تجمدت مكانها وكأنها غير قادرة على الحراك. تنظر إلى زوجها وهو بين ذراعي امرأة أخرى. امرأة أخرى... ظلت الكلمة تتردد في عقلها. لقد أخبرها أنه لن يخونها وهي بكل غباء صدقته. وتلك المرأة لم تكن أي امرأة. تلك هي كابوسها الأبدي، غريمته. ولكن هل هي حقًا غريمتها؟ هل هي أصلًا ترتقي لمستواها؟ هي لا يمكنها أن تكون غريمة امرأة لا يمكن هزيمتها. امرأة تمتلك قلب زوجها. ذلك القلب الذي سعت حثيثًا لتمتلكه ولكنها فشلت تمامًا.
ولكن تلك المرأة امتلكته بسهولة. إنها تشعر بحب زوجها الشديد لها. نظرات عينيه، ارتجافه، ودموعه! تلك كانت صدمة أخرى. أن ترى زوجها يبكي امرأة. لقد ظنت أنه بارد، لا يحمل أي مشاعر. ولكن مشاعره المتفجرة ظهرت لتلك المرأة. أن تعرف أن زوجها يحب أخرى هو الجحيم بحد ذاته. ولكن أن ترى هذا بنفسها. ترى انهيار زوجها بين أحضان أخرى. بكاؤها هو الجحيم بحد ذاته. إنها تموت. تموت حقًا.
انهمرت الدموع من عينيها دون أن تشعر وهي تنظر إليهما بألم. تشعر بالخذلان. أن من أحبته أكثر من أي شيء قتلها. إنها تنزف بالفعل. "ماريانا! " قالها جورج بحذر. هو لا يريد إحداث أي فضيحة. كان الذنب يقتله من الداخل. لم يكن يريد أن يفعل هذا. ولكن الشوق غلبه. بينما سيلا كانت تنظر لتلك المرأة التي سرقت منها حب حياتها بحقد. أمسكت سيلا ذراع جورج وقالت بغيرة: "مشيها من هنا يا جورج. أنت بتحبني أنا مش هي. خليها تمشي."
ثم كادت أن تعانقه مرة أخرى إلا أن ماريانا اقتربت بكل حقد منها وهي تشدها من شعرها بقوة وتصرخ بها: "ابعدي عنه يا رخيصة." توسعت عيني جورج بصدمة وهو يحاول إبعادها عنه ويصرخ بها: "ماريانا كفاية بقى." "ابعد... قلت ابعد بدل ما أفضحكم انتوا الاتنين يا أحقر خلق الله. بتقول مش هتخوني وأجي ألاقيك في حضن حبيبتك القديمة. ده أنا هفضحكم." شدها جورج وهو يهزها بقوة ويقول: "ماريانا فوقي!
نظرت إليه بكره. الدموع تذرف من عينيها. إنها تموت. ألا يشعر بها؟ "أنت اللي فوق يا جورج. حرام عليك اللي بتعمله فيا ده. أنا... أنا مراتك. مراتك. سامع يعني أنا اللي من حقي كل لحظة حب. من حقي كل اهتمام منك. دموعك مفروض تنزل عشاني مش عشانها هي. بتعاملني بالطريقة دي ليه؟ بتعاقب على إيه؟ "ممكن تهدي." هزت رأسها وهي تصرخ به وتقول: "مش ههدى. أنت شايف إن اللي بيحصل طبيعي؟ إني أجي ألاقيك في حضن غيري؟
ثم بغضب كادت أن تشد شعر سيلا مرة أخرى إلا أنه أمسكها بقوة. نظرت إليها سيلا بتشفٍّ. إنها تعاني وهذا يعجبها. يعجبها كثيرًا أيضًا. نفضت شعرها وهي تقول بهدوء: "طيب عن إذنك يا بيبي دلوقتي همشي. بس أكيد هنتكلم كتير بما إني رجعت." ثم ألقت قبلة في الهواء وغادرت وداخلها يتراقص من السعادة. ما أن أغلقت الباب حتى اقترب جورج من ماريانا وأمسك ذراعها بقوة وقال: "إيه اللي انتِ عملتيه ده؟! دفعته وهي تصرخ: "أنا عملت إيه يعني؟
وقفتها عند حدها." "أنتِ اتجننتي؟! إزاي تمدي إيديكي عليها! " قالها جورج بصوت منفعل. لماريانا التي نظرت إليه بصدمة وقالت: "انت سامع نفسك بتقول إيه؟! لما ألاقي واحدة بتحضن جوزي بكل بجاحة قدامي... ومش أي واحدة دي حبيبتك القديمة. قولي أعمل إيه؟ آخدها أنا كمان بالحضن؟ هو أنا مليش عندك قيمة للدرجادي يا جورج؟ هو أنا صفر على الشمال في حياتك؟ ودلوقتي عايز ترميني عشان حبيبتك القديمة ظهرت في حياتك؟!
"بلاش كلام فارغ. أنا اتجوزتك انت مش هي. وأنا مش هخونك وأنتِ عارفة ده كويس. فليه الدراما دي؟ "حبيبتك القديمة جاية بكل بجاحة وبتقول هاخدك مني! أنا مش هستنى واحدة رخيصة زي دي لما... آه! قطع كلماتها المهينة صفـعها وقال: "إياكي تتكلمي عنها كده. أنا ممكن أقطع لسانك فيها!
أغمضت عينيها ودموعها تنهمر أكثر من عينيها. كانت تبكي بصمت. تضع كفها على فمها وتبكي وهي لا تنظر إليه. تراجعت ثم جلست على الأريكة المقابلة وصوت بكاؤها يزداد. أرادت أن تتوقف، أن تتمسك بقوتها، ولكنها فشلت تمامًا. إن ما يحدث فوق قدرة تحملها. رباه إنها تموت بالفعل.
رمش جورج وهو ينظر إلى كفه لا يصدق أنه فقد أعصابه بتلك الطريقة. رؤيتها له مع سيلا أغضبته بشدة. غضب لأنه جرحها. لهذا تمسك بغضبه. هو حقًا لا يفهم نفسه. يشعر أن رأسه يدور ولا يفكر باستقرار. رغبته بماريانا وعشقه لسيلا. كيف يرغب بامرأة ويحب أخرى؟
هو ليس برجل يمنح مشاعره لاثنين. لطالما عرف أنه رجل يكتفي بامرأة واحدة. ولهذا كانت سيلا تسيطر على قلبه لسنوات. ولكن لا يعرف لماذا أصبحت ماريانا تشغله أيضًا. رباه هو بالتأكيد سوف يجن. اقترب من ماريانا بهدوء ثم جلس بجوارها. أمسك كفها محاولًا مواساتها. لم تبعد كفها كما ظن. بل وضعت رأسها على كتفه وهي تبكي وقالت بصوت مختنق:
"كنت بخدع نفسي. فاكرة إني هقدر أكسب قلبك. بس طلعت غلطانة وأنا بشوف نظراتك ليها يا جورج. اللي سعيت أنا ليه هي كسبته بسهولة. أنا كان نفسي تحبني بالشكل ده. نفسي تبصلي زي ما بتبصلها. نفسي أتحب منك لساعة واحدة. حبني حتى لساعة واحدة. قلبي واجعني يا جورج. حسيت إني فشلت. حاسة إن دي هي نهاية القصة. والنهاية كانت هزيمتي."
كان صامتًا لا يرد عليها. هو مذنب. لا يمكنه التبرير. ولا يمكنه أن ينكر. هو لم يخفِ حبه لسيلا أبدًا. دوما أخبرها بشكل مباشر وغير مباشر أن غيرها في قلبها. والآن هي رأت بعينيها. كم بدت محطمة في تلك اللحظة. وللمرة الأولى يتألم لتلك الدرجة. تألم لألمها.
ابتعدت عنه وابتسمت ابتسامة صُنفت أنها الأكثر حزنًا على الإطلاق. إنها النهاية. هي لن تحارب بعد الآن. هي ستعيش من أجل طفلها. طفلها الذي سيذكرها بالليلة الوحيدة التي شعرت بها أن جورج معها. لن تنساه أبدًا. رغم كل ما فعله ستظل تحبه إلى الأبد. ربما حتى الموت. نظرت إليه. إلى عينيه الجميلة التي تنظر إليه بحزن. ابتسمت له وقالت:
"شكلها كده نهاية طريقنا. نهاية حربي. أنا بستسلم. أنت مش هتحبني وأنا مقدرش أعيش بشعور إن في قلبك غيري. صعب عليا. أنا لغيت كرامتي عشانك وحاسة الموضوع بقى يخنقني يا جورج. أنا برضه كرامتي بتوجعني. بس حبي ليك كان عاميني. أنا هروح أعيش في بيت أهلي. وانت اعمل اللي انت عايزه." ثم كادت أن تذهب لكنه أمسك ذراعها وقال بغضب طفيف: "بتقولي إيه؟! انهمرت الدموع من عينيها وقالت:
"بقول الحقيقة. مش هقدر أعيش معاك في نفس البيت وأشوف حبك ليها في عينيه. هي رجعت. رجعت وهتاخدك بسهولة. مش هتحمل هزيمة تاني. ده أحسن. خليني أمشي عشان خاطري. لو عندك أي رحمة خليني أمشي. وإلا هموت." "أنتِ مراتي! "للأسف! " قالتها بصوت محطم. ثم أكملت: "غلطة عمري إني اتجوزتك. اتجوزتك ومفيش مفر منك." ثم أبعدت كفه وذهبت بينما هو ينظر إلى أثرها والخوف يستوطن قلبه. ***
كانت سما تضحك وهي تعانق عمر بينما تشاهد أحد الرسوم المتحركة المضحكة. تقبل رأسه بين الفينة والأخرى. بينما كان أمير يشاهدها من بعيد. كان سعيدًا وهو يرى ابنه الذي ذاق اليتم منذ صغره يبتسم وسعيدًا بتلك الطريقة. لقد غيرت سما الكثير في حياتهما. تفعل ما تستطيع لإسعادهما. هو حقًا يشعر بالندم لأنه عاملها بسوء في بداية حياتهما. هي ليست سيئة أبدًا. على العكس تمامًا. حولت حياتهم لجنة. اتسعت ابتسامته وهو يتأملها كرجل. إنها جميلة. بل رائعة. صحيح أنه لم يرها من قبل لأنه كان يعشق مريم. مريم...
مريم... تكرر الاسم بعقله. نعم مريم حبيبته التي أقسم أنه أن يعشق غيرها. والآن هو يميل لشقيقتها. أخذ قلبه يلومه. ماذا يحدث؟ لماذا يقترب من سما بتلك الطريقة؟ لماذا يسعد عندما تغار عليه؟ يخترع حججًا واهية كي تحدثه؟ ما الذي يفعله؟ هل سينسى مريم بتلك السهولة؟ كان يلوم نفسه بقوة لانجرافه بتلك الطريقة. عندما قاطعه صوتها الناعم وقالت: "أمير معلش تعالى ودي عمر أوضته خلاص نام."
نظر إلى ابنه ليجده بالفعل نام. تنهد وهو يقترب منه ويحمله بلطف. ثم وضعه في فراشه. ووضع عليه الغطاء. ثم استدار ليتجمد وهو يراها خلفه تنظر إليه بابتسامة سعيدة وتقترح: "بما أن عمر نام إيه رأيك نتفرج على فيلم مع بعض." "مش فاضي. أنا هنام." قالها بجمود ثم خرج من الغرفة لتنظر إلى أثره بدهشة. *** في اليوم التالي.
"بطلتي تيجي عندنا وبطلتي تسألي فيا وكأن علاقتك بيا كانت بس بسبب أمجد أخويا." قالتها نوران بلوم لجيلان التي كان وجهها باهتًا. ابتسمت لها جيلان بحزن وقالت: "متقوليش كده. بس أنا مش قادرة أدخل البيت تاني. خايفة أشوفه وأعيط. أنتِ مش حاسة بيا." تنهدت نوران وقالت: "حاسة كويس وعارفة يعني إيه الإنسان يحب حد أكتر من حياته. أنا بجد متضايقة منه إنه ماخدش باله منك. شاف إيه فيها؟
أنتِ أحلى منها. أنا أصلًا مبحبش أتعامل معاها. شكلها متكبرة. لما جات هي وأهلها عندنا في البيت كانت بتبص للبيت نظرات غريبة وكأنها قرفانة مننا. البنت دي مش هتكمل مع أخويا أنا أضمن لك." تنهدت جيلان وقالت: "ربنا يوفقه. أنا مش حابة أفكر في أي حاجة تخص أمجد. أنا هركز في مستقبلي وبس." تنهدت نوران وقالت: "زي ما تحبي يا جيلان. يمكن ده أفضل. بس برضه مش حابة إنك تكوني باهتة كده. قومي البسي ونخرج نتمشى شوية." نظرت
إليها جيلان بتعب وقالت: "اخرجي أنتِ. أنا مليش نفس أخرج. أنا حابة أنام." "لحد إمتى هتفضلي كده بجد. مر شهر على خطوبة أمجد. وأنتِ اهو بتقولي مش حابة تفكري فيه. يبقى أحسن حاجة إنك تتصرفي بطريقتك وتخرجي وتتفسحي. وتشيلي أخويا الغبي من دماغك. وبكرة هيجيلك الأحسن." ضحكت جيلان برقة وقالت: "بجد مش مصدقة. جاية في صفي وواقفة ضد أخوكي بالشكل ده."
"بحب أمجد جدًا والله بس هو غبي بيتخدع في كل اللي حواليه. وخصوصًا اللي اسمها رحيق دي." نظرت إليها جيلان بلوم وقالت: "حرام عليكي يا نوران. دي أختك." نظرت إليها بغضب وقالت:
"متقوليش أختك دي بتعصبني. دي مش أختي وميشرفنيش إنها تبقى كده. دي بنت الست اللي خطفت أبويا من أمي. بس سبحان الله اهي بتتعاقب مش لاقية حد يبص في وشها لدرجة إنها كانت هتتجوز واحد عنده خمسين سنة. بس حتى الراجل العجوز ده هرب لما شاف شكلها. ده كويس متفش عليها." كانت تنظر جيلان إليها مصدومة وتقول: "نوران أنا مش مصدقة إنك بتقولي كده على أختك. نوران أنتِ مش كده."
"معلش انتِ مش حاسة بيا. أنا الكل واقف ضدي ومش شايف حقيقتها. البنت دي زي أمها بتحب تاخد اللي في إيد غيرها. بتتمسكن تتمسكن لحد ما تتمكن. بس سبحان الله ربنا مش هيكرمها أبدًا بسبب اللي بتعمله ده. اهو عريسين اتقدمولها والاتنين رفضوها وفضلت تبكي. كنت مبسوطة أوي وأنا بشوف دموعها." "متقوليش كده يا نوران. ده نصيب. وهي نصيبها موجود." ضحكت نوران بسخرية وقالت:
"مين هيبصلها أصلًا وعلى إيه يعني. دي لا جمال ولا أي حاجة. مؤسف إن بابا اتجوز أمها ودخلها العيلة. كل بنات العيلة حلوين إلا سوكا دي." كانت جيلان تنظر لنوران بصدمة بالغة. لا تصدق أنها تتكلم بتلك الطريقة على شقيقتها. لا تصدق الكره الذي يشع من عينيها. كيف يمكن لنوران اللطيفة أن تحمل هذا الكره داخلها. حقًا انزعجت من كلماتها وأشفقت على رحيق بسبب كلماتها تلك. عبست نوران وهي تنظر إلى جيلان وتقول: "مالك بتبصيلي كده ليه؟
"أنا مش قادرة أصدق الطريقة اللي بتتكلمي بيها على أختك. مش دي نوران اللي أنا أعرفها. رحيق طيبة جدًا. متستاهلش منك كده أبدًا." ابتسمت نوران بسخرية مريرة وقالت: "حتى أنتِ مخدوعة فيها!!! دي شيطانة وهتشوفي الأيام اللي جاية." هزت نوران رأسها بيأس. ***
يقف في بهو المدرسة. ينظر إليها من بعيد. لا يصدق أن شهرًا مر منذ أن تقدم لها ورفضها في نفس اليوم. العجيب أنها تعاملت مع الأمر بطريقة اعتيادية. لم تلومه أو تتكلم معه من الأساس. هي تعمل بطريقتها الاعتيادية. تمارس روتينها اليومي. لا تغيير في الأمر. ولكن هو ما زال يشعر بالتوتر بسببها. يشعر بالحزن. هو حزين لأنه خسرها. كان يريد أن يرتبط بها. لقد أحبها حقًا لن ينكر الأمر. أرادها بشدة ولكن والدته وقفت في طريقه. وهو لن يخسر
والدته تحت أي ظرف. هو أحبها نعم. ولكن والدته أهم من أي شخص. تزلزل قليلاً وهو يراها تقترب لتخرج من المدرسة. ابتلع ريقه واستجمع شجاعته وهو يقترب منها. نظرت إليه بحيرة ثم أطرقت برأسها وهي تحاول أن تتجاوزه ولكنه وقف أمامها. شعرت بوجهها ساخن بفعل الغضب
والخجل وقالت بإنفعال: "أستاذ مؤيد حضرتك بتعمل إيه؟ ممكن تبعد! "أنا حابب أتكلم معاكي لو سمحتي." "مفيش حاجة نتكلم فيها. ابعد بقا عيب." "لو سمحتي اسمعيني بس. بعد اللي حصل مبررتش اللي حصل." "أنا... نظرت إليه بغضب وقالت: "مفيش داعي للتبرير. جيت أتقدمت ومحصلش قبول. حاجة بتحصل مليون مرة وعادي. مفيش حاجة تتكلم عنها. ومتحاولش تبرر لإني مطلبتش تبرير أصلًا ومش مهتمة أسمعه. ولو سمحت ابعد بقا شكلنا بقى وحش قدام الناس."
"اسمعيني بس. ماما... "أستاذ مؤيد بقولك مش عايزة أي تبريرات. الموضوع انتهى خلاص. أنا وضحتلك إن اللي بتفكر فيه ده صعب. وإنا مش زعلانة. هو نصيب. ابعد بقا لو سمحت شكلنا بقى وحش أوي." تنهد بتعب وقال: "آسف." ثم ابتعد عن طريقها لتذهب هي مسرعة من أمامه وهي تتمنى ألا يكون أحد رآها وهي تقف معه بتلك الطريقة. رباه ماذا يريد منها؟ ألم ينتهِ كل شيء؟
نظر إلى أثرها بتعب. كم تمنى أن تكون له. أحيانًا يتساءل هل هو جبان لأنه تخلى عنها لمجرد والدته أرادت هذا؟ هل هو جبان لأنه لم يحارب من أجلها؟ هل هو المخطئ؟ أسئلة كثيرة تدور داخل عقله بدون إجابة. *** في المقهى. ارتعش كفه وهو ينظر إليها بصدمة كبيرة ويقول: "بتقولي إيه؟!
ازدردت ريقها وهي تنظر إليه. قلبها يتألم وهي ترى الصدمة البالغة بعينيه. شعرت أنها بشعة. بشعة للغاية لأنها لطوال شهر كانت تعامله ببرود لعله يكرهها. في الوقت الذي تفكر به بآخر وتحلم بآخر كان هو يصارع والده لكي يتزوجها. ولكنها خانته بتلك الطريقة. صحيح أنها قاومت صالح ولكنها لم تتخذ أي خطوة لتبتعد عنه. بل ظلت تعمل معه. تبتسم خفية وهو يغازلها. تعشق كلمات الحب التي ينطق بها. عندما تكون مع سيف لا تفكر إلا به. باتت تشعر بالقرف من نفسها. باتت تشعر أنها مقرفة.
ازدردت ريقها وقالت: "اللي سمعته يا سيف. أنا مش عايزة أكمل. مش قادرة خلاص. هو مش عافية." عبس وهو ينظر إليها لا يصدق أنها تكلمه بتلك الطريقة. هل يمكن أن يكون السبب والده مثلًا؟ تنهد وقال: "نوال أنا عارف إنك مضغوطة بسبب اللي بيعمله بابا. بس أنا بحارب ومش هستسلم لحد ما نتجوز. أنا بحبك أنتِ يا نوال. مش عايز غيرك." مسحت وجهها بتعب. تريد أن تهرب من هذا المكان. هي تشعر أنها تختنق. لماذا لا يتخلى عنها؟
لماذا يلتصق بها بتلك القوة؟ لما لا يتركها ويفهم. انهمرت الدموع من عينيها وقالت باختناق: "بس أنا مش عايزك. أنا مش بحبك. للدرجادي مش فاهم يا سيف." بهت وهو ينظر إليها. لا يمكنها أن تفعل هذا. هي بالتأكيد تمزح. لا يمكن أن تفعل به هذا. حاول أن يمسك كفها ولكنها أبعدت كفها ودموعها تنهمر أكثر. الذنب يمزقها من الداخل. تبكي أمامه بينما هو ينظر إليها بيأس ويقول:
"أنا عارف إن اللي بيعمله أبويا صعب عليكي. صعب الشعور اللي حاسة. أنا آسف. عشان خاطري اديني فرصة بس عشان... نهضت بعنف وهي تزعق به: "كفاية. بقولك كفاية. مش والدك هو السبب. أنا مش عايزك. مش بحبك. بحب واحد تاني. ارتحت دلوقتي؟! نظر إليها مصدومًا لتضع هي كفها على فمها بينما ينظر إليها والصدمة تعلو ملامحه. كانت المشاعر تتعاقب على وجهه. الصدمة. ثم الغضب. ثم الألم. ألم الخيانة.
بكت بقوة وهي تزيح عينيها عنه وتستدير ثم تخرج من المقهى وقد جلب صوتهما العالي انتباه الموجودين بالمقهى. كان ما زال جالسًا مكانه. يشعر بالصدمة. الدموع تلسع عينيه. هل أخبرته أنها تعشق آخر؟ لا هذا مستحيل. نهض وركض خلفها. واستطاع بالفعل الوصول إليها وأمسك ذراعها. نظرت إليه وهي تبكي. هدر بها وقال ودموعه تنساب: "أنتِ بتكدبي. صح؟ مستحيل تعملي فيا كده. حرام عليكي. أنتِ كده بتموتيني. متقوليش إنك بتحبي حد غيري."
أغمضت عينيها وضميرها يجلدها أكثر. ليته تموت. كيف يمكنها أن تجرحه مجددًا؟ كيف يمكنها أن تفعل ما فعلته تلك الفتاة به؟ كيف! أبعدت ذراعها وقالت: "للأسف حبيت غيرك. كنت بقاوم. بكذب نفسي. قولت إن مبحبش غيرك. بس كنت بكذب على نفسي. كنت معاك صح. بس عقلي وقلبي معاه هو. مش قادرة أكذب على نفسي أكتر من كده. سامحني. سامحني يا سيف." "مين هو؟ " قالها بقهر.
"مش مهم هو مين. صدقني أنا مش هكون معاه أبدًا. أنا هسافر برا مصر. هسيب كل حاجة وأمشي. وانت ابقى اختار لمرة واحدة صح في حياتك! ثم تركته وذهبت. استقلت سيارة الأجرة وهي تبكي. من دون الجميع لم ترد جرح سيف. سيف الذي أعطاها الحب الذي لم تحظى به حتى من أهلها. تعلم أن بعد تلك اللحظة لن تكون سعيدة أبدًا في حياتها. *** في المساء.
أغلقت النور وهي تفتح هاتفها ثم فتحت برنامج التواصل المرئي. ازدردت ريقها وهي تشعر بسخونة بكامل جسدها. لا تعرف لماذا وافقت على طلبه. ولكنّه أخذ يلح وأخبرها أنه يريد رؤية شعرها وتلك ستكون آخر مرة يطلب منها هذا. وهي وافقت على مضض. اتصلت به. ثم ظهر وهو يبتسم. ولكن ابتسامته تلاشت وهو ينظر إليها ويقول: "إيه ده؟ قافلة النور ليه. هشوف شعرك إزاي أنا دلوقتي."
"لأ يا نوران إحنا اتفقناش على كده. ده غش. أنا قولتلك آخر مرة هطلب إني أشوف شعرك فبلاش غش. افتحي النور عايز أشوفه كويس." "عايز أعرف إيه سبب هوسك بشعري." "أنا مهووس بيكي أنتِ يا روحي. مهووس بكل حاجة فيكي. يالا بقا عايزة أشوف شعرك." أغمضت عينيها وهي تبتسم. هو رجل يعرف كيف يدلل الأنثى. يعرف بذكاء كيف يلعب على نقاط ضعفها. تنهدت بابتسامة وقامت بفتح الإنارة. صفر ما أن رأى شعرها وقال:
"عمري ما شوفت شعر بالجمال ده. يا بختي بيكي لما اتجوزك." ثم غمز لها. نظرت إليه بضيق وقالت: "مر أكتر من شهر على فكرة وانت مكلمتش عمو." "طيب أعمل إيه يا روحي. حماكي بيسافر كتير عشان الشغل. مش عارف أتلم عليه حرفيًا. بس هانت يا قمر قريب هكلمه عشاننا وتيجي وقتها بيتي."
احمرت بشدة وابتسمت وهي تشعر كأنها تطفو على غيمة وردية بينما ابتسم بخبث وهو ينظر إليها. لن يضغط عليها الليلة. هو أحرز تقدمًا. اليوم بدأت بأن تريه شعرها. غدًا ستكون كلها ملكه. هي بدأت تتنازل. وسوف يتبع ذلك التنازل سلسلة من التنازلات. *** في اليوم التالي. "أنت بجد ناوي إننا نعيش في الحارة بتاعتكم؟ " قالتها أريام بتوتر. عبس أمجد ونظر إليها برهة وقال: "أيوة. أنا شقتي هناك ومتوضبة." فركت كفيها بتوتر ونظرت لوالدتها التي
تدخلت في الحديث وقالت: "مش شايف يا بني إن المنطقة بتاعتكم بيئة شوية متليقش بمهندس ومهندسة ولا إيه؟ تجمدت ملامح أمجد. ولمعت عينيه العسلية بغضب ولكنه سيطر على نفسه وقال: "لا الحقيقة مش شايف كده. وده البيت اللي أنا جهزته اتجوز فيه. حضرتك ووضحت لأنسة أريام كده من البداية. أنا مخدعتش حد." "أكيد يا بني استغفر الله مبنقولش كده. بس ممكن تتنازل شوية عشان أريام." "بعتذر حضرتك أنا مش هخرج برا حارتي. آسف."
"يبقى أريام مش غالية عندك إنك تفضل حارة بيئة زي دي عليها. أنا آسفة يا بني بس لأما تجيب لبنتي شقة في مكان نضيف أو كل حي يروح لحاله! *** بعد أسبوع. "مالك يا أحمد شايل طاجن ستك ليه؟ " قالتها وفاء لابن شقيقتها وهي تجده شارد. نظر أحمد إلى خالته وقال: "أنا واقع في ورطة يا خالتي. مشكلة كبيرة ومش لاقي لها حل." عبست وهي تنظر إليه وقالت: "أوعى يا واد تكون مشيت في سكة مشبوهة." نظر إليها أحمد بدهشة ثم سرعان
ما انفجر من الضحك وقال: "يا خالتي الله يصلح حالك إيه اللي بتقوليه ده لا طبعًا. الموضوع مش كده." "اومال إيه الموضوع؟ تنهد وقال: "تعرفي طبعًا عاصي بيه اللي أنا بشتغل عنده صح؟ هزت رأسها ليكمل هو: "عاصي بيه بيدور على عروسة عشان يتجوزها. بس عايزها بمواصفات غريبة. مش عايز واحدة تحبه. عايز يتجوز واحدة تهتم ببنته بس من غير ما تطمع إنه يحبها أو تخلف منه. هو يعني ببساطة عايز مربية بدون مقابل." رمشت وفاء وقالت:
"إيه الراجل المجنون ده. طيب ليه؟ ما يتجوز طبيعي واللي يتجوزها تهتم ببنته عادي وتهتم بيه كمان. هو حد لاقي يا ابني." "هو عايز حد يخلي بنته في المرتبة الأولى. معرفش في دماغه إيه. عاصي بيه مكانش كده. الله يسامحها مراته عقدته في كل النسوان. هو مش شارط جمال ولا حاجة. ده هو شرطه الوحيد." "البيه بتاعك ده مجنون يا أحمد محدش هيوافق على اللي بيقوله." هز أحمد كتفه وقال:
"عرفتي أنا ليه في ورطة. المشكلة إن ابن اللذينة حلو وأي بنت بتشوفه بتحبه. أصل إزاي واحدة عاقلة هتعيش مع واحد وسيم وغني من غير ما تتمنى إنه يحبها." هزت وفاء رأسها وقالت: "فعلاً ده مستحيل. عمرك ما هتلاقي واحد."
ولكن فجأة وفاء صمتت وهي تتذكر شيئًا. تتذكر شخصًا ما. شخص قد يوافق أن يقوم بهذا الدور. وجدت نفسها تفكر برحيق. رحيق تلك الفتاة التي تم جرحها بسببها. هل لو عرضتها الآن على عاصي هل سيكون جرحًا جديدًا أم قد يحدث الخير وتتزوج رحيق وترتاح من ألسنة الناس التي تشبه السياط. تتخلص من هذا العذاب. هي تريد حقًا لهذه الفتاة أن تتزوج. تريدها أن ترتاح. ولكن زيجة كتلك ستجرحها أكثر. لتعرض عليها الموضوع أولًا وبعدها لو وافقت سوف تعرض الأمر على أحمد. ابتسمت
وهي تنظر لأحمد وتقول: "استنى يا أحمد فيه ممكن حد يساعدك في الموضوع ده." "بجد قوليلي مين. عشان خاطري يا خالتي. عاصي بيه مخلي حياتي جحيم. شعري بدأ يقع من كتر التوتر." ضحكت وفاء وقالت: "يا واد اصبر شوية." ولكن أحمد أخذ يلح عليها وهو يقول: "عشان خاطري يا خالتي. عشان خاطري." ضحكت وفاء مرة أخرى وقالت:
"يخربيتك زنك. لأ مش هقول. استنى لما أكلم صاحبة الشأن الأول مش يمكن ترفض. لو وافقت أنا هكلمك وأقولك. مش عايزة أعلقك. استنى أتأكدلك." ابتسم أحمد وقال: "ياريت يا خالتي والله هتبقى عملتي فيا جميلة كبيرة والله. أنا محتاج حل للمشكلة دي في أسرع وقت." "إن شاء الله تتحل يا حبيبي. يلا تعالى ساعديني عشان أحط الأكل على السفرة."
هز أحمد رأسه بطاعة وهو يذهب خلف خالته. كم يعشق تلك المرأة التي ربته واهتمت به أثناء فترة مرض والدته. حتى عندما توفت بقت هي معه. صحيح والده تخلى عنهما من صغره ولكن خالته لم تشعره أبدًا بالنقص. كانت تصارع ما بين علاج والدته وبين تربيته وأسرتها وزوجها. خالته حقًا محاربة. *** "جاي ليه يا جورج؟ " قالتها والدة ماريانا بلوم. عبس وهو ينظر إلى حماته وقال: "جاي آخد مراتي يا حماتي. فيه إيه؟
أنا سيبتها أسبوع تهدى لكن هي هتيجي معايا." "مش كفاية اللي عملته معاها يا جورج. مش كفاية الجرح اللي جرحتهولها. كفاية بنتي عانت كفاية معاك! "دي حاجة بيني وبين مراتي يا حماتي. لو سمحتي نادي ماريانا عشان تمشي معايا." وقفت هي بوجهه وقالت: "على جثتي بنتي تطلع من هنا. أنت فاهم. ماريانا مش هتطلع من بيتي لحد ما تتعلم الأدب وتعرف أنت خسرت إيه. أنا بنتي اتكسرت على إيديك. وبعد ده كله جاي ببرود تاخدها بسهولة. يا جبروتك يا أخي."
"عايز مراتي." قالها ببرود. توسعت عينيها وصرخت به: "أنت بارد." "طيب ما ده معروف. هو أنا قولتلك العكس. عيب إحنا عشرة برضه وأكيد عارفة إني مش همشي من هنا من غير مراتي. يلا هاتيها ولا أروح أجيبها بنفسي." "لأ مش هجيبها واتفضل اطلع برا." ثم كادت أن تغلق الباب بوجهه ولكنه أوقفها وأبعدها وولج للمنزل. "أنت بتعمل إيه يا بني آدم انت!
" صرخت به ولكنه لم يهتم وهو يتجه إلى غرفة ماريانا. فتح الباب لتصرخ ماريانا وهي تغطي نفسها حيث أنها كانت ترتدي قميص نوم قصير. كانت توها استيقظت من النوم بعد ليلة قضتها متعبة بسبب الحمل. "إنت إيه اللي جابك هنا تاني؟ "يالا عشان نروح بيتنا." هزت رأسها بعناد وقالت: "ده مش بيتي ولا عمره كان بيتي. مفيش حاجة ملكي هناك. لا البيت ولا قلبك. ده أحسن خليني هنا." فرك عينيه وقال:
"ماريانا أنتِ أكيد مش عايزة تجربي جناني صح. لأنه والله مش هيعجبك! رفعت حاجبيها وقالت: "مش فاهم انت بتهددني يعني." لمعت عينيه وقال: "أيوه بهددك." ثم جذب الغطاء عنها لتصرخ وتقول: "أنت يا مجنون. هات." "مفيش داعي للكسوف. كنتي بتلبسي أكتر من ده عشان تغريني." توسعت عينيها بصدمة ثم نظر إلى حماته وابتسم ابتسامة سخيفة وقال: "لأ مؤاخذة يا حماتي." ثم نظر إلى زوجته مجددًا وقال:
"قدامك حلين. أما تلبسي وتيجي معايا بكرامتك. لأما أنا اللي هلبسك بنفسي وأخدك برضه عادي. اختاري." "مش هاجي معاك. خلاص انتهى الموضوع. لأ أنت ولا عشرة زيك هيقدروا يحركوني من هنا." لمعت عينيه وهو ينظر إليها. ثم نظر لحماته ودفعها برفق قليلاً وقال: "عن إذنك يا حماتي. هلّبس مراتي. هي أكيد هتتكسف منك."
ثم أغلق الباب. نظرت هي إلى الباب المغلق بصدمة. ثم اتسعت ابتسامتها وهي تتمنى أن تنحل المشاكل بينه وبين ابنتها. ليته يحبها كم ابنته تحبه. ليته يسعدها. ماريانا تستحق السعادة. بعد قليل. كانت تجلس في سيارته وهي تشعر بالصدمة. المختل فعل ما يريده. لم تستطع أن توقفه. اليوم رأت جزء مختلف من جورج. الجزء الشقي. لم تر هذا الجانب منه من قبل. *** توقفت سيارة جورج أمام مبنى ما. نظرت هي إلى هذا المبنى بحيرة وقالت: "إحنا فين؟
"انزلي بس." قالها بهدوء وقد بدا شارداً. يجب أن يعيد الأمور لنصابها. هو ليس برجل خائن. هو يمقت الخيانة. ولكي يضمن أنه لن يقع في الخطأ يجب أن يفعل هذا. ربما هو يستغل ماريانا قليلاً لإبعاد تأثير سيلا عليه. ولكن هذا أفضل للجميع. أمسك كف ماريانا وهو يلج معها إلى المبنى. ثم وقف أمام منزل معين وهو شارد قليلاً ثم بآلية ضغط على جرس المنزل ليُفتح الباب وتخرج سيلا وتنظر إليهما بصدمة. ***
خرجت من منزلها وهي تمسك حقيبتها. قررت أن تسافر وتهرب من كل شيء. لن تبقى هنا. بعد انفصالها عن سيف هذا هو الأفضل. توقفت أمام البناية وهي تبحث عن سيارة أجرة ولكنها فجأة كتمت أنفاسها وهي تراه أمامها. صالح ينظر إليها بضيق. اقترب منها وقال: "كنت حاسس إنك هتهربي مني. بعد الاستقالة الغريبة اللي قدمتيها." "ابعد لو سمحت." قالتها وهي تحاول أن تبتعد عنه ولكنه أمسك ذراعها وقال: "أنتِ سبتي سيف صح؟ سيبتيه عشاني."
"صالح ابوس إيديك سيبني أمشي. أنا فيا اللي مكفيني." حاصر وجهها ولم يهتم كونه بمنتصف الشارع وقال: "ليه مش فاهمة إننا بنحب بعض؟ ليه؟ أنا بحبك." انهمرت الدموع من عينيها. كادت أن تصرخ به ولكن صوت قوي جمد الدماء في عروقها. "نوال! نظرت إلى مصدر الصوت لتشحب وهي ترى سيف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!