إيه؟ "الحارس قال إن رجلها غالبا انكسرت. أكيد هتروح مستشفى. نبحث في المستشفيات القريبة من هنا." "رجلها انكسرت ليه؟ "رمت نفسها من الشباك ده." "رمت نفسها إزاي؟ إحنا في الثاني بعد الأرضي يعني تسعة متر على الأقل. دي تموت مش تتكسر. نهر مش مجنونة عشان تفقد حياتها وهي عارفة أن روح أمها متعلقة بها. نظرت بغضب لبرهان: عملت إيه أو قلت لها إيه أجبرها ترمي نفسها؟ هددتها بإيه المرة دي؟

"فيه مظلة في سقف الأرضي قماش، وقعت عليها. بعدها اتشبكت في شجرة، وغالبا نزلت على رجلها وهي أصلا وزنها خفيف." "اسمها نهر، نهر يا إيمري؟ " وقت نزلنا القاهرة والوقت اتأخر، وصممنا إنها تنام في الشقة. قلت لها: أنا أوعدك أحصل على موافقة والدتك للمبيت هنا. وبعدها باتت كل الأيام اللي كنا فيها، مع أنها وآدو أكدوا إن والدتها مستحيل توافق. بعدها كنتم أشوفكم ديما بتضحكوا وتهزروا مع بعض. وكمان كنتم تكلموا سينام مع بعض."

(أشار بيده أن يسكت الجميع) "أهدت لك معطف باللون الذي تحب وعملته بيدها. قبل أن يموت نديم قال: اسأل إيمري عن عائشة. كما أنه قبل وفاته زارك ببيتك وتغيرت أحواله بعدها. الشرود والحزن. قلت بعدها في عزائه أن من كانت معك بالحفل ليست زوجتك بل مربية ابنتك ومن مصر واسمها عائشة. أذكر جيدا الاسم لأنه وقع بقلبي." (نظر له بعتاب)

"لما إيمري، لما سألتك فيروزة إن كنت تعرف عائشة جول ابنتنا، أنكرت. ولما إنت أكيد على علم بأن زوجها يعذبها." "لم يسألني أحد عنها آغا. بالعكس، كنت أحاول لفت انتباهكم لها، لكن حزنكم على نديم وعائلة نديم أربكتكم جميعا. عائشة عنيدة وقد أخذت على عهد ألا أتكلم عنها وإلا ستبتعد. كنت لا أعرف حتى اسمها بالكامل. فقد اسمها رقية بمصر. ماذا أقول؟ ابنتكم اسمها رقية فقط. كم رقية بمصر؟

كانت ابنتي هي من على اتصال دائم بنهر لأنها صديقتها الوحيدة من وقت هربت بها أمها خارج تركيا، والتقت بنهر بعدها. أوصى أطباء ابنتي بعلاقة نهر وسينام. وعائشة دخلت حياة سينام كام نهر. ثم أصبحت أم حقيقية لابنتي وبدأت تستقر حالتها. عموما، لسنا وقت ذكريات. وأنا فعلا لا أعرف رقم فون نهر. حاولت صباحا أن آخذه منها، لكنها رفضت. وقالت إنها لم تأخذ شيئا يدل على شخصيتها معها. لا تليفون ولا أوراق. خافت أن تستخدمها كورقة ضغط على أمها. يجب أن أتحرك الآن لأطمئن عليها. لو حدث لها مكروه، ستعلق عائشة جثتي على باب بيتي."

"كيف رضت نهر أن يظلم أبوها أمها؟ أعتقد أنه يعتدي على أمها."

"نهر يتيمة الأب آغا، يتيمة منذ أن كان عمرها ستة أشهر. عائشة تزوجت مرة ثانية بعد وفاة زوجها الأول بأربع أو خمس سنوات كي تحمي نهر. لأن زوجها الأول ليس له أهل، فقد تربى بملجأ وهي كانت فاقدة للذاكرة ولا تعرف أهل لها. خافت أن حدث لها مكروه أن تتربى نهر بملجأ كأبيها. ونهر أكثر من تعرض للأذى على يد هذا الحيوان لدرجة أنها كادت تفقد حياتها في أحد المرات لولا استنجاد عائشة بأمجد الذي رأيناه بالقاهرة. فقد جلب لها أفضل الأطباء، وكان عمرها لم يتجاوز الاثني عشر عاما. رغم أن نهر كانت تصرف على نفسها من عملها، فقد اضطرت للعمل بعمر الست سنوات لتهرب منه أكبر مدة ممكنة، فقط كانت ترجع البيت لتنام."

كانا برهان وطاهر يسمعان ما يقوله إيمري بصدمة وحزن شديدين. "هل تستطيع أن تصل إليها؟ "لا أعلم آغا. ليس معها هاتف ولا أعرف رقمه. لكن سأصل لفيلتها، ربما تكون هناك." "لماذا فيلتك؟ "ليس وقت أسئلتي يا طاهر. اذهب بسرعة وطمئني يا إيمري."

كان برهان وطاهر ينتظران أن يتصل بهم إيمري بكل الصبر والتوتر. وقد دخل طبيب الآغا بعد أن ارتفع عليه ضغط الدم ليعطيه الأدوية حتى يتمكن من مقاومة فقد وعيه، فهو باشد الحاجة إلى ذلك الآن. لابد أن يكون واعيا لكل شيء. اتصل إيمري بعد ساعة تقريبا: ليقول إن نهر غير موجودة بالفيلا، وأنها أتت في غير وجوده وأخذت هاتفها وأوراقها لأنه لم يجدهم. وأنها بالتاكيد أخذتهم لتلتحق بأي مستشفى تداوي قدمها.

"استخدم نفوذك لتجدها قبل أن تغادر البلاد." "ميعاد طائرتها غدا وليس اليوم آغا. بالتأكيد ستتصل بي لتطمئني." "اتصل بي فور حصولك على أي معلومة عنها." دخل بذلك الوقت صهر طاهر آغا بنتيجة تحليل الحمض النووي ليغلق برهان الخط سريعا. "أغلق الباب وقول لي النتيجة بسرعة."

تنهد الطبيب ليقول: "إحدى العينات تقول أنها لابنتك أنت وفيروزة هانم، والعينة الأخرى بنت العينة الأولى أي حفيدتكم آغا. هذا هو نتيجة التحليل هنا. نتيجة المعمل الآخر ستكون هنا بعد ساعة على الأقل."

ليغمض برهان عينه بألم ودموع حسرة. لأول مرة يكاد أن يحس بانفجار قلبه وحرق روحه وهو يذكر كل المواقف التي مرت عليه مع نهر، وكيف عاملها بشك من أول لقاء، كيف أجبر قلبه ليمشي وراء عقله وشك بها، كيف رمت نفسها حتى لا تكون نقطة ضعف لأمها، بل كيف قابل ابنته وهددها أن تبعد بأبنائها. كان طاهر ينظر لصديق عمره بأسى وشفقة وخوف من أن يفقد صديقه. ليتجه ويأخذ الأوراق ويضعها داخل درج

جانب سريره ويقول للطبيب: "اخرج دلوقتي وابعث طبيبة بسرعة." وأمسك يد برهان وهو يقول: "اهدأ يا برهان، على الأقل عرفنا هي هتروح المطار إمتى. من بدري هكون هناك. هجيبها لعندك صدقني." "ديما بتسبقنا بخطوة. تفتكر هتروح المطار من الأساس؟ أول مرة أحس بغبائي. ديما بقول لآسيل ما تكسرش وعودها. ومع ذلك كسرت ثقة رينا بيا ومش مرة واحد لا اتنين. رغم إني عارف إنها ذكية وعنيدة." دق الباب لتدخل بعد قليل فيروزة وعمران.

"بخضة، كيف حالك آغا؟ هل كنت تبكي؟ ماذا حدث؟ أرجع برهان رأسه للخلف بتعب ولم يتكلم، بل كانت دموعه تنزل بصمت، وهو ما أخاف فيروزة وعمران. لتمسك عمران يد والدها وتقبلها وهي تقول: "مالك بابا؟ أول مرة بحياتي أشوفك بتبكي. إيه حصل؟ " نظرت لطاهر الذي بدأت دموع عينه هو الآخر بالنزول. "فيه إيه يا عمو؟ بابا كان اتحسن الصبح. إيه حصل ليكم؟ "فيروزة، ليه كذبتي عليا؟

لما قولت لك اسألي إيمري عن عائشة، كان عندي وقال ما حصلش. استغليتي مرضي وطمنتيني. يا ترى سألني إيمري اللي موجود في الشركة ولا برضو كذبتي عليا؟ "إنت بتفكر في إيه آغا؟ ما إحنا اتفقنا إن نديم كان في سكرات الموت ومش في وعيه. إيه اللي جد عشان تسأل إيمري دلوقتي؟ ما تهتم بصحتك أحسن." "كان في سكرات الموت ويفكر بعائشة، ليه؟ وزي ما قولتي ما يعرفهاش غير لما توفت وساعدنا بإحضار جثتها. ولا يعرفها وبتكذبي برضو؟

لتهب عمران بغضب: "عائشة عائشة عائشة إيه؟ مش فاهمة ليه كله؟

كل ما يتعب يفكر بس بعائشة. أيوة يا بابا نديم يعرف عائشة. وأقول لك على الأكبر، كان جاي تركيا مخصوص عشان يخطبها. عشان كده كان جاي بأهله. بس وصل خبر حادثة القطر وأهله رجعوا مصر. وهو بقي عشان كان عاوز يودعها. أمي كانت عارفة إنه وعائشة بيحبوا بعض وطلبت منه يتجوزني عشان يبقى فيه حاجة هي بتحبها معانا. كسرتيني قدام نفسي لما طلبت منه يتجوزني، وأنا وافقت لأني ما كنتش عاوزة حالتها تتدهور. عارف يعني إيه أعيش مع حبيب أختي اللي كان بيدور عليها فيا؟

عارف يعني إيه أول ليلة لنا كان أول وآخر مرة يشرب فيها وحصل علاقة وكان بينادي ليا باسمها؟ عارف يعني إيه يبكي إنه فقد حبيبتة في حضني وبعد ما يفوق يرجع أمريكا يكمل آخر ترم له من غير ما يكلمني شهور؟ كلمني بعد ما عرف إني حامل. ومتأكدة إن أمي هي اللي قالت له. من توتري وقلقي ولدت آدم في السابع. أنا حبيته، لكن عارفة إن قلبه كانت مع عائشة. ودلوقتي إنت برضو بتفكر بعائشة. مع إني وأولادي معاك. حرام عليكم بجد. إنتوا وجعتوني قوي."

كان ينظر إليها كل من بالغرفة باستغراب وحزن. لينفجر برهان ويقول: "آسف آسف آسف. ما قدرتش أحمي بناتي من وجع القلوب وحرق أرواحهم. بس عذري إن الكل خبى ودارى وكذب عليا. حرام عليك يا فيروزة، حرام." ثم أغمي عليه وصرخ كل من بالحجرة لاستدعاء الطبيبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...