تخشّب جسد نوران بالكامل وهي تنظر لزوجها بعينين متسّعتين. شعرت أن العالم يدور بها وتمسّكت بشقيقتها. رحيق كانت تشعر بالإرتباك وهي تنظر إليه، ثم أطرقت برأسها أرضاً. خافت أن يرتفع صوته ويسمع عاصي هذا، خافت أن يتم فضح شقيقتها. فهمست: "ممكن تهدّي جوزي بره؟ ابتسم بسخرية وقال: "خايفة على مشاعر جوزك إنه يكتشف إن مراته بتشجع مراتي على الفجور؟ رفعت عينيها وهي تنظر إليه وقالت بغضب: "فجور؟! هو الستر بقى فجور؟
ربنا أمر بالستر يا أستاذ جاسم. وعشان ربنا أمر بالستر، أنت سترتها بس مينفعش كل شوية تمن عليها أو تهينها عشان سترتها. مفروض تعمل كده لوجه الله." "متتكلميش عليا وأنتِ مش في مكاني. عمرك ما هتحسي بشعور الراجل في الموقف ده! هزت رأسها موافقة وقالت:
"أكيد مش هحس بشعورك، بس اللي بتعمله مهما كان غلط. أنت اخترت متتكلمش ومتسامحش، وقلت هطلقها. ومشكور قلت هتسترها ومش هتتكلم. كمل جميلك للآخر. إنك تعذبها عشان ذنبها ده مش صح. إنك تعايرها كل شوية بذنب أنت ذات نفسك ممكن تقع فيه يبقى مش صح." "أنا عمري ما أعمل كده! " قالها بعنف محاولاً إبقاء صوته منخفضاً. هزت رحيق رأسها وقالت: "بس كمان (من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله)
. فمتبقاش واثق من نفسك كتير. لما تلاقي حد عمل ذنب متعايرهوش، ادعي بس ربنا إنك متوقعش في نفس الذنب." ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه ويقول: "أنا أصلاً بضيع وقتي معاكي. والله أنا عامل حساب لأمجد المسكين. بدل المصيبة عنده اتنين، أخته الأولى زانية والتانية بتبرر الزنا. لولا إني إنسان كويس كنت فضحتك قدام جوزك يا رحيق وخربت بيتك وخليتك ترجعي مطلقة لبيت أهلك." صمت قليلاً وهو يتكلم مجدداً. يرغب بقول أي شيء يجرحها فأكمل:
"بس حرام أهلك ما صدقوا إنك تتجوزي أصلاً! ثم تركها وغادر. ما أن ذهب تنهدت نوران بقوة وهي تستند على رحيق، بينما الدموع تجري على وجهها. ضمّتها رحيق وهي تقول: "اهدي خلاص. أنا واثقة إنه هيراجع نفسه بعد الكلمتين اللي قولتهاله دول. مش من حقه يعاملك بالطريقة دي أبدًا. حقه إنه ميكملش أو يطلقك، بس مش من حقه." قاطعتها نوران وهي تبتعد عنها. كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف: "لا حقه." عبست رحيق لتكمل نوران وهي تجفف دموعها:
"إنسان زيه رسم أحلام كتير معايا. كان مستعد يعمل المستحيل عشان نتجوز. مفكرش يرتبط بيا أو يغضب ربنا فيا عشان ميتحرمش مني. طبيعي بعد ما يكتشف الكارثة اللي عملتها يغضب. تعرفي يا رحيق أنا مهما يعمل مش زعلانة منه. أنا تبت لربنا بس حاسة توبتي ناقصة. أنا محتاجة إن جاسم يسامحني. مش مهم يهـ نني أو يضر.بني. يقتـ..لني برضه المهم يسامحني في الآخر. لو مو.تي هيخليني جاسم يسامحني أنا مستعدة. يمكن وقتها أحس إن توبتي لربنا كاملة. أنا أذ.يت جاسم مهما حاولت أنكر الموضوع فأنا أذيته ومستحيل أسامح نفسي إلا لما هو يسامحني."
احتر.قت عيني رحيق بفعل الدموع وأمسكت كفها لتكمل نوران بصوت مهتز: "وأنتِ يا رحيق أنا أذ.يتك كتير بكلامي. أنا عمري ما هسامح نفسي أبدًا إلا لما تسامحيني." "أنا عمري ما زعلت منك أو حـ.قدت عليكي يا نوران. أنا كان نفسي إنك تحبيني. تعامليني كأخت. دي الحاجة الوحيدة اللي كان نفسي فيها منك. لكن يعلم الله عمري ما حـ.قدت عليكي أبدًا ولا أقدر." ثم أمسكت رأسها وقبّلته وهي تقول:
"ربنا هيسامحك يا نوران مادام توبتك صادقة. افتكري دايما إن ربنا غفور رحيم. أوعي في مرة تيأسي من رحمة ربنا. افتكري دايما الحديث ده." شدّت على كفها وقالت: "أوعي أي حد مهما كان يقنعك إن توبتك ناقصة. توبتك شرط القبول لها تكون صادقة. وتعهدي ربنا مترجعيش للذ.نب ده تاني. مش مضطرة تتحملي الإهـ.انة أو العذ.اب عشان ضميرك يرتاح. متظلميش نفسك أكتر."
تنهدت نوران وقد صمتت لم تعقب. هي لا تفهم. هي تعطي الحق لجاسم للغـ.ضب. لن ترتاح حتى يسامحها. ربما لو سامحها سيستطيع المضي قدمًا. ربما حينها سوف يتزوج من امرأة أخرى. امرأة لم يلو.ثها شخص آخر. امرأة شريفة!! ***
كانت تقف أمام النافذة وهي ترتعش بقوّة. الدموع ملء عينيها لكنها لا تبكي. ما زالت تتذكر جثما.ن طليقها بالمشرحة. كان متـ.فحّم للغاية لم تتعرف عليه من الأساس. تم إخبارها أنه حدث حري.ق ضخم بالسجن الذي به وما.ت الجميع بما فيهم هو. كانت مأساة حقيقية. لم تتخيل أبدًا أن الرجل الذي بث الر.عب داخلها يم.وت بتلك الطريقة. يم.وت ولا تستطيع أن تتعرف عليه حتى لولا التحاليل التي أثبتت أنه هو. لطيف.
تنهدت وهي تشعر بثقل بقلبها. تعلم جيدًا أن الأمر ليس مجرد حا.د.ث. تعلم أنه قد انفتحت عليه أبواب الجحـ..يم. والجحـ..يم سوف يطالها هي وعائلتها. ألم يخبرها هذا بوضوح؟ ما زالت تتذكر كل شيء. ***
"طلقني." قالتها بنبرة مـ.يتة. في منزله الكبير كانت تجلس على الأريكة بالصالة الواسعة، متشحة بالسواد. لقد مر على وفاة ابنها شهر تقريبًا. شهر وهي منفصلة عن الواقع تمامًا. دموعها لم تجف والألم يمز.ق قلبها. وسياط الذ.نب لا ترحمها. طفلها الذي ما.ت بسبب عمل والده غير القانوني لا يفارق عقلها. وضعت كفها على قلبها وهي تكتم آهة ممزقة من داخلها. يديها مخضبتان بد.ماء ابنها. لقد شاركت في قـ.تله هي تعرف. شاركت عندما لم تبتعد عن
زوجها وعمله. كانت تعرف أن عقاب الله سوف يطالها بسبب عمل زوجها. فها هو ابنها قد ما.ت بسببهم. بسبب عمل والده. فوالده قد تورط مع عصابة صغيرة. جعلهم يقوموا بإستيراد مخدر معين له ووعدهم بثمن معين ولكنه لم يعطيهم أموالهم. وكان الثمن هو حياة ابنه. صحيح أنه انتقم جيدًا خاصة بعد عمله لدى رجل صاحب شأن متورط أيضًا، ولكن ذلك لم يبرد نارها. لا يمكنها أن تعيش بالظلام أكثر من هذا. لا يمكنها أن تخسر طفلها الآخر. لذلك قالتها بكل
قوتها وهي تراه. وظلت ترددها بقوة.
"طلقني... طلقني! توقف مكانه وهو ينظر إليها بصدمة وقال: "ماجدة حبيبتي فيه إيه؟ ثم اقترب منها ليمسك كفها إلا أنها أزاحت كفه وهي تنهض. عينيها السوداء تبرقان بغضب وحقد. حق.د لا يليق بامرأة مثلها. امرأة طيبة مثلها. "ماجدة فيه إيه؟ وضعت كفيها على شعرها وهي تشعر بالذهول منه. صرخت: "فيه إيه؟ أنت مش عارف فيه إيه؟
ابنك ما.ت. ما.ت بسببك. تك.سر صوتها قليلاً وأكملت بعذ.اب: "لا بسببنا. ابنك ما.ت بسببنا احنا الاتنين. آه يا معتز ياريتني كنت أنا يا حبيبي!!! "ماجدة... " قالها وهو يمسك ذراعها. كان اليأس يكسو ملامحه. الحزن في نبرته لا يمكن إنكا.ره. ولكنها لم تهتم. النا.ر في قلبها جعلتها لا تلتفت لأي شيء آخر. "أنا عارف وحاسس بيكي." "حاسس بإيه؟ عمرك ما هتحس بقلبي المحر.وق. أنا أم... "وأنا أب...
وحاسس بيكي يا ماجدة. قلبي محر.وق زيك بس أنا أخدت حق معتز. والله اللي قتـ.لوه كانوا بيبوسوا إيدي عشان أقتلهم وأريحهم. أنا اديتهم أبش.ع موتة في التاريخ. خلي قلبك يرتاح. أنا انتق.مت منهم!! "قلبي مش هيرتاح طول ما أنا معاك يا لطيف. مش هرتاح أبدًا. أنا عايزة أتطلق. خليني أتطلق وأبعد. أنا خسرت ابن مش عايزة أخسر التاني." "مش هتخسري التاني. مش هسمح بكده. مش هسمح إنك تخسري ابننا التاني." دفعته وهي تصرخ به:
"لا هخسره. هخسره يا لطيف. طول ما أنت بتقـ.تل أولاد الناس بالزفت اللي بتشتغل فيه هنخسره. طول ما فلوسك حرام هنخسره. طول ما بتد.مر عيال الناس هنخسره. أبوس إيديك سيبني أمشي. عايزة أعيش نضيفة." "نضيفة؟ " رددها بصدمة لترد وهي تشهق وتبكي: "أيوه عايزة أعيش نضيفة. أنا حاسة إن إيديا مليانة د.م. د.م ابني ودم الناس اللي أنت د.مرت حياتهم. أنا عايز أبعد عن ده كله. عايز آخد ابني وأبعد عنك ومش عايزة منك حاجة. مش عايزة فلوس."
"مش هطلقك يا ماجدة." قالها لطيف بحد.ة ثم أكمل: "لو عايزة تتطلقي، سيبي ابنك هنا وامشي." نظرت إليه بصدمة. كانت ملامحه باردة للغاية. كان يلعب بد.ناوة. يعرف أن ماجدة تعشق محمد وأنها لن تتمكن من التخلي عنه. كانت تقف جامدة أمامه. مسحت دموعها وأطلقت القسو.ة من عينيها. قسوة لا تعرف متى امتلكتها ولا كيف. قالت: "لا هتطلقني يا لطيف لأن روحك في إيدي." عبس وهو ينظر إليها لتقول:
"تعرف المستندات اللي كنت شايلها ضد اللي معاك. القلم بتاعك اللي كان فيه كاميرا عشان تسجل أي فيديو لاجتماع ليك معاهم. وآخر اجتماع مع رجل الأعمال المشهور اللي لو طلعت الدنيا هتتقلب وصدقني هو مش هيسمي عليك ويقتـ.لك." شحب وجهه بقوة وهو ينظر إليها لتكمل: "حاجات مهمة زي كده مينفعش تشيلها في خزنة في بيتك. أنا أقدر أوصلها يا لطيف." اقترب منها وقبض على ذراعها وهو يهدر بها: "ماجدة الحاجات دي فين؟
نظرت إليه دون أن تتكلم ليدفعها عنه ويركض للداخل وهو يفتح خزانة الملابس الكبيرة الخاصة به. كان يوجد بداخلها خزانة أخرى للأموال والمستندات المهمة. فتحها ليشحب وهو يجد أن جميع المستندات والأوراق قد اختفوا. حتى مقاطع الفيديو التي سجلها لهم. نهض دون شعور منه واتجه إليها. ثم قبض على عنقها بقسوة شديدة وهو يصرخ: "فين الحاجات؟ والله هقتـ.لك يا ماجدة." حاربت لكي تتنفس وقالت بصعوبة:
"اقتلني. الموت أهون ليا بدل ما أعيش طول عمري إيدي مليانة بد.م ناس ملهاش ذ.نب. كانوا ضحا.يا شيا.طين زيك. اقتـ.لني يا لطيف. هتبقى عملت معروف كبير فيا وأنا ابني بستودعه عند الله. هو هيحميه منك!! أبعد يده وصرخ بها: "متبقاش غـ.بية. الحاجة دي لو طلعت مش أنا بس اللي هم.وت. أنتِ وابنك كمان هتم.وتوا. دوول ناس مبتهزرش. مش هيسموا عليكي. هيخلوكي تبوسي إيديهم عشان يقتـ.لوكي."
"قولتلك ميهمنيش يا لطيف. أنا مش خايفة من الموت. أنا بم.وت كل يوم من أول ما مات معتز. اللي هيحصل فيا على إيديهم مش هيفرق معايا. بس أنت قادر توقف ده كله." نظر إليها بيأس لتقول بصوت مرتجف: "طلقني وخليني أبعد عنك. خليني أربي ابني بعيد عنك. بعيد عن فلوسك الحرام. خليني أعيش." تنهد وهو ينظر إليها. خسارته كانت كبيرة ولكنه يعرف أن خرجت تلك الأدلة سوف ينتهي لا محالة!!! ***
خرجت من شرودها وهي تتنهد وتفكر أن الأمر بدأ بلطيف ولكنه لن ينتهي إلا بم.وتهم. ارتجفت قليلاً وهي تشعر بيوسف يقترب منها ويضمها إليه. تركت نفسه تستند عليه بينما تضع رأسها على صدره وتغمض عينيها والدموع تنهمر منها بشدة. "طلعوا شيا.طين يا يوسف. قتلوا لطيف بالشكل البشع ده. مش هيوقفوا. إحنا لعبنا مع الناس الغلط."
تنهد وهو يمسح على ظهرها ليهدأها. هي محقة تمامًا. لقد عبث مع الأشخاص الخطأ تمامًا. ولكنه أيضًا متأكد أن لطيف لم يمت. لقد كان يشك قبل أن يروا جثمانه، ولكن الآن بدأ متأكدًا. هذا المحقق يوجد به شيء مثير للريبة. إنهى كل شيء بشكل سريع. لقد أراهم التحليل وبدا أنه مصر على جعلهم يقتنعون أن تلك الجثة المتفحمة هي للطيف. هل أبعدوا مراد بسبب هذا الأمر ليستطيعوا أن يزوروا مو.ت لطيف ويخرجوا المتو.رطون في تجارة المخدرات من السجن؟
الآن هو يواجه معركة أكبر ولكنه يعرف أنه قادر عليها. وجودها هي من يدفعه للمحاربة ويوسف لا يترك الساحة دون قتا.ل. أما النصر أو الم.وت. *** "بقولك إيه؟ بتعرفي تسوقي ولا هتسوحينا؟ " قالها سيف ضاحكاً وهو ينظر للدراجة الهوائية. "ده تقليل مني مقبلهوش أبدًا." قالتها مياس ضاحكة، وهي تعطيه الخوذة. "أما عاش ولا كان اللي يقلل منك يا فراشة. مقدرش أعمل كده خالص. بس خير. ليه الخوذة؟ أنا بدأت أتخوّش." نظرت إليه بلوم مصطنع
وهي تمط شفتيها كالأطفال: "شوفت بتقلل مني إزاي؟ هز رأسه وهو يضحك ثم جذبها إليه ليقبلها بقوة على وجنتها ويقول: "يا خبر! مقدرش طبعًا." احمرّت وجنتها بخجل وهي تضربه على كتفه وتقول: "بس عيب! إحنا في الجنينة. حد هيشوفنا." غمز لها وقال: "متخافيش. كل اللي شغالين في الفيلا عارفين إننا متجوزين." ثم ارتدى الخوذة وقال: "يالا بسم الله توكلنا على الله." ابتسمت وهي ترتدي الخوذة الخاصة بها وتجلس على الدراجة الهوائية.
جلس هو خلفها لتقول بجدية: "امسك فيا كويس." كتم ضحكته وقال: "يا سلام. ده إحنا عنينا." ثم جذبها من خصرها لتلتصق به إلا أنها ابتعدت عنه قليلاً وقالت بحزم: "لو مبطلتش قلة أدب أنا مش هركبك معايا وهنلغي المشوار." "لا خلاص هبقى مؤدب." قالها ضاحكًا ثم تمسك بها برفق لتبدأ هي في القيادة. بعد عشر دقائق كان يتمسك بها ويقول بقلق: "براحة يا مياس. هدي السرعة يا مياس. حاسبي العربية دي." نفخت بضيق وقالت: "هو فيه إيه يا سيف؟
بتعاملني كإني طفلة. بعدين مش شايف قد إيه أنا محترفة في السواقة." "بصراحة أنا بخاف من الستات اللي بتسوق." رفعت حاجبيها وقالت: "على فكرة ده يدل إنك ذكوري. مش بتعترف بقدرات الستات في المجالات المختلفة." "لا والله. أنا بعترف بقدرات الست في كل المجالات إلا السواقة. سيبني أنا عارف بقولك إيه." ضحكا سوياً وقللت مياس من سرعتها قليلاً. *** بعد قليل.
كانت مياس بالحديقة العامة ترفع رأسها لأعلى. رغم اقتحام الصيف إلا أن الجو كانت به نسمات لطيفة. أغمضت عينيها وهي تفكر كم هي سعيدة حاليًا. وكم تخاف أيضًا. تخاف ألا تستمر تلك السعادة. هي لم تعتد أن تستمر سعادتها أبدًا. فحياتها في لحظة واحدة انقلبت. قد يحدث هذا مع سيف. قد ينقلب عليها فجأة. ربما يختفي حبه يومًا ما وحينها سوف يكرهها. لن يتحمل أن يعيش مع هذا الوجه.
"عصير القصب بالبرتقال للهانم." قالها سيف وهو ينظر إليها مبتسمًا بينما يمد لها الكوب الكبير الملئ بعصيرها المفضل. ثم جلس بجوارها وهو يشرب عصير القصب الخاص به. امسكت العصير وشربته وهي ما زالت شاردة. "حاسس إنك سرحانة من وقت ما جينا الحديقة. إيه اللي شاغل بالك؟ " قالها بهدوء لتنظر إليه بدهشة. فابتسم ابتسامة المدرك بأفكار الآخر وقال:
"مياس أنا بحبك. وأنا لما بحب شخص أصغر تفصيلة فيه بتهمني. أنا من وجهة نظري إن الحب عطاء. عطاء كبير. وأنا نفسي أديكي حياتي كلها لو طلبتيها هديهالك. بس أنا برضه حاسس إنك بعيدة عني يا مياس. بعيدة أوي." ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه. ثم أطرقت برأسها وتنهد ليكمل: "أنتِ حتى مقولتيش لحد دلوقتي إنك بتحبيني. وأنا نفسي... نفسي بجد أسمعها منك. عايز قلبي يطمن. خايف تضيعي مني." رمشت قليلاً وهمست وهي ما زالت مطرقة برأسها:
"هي الكلمة دي مهمة عندك جدًا. هي مجرد كلمة؟ هز رأسه وقال بجدية: "لما تطلع منك مش هتكون مجرد كلمة. هو.ك حاجة أنا مستنيها. كلمة تطمني إنك هتبقي معايا. كلمة تديني الأمل أحارب عشان تبقي معايا. فلا دي مش مجرد كلمة." رفعت عينيها وهي تنظر إليه. بريق الدموع المحبوسة بعينيها حيرة. لماذا هي خائفة لتلك الدرجة؟ هو متأكد أنها تحبه. فإذا ما الذي يجعلها تخاف لتلك الدرجة؟ "مياس إيه اللي مخوفك؟
أنا والله بحبك. مش هتخلى عنك. والله ما هكون زيه." مستعد أروح معاكي لآخر الدنيا. كان يشير لوجعها الأول. عمر. تنهدت وهي تقول بهدوء: "سيف أنا... ظهرت اللهفة على وجهه وأمسك كفها وهو يقول: "ها. قوليها. أنا سامعك." ابتلعت ريقها وقالت: "أنا عايزة أعمل عملية تجميل في وشي." ظهرت خيبة الأمل على وجهه وترك كفها وهو ينظر للجهة الأخرى. حاول السيطرة على ملامح وجهه التي يسكوها خيبة الأمل وابتسم وهو ينظر إليها مجددًا وقال:
"كملي يا حبيبتي. كنتي بتقولي إيه؟ "عايزة أعمل عملية تجميل يا سيف." لم يتخلى عن ابتسامته وهو ينظر إليها. حاول ألا يظهر أي رد فعل يضايقها وقال: "هو طيب ده هيفرق معاكي؟ هزت رأسها بتأكيد. فرد: "أيوه. بس أنتِ قولتي إنك حاولتي كذا مرة والموضوع فشل." انهمرت الدموع من عينيها دون توقف ليقترب منها وهو يمسح دموعها ويقول بآسف:
"أنا آسف يا فراشة. مش قصدي أزعلك والله بس أنا خايف عليكي. خايف إنك تزعلي. وأنا والله مش عايزك تزعلي أبدًا. أنا خايف لو قدر الله عملتيها وفشلت تاني وانتِ نفسيتك تتعب." "ومين قالك إن نفسيتي مش تعبانة وأنا كده يا سيف. أنا عايزة أكون جميلة. نفسي أكون جميلة." "حبيبتي أنتِ جميلة من غير أي حاجة والله. أنتِ ج... "بس اسكت. متكدبش عليا. كدبك بيخلي الموضوع أسوأ." قالتها وهي تشيح بوجهها عنه ثم أكملت:
"عارفة إنك صادق في حبك يا سيف. متأكدة إنك بتحبني. بحاول أتقبل نفسي وانت بتساعدني. بس أنا نفسي أعمل العملية. عايزة أرجع زي الأول." نظرت إليه برجاء خالص وهي تتمسك بكفه كأنه ملاذها الآمن: "أنا عايزة أعمل العملية يا سيف. أنت قولت قبل كده إنك هتحقق كل أحلامي صح؟ صح. ده حلم من أحلامي. حلم إني أبقى جميلة. ساعدني أحققه يا سيف." "مياس أنا خايف عليكي." قالها بيأس فهزت رأسها بلهفة وقالت:
"متخافش عليا. مهما كانت النتيجة مش هزعل مادام حاولت. لكن هفضل طول عمري ندمانة لو خوفت ومجربتش. أنا عايزة أجرب يا سيف. متحرمشنيش من الفرصة دي. سمعت إن فيه دكتور شاطر هنا للحالات دي. ممكن يساعدني." كان ينظر إليها بتوتر. كان الحماس يكسو وجهها. هو يريد أن يراها سعيدة ولكن ماذا سيحدث لو فشلت العملية مجددًا وساءت حالتها؟
هو بالكاد يرمم نفسيتها السيئة. بشق الأنفس يفعل المستحيل ليجعلها تتقبل ذاتها. لو بدأت في وضع أمل في علاج وجهها وفشلت سوف يعودا لنقطة البداية. ولكن كيف يمكنه أن يرفض طلبها؟ هي تظهر هذا الحماس للمرة الأولى. ابتسامة صغيرة ظهرت على شفتيه وهو يراها متأملة بشدة. تعبيرات الأمل تليق بها كثيرًا. هو يحبها وضعيف أمام مطالبها فلم يجد إلا أن يقول:
"ماشي يا مياس هنشوف الدكتور ده. بس لازم تتقبلي أي حاجة لا قدر الله لو منجحناش. مش عايزك تيأسي. واعرفي دايما إن حبيت مياس اللي قدامي وهفضل أحبها لحد ما أموت."
ابتسمت له بسعادة كبيرة وقلبها يخفق بقوة. وهي أيضًا تحبه. وسوف تعترف له عندما تجري الجراحة ويعود لها جمالها. هو يستحق هذا. لأول مرة تقرر أن تجري تلك الجراحة لأجل شخص آخر. هي تريد أن تفعلها لأجله. أن أكون جميلة لأجله. لكنها لم تدرك أن سيف بالفعل يجدها أجمل امرأة في العالم لأنه يراها بقلبه. قلبه الذي هي تمتلكه. فأصبحت هي المالكة الوحيدة. ***
بعد أن عادا من منزل شقيقتها، شعر عاصي أنها ليست بخير. لذلك هو من أدخل ابنته ليجعلها تنام. كانت رحيق تجلس على الأريكة تضم ساقيها إلى جسدها وتضع رأسها على قدمها وهي شاردة. تفكر بشقيقتها. تتذكر دموعها ويأسها. نوران في حالة استسلام غريبة. هي ترحب بالألم إن كان هذا سوف يخفف عنها الشعور بالذنب. أغمضت عينيها وهي تدعو ربها أن تكون بخير. أن يتقبل الله توبتها. أن يغفر جاسم ويقبل أن يكمل حياته معها. نعم تعرف أن هذا صعب على أي رجل تقبله. ولكن جاسم يحب نوران ونوران أيضًا تحبه. ربما يتمكن يومًا ما من الغفران. ربما.
شهقت فجأة بقوة وهي تجد نفسها تُحمل بين ذراعي عاصي. وضعت ذراعيها خلف عنقه بذهول وهي تقول بأنفاس مخطوفة: "إيه اللي بتعمله ده؟ "هنقعد نتكلم مع بعض شوية. حاسة إنك متضايقة." لم تعقب على كلمته بينما يخرج بها للتراس الخاص بالمنزل البحري ويجلس على المقعد ثم يجعلها تجلس على ساقه. حاولت التحرر منه إلا أنه تمسك بها جيدا وقال بجدية: "فيه حاجة حصلت في بيت اختك؟ شحب وجهها قليلاً. خافت أن يكون قد سمع شيئًا فقالت بارتباك:
"إيه اللي هيكون حصل يعني؟ محصلش حاجة." كتفيه وهو يتمسك بها ويقول: "معرفش بجد. من أول ما جيتي وانتِ في عالم تاني. فيه حد زعلك." "مشكلة بسيطة بيني وبين نوران." قالتها وهي تحاول تجنب النظر لعينيه. "مشكلة إيه؟ حاولت التملص منه وقالت: "معلش يا عاصي مش حابة أتكلم." ثم حاولت أن تغير دفة الحديث وأكملت: "خلينا نتكلم عنك أنت." رفع حاجبيه وقال: "عني أنا." هزت رأسها ببساطة وقالت:
"حابة أعرف عنك أكتر. يعني أنت تبان شخص مش راقي بس أنت بجد أحسن أب شفته في حياتي. يعني بجد أملاك محظوظة جدًا." ابتسم لها وقال: "طلعتي بتقولي حاجة غير الدبش." رمشت بصدمة وقالت: "أنا بقول دبش؟ يا عم شكرا." ضحك هو وقال بكل صراحة: "دي الحقيقة يا رحيق. أنا مش هكدب عليكي." ابتسمت له ثم خفتت ابتسامتها قليلاً وقالت: "هو ممكن أسأل سؤال؟ إيه سبب حالة أملاك؟ أنا آسفة إني بسأل. لو مش عايز تجاوب خلاص." اختفى أي أثر للمرح من وجهه
ثم قال وهو يبعد يديه عنها: "قومي لو سمحتي." رمشت عدة مرات وهي تشعر بالذهول من ردة فعله. نهضت بسرعة. كانت مرتبكة بالبرود الذي كسا ملامحه. ثم بصدمة رأته وهو ينهض ويذهب إلى الداخل دون أي كلمة. ظلت واقفة وهي تشعر بالغباء. ماذا فعلت لينقلب حاله بتلك الطريقة؟ هل أخطأت بالسؤال؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!