مياس لسيف. "ازاي؟ أكيد فيه أمل... يا دكتور، أكيد فيه حل؟ يعني إزاي تقضي على كل آمالي بكلمة واحدة كده؟ " قالتها بصوت مختنق وبسرعة وهي تشعر أنها تختنق. كان نفسها يضيق وهي تتكلم. شعر سيف بالخوف عليها وهو يراها بتلك الحالة. اقترب منها وهو يحاول تهدئتها، ولكنها بدت في حالة ميئوس منها. "مياس... مياس، ممكن تهدي؟ " قالها وهو يمسك وجهها، إلا أن الدموع كانت تغرق وجهها وهي تقول: "إزاي... إزاي يقولي مفيش أمل يا سيف؟ حرام!
أنا كان عندي أمل كبير. كنت جاية وأنا مبسوطة، إزاي تكسر فرحتي بالشكل ده؟ أكيد فيه أمل... اكشف تاني لو سمحت. أنا مستعدة أمشي على الخطوات اللي هتقولها... أنا... ثم انفجرت بالبكاء. لتلمع الدموع في عيني سيف وهو يجذبها إليه أمام الطبيب دون إحراج ويضمها إليه ويهمس: "مياس، إحنا قولنا إيه؟ قولي الحمد لله." اختنقت وهي تهمس: "الحمد لله." ثم ابتعد عنها وهو يمسك كفها، بينما نظرت إلى الطبيب بعينين حمراوين من شدة البكاء. كان الطبيب
ينظر إليها بشفقة ويقول: "حروقك صعبة يا مدام مياس... أنا للأسف مقدرش أساعدك، بس يمكن في يوم دكتور أشطر مني يقدر يساعدك. أنا آسف." انهمرت الدموع أكثر من عينيها وهي تهز رأسها بيأس. في السيارة. كان يقود سيف سيارته بكل هدوء، بينما مياس تسند رأسها على النافذة والدموع تجري على وجهها. كل آمالها تم القضاء عليها. كيف يمكن لكلمة واحدة أن تقلب حياتها لتلك الدرجة؟
كيف يمكن أن تنهار فجأة وهي التي ظنت أن الأمور كلها سوف تكون على ما يرام؟ شهقة مختنقة أفلتت من بين شفتيها، ليوقف سيف السيارة بهدوء ثم ينظر إليها وهو يسحبها إليه ويعانقها. تمسكت به وهي تنفجر بالبكاء. شعرت أنها سوف تفقد عقلها في أي وقت. "يا حبيبي، إحنا قولنا أي حاجة هنتقبلها ونقول الحمد لله. عشان خاطري يا مياس، متعيطيش. والله قلبي بيوجعني عليكي." "أنا كان عندي أمل يا سيف... أمل كبير." تنهد وهو يشدد من احتضانها ويقول:
"عارف يا حبيبي، بس أمر ربنا. مفروض نقول إيه... ابتعدت عنه وهي تهمس: "الحمد لله." ابتسم لها وهو يمسح دموعها ويقول: "برافو عليكي." "أنا كان نفسي أكون جميلة عشانك." همست بها بإختناق. ليعبس ويقول: "عشاني إزاي يعني؟ رفعت عينيها وهي تقول بتوتر: "أنت من حقك تكون مع واحدة جميلة... من حقك... وضع كفه على فمها وقال: "بطلي عناد. قولتلك ميت مرة أنا مش عايز غيرك. أعمل إيه تاني عشان تثبتلك إني فعلاً بحبك يا مياس؟ أنا بجد تعبت."
ثم ابتعد عنها وهو ينظر للجهة الأخرى غاضباً. أمسكت ذراعه وهي تقول بلهفة: "حقك عليا يا سيف، بس أنا والله مخنوقة. أنت مش حاسس بيا." نظر إليها وقال: "لا حاسس يا مياس، وعشان كده أنا مش بعلق على اللي بتعمليه. بس أنا بدأت أتعب. مش عارف أعمل إيه عشان تقتنعي إني متقبلك بكل أحوالك. أنا روحت عشان أنتِ اللي أصرتي على الفكرة، لكن الموضوع آخر همي." تنهدت وهي تقول: "عارفة يا حبيبي." رمش وهو ينظر إليها وقال: "أنتِ قولتي إيه؟
احمر وجهها وهي تقول: "مقولتش حاجة." ابتسم بسعادة وقال: "لا قولتي... بس مش مهم. هتقوليها كتير الأيام اللي جاية يا فراشة." أمسك كفها وقبله وهو يقول: "من النهاردة مش عايزة أشوفك بتبكي. عايزين نجهز نفسنا عشان هننقل ورقك من الكلية اللي في إسكندرية عشان هتدرسي هنا من السنة اللي جاية." هزت رأسها ليمسح بقايا دموعها وهو يقول: "متعيطيش تاني، ماشي؟
هزت رأسها وهي تحاول ألا تبكي، ولكن الدموع كانت تنهمر دون إرادة منها. أخرج محرمة ورقية ثم أخذ يمسح دموعها بلطف وقال: "هنروح دلوقتي نرتاح عشان فيه مفاجأة ليكي أنا محضرها. ومش هقولك هي إيه عشان متقعديش تترجيني كتير، عشان أنا ضعيف قصادك وممكن أقول عادي." ابتسمت إبتسامة حقيقية ليقول براحة: "أيوه كده خلي الدنيا تبقى حلوة." ثم غمز لها وانطلق بالسيارة. في المنزل. كان جلال يجلس وهو يتكلم مع شخص ما: "يعني إيه هرب؟
إزاي يهرب من السجن؟ إزاي قدر يعمل كده؟ وضع جلال كفه على رأسه وهو يشعر بإرتفاع ضغط دمه. جلس على المقعد وهو يضع كفه على صدره بينما يشعر بصعوبة في التنفس. لقد فعل المستحيل ليزج به للسجن، وقد استطاع أن يحرر زوجته عهد منه. تلك المسكينة التي عذبها ولم يرحم ضعفها. والآن بكل بساطة يخبروه أنه هرب؟ يا رب. "تمام... تمام... اقفل دلوقتي." قالها وهو يتنفس بصعوبة. أغمض عينيه للحظات وهو يحاول أن يهدأ نفسه. سوف يجدوه. سوف يجدوه.
فتح عينيه عندما شعر بأحدهم يفتح الباب. كان هذا سيف ومياس. نهض جلال من مكانه وهو يبتسم لهم ويقول بلطف: "ها، إيه الأخبار؟ اختفت الابتسامة من وجه مياس ثم تجمعت الدموع في عينيها، وفجأة انفجرت بالبكاء. "آه يا ربي." قالها سيف بتعب وهو يمسح على وجهه، بينما اقترب جلال بفزع من مياس وهو يقول بلهفة: "مياس، حبيبتي مالك؟ لم ترد عليه بل عانقته بقوة وهي تبكي. ربت على ظهرها وقال: "خلاص يا حبيبتي، خلاص."
ولكنها لم تتوقف عن البكاء وهي تتمسك به. "قالي مفيش أمل." تنهد جلال وهو يقول: "الأمل في ربنا وحده يا بنتي." "ونعم بالله." قالتها مياس بصوت مختنق وهي تمسح دموعها. ليقترب منها سيف وهو يعانق خصرها بكفه ويقول: "عن إذنك يا بابا." ثم نظر إلى مياس وقال: "اطلعي يلا عشان ترتاحي."
ثم سار بها وهو يضمها إليه. كان جلال ينظر إليها بشفقة. تلك المسكينة عانت بما فيه الكفاية. لقد ظن أنه سوف ينتقم من معاذ، ولكن هذا الرجل حقير للغاية. بالطبع لم يترك مياس وشأنها. تنهد وهو يفكر أنه يجب أن يتحرك. لا يجب أن يعرف سيف أو مياس بما حدث. في غرفة سيف ومياس. ساعدها لكي تلج للغرفة ثم أجلسها وجلس بجوارها وهو يمسح دموعها ويقول بلوم: "مياس، إحنا قولنا إيه؟ هزت رأسها وقالت: "مش بإيدي والله... أنا بتعذب يا سيف."
"عارف يا حبيبي والله عارف." قالها وهو يضمها إليه ثم أكمل: "بس ده قدر وهنتقبله." ثم أبعدها وهو يمسح دموعها وقال بحماس: "يالا بقا يا كسلانة، مفيش راحة. حضري شنطة صغيرة وخدي فيها لبس ليكي وليا." عبست وهي تنظر إليه وتقول: "وده ليه؟ نقر على أنفها بإصبعه وقال: "هتعرفي بعدين. يلا جهزي الشنطة عقبال ما أطلب منهم يعملوا لينا أكل عشان أنا هموت من الجوع." هزت رأسها وهي تتجه للخزانة لتفعل ما يريد، بينما خرج هو.
"شوفت الدكتورة الجديدة اللي جات المستشفى؟ بنت قمر. قمر." قالها مروان صديقه بغرفة الملابس. رفع جاسم عينيه وتأفف وقال: "يا أخي اتقى الله، أنت متعرفش تغض بصرك أبداً؟ وبعدين أنت ترضى حد يتغزل في أختك أو مراتك؟ عيب يا مروان." حك مروان رأسه وقال: "نفسي أكون والله زيك يا جاسم. أنت إنسان محترم ومتدين. يا بخت مراتك بيك. أنا مراتي والله كويسة بس أنا مطلع عينيها."
غامت عيني جاسم للحظات وشعر وكأن أحدهما لكمه بقوة في معدته. هو الرجل المحترم التقي الذي لم يطلق نظره على فتاة لا تحل له. ظل يتقي الله منتظراً مكافأته في حب حياته، ليُخذل بتلك الطريقة ويكتشف أن من أحبها وأعطاها حياته كلها ليست فتاة شريفة. بل فتاة أعطت جسدها لرجل آخر قبله. ومراد من يفعل ما يحلو له حصل على امرأة شريفة كزوجته!!! كان يشعر بالقهر والغضب، ولكن فجأة أغمض عينيه وهو يستغفر الله في سره ويقول:
"اللهم لا اعتراض. اللهم لا اعتراض. سامحني يارب عشان اعترضت حتى في تفكيري. سامحني إني خليت الشيطان يسيطر عليا للحظات. يارب ده ابتلاء وأنا راضي بيه ومش زعلان عشان عارف إنك هتعوضني عن اللي عشته. عارف إنك هتطبطب على قلبي. يارب اديني القوة عشان أقدر أعدي المحنة دي على خير. خلي الشهور دي تعدي على خير لحد ما أطلقها وتمشي. يارب ريح قلبي." فتح عينيه مجدداً ووجد مروان ينظر إليه بحيرة. تنهد جاسم وهو يشيح بعينيه عنه فقال مروان:
"هو أنا ليه حاسس إنك مش مبسوط؟ يا عم ده أنت عريس جديد حتى." "عريس؟ " قالها بنبرة فيها سخرية. ليرفع مروان حاجبيه ويقول: "فيه حاجة يا جاسم؟ سحب جاسم المعطف الأبيض الطبي وهو يرتديه بينما يقول بهدوء: "مفيش حاجة."
ثم خرج من الغرفة. لج لغرفة الطوارئ وهو يمسك السماعة الطبية. فجأة وقف وهو يرى فتاة غريبة. ملامحها للوهلة الأولى بدت مألوفة. عينيها بنية وشعرها أسود طويل. ترتدي قميص أبيض اللون أسفله بنطال جينز أسود يعلوه المعطف الطبي. على نحرها يستقر سلسال ذهبي مكتوب عليه "حورية". أجفل قليلاً عندما نظرت إليه فأطرق برأسه وهو يشعر بالخجل من نفسه. كيف ينظر لفتاة غريبة بتلك الطريقة؟ ألم يوبخ مروان من أجل هذا؟
"جاسم." قالتها الغريبة وابتسامة تتشكل على شفتيها المصبوغة بلون شفاه أحمر. ثم اقتربت منه وهي تمد كفها وتقول: "بقالي كتير مشوفتكش." رفع عينيه بحيرة وقال: "أنتِ تعرفيني؟ كست خيبة الأمل وجهها وقالت بلوم: "طيب سلم الأول." "أنا آسف، مبسلمش على ستات." سحبت كفها بإحراج وهي تنظر حولها وحمدت ربنا أن الأطباء مشغولون بالحالات.
"عن إذنك، أنا ورايا شغل." قالها وهو يهرب نحو العمل وهو يحاول تذكر هذه الفتاة. بينما هي وقفت مكانها وهي تهضم إهانته، توبخ نفسها وتهمس: "إيه الغباء اللي أنتِ فيه ده يا حورية؟ ما طبيعي مش هيفتكرك. هو أصلاً مكانش بيبص عليكي. وبعدين عارفة إنه متدين أوي، كان لازم تمدي إيديك وتحرجي نفسك. بجد غبية... غبية."
خرجت من غرفة الطوارئ وهي تحرك كفها يمين ويسار. رؤيته بعد كل تلك السنوات أحضرت مشاعر عنيفة لقلبها. مشاعر ظنت أنها نسيتها، ولكن الآن اكتشفت أنها لم تنساه أبداً. لقد رفضت كل من تقدموا لها وكانت تنتظره هو. هو فقط جاسم!! أغمضت عينيها وهي تتنهد لتنتفض قليلاً، وشاب وسيم نوعاً ما يقف أمامها ويقول: "نورتينا." رمشت وهي تنظر لذلك الذي ينظر إليها بابتسامة مهذبة. هزت رأسها وهي تقول بصوتها الناعم: "ميرسي." مد كفه وقال:
"أنا مروان، اتشرفت بحضرتك يا دكتورة." ولكنها قاطعته بإبتسامة وهي تقول: "سوري، بس مبسلمش. عن إذنك يا دكتور مروان." ثم ذهبت وتركته. نظر إليها بحيرة وقال: "مع أن مش باين عليك التدين ده يعني." "تمام، أنا كده كتبت كل الخطوات بتاعة طبخة الغدا. والله الحمد لله إن جاسم سابلي الموبايل عشان أكلمك على الأقل يا رحيق." من الجهة الأخرى زفرت رحيق بضيق وقالت: "هو مش مفروض يعاملك بالطريقة دي؟ شايل منك التليفون؟ بتكلمينا بالقطارة؟
حابسك في البيت؟ ده موت مش حياة!! أغمضت نوران عينيها بأسى وقالت: "كفاية يا رحيق لو سمحتي... أنا راضية بكل اللي بيعمله." "نوران دي... "مش حياة، أنا عارفة بس أنا أستحق ده. أنا غلطت في حقه. مهما حاولنا ننكر ده، بس ده إنسان دخل البيت من بابه. حافظ عليا من النظرة الحرام حتى. لما اتخطبتله مفكرش حتى يمسك إيدي. كان بيعاملني كأني جوهرة. غصب عنه اتصدم يا رحيق."
تنهدت رحيق وهي لا تدري ماذا تقول. هي تشفق على شقيقتها بسبب ما تعيشه. تشعر أنها أخطأت التقدير عندما طلبت منها الصمت وعدم الاعتراف له. ولكن بدا أن هذا هو الصواب. كان الأولى أن تستر على نفسها. حكت جبينها بتعب وقالت: "أنا مش عارفة أقولك إيه تاني." ابتسمت نوران وقالت:
"متقوليش ومتقلقيش، أنا كويسة. أنا قولتلك اللي قاله هو خلاص مش هيأذيني. خلينا نقفل على السيرة دي. أنا راضية بكل حاجة. أهم حاجة إني اتسترت وأنا عمري ما هنسى ليه المعروف ده أبداً! المهم اهتمي بنفسك أنتِ وسيبك مني. أخبار عاصي معاكي إيه؟
كسا الحزن وجه رحيق وهي تتذكر معاملته الباردة لها. معاملة أوجعت قلبها. لقد ظنت أنهما انسجما أخيراً، ولكن البرود أصبح مسيطراً على علاقتهما بشكل أنهكها وأوجع قلبها. ولكنها بالطبع لن تخبر شقيقتها بالأمر، فالجميع يظن أن هذا هو زواج حقيقي. ولن تخبر نوران بالأخص، فيكفي ما تعانيه! لذلك ابتسمت وهي تظهر السعادة بصوتها وقالت: "زي الفل، أنا مبسوطة أوي." ابتسمت نوران وقالت:
"عشان أنتِ واحدة طيبة يا رحيق تستاهلي ده كله. سلام يا حبيبتي." "سلام يا نوران، هتصل بيكي تاني." ثم أغلقت معها. ما أن أغلقت معها حتى تنهدت نوران بحزن وهي تتجه للحمام. قررت أن تصلي وتقرأ وردها، ثم تبدأ في إعداد الطعام. بعد قليل. كانت تقرأ القرآن بصوت متهدج بينما الدموع تنساب من عينيها. بسم الله الرحمن الرحيم. (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ)
صدق الله العظيم.
أغمضت عينيها والدموع تفيض منهما. كل كلمة تقرأها في المصحف الشريف تعطيها أمل. تجعل جروحها تلتئم، تطمئن قلبها الخائف. كلما خافت أو جزعت تهرع للقرآن. كان دوماً المصحف الشريف في منزلها هو كتاب تقرأ منه وردها بشكل متعجل أو تقرأ فيه سورة الكهف كل يوم جمعة. لم تتأمل كلماته من قبل. لم تشعر بها. ولكن اليوم هي تتأمل كل كلمة فيه. كل كلمة فيه تهدئ من روعها. ضمت المصحف إليها وهي تفكر أن يوماً بعد يوم تكتشف أشياء رائعة في دينها. دينها الذي انحرفت عنه واتبعت الشيطان.
كان يقف في مقهى المشفى يعد له قهوة بسبب الصداع الذي يشعر به. يتذكر في الصباح عندما خرج لم يرها. بل وجد الفطور معد بشكل جيد على الطاولة. كانت لأول مرة تعد فطور رائع وبشكل منظم. وملابسه جاهزة وقد تم كيها. الجوارب بجانب الحذاء الأسود الذي تم تلميعه جيداً والملابس التي يرتديها بالمشفى وضعتها بحقيبة الظهر الخاصة به مع المصحف الخاص به وقد وضعت زجاجة العطر على المنضدة أمام الباب كي لا ينسى. أنها تهتم بأدق تفاصيله الآن. ورغم
أنها فعلت هذا كله إلا أنها لم تريه وجهها. لقد التزمت بجزءها من الصفقة فأصبحت تعد له كل شيء. وقبل أن يأتي كانت تلوذ بغرفتها. وهذا أراحه وأحزنه. أراحه لأنه لن يضطر لإهانتها مرة أخرى، وأحزنه لأنه رغب في رؤيتها بشدة. هز رأسه وهو يقرب القهوة من فمه ويغرق أكثر بالتفكير.
"جاسم." صوت رقيق ناعم قطع تفكيره تماماً. نظر جاسم إلى مصدر الصوت ليجد أنه لنفس الفتاة ذات الملامح المألوفة. كانت تنظر إليه بلوم غريب. هز رأسه وقال بهدوء: "هو فيه حاجة؟ هو أنا أعرفك يا آنسة؟ ضمت شفتيها بخيبة أمل وقالت بصوت خافت تشرب من الحزن ما أدهشه:
"أنا حورية عز الدين يا جاسم. كنت معاك في طب أسيوط نفس الدفعة. كنت أبقى صاحبة خطيبة صاحبك طارق، بس أنت للأسف مكنتش بتاخد بالك من أي واحدة في الدفعة. دايمًا كنت منغلق على نفسك." كلامها ذكرها بكيف كانت في الجامعة. كان شاب ملتزم للغاية. لم يحب أبداً الاختلاط المبالغ بين الشباب والفتيات وكان يبتعد عن أي تجمع كهذا. صحيح أن كان هذا شبه مستحيل في الجامعة التي بها، إلا أنه قاوم. أطرق برأسه وقال: "لا مؤاخذة يا دكتورة." ابتسمت
وهي تهز رأسها وتقول: "ولا يهمك. المهم إني مبسوطة أوي عشان شوفتك يا جاسم." هز رأسه دون معنى ثم غادر من أمامها، لتتنهد هي بحب وتضع كفها على قلبها بينما تشعر بالفراشات تتحرك بمعدتها وقالت: "شكلي هطفح الفراشات قريب ولا إيه؟
بعد انتهاء ساعات العمل الخاصة بجاسم، قرر الذهاب إلى المنزل كي يرتاح قليلاً ويذهب إلى عيادته الخاصة كطبيب أطفال. أدار المفتاح في الباب ليلج إليه. توقفت ورائحة طيبة تصطدم أنفه. سار بخطوات بطيئة نحو الصالة ليجد أنه لا أثر لها كالعادة. لابد أنها اختفت بغرفتها. بينما على طاولة الطعام كان هناك طعامه المفضل. دجاجة مشوية مع صينية بطاطس مع رز أصفر مبهر وأنواع جديدة من السلطات. رفع حاجبيه بإعجاب وهو يفكر أنها حقاً تتعلم بسرعة.
جلس على المقعد وهو لا يستطيع مقاومة الطعام، ولكنه أمسك نفسه في آخر لحظة ونهض متجهاً إلى غرفته لكي يأخذ به ملابس كي يغتسل ويغير ملابسه. بعد قليل خرج من الحمام وهو يرتدي بيجامة قطنية رمادية اللون. ثم جلس على الطاولة لكي يتناول طعامه، ولكنه
توقف فجأة وهو يتساءل: هل تناولت طعامها يا تُرى أم لا؟ يبدو أنها لم تتناوله بعد. لذلك نهض واقترب من غرفتها وهو يطرق بابها برفق وقال: "أكلتي يا نوران؟ خفق قلبها بشدة بينما كانت هي بالفعل تقف خلف الباب. حتى وهو غاضب يهتم بها. ابتسمت بحنان وهمست: "كل أنت بالهنا والشفا. أنا صايمة النهارده تطوع." هز رأسه وهو ينسحب إلى الطاولة ويكمل تناول طعامه. كان جلال يجلس على مقعده وهو يضع كفه على وجنته بينما يتنهد بعمق:
"إيه اللي شاغل بالك؟ حاسس بيك متضايق. بس مرضتش أتكلم قدام مياس." انتفض جلال قليلاً على صوت ابنه القوي. رفع رأسه وهو ينظر إلى سيف الذي اتخذ مقعد أمامه وهو ينظر إلى والده ينتظر الإجابات. استطاع جلال رسم ابتسامة على شفتيه وقال: "مفيش حاجة شاغلة بالي يا سيف. أنا بس متضايق على مياس." تنهد سيف بتعب وهو يهز رأسه موافقاً وقال:
"ومين سمعك، أنا برضه متضايق. مشوفتش انهيارها عند الدكتور هناك. وجعت قلبي فعلاً يا بابا. رغم كل حاجة الموضوع واجعها." هز جلال رأسه موافقاً وقال: "صعب برضه عليها يا ابني. دي كان عندها أمل كبير وراح. أكيد لازم تكون زعلانة. هي حالياً موجوعة، فخليك معاها." ابتسم سيف وقال بتأكيد: "أنا عمري ما هسيبها يا بابا، متقلقش. بالمناسبة، أنا وهي هنبات برا النهاردة." عقد جلال حاجبيه. فرد سيف:
"هنروح الشاليه بتاعنا، قولت نغير جو شوية يومين كده." ابتسم جلال وهز رأسه بإستحسان وقال: "ده جميل يا ابني. يعني أنا شايف كده برضه. روحوا وقضوا يومين تلاتة انبسطوا." هز سيف رأسه وابتسم قائلاً: "ده هيساعدها كتير يا بابا. وأنا هعمل المستحيل عشان أفرحها في اليومين دول." نظر جلال إلى ابنه مبتسماً. كل يوم يشعر بالراحة لأن قراره بتزويج مياس لسيف كان صحيح تماماً. نهض سيف فجأة وقال:
"تمام، أنا هروح دلوقتي أخليهم يجهزوا الأكل لينا عشان ناكل وهنمشي." بعد قليل. كانا قد تناولا الطعام وجهزت مياس حقيبة لهما ثم انطلقا بسيارة سيف بعد أن أخبر والده أنه العمل بخير ولن يتأثر بغيابه. "مش هتقولي برضه رايحين فين يا سيف؟ " قالتها مياس وهي تنظر إليه. ليرد ويقول: "تؤ تؤ، قولت مفاجأة." "أنا حاسس إنك خاطفني." "أيوه فعلاً، أنا خاطفك." ابتسمت له وقالت: "يا ريت تخطفني على طول. أنا محتاجة بجد أرتاح شوية."
شد كفه وقبله وقال: "أوعدك يا فراشة إنك هتبسطي في المشوار ده." "يارب بجد يا سيف." قالتها بتعب. ليمد يده نحو الراديو ويقول: "بتحبي أمير عيد؟ لمعت عينيها وهزت رأسها مبتسمة وقالت: "جداً بجد." ضحك وهو يفعل المسجل لتنطلق أغنية أمير عيد ويبدآن سوياً بالغناء مع صوت أمير عيد: "اتقابلنا مرة وحدة وكل مرة بستنى صدفة حلوة تجمعنا يمكن تثير الوحدة مواضيع كتير حضرتها سيناريوهات من غير عد ازاي أقرب منها وتشوفني يوم ظهر وسند
شفنا بعض هي مرة ومن بعدها بستنى صدفة وحدة تجمعنا يمكن يكون الضحكة هقوله إيه أنا لو شفتهمش بفكر إلا فيه وأنا كده من وقتها يكون لي يوم ظهر وسند هكون لها طبعاً أمير (هيبقى ليا أمير) راجل خطير في الجدعنة (واكون بلجأله للحِمى) تهرب في حضني بالساعات (نفضل نتكلم بالساعات) ذكرياتها المحزنة أشوفها تاني ولا الوقت فات؟ خايف أحلامي تموت من سُكات (أشوفها تاني ولا الوقت فات؟ (خايف أحلامي تموت من سُكات) ولا هكون بتاع بنات
عندي حكايات كتير أوي حبيب لعيب لكن تقيل واسيبها لما تستوي أفكار كتير مرت وأنا مستني صدفة تجمعنا شفته قاعد من بعيد فرحتي كملت ونورته هكون لها طبعاً أمير (هيبقى ليا أمير) راجل خطير في الجدعنة (واكون بلجأله للحِمى) تهرب في حضني بالساعات (نفضل نتكلم بالساعات) ذكرياتها المحزنة أشوفها تاني ولا الوقت فات؟ خايف أحلامي تموت من سُكات (أشوفها تاني ولا الوقت فات؟ (خايف أحلامي تموت من سُكات)
وصلا أخيراً للمنزل الصيفي. ابتسمت بسعادة وهي تنظر إلى المنظر الماثل أمامها. منزل صيفي صغير يطل على البحر. "سيف... بجد مش مصدقة." "أنت لسه بتقرأ النوتة اللي اشتريتهالي؟ ضمها إليه وهو يقبل شعرها ويقول: "عيب عليكي... كل يوم بقرأها. وكل ما أشوف حلم جديد ليكي هحققه. بحر صافي قدامه بيت صغير تهربي فيه ليومين مع أكتر شخص بتحبيه. ادي البيت وأدي البحر." ثم صمت وأشار على نفسه مبتسماً وقال: "وادي أكتر شخص بتحبيه."
"إيه النرجسية دي؟ متثقش في نفسك أوي." قالتها وهي تضحك وتدخل. ليضحك وهو يسير خلفها ويقول: "مصيرك تعترفي ليا يا جميل بحبك وساعتها والله ما هحلك." فترت شفتيها عن ابتسامة خجلة وهي تقف أمام البيت. ليفتحه هو بصمت ويسمح لها بالدخول. "اتفضلي يا أميرتي." ولجت للمنزل وهي تبتسم بسعادة. أخذت الحقيبة ثم أدخلتها لغرفة النوم. كان قد أمر بتنظيف المنزل جيداً ووضع الشراشف على الفراش. كانت تسير في المنزل وهي تبتسم.
ثم اقتربت من سيف وهي تقول: "سيف، عشان خاطري عايزة أنزل البحر." ابتسم لها وقال: "هتلاقي في الشنطة التانية اللي أنا جهزتها. بوركيني. جهزي وننزل. أنا تحت أمرك اليومين دول." بعد قليل. كان هو عاري الجذع بينما ترتدي هي ملابس البحر الإسلامية. تمسك كفه وهي تركض للبحر بحماس. تلقفته أمواجه. ثم أخذوا يسبحون لفترة طويلة. بعد قليل.
كانا ينامان على الشاطئ بتعب. مياس تنام على صدره وهي تغلق عينيها تشعر بصفاء الذهن لأول مرة. هي الآن معه. مع الشخص الذي تغرق بحبه يوماً بعد يوم. الشخص الذي أرادت أن تكون جميلة من أجله. اختفت علامات الراحة من وجهها ليتجعد وجهها بحزن وهي تقول كأنها تكلم نفسها: "كان نفسي أكون جميلة عشانك يا سيف." كان هو يدفن أصابعه في خصلاتها المبتلة. ولكن ما أن قالت هذا حتى توقف عما يفعل وقال بلوم: "تاني يا مياس."
ثم نهض قليلاً لتنهض هي أيضاً. أصبحا الاثنان نصفا جالسين وهما ينظران إلى بعضهما البعض. "ليه مش قادرة تصدقي إني بحبك كده؟ تنهدت بتعب وهي تقول: "مش بإيدي يا سيف... أنا كان نفسي... لمس بكفه وجنتها وهو يقول:
"ششش، خلاص. متتكلميش. افتكري إنك عاجباني كده. بعدين ده أمر الله يا حبيبي. منعرفش إيه اللي متخبي لينا. يمكن يكون فيه أمل ويمكن لا. واحنا هنتقبل قدر ربنا بنفس راضية ونقول الحمد لله على كل شيء. لأننا مؤمنين بالله. مؤمنين إن كل اللي يقدره ربنا كويس. وهنقول الحمد لله لأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه. وعشان كمان ربنا زي ما بياخد حاجة مننا بيعوضنا أضعاف. وربنا هيعوضك على صبرك."
رمشت مياس وهي تنظر إلى سيف. كلامه أراحها بشكل غريب وجعلها تفكر لأول مرة. أنها صحيح خسرت القليل، ولكنها تزوجت رجل رائع كسيف. أحبها رجل مثل سيف. إن كان هذا هو عوض ربنا عن وجهها المشوه، هي سوف تتقبل نفسها كما هي. سيف هو العوض المثالي لما حدث لها. لم تشعر مياس بنفسها وهي تعانقه بحب. ترغب في الصراخ وتخبره أنها تحبه، ولكنها قررت أن تؤجل الأمر. لن يكون اعترافها عادياً، بل سيكون اعترافاً أسطورياً منها. سوف تخبره بكل مشاعرها.
"يوسف، أنا مش فاهمة أنت ليه عايزنا نسيب البلد ونمشي. أنت خايف من اللي قتلوا لطيف صح؟ " قالتها ماجدة بتوتر وهي تجلس معه. تنظر إلى ابنها الذي نام على الأريكة مرهقاً بسبب اللعب. ثم أعادت تركيزها ليوسف تنتظر منه تفسيراً. "ماشي، ده سبب من الأسباب. بس أنا بحد مش عايز أقعد هنا يا ماجدة." نظرت إليه بيأس وهي تقول: "أنا مقدرش أسيب مصر يا يوسف. دي بلدي! كفه واحتوى كفها وهو يقول:
"وبلدي وبيتي كمان. بس تعملي إيه لما متلاقيش الأمان في بيتك هتضطري تروحي بيت تاني." هزت رأسها وهمست: "صدقني مش مضطرين ولا حاجة. نقدر نحمي نفسنا هنا. مفيش حاجة ممكن تأذيك بإذن الله." شد على كفها وهو يقول: "هو أنتِ فاكرة إني خايف على نفسي؟
لا يا ماجدة. أنا عمري ما أخاف من الموت. بس خايف عليكم. أنا دخلت حرب أنا مش قدها. وحاسس بريحة الخسارة. لو الهروب بيكم هو الحل، أنا ههرب بيكم. المهم مخسركمش. مخسرش عيلتي اللي أنا لقيتها بعد مدة طويلة." مد كفه ثم لمس وجنتها بحب. نظرت إليه والقلق يسكن عينيها. الدموع كانت محبوسة بعينيها. ازدادت وتيرة أنفاسها وهي تحاول أن تسيطر على نفسها كي لا تنفجر بالبكاء. ابتسم بلطف وأكمل: "هنرجع تاني، أوعدك." أمسكت
كفه وقبلتها وهي تقول: "لو ده هيريحك يبقى أنا هعمل اللي يريحك يا يوسف. هنسيب البلد." اقترب منها معانقاً وجهها ثم قبل جبهتها وقال: "ربنا يخليكي ليا."
ثم جلس على مقعده وهو يغرق بشروده مجدداً. كانت تنظر إليه وهي تشعر بالخوف بداخله. تمنت لو تستطيع أن تزيل ذلك الخوف منه، ولكنها أيضاً خائفة. كم تمنت أن تعيش حياة طبيعية. حياة ليس بها تهديد. ولكن الماضي يلاحقها لا يتركها وشأنها. ليتها ابتعدت عن لطيف في الوقت الذي اكتشفت به حقيقته! قد تكون معاناتها الآن بسبب أنها سكتت عن الحق. ظلت ترى معاناة الأهالي وصمتت تماماً. إن كان هذا عقابها...
إن كان سيكون عقابها على سكوتها عن الحق هو عدم الأمان والهروب، فهي تقبله. فربما حينها ترتاح! بعد قليل. كان يقف أمام الفراش يراقب زوجته التي تحتضن ابنها وتنام بهدوء. كان عقله لا يكف عن التفكير حينها. سوف يسافر بعد أسبوع. ثم يترك كل شيء ويهرب بعائلته. لكن هل يضمن أن لطيف لم يفعل أي شيء في تلك الفترة؟
ربما بالفعل بدأ يخطط ليقتلهم. هو يعرف أمثال لطيف، وأن من معه قد هددوه لينتقموا من ماجدة ومنه بسبب تسريب الأدلة. لن يتوانى عن قتلهم بأبشع الطرق. لذلك يجب أن يتصرف بسرعة. يجب أن يختفي تلك الفترة. صحيح، سوف يضحي بآخر امتحان لزوجته. لكنه لا يهتم. سحب هاتفه وهو يخرج للتراس بخطوات خفيفة كي لا يوقظ زوجته. أسند رأسه على السور وهو يتصل بمنير.
في الجهة الأخرى كان منير يغط بنوم عميق عندما شعر برنين هاتفه. شد الهاتف بتعب وهو يفتح عينيه بصعوبة شديدة ليرى من يتصل به الآن. توسعت عينيه وهو يرى اسم يوسف. فتح الهاتف ووضعه على أذنه بسرعة وهو يقول: "يوسف." "منير، أنا عايز أختفي." عقد منير حاجبيه والكلمات لا تدخل لعقله وقال: "نعم؟ بتقول إيه؟ "بقول عايز أختفي. أنا وعيلتي لحد ما أسافر." زفر منير وقال: "يوسف، أنت ليه كل شوية تطلعلي بحاجة غريبة؟ تختفي ليه يا ابني؟
"عشان لطيف مش هيسكت الفترة دي كلها. أكيد بيدبر حاجة. لطيف، البيت بتاعك اللي في إسكندرية فاضي صح؟ "أيوه فاضي. بكرة هديك المفتاح وروح هنا واختفي يا يوسف وربنا يهديك ويصلح الحال." ابتسم يوسف وقال: "شكراً يا لطيف. أنا مش عارف أقولك إيه. ربنا يخليك ليا. أنت مش صاحب بس أنت أخ كمان." "خلصت يالا بقا اقفل عايز أنام. من أول ما صاحبتك وانت جايبلي الرعب." ضحك يوسف وقال: "من عشمي فيك يا صاحبي."
هز منير رأسه وأغلق الهاتف مجدداً ثم نام. بينما يوسف تنفس بهدوء وهو يشعر بالراحة قليلاً. في اليوم التالي. كانت ماجدة وهي تجهز ملابسها داخل حقيبة صغيرة. ما زالت لا تفهم لماذا طلب منها يوسف هذا. رغم امتحاناتها، إلا أنه أخبرها أنهم سيسافرون حالياً. وهي لم تعلق أو تمانع. فعلت ما أراد دون نقاش. إن كان هذا سيريحه فلا بأس. لن تناقشه. انتهت من تحضير كل شيء ثم وضعت الحقيبة جانباً. وجدته يلج للغرفة وهو ينظر إلى الحقائب. "خلصتي؟
هزت رأسها بالإيجاب وقالت: "جهزنا كل حاجة. هلبس وألبس الولد ونمشي." ثم نظرت إلى قميصه الأبيض وبنطال الجينز الأزرق الفاتح ثم أكملت: "أنا شايف إنك لبست." هز رأسه بالإيجاب وهو ينظر إليها. كان يريد أن يقول شيئاً ولكنه بدا أنه يتراجع. وزوجته التي فهمت نظراته قالت بهدوء: "اتكلم يا يوسف، عايز تقول إيه؟ "مش عايزة تسألي أي حاجة؟ مش عندك فضول أنا بعمل كده ليه؟ ابتسمت بلطف وهي تربت على وجنته وقالت:
"لا خالص. معنديش أي فضول. ومش عايزة أسأل." "تعرف ليه؟ " قالها بفضول. لترد مبتسمة: "عشان أنا واثقة فيك يا يوسف. عارفة إنك بتعمل اللي تعمله عشان تحمينا." اقترب منها وقبل رأسها بقوة وقال بعاطفة: "وهعمل المستحيل عشان أحميكم! ثم ابتسم لها وهو يستمد قوته منها. فحبها من يجعله يحارب بتلك القوة. أسفل البناية.
أمسك يوسف الحقائب ثم وضعها في حقيبة سيارته وأدخل ماجدة وابنها للسيارة ثم استقلها وأنطلق بها. لتسير بعد فترة سيارة رانجر روفر سوداء. كان لطيف يسير خلفهم وهو يشعر بالدهشة. أين يذهبون؟ كان يشعر بالحيرة الشديدة.
كان يقود السيارة وعينيه على انعكاس السيارة الرانجر روفر التي خلفه. لقد أخبرته من قبل أن هذا النوع ما يقوده لطيف. إذن كان لديه حق. لطيف يراقب خطواتهم. هو ينوي الشر بكل تأكيد. وتلك الحركة توقعها من لطيف. قام بفتح هاتفه وأرسل رسالة ثم بدأ بزيادة السرعة. نظرت إليه ماجدة بتوتر وهي تقول: "يوسف، ماشي بسرعة ليه؟ "اسكتي دلوقتي يا ماجدة!
" قالها بإنفعال وهو يشعر بضغط عصبي. صمتت ماجدة وهي تضم طفلها إليها بينما تشعر بالرعب. يوسف تصرفاته أصبحت غريبة للغاية!
فجأة وصلت ليوسف رسالة وفتح هاتفه ليبتسم بنصر وهو يزيد من سرعته أكثر. شعر لطيف، وكأن يوسف اكتشف أمره. إذن ليكون الموضوع مكشوف. زاد لطيف من سرعته ووجد يوسف ينحرف لطريق شبه فارغ بسرعة رهيبة. كاد أن يذهب خلفه إلا أنه أوقف السيارة فجأة عندما قطعت السيارة طريقه وهي تسير أمامه ببطء. ضرب البوق الخاص بسيارته بغضب لكي تسير السيارة أمامه بسرعة، وعندما مرت انطلق هو بسيارته مسرعة وهو يدعو ألا يكون يوسف قد هرب. توقف فجأة وهو يرى سيارة يوسف متوقفة على الطريق. بتوجس نزل من سيارته ثم اتجه إلى السيارة. فتح الباب مسرعاً ليصرخ منير الذي كان جالساً يتناول المثلجات
مع فتاة شابة ويقول: "هو أنت من الآداب ولا إيه يا باشا؟ والله العظيم دي تبقى بنت اختي! في اليوم التالي. كان جالس على الأرض وهو ينتظر عقابه. لقد هرب يوسف وماجدة وابنه. هربوا بذكاء. عرف الآن أنه وقع ضحية للعبة يوسف. هذا الرجل كيف استهان به يوماً؟ ألم يكن هو من هدده؟ ألم يمنعه من العودة لماجدة؟ ألم يكن هو من سرب الأدلة وفتح أبواب الجحيم عليهم! كيف استهان بعقلية رجل مثله؟ كيف ظن أن بسهولة سوف يتخلص منه؟
هذا خطأه هو من قلل من شأن يوسف. "يعني فشلت في أنك تقتلهم؟ " قالها خالد وهو ينهض. عينيه السوداء تبرق بغضب شديد. غضب أدخل الفزع لقلب لطيف. لم يشعر لطيف بهذا الخوف من قبل. كانت دقات قلبه تصم أذنيه. "أنت عارف إيه هو عقابك صح؟ " قالها خالد بهدوء وببطء شديد. كان كل حرف يخرج من شفتيه يضرب لطيف بعنف. ورغم ذلك قال لطيف بلهجة مرتجفة: "أيوة عارف... الموت! ابتسم خالد وقال بسخرية: "ومهربتش ليه يا أذكى أخواتك؟ هز كتفيه وقال:
"يعني لو هربت مش هتجبوني؟ أنا عارف إن لو روحت آخر بلاد المسلمين هتقدروا تجيبوني. فمفيش فايدة. فجيتلكم بنفسي، وأهو منضيعش وقت كتير بما إن كده كده مصيري معروف."
"قد إيه أنا معجب بذكائك يا صديقي." تلك الكلمات خرجت بصوت غريب وثقيل وبحروف بطيئة للغاية كأن المتحدث لا يتقن العربية جيداً. رفع لطيف رأسه ليرى شخص ينزل من درج الفيلا المهجورة الذي هو بها. يمسك بـ "هر" من اللون الأسود لديه عينين رماديتين مخيفتين. كان هذا الشخص يرتدي قناع لمصاص دماء لا يظهر إلا عينيه الرماديتين الباردتين وشفتيه التي تفتر عن ابتسامة ساخرة. ابتلع لطيف ريقه وهو ينظر لخالد بفزع. فهو أبداً لم يرى هذا الشخص بحياته. لم يتكلم خالد بل أحنى
رأسه بإحترام وهو يقول: "هقتله دلوقتي يا دارك." "تؤ تؤ، يا خالد." قالها الآن بلهجة واضحة سليمة. فبدا لطيف مضطرباً. هذا الرجل تكلم من قبل وأظهر أنه لا يتقن العربية جيداً، ولكن الآن مخارجه كانت سليمة تماماً كأنه ابن البلد. ذهب دارك وجلس على مقعده وهو يقول: "لطيف صديقنا برضه. فيها إيه لما يغلط؟ الإنسان بيغلط برضه، ولا إيه يا لطيف؟ اهتزت حدقتاه برعب. فبدت الهالة لهذا الشخص مرعبة. بدا كأنه شخص لا يرحم. ابتلع لطيف ريقه وقال
بسرعة بنبرة مرعبة مهزوزة: "أيوه أكيد. الإنسان بيغلط. أيوه بيغلط." اتسعت ابتسامة دارك وقال: "وأنا بحب الإنسان اللي بيعترف بغلطه يا لطيف. بس هي مش غلطتك لوحدك. غلطة شوية الحمقى اللي أدولك فرصة تاخد عليهم أدلة." رمش خالد وهو يشعر بشيء مريب، بينما أصاب الرعب لطيف أكثر فأكمل دارك: "هما أغبيا لأنهم وقعوا في فخك. بس أنت أغبى منهم. تعرف ليه؟
صمت لطيف وهو ينازع ليتنفس. رباه يشعر بالخطر يحدق به. كان يتضرع أن يقتله هذا الرجل برحمة على الأقل. "قولي يا لطيف، ليه؟ ارتجف لطيف بشكل مبالغ فيه وقال: "ليه؟ اشتعل الرماد بعينيه ونهض وهو يقترب منه بسرعة البرق، بينما أخرج سلاحه وأمسكه من شعره ورفع رأسه نحوه وهو يهدر به: "عشان هما على الأقل اللي وقعهم راجل زيهم. أنما أنت اللي وقعك ست... مرا!! كائن أقل منك في كل حاجة منهم الذكاء. إزاي كنت بالغباء ده مع كائن ترتيب تاني؟!
ارتجف بقوة وهو يرى الغضب بعينيه. غضب كبير. "اديني فرصة تانية وهقتلها." "هي المشكلة تقتلها ولا لأ. المشكلة إنك حطيت صباعك تحت ضرسها. بإيديك سلمتها حكم إعدامك. بإيدك أنت!!! ثم ابتعد بغتة وسحب يده ثم وضع السلاح على كفه وأطلق النار عليه. صرخ لطيف بقوة وهو يسقط أرضاً بينما يده تنزف بغزارة. تجمعت الدموع بعينيه وسقطت حتى أغرقت وجهه. وقف دارك أمامه وقال:
"متزعلش مني. أنا بس بشد ودن الناس اللي بحبهم عشان يتربوا ويبطلوا غباء. وأنا بجد بحبك يا لطيف أوي عشان كده أنا لحد دلوقتي مقتلتكش." ثم انحنى وجذبه من كفه المصابة ليصرخ بألم. فقال دارك موبخاً: "يا راجل متبقاش خرع أومال... ثم أوقفه على قدمه وأخذ يجذبه خلفه وقام بدفعه نحو المقعد الخاص به حتى سقط عليه. "تؤ تؤ...
ده مكان دارك." قالها ساخراً. ثم جذب لطيف بقسوة وأجلسه أرضاً بجوار المقعد وجلس هو على المقعد وهو يضع ساق على ساق. نظر لـ "هرته" الجالسة بتهذيب على الأرض وقال: "كاتيا تعالي هنا." هبت الـ "هر" ثم أسرعت نحوه لتجلس على قدميه. ملس دارك عليها بلطف وقال: "أهي دي الأنثى الوحيدة اللي أسمحلها تقرب مني. اتعلم مني يا لطيف." قالها دارك مبتسماً ثم أكمل وهو يضرب على كتف لطيف الذي يئن بجانبه. وقد خلع سترته ليوقف نزيف يده وقال:
"أنا هفرجك على عرض هايل أوي يا لطيف. عرض يوضحلك قد إيه أنا بحبك." صفق بيده ليقع ستار أخضر كبير عن حوض زجاجي عملاق يصل للدور الثاني. توسعت عينا كلا خالد ولطيف بشدة وهما يشاهدان أفعى كبيرة عملاقة خضراء تظهر بالحوض. نظر خالد إلى دارك بصدمة وقد فغر فاه. ابتسم دارك وهو يشد لطيف نحوه ويقول: "الأنكوندا الخضراء... حيواني الأليف المفضل. أنا اللي ربيته وصنعت له الحوض دخل مخصوص."
ابتلع لطيف ريقه وهو يفكر أن هذا الرجل مجنون للغاية. أغمض عينيه وقد عاوده الألم بقوة، ولكن فجأة شهق بقوة وقد نسي الألم ونسي كل شيء وهو ينظر إلى ما يوجد في الحوض الزجاجي. أليس هذا هو... رئيسه الذي يعمل لديه؟ ذلك الرجل الذي صوره؟ ظن أنه رئيس العصابة ولكنه لا يبدو أنه هو. اهتز خالد بعنف وهو يرى رئيسه الأول في حوض الأفعى. ابتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر إلى دارك الذي تألقت عيناه بانتشاء غريبين.
"بدأت المعركة." قالها وهو يملس بقوة على "هرته" ويقول: "شوفي يا كاتيا، ده هيعجبك أوي." صرخ لطيف برعب وهو يجد الرجل يصرخ وهو يضرب على الزجاج بقوة بينما جسده مغرق بدماء مجهولة المصدر. ثم رأى الأفعى تقترب ببطء ثم أخذت تلتف حوله بقوة حتى سمعوا بوضوح انكسار عظامه. ثم بدأت الأفعى بابتلاعه حرفياً. أغمض لطيف عينيه. لقد رأى ناس تُقتل ببشاعة. وشارك هو أيضاً في هذا. ولكن بشاعة كهذه لم يراها من قبل. بعد لحظات بدت طويلة نهض
دارك وهو يصفق وقال بمرح: "برافو ماتيلدا. برافو. عرضك كان حلو أوي." ثم جلس بجوار لطيف أرضاً وهمس: "ده هيبقى جزاء أي حد يرتكب غلط يؤذينا يا لطيف. عشان حبيتك هديك فرصة تاني. أسبوع واحد تجيب رأس طليقتك وابنك وجوز طليقتك، وإلا أنت هتكون الوجبة التانية لماتيلدا! كلامي واضح يا لطيف ولا... لطيف رأسه وقال بصوت مخنوق: "حاضر... حاضر... "شاطر أوي. شكلي هحبك زي خالد." نهض وهو يمسك "هرته" ويقول: "داوي جرحه يا خالد. وأهتم بيه أوي."
ثم صعد الدرج. بعد أسبوع.
لم تكن يوماً شخصية باردة أو متجاهلة. لقد اعتادت على سماع الإهانات بهدوء وكانت تصمت تتحمل. والأمر ليس لضعفها، ولكن من كانوا يهينوها أما أشخاص هي لا تهتم بهم، لذلك الرد عليهم سيكون بلا معنى، أو أشخاص تحبهم بشدة لا يمكنها أن تغضبهم. وهما دلال ونوران. ولكن مع هذا الشخص الذي من المفترض أن يكون زوجها، هي أصبحت باردة كالجليد، متجاهلة له بشكل أثار ضيقه وغضبه. أسبوع كامل وقد انقلب الأمر عليه. فهي من كانت منذ أسبوع تحاول التحدث معه أصبحت الآن لا تكلمه إلا نادراً رغم محاولاته الخفية. ترى نظراته جيداً وهو يفحصها بشكل وقح، ولكي تزيد من حنقه أصبحت كل ملابسها واسعة للغاية. تخلت عن الفساتين وارتدت تلك السراويل الواسعة والبلوزات أيضاً.
بالإضافة إلى تجاهلها المقيت له. هي حتى لا تنظر إليه. تتعامل معه كأنه غير مرئي. تفعل ما أتت لأجله بالضبط. تهتم بأملاك كأنها ابنتها. وفي الليل تشاركه الغرفة دون أن تتكلم معه.
في تلك الليلة كانت قد قرأت لأملاك القصة وساعدتها على النوم. قبلتها بهدوء وهي تنسحب من الغرفة. كانت قد صلت وقرأت وردها. إذن الآن كل ما تفعله هو الاستحمام ثم الخلود للنوم مباشرة دون الاحتكاك مع عاصي. وهذا كان مريحاً للغاية. فصدى كلماته الجارحة لم يترك عقلها بعد. اتجهت إلى الغرفة وهي تفرك عنقها بتعب. فتحت الباب لتتنهد براحة وهي ترى أن زوجها لم يأت بعد.
"الحمد لله." همست بها. وهي تتجه للخزانة وتخرج ملابسها المعتادة. بنطال واسع من القماش باللون الأزرق. وبلوزة واسعة أيضاً بيضاء بأكمام واسعة. ثم اتجهت إلى الحمام. أخذت وقتها تلك المرة في الحمام. وقفت تحت صنبور المياه الباردة وهي تغمض عينيها تصفي ذهنها من أي شيء. كانت لا تريد التفكير بأي شيء يخص عاصي. لا سخريته الباردة. ولا كلامه الجارح. ولا عينيه الزرقاء الرائعة. سوف تنسى كل هذا وتركز على أملاك. فقط أملاك.
بعد وقت ليس بقليل. خرجت من الحمام بعد أن جففت نفسها وارتدت ملابسها. ولكنها فجأة شهقت وهي تراه يجلس على الفراش. يرتدي قميصه الأزرق التي يبرز عضلات جسده بينما سترته ملقية بإهمال على الفراش. فترت شفتيه عن ابتسامة ساخرة وقال: "إيه؟ شوفتي عفريت؟ تنهدت وهي لا ترد عليه واتجهت لطاولة الزينة وهي تمشط شعرها. نهض وهو يقترب منها لتبتلع ريقها بتوتر وهي تشعر بتسارع دقات قلبها التي قد صمت أذنها!
وقف خلفها مباشرة وعينيه تمر عليها بنظرة غريبة. عابثة. رغم جدية ملامحه. لم تتحمل أكثر واستدارت وهي تقول بهجوم: "أنت... أنت بتبص على إيه؟ رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة وقال: "هبص على إيه؟ على الشوال اللي أنتِ لابساه؟ بعدين أنا عايز أتكلم معاكِ في موضوع." نظرت إليه بنفاذ صبر وهي تنتظر ما يريد قوله. ليكمل هو ببراءة: "هو أنتِ ليه بتتجاهليني؟ رمشت عدة مرات بصدمة. ثم أرخيت رأسها وهي تشعر أنه مجنون. ألم تكن تلك هي رغبته؟
تنفست عدة مرات وهي تحاول السيطرة على نفسها وقالت من بين أسنانها: "مجنونة بقا تعمل إيه؟ ربنا يصبرك على ما بلاك." ثم كادت أن تذهب إلا أنه أمسك ذراعها وهو يجذبها نحوه حتى أوقفه على مسافة قريبة منه. ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه. كانت ملامحه باردة الآن. باردة للغاية. باردة كأول يوم رأته فيه. ابتلعت ريقها وهي تشعر أنه سوف يقول شيئاً لن يعجبها. وقد كان! "أنا عايز أتمم جوازنا!
قالها فجأة بصراحة ليست غريبة عليه. فهو رجل لا يعرف أن يجمل كلامه. هو يقول ما يريده هكذا دون ترتيب. ابتلعت رحيق ريقها وقد وصلتها معنى كلماته. كانت تشعر بالسخونة تجتاح جسدها خاصة مع اقترابه بهذا الشكل حيث أنه يقف أمامها يكاد رأسها يلامس صدره. رفعت عينيها بإرتباك لتجد نظراته جامدة كعادته. خالية من المشاعر. "مش فاهمة! " قالتها بإرتباك. ليبتسم ساخراً ويقول: "يعني كلامي مش واضح يا مدام؟
معقول. طيب نقولها بطريقة تاني. أنا عايز حقوقي الشرعية. كده فهمتِ." تحركت عن نطاقه وهي تشعر أنها سوف تفقد الوعي من الصدمة. كان اللون الأحمر ينتشر على وجهها بشكل محبب وقالت: "بس... بس أنت قولت إني هبقى دادة لأملاك بس. قولت إنك مش معتبرني مراتك." هز كتفيه بلا مبالاة وقال: "عادي، غيرت رأيي." "طيب... طيب ممكن تديني فرصة أفكر؟ هرد عليك بعد أسبوع." نظر على ساعته وقال:
"أنا هروح أعمل التمارين المعتادة بتاعي ودي تقريباً بتاخد ساعتين. هاجي بعد ساعتين وآخد قرارك. أما الموضوع يتم برضاكي أو.... غصب عنك." تراجعت بصدمة ليبتسم لها ببراءة وقال: "ممكن تجهزي نفسك في الساعتين دول عشان مناخدش وقت كتير." ثم تركها وذهب. جلست بصدمة على الفراش وهي تحرك كفيها يميناً ويساراً لكي تبرد وجهها الذي أصبح ساخن فجأة. في غرفة الرياضة.
كان قد اتجه إلى خزانته وأخرج منها ملابسه الرياضية. هو في مزاج رائق اليوم ليمارس الرياضة. فهو بعد وقت طويل سوف ينال حقوقه اليوم. لقد أنهكته بتجاهلها له. صحيح أنه هو من رغب في هذا، ولكنها أخذت الموضوع على محمل شخصي. لقد عاملته كأنه ليس موجود. ولكن كل هذا سوف يتغير اليوم. كانت ما زالت جالسة على الفراش. تقرض أظافرها برعب. ماذا قال؟ هل حقاً يريد أن يتمم زواجه منها؟
تسارعت دقات قلبها وهي تهز رأسها بعنف. رباه هي لا يمكنها فعل هذا اليوم. سوف تموت من الخجل لو لمسها. يجب أن تهرب. ولكن إلى أين؟ وجدتها. سوف تبقى بجوار أملاك. لن تتحرك من جانبها مهما فعل. ثم نهضت وخرجت من غرفتها. نزلت الدرج واتجهت لغرفة أملاك وتسطحت بجوارها وهي تغمض عينيها وتدعو الله أن تمر تلك الليلة على خير. بعد ساعتين.
قد انتهى بالفعل من تمارينه. اتجه للحمام بغرفة الرياضة وتحمم به ثم ربط شعره الطويل برباط أسود وارتدى بنطال كالعادة وترك الجزء العلوي عاري. ثم اتجه لغرفته. فتحها وهو يتوقع زوجته بها ولكنه عبس وهو يجد أن الغرفة فارغة. ابتسم بخبث وهو يعرف أين هي. بعد قليل.
تخشب جسدها وهي تشعر بباب غرفة أملاك يُفتح. بلعت ريقها بصعوبة شديدة وهي تتمسك بأملاك كأنها تحتمي بها من والدها. فجأة كتمت شهقتها وهي تشعر بنفسها تُرفع من على الفراش. توسعت عينيها بهلع في الظلام وهي ترى نفسها قريبة منه. من جذعه العاري. همست برعب وقالت: "عاصي... سيبني لو سمحت... خلاص نزلني هاجي معاك." "في كل مرة تروحي تشغلي عقلك وتنامي عند أملاك هشيلك بالطريقة دي وأخليكي فرجة للخدم اللي في البيت."
ثم بالفعل خرج بها من الغرفة. شهقت فجأة نهلة وهي ترى عاصي عاري الجذع بينما يحمل رحيق التي تضع كفيها على وجهها من الإحراج. لم يهتم عاصي بنهلة وهو يصعد لغرفتهما. كسا الحزن عيني نهلة وهي تقول بإختناق: "شكله بيحبها." في الغرفة. وضعها برفق على الفراش لتفتح عينيها وهي تنظر إليه بفزع وقد أشرف عليها. يديه مثبتتان على الفراش يحاصرها بينما هي تنظر إليه بعجز. لم تعد نظراته باردة بعد الآن. كانت مشتعلة وهو ينظر إليها.
"عاصي، ابعد لو سمحت." "تعرفي إيه عقاب الست اللي تحرم جوزها من حقوقه الشرعية من غير سبب قهري يا رحيق؟ ابتلعت ريقها وقلبها يدوي بعنف وقالت: "أنت... أنت اللي قولت جوازنا هيكون بالشكل ده مش أنا. وبعدين زي ما حرام عليا أمنعك من حقوقي، حرام عليك أنت كمان تمنعني من حقوقي." كلماتها الأخيرة خرجت بتهور. ثم عضت لسانها وهي تلعن غباءها. ابتسم هو بخبث وقال: "ما هو أنا بصلح غلطي أهو. أنتِ اللي مانعاني."
"أنا مكنتش أقصد أقول كده." قالتها بخجل وهي تتحاشى النظر إلى عينيه. ليبتسم قائلاً بفكاهة: "بس أنا بتكلم جد جداً. أنا عايز حقوقي." "هتمنعيني عنها يا رحيق؟ أغمضت عينيها وهي تهز رأسها وتقول بصوت مختنق: "لا يا عاصي... اتفضل أنا قدامك أعمل اللي عايزه." توسعت ابتسامته وهو يقترب منها بينما هي تنتفض بعنف وما زالت مغمضة عينيها. فجأة شعرت به يبتعد ويتسطح على الفراش ثم يجذبها بقوة حتى ضمها إليه. شعرت بالفزع... وهي تنتظر
حركته الثانية إلا أنه قال: "اهدي، مش هعمل حاجة النهاردة." "بس أنت مش في مأمن مني." ابتلعت ريقها وجزء منها يشعر بالراحة. ولكنها ما زالت تشعر بالإحراج الشديد لأنه يعانقها بهذا الشكل. كانت تنتفض قليلاً لتتجه شفتيه إلى رأسها ويقبله وهو يقول: "اهدي، مش هعمل حاجة النهاردة." حاولت أن تهدأ من نفسها ولكنها تجمدت تماماً عندما قال:
"رحيق، أنا آسف على تعاملي معاك الأيام اللي فاتت، بس فيه حاجات مبحبش حد يسأل عنها. ومنهم موضوع أملاك. أتمنى إنك تحترمي ده." "حاضر." قالتها بهمس ثم أغلقت عينيها وهي تحاول النوم. في اليوم التالي. مساءاً.
لقد عادت إلى حياته ولكنه يشعر أنها لم تعد بعد. لم تعد ماريانا التي يعرفها. تلك المرأة التي كانت تعشقه بشدة. أصبحت امرأة أخرى تماماً. باردة تماماً. يبحث بضراوة عن الحب بعينيها فلا يجده. فيختنق وهو يبحث ولكن لا أمل. أن كل ما يخيفه الآن هو أن تكون توقفت عن حبه. هذا الأمر يرعبه. وقف وهو يجدها تجلس على الأريكة تعبث بهاتفها. هذا ما تفعله طوال اليوم. تجلس وتعبث بهاتفها. أحياناً تقرأ روايات إلكترونية وأحياناً تتابع أحد أفلامها المفضلة. صحيح أنها من تعد الطعام وترتب المنزل، ولكن غير ذلك لا تفعل. لا تستقبله عندما يأتي ولا تلمع عينيها من أجله. وهذا يقهره حقاً.
اقترب منها بهدوء وهو يقول: "ماريانا." رفعت عينيها إليه. عينيها باردة كالعادة بشكل أغاظه. ولكن سوف يتحمل. إن كان هذا عقابه سوف يتحمل. رمشت وهي تنظر إليه وقالت بنبرة جوفاء: "الأكل هتلاقيه متغطي. هتلاقيه قاعد على رخامة المطبخ. متقلقش سخن. أنا لسه واكلة. لو سمحت حط الهدوم اللي عايزة تتغسل في الغسيل. أنا مش هدور وراك." ثم أولت اهتمامها لهاتفها. ليعض شفتيه بغيظ وهو يسحب الهاتف منها. "أنت بتعمل إيه؟
" قالتها ببلادة. دون غضب فقط تنظر إليه وكأنه فقد عقله. لم يمهلها فرصة وهو يسحبها ليجعلها تقف على قدميها ثم يجذبها إليه ليعانقها بقوة!!
كانت متخشبة بين يديه. لم تقاوم. لم تستسلم له أن تبادله عاطفته. فقط ظلت ساكنة تنتظر ببرود أن ينتهي من احتضانه لها. بعد قليل ابتعد عنها وهو مصدوم. لا يصدق أن احتضانه لها لم يؤثر بها. بدت وكأنها لا تملك أي اهتمام له. أخذ يبحث بضراوة عن أي رد فعل منها فلم يجد. وكأن تلك ليست ماريانا المرأة العاطفية التي أحبها. "ماريانا." قالها مصدوماً. لترد ببساطة: "نعم." رمش وهو عاجز عن قول ما يريد. أغمض عينيه وهو يجمع كلماته وقال برجاء:
"قولي إنك بتحبيني. عشان خاطري قوليها." نظرت إليه بجمود. وكأن توسله لم يؤثر بها وقالت: "جورج، بلاش شغل عيال." ثم أخذت الهاتف منه وجلست مجدداً على الأريكة. اقترب منها بلهفة وهو يجثو على ركبتيه. يمسك كفها وهو يقول بلهفة: "ماريانا، خلينا نبدأ من جديد. قولي إنك بتحبيني. وصدقيني أنا عمري ما هزعلك تاني." "جورج، لو سمحت كفاية." قالتها بإنفعال وهي تبعد كفها عنه. نظر إليه بحزن كطفل خذلته والدته. تأفف أمام عينيه وقالت بتعب:
"جورج، أنا رجعت وده اللي قدرت أعمله. لو سمحت متضغطش عليا، لأما والله أروح لماما تاني." "بتهدديني يا ماريانا؟ " قالها بصدمة. لتهز رأسها وتقول: "لا يا جورج، ده مش تهديد. ده اللي هيحصل فعلاً. لو سمحت ابعد عني." نهض بتعب وهو ينظر إليها. كان الجرح ظاهر بعينيه. ولكنها لم تهتم وهي تتصفح هاتفها. هو يحلم لو يظن أنها سوف تعود كما كانت. شئ بها قد قُتل ولن يعود. والقاتل جورج. هو من قتل حبها له. فلما يتذمر الآن؟ في شركة الحسيني.
كان يجلس على مكتبه ينهي عمله سريعاً كي يعود. لقد اشتاق لها. لقد أخبرته في الصباح أنه قد أعدت له مفاجأة. ومنذ خمس دقائق أرسلت له رسالة لكي يأتي مسرعاً. في فيلا الحسيني. في غرفة مياس وسيف.
كانت تقف أمام المرآة وهي تبتسم بسعادة. كانت قد ارتدت فستان زفاف لطيف. كان عاري الذراعين يضيق من الخصر ثم يتسع لأسفل مع زركشة رائعة. رفعت شعرها لأعلى بتسريحة رائعة ثم ثبتت طرحة الفستان بشعرها. اليوم قررت أن تبدأ معه من جديد. قررت أن تخبره أنها تحبه. هي قبلت نفسها. لن تحاول إجراء أي جراحة. يكفي أنه يحبها. هذا هو عوض الله لها. حبيبها سيف هو دواء لكل جرح داخلها.
كان قد أنهى عمله واستقل سيارته مسرعاً وهو ينطلق بها. قلبه يخفق بإثارة. هو يشك أن مفاجأتها له هي اعترافها بحبها له. هذا الاعتراف الذي انتظره طويلاً. وقف بالطريق فجأة وهو يخرج عندما رأى بائعة ورود في الطريق. أخذ منها باقة حمراء رائعة واستقل سيارته مجدداً.
كان يسير في الطريق مبتسماً. عندما رأى شخص يشير له كي يتوقف. رمش وهو يتعرف عليه وتوقف بالفعل. وهو يترجل من سيارته وفتح فمه لكي يتكلم. ولكن فجأة هذا الشخص أخرج سكيناً كبيراً ثم طعنه بقوة في بطنه. توسعت عينا سيف بصدمة ليطعنه مرة أخرى ثم يدفعه حتى سقط أرضاً وهرب عندما شعر بأن أحد ما رآه. "أنت... أنت بتعمل إيه؟ استنى...
" قالها رجل وهو يخرج من سيارته. هرب الغريب بسرعة. بينما الرجل اقترب من سيف الجاحظ عينيه بقوة يرفع كفه وهو ينظر إلى طوق زواجه ويهمس والدموع تنساب من عينيه: "مياس."
ربما تلك هي نهاية عذابه. خوفه. فها هو يقف أمام المطار مع أسرته يستعد للسفر. طائرته سوف تقلع عما قريب. هو فقط ينتظر منير كي يودعه. لن ينسى أبداً كيف وقف منير بجواره. استل هاتفه من جيبه وهو يتصل بمنير. عبس وهو ينتظر لكي يرد صديقه. ولكن منير لم يرد. ظهر التوتر على ملامحه. فنظرت إليه ماجدة وقالت والقلق يغزو نبرتها: "فيه إيه يا يوسف؟ "منير مبيردش عليا." "إن شاء الله خير. جرب تاني كده."
هز يوسف رأسه وهو يعيد الاتصال مجدداً ثم تنهد براحة والهاتف يُفتح ليقول: "منير، فينك يا راجل." "منير معايا يا يوسف." قالها لطيف بنبرة شامتة ثم أكمل: "يا ترى هتنقذ صاحبك عمرك ولا هتسافر مع مراتك وتسيبني أقتله!!! لو مهتم أوي بحياة منير هتيجي أنت وماجدة وابني المكان اللي هبعتلك اللوكيشن بتاعه." أغلق لطيف الهاتف وابتسم وهو ينظر لمنير الواقع على الأرض غارق بدماؤه!!! يتبع،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!