سيلا اهدي!!! صرخت بها أختها. وسيلا تحطم كل ما تراه… كانت منهاردة بطريقة لم تراها من قبل. الدموع تنهمر من عينيها… إنها خسرته. خسرته للأبد. فكرت وهي تكاد تفقد عقلها. كيف تخسره؟ هو حبيبها، ملكها. كيف يذهب لأخرى؟ هو لها، حبيبها، ملكها هي. كيف يحدث هذا؟ طفرت الدموع من عينيها أكثر وهي تشعر أنها سوف تموت من فرط الحزن. سقطت فجأة على الأرض وقد ارتفع نشيجها. نظرت إليها شقيقتها بخوف ثم جلست بجوارها وهي تضمها وتقول:
اهدي يا روحي… اهدي ابوس ايديكي!! سابني… اتخلى عني… جورج اتخلى عني. قالتها والدموع تنهمر من عينيها بدون توقف. كانت تشعر أن قلبها سوف يتوقف. كانت تشعر بجمود عقلها تماماً. ألم يعد يحبها؟ هل ما فعلته سوف ينقلب عليها؟ طفرت الدموع أكثر من عينيها وهي تتمتم بجنون: هموت… هموت لو سابني. هموت لو راح لغيري. أنا رجعت عشانه… اتحديت كل حاجة ورجعت. رجعت وأنا عارفة ممكن يحصل فيا ليه. هموت يا بتول. جورج لازم يرجعلي!!! سيلا… سيلا.
قالتها بتول بخوف. ولكن سيلا نظرت إليها وعينيها الزرقاء تبرق بشكل أخافها وقالت: جورج ليا أنا. مش هخلي واحدة زي دي تاخده مني يا بتول. جورج حبيبي… هو بيحبني أنا. غلطت لما خوفت من والده وروحت على فرنسا. بس أنا رجعت. والمرة دي لا بابا ولا باباه هيقدروا يبعدوه عني. أنا كنت غبية لما خليتهم يأثروا عليا. بس دلوقتي جورج هيرجعلي. هعمل اللي محدش هيتخيله عشان يرجعلي. جورج هيبقى ليا أنا وبس. جورج بيحبني أنا.
أنا شوفت ده في عينيه يا بتول. روحه بتصرخ بإسمي. عينيه بتلمع ليا أنا وبس. أنا وبس يا بتول. ازاي بعد ده كله يروح لغيري. لازم يرجعلي لازم. جورج متجوز يا سيلا. مفيش أي فرصة ليكم سوا. هو ليه حياته دلوقتي. انسيه وابدأي حياتك من جديد. أنتِ صغيرة وحلوة والف واحد يتمناكي!!! قالتها بتول بلطف وهي تحاول أن تجعلها تصرف نظر عن الجنون الذي تتفوه به. ولكن سيلا هزت رأسها بقوة وهي تقول: لا جورج ليا زي ما أنا ليه.
هو بيحبني أنا… أنا وبس. هي مش موجودة أصلاً في قلبه. ابتسمت بإنتصار وهي تمسح دموعها وتقول: مشوفتيش بيبصلي إزاي يا بتول. الحب في عيونه متغيرش. هو بس متضايق مني عشان هربت. بس أنا رجعت ومش ههرب منه تاني. وهنرجع لبعض. هكون ليه… هنفضل مع بعض طول العمر. هو مش هيتخلى عني. هنبقى لحد ما نموت مع بعض!! لم تتحمل بتول الهراء التي تتفوه به شقيقتها ونهضت ثم قالت بعنف: أنتِ بجد مجنونة. بتفكري إزاي يا سيلا.
جورج مين اللي عايزة ترجعيه ده. بقولك الراجل متجوز. أنتِ بجد فيه في عقلك حاجة مش طبيعية. إزاي هتكوني مع واحد متجوز. ده مستحيل. جورج متجوز ومش هيسيب مراته. عايزة أعرف إزاي هتكوني معاه وبأي صفة!!! ملست على شعرها الأحمر الناري بتوتر وقالت: بأي طريقة مش مشكلة. ومش لازم اللي بيننا يكون جواز. اللي بيني وبين جورج أكبر من كده. أنتِ بجد اتجننتي يا سيلا وبتدمري حياتك وحياة جورج ومراته المسكينة! مراته المسكينة!!!
صرخت سيلا وهي تنهض وقد توسعت بؤبؤتها غضباً ثم أكملت: مين دي اللي مسكينة. دي خطفته مني!!! أنا وجورج بنحب بعض وهي اللي دخلت وسطنا!!! أنا عارفة وأنتِ عارفة إنها مش خطفته منك ولا حاجة يا سيلا. وبرضه أنتِ عارفة إنك اللي خسرتي جورج بإيديكي لما هربتي. كان ممكن تقولي الحقيقة وهو يختار يسامحك ولا لأ. عضت شفتيها وهي تمنع شهقاتها من الخروج وشقيقتها تصفعها بالحقيقة المرة. نعم هي من خسرته طوعاً. هي من هربت لأنها خافت أن تخسره.
خافت أن يعرف الحقيقة ويكرهها!! سيلا والد جورج لو اختار يقوله الحقيقة هيكرهك. بجد هيكرهك. مش لأنك استغليته. عشان هربتي ومقررتيش تقوليله الحقيقة. ارتعشت سيلا وهي تسمع كلمات شقيقتها وقالت بصوت ضعيف: لا… جورج هيتفهمني. جورج هيسامحني. أنتِ مش عارفة هو بيحبني قد إيه. هو بيعشقني. جورج بيحبني. أنا عملت كده بسبب بابا. مكانش قصدي أعمل كده ومكانش في نيتي أصلاً. أنا كنت صغيرة يا بتول ومكنتش عارفة أنا بعمل إيه.
بابا هو اللي كان بيتحكم فيا. أنا مليش ذنب أنا حبيته. حبيته اووي. وعشان أنا مظلومة جورج هيتفهمني. جورج بيحبني وهيسامح. هيعرف إن مكانش قصدي أعمل كده. أيوه حبيبي جورج هيفهمني!! كانت تتكلم بسرعة وهي تقنع نفسها أن جورج سيغفر لها. كانت تحاول قصراً أن تقنع نفسها بهذا. ولكن داخلها كانت مرتعبة فلو تكلم والده وعرف جورج الحقيقة سوف يكرهها بكل تأكيد. اعتصر قلبها داخل صدرها وهي تتمنى أن يتفهم. أن يغفر لها وأن يعود.
فهي عرفت بعد فوات الأوان أنها تعشقه. كانت جالسة على فراشها. عينيها تلمع بفعل الدموع. لا تعرف ماذا تفعل. تشعر أن كل الطرق مسدودة. هل تستسلم وتوافق على سيف! هي تعرف أنه لا يحبها. وهي أيضاً لا تحبه. وقد أقسمت ألا تحب بعد قصتها مع خطيبها. ذلك الرجل الذي تركها. حطم قلبها. هو من جعلها تكره شكلها أكثر. ما ذنبها هي. هي تلعن ذلك الرجل الذي فعل هذا بها. لقد دمر حياتها. دفنت رأسها بين ساقيها بينما الدموع تنساب من عينيها.
ليتها تموت هذا سوف يكون أفضل لها!!! ربما الموت هو الحل الأفضل لها. بتلك الطريقة هي لن تكون عبئاً على أحد. لن يتحكم بها أي أحد كما يريد. سوف تكون حرة. سوف تكون مع والديها للأبد. تلك الفكرة كانت تتسلل لعقلها. فكرة أن تقتل نفسها لترتاح. ولكن خوفها من غضب ربها كان يمنعها كل مرة. انتبهت عندما سمعت طرقة خفيفة على الباب. نهضت مسرعة وهي تأخذ نقابها وقالت بصوت مختنق: اتفضل. ولج جلال للغرفة وهو يحمل صينية الطعام.
عينيها الزرقاء لمعت بغضب وقالت بصوت مكتوم: نعم. متغدتيش النهاردة. حتى الأكل اللي حضرتهولك عزيزة ممدتيش ايديكي عليه. وأنا سيبتك براحتك. بس أنا جيبتلك العشا بنفسي. زمت شفتيها وهي تمنع نفسها من قول أي تعليق قد يجرحه. معاملته اللطيفة تلك تجعلها تشعر بالذنب. تحاول أن تتمسك بغضبها نحوه. تتذكر أنه تخلى عنها. تتمسك بتلك الفكرة كي لا تغفر له هو وابنه. مش عايز أكل شكراً!!! قالتها بصوت مكتوم.
ليبتسم بلطف ويقترب أكثر ثم يضع الصينية على الفراش. شدها برفق وجعلها تجلس على الفراش وقال: عشان خاطري كلي. أنا عارف إن ماليش عندك خاطر بس معلش اجبري بخاطري مرة. تأففت وهي تشيح بوجهها بعيداً. حاول هو أن يبعد نقابها لكي يطعمها ولكنها انتفضت وهي تبعد يده. لم تكن تسمح له أن يرى وجهها. لو سمحت. قالتها بصوت مختنق. ثم أكملت وهي تشهق: خلاص سيب الأكل هنا أنا هاكل لوحدي. نظر إليها بحزن. كان ضميره يعذبه بشأنها.
كيف ترك المشاكل التي بينه وبين شقيقه يتخلى عنها هي. هي من اعتبرها ابنته. صحيح أنه كان يطمئن عليها عن طريق التواصل مع خالتها. نعم هو تواصل مع خالتها كثيراً ليعرف أخبارها. ولكنه لم يكن أبداً بالصورة. وهذا تسبب أنها قد تأذت. ولكنه يقسم أنه لن يترك الشخص الذي فعل هذا بها. سوف يجده وسوف يقتله بيده. لن يرحم الشخص الذي دمر حياة مياس. وكما أنه سوف يعوضها عن كل ما حدث لها. كانت تتابع نظراته وهي تشعر أنها تختنق.
نظرات الشفقة تلك تقتلها. هي لا تريده أن يشفق عليها. هذا الشعور يقتلها. ممكن متشفقش عليا!!! قالتها بحرقة. لتتركز عينيه عليها فتكمل: مش محتاجة شفقة من حد. أنا كويسة وهقوم على رجلي حتى لو وقعت مرة أو اتنين أو مية حتى. أنا هقوم ومش هحتاج لأي حد فيكم. ابتسم جلال وهو يشعر بالفخر وقال: أنا عارف ده كويس يا مياس. عارف قد إيه أنتِ قوية. عارفة أنك هتقومي تاني. عارفة أنك مش محتاجة أي حد فينا. أنا واثق فيكي. أشاحت بوجهه عنه.
أمسك جلال كفها فجأة لتنتفض وهي تنظر إليه. شعرت بعدم الراحة وهي تجده يمسك كفها. إذ شعرت بمشاعر الأبوة التي افتقدتها منذ وفاة والدها. رغم أنها تقنع نفسها أنها تكره جلال ولكنها تشعر نحوه بمشاعر الأبوة التي حرمت منه. تشعر نحوه بالأمان. تلك المشاعر التي تغضبها بشدة لأن هذا الرجل تخلى عنها. لم يكن معها في أكثر لحظاتها ظلاماً. أنا آسف يا بنتي. آسف يا مياس. فغرت فاها وهي تسمع اعتذاره الصادق. شد على كفها وقال:
أنا غلطت في حقك يا مياس. سيبت المشاكل اللي بيني وبين أخويا تأثر عليكي. سامحيني يا بنتي. أنا هعوضك عن كل حاجة شوفتيها وحشة في حياتك. ده وعد مني. ارتعشت وهي تنظر إليه. اعترافه الصادق زلزال. شيء داخلها. اعتذاره هزها بقوة. شعرت أن غضبها يتسرب شيئاً فشئ. حاولت أن تتمسك بغضبها نحوه. ألا تضعف وتغفر. ولكن الغضب كان فعلياً ينسل من قلبها ولم يبقى إلا الألم. الألم فقط. وجدت نفسها دون إرادة منها الدموع تكرف من عينيها بقوة.
ووجدت نشيجها يرتفع. حاولت أن تكتم بكاءها ولكن الأمر فوق طاقتها. أحرقت لدموع عيني جلال وهو يراها تبكي بتلك الطريقة. ليه اتخليت عني يا عمي. أنا ذنبي إيه!! أنا كنت محتاجاك. طول عمري كنت محتاجاك. كان نفسي تيجي تطبطب عليا لما أهلي ماتوا. تقولي أنك معايا ومش هتسيني أبداً. استنيتك كتير. قالتها بنبرة كسيرة. ثم نظرت إليه بلوم وقالت: تعرف إن أنا كمان استنيتك لما حصلتلي الحادثة دي. كنت خايفة اووي. كان نفسي أحس بالأمان.
بس أنت مجتش. ولما جيت جيت بعد ما الأوان فات. لم يتحمل وجذبها إليه ثم عانقها وقال: سامحيني أنا هعوضك عن كل اللي شوفتيه في حياتك. أبعدها قليلاً وهو يمسح دموعها ويقول بتوسل: بس اقبلي طلبي. اتجوزي سيف ابني!! بعد أسبوع. فتحت عينيها بكسل وهي تجد مكانه فارغ. نهضت وهي تتثاءب بكسل. لقد مر أسبوع تقريباً منذ تلك الليلة التي قررت أن تعطيه فرصة. وهو أثبت فعلاً أنه يستحق. فهو قد تغير معها لدرجة مبهرة. أصبحت تحظى باهتمامه.
ولكن ليس حبه. ولا قلبه. احتشد الألم في قلبها وهي تتنهد بتعب. هي لا ترى في عينيه تلك النظرات التي كانت تراها بعينيه عندما نظر إلى سيلا. صحيح أنه مخلص لها. مراعي ومهتم. يعاملها بتهذيب. ولكنها لم تلج إلى قلبه. ما زالت تشعر وكأنه يحيط قلبه بالجليد نحوها. هو لا يسمح لها بالولوج لقلبه. لا يستسلم لحبها. مهما حاولت أن تنفذ لأعماقه تفشل. أنها تحارب. تحارب جموده وتحارب بقايا مشاعره لسيلا.
ولكن هل هي فعلاً بقايا مشاعر أم أن قلبه بالكامل ملكها. ذلك الخاطر كان يزعجها للغاية. هل يمكن أن يفشل في أن ينسى سيلا. هل يمكن أن تظل هي بينهما للأبد. هل ستحظى بقلبه يوماً أم سيظل قلبه مع سيلا وستظل كي تكتوي بنيران الغيرة. تلك الأفكار أزعجتها بشدة لدرجة أن هذا ظهر على صفحة وجهها. تجهم وجهها وهي جالسة على فراشها بينما تلك الأفكار تتقافز بعقلها. ماريانا. قالها جورج وهو يلج للغرفة ليجدها جالسة على الفراش بشرود.
كانت تبدو فاتنة هذا الصباح. شعرها الأسود الطويل ينسدل على جانبي وجهها. مشعث قليلاً. وجهها صافٍ للغاية بعينيها السوداء بريق جذاب. بدت ببساطتها جميلة للغاية. ابتسم بلطف وهو يقترب منها ثم جلس بجوارها وقال وهو يتأملها باهتمام: ماريانا. ولكن لا رد. مد كفه نحوها. سرحانة في إيه. قالها وهو يلمس كفها. شهقت بخفوت وانتبهت له. ثم ابتسمت له باتساع حتى باتت نواجذها وهي تقول: بفكر فيك وبس يا حبيبي.
بتفكري فيا لدرجة أنك مش سامعاني وأنا بنادي عليكي. اابتسمت باتساع وقالت: بالضبط. نهض بهدوء وقال: طيب كفاية تفكير فيا ويالا بقا أنا جهزت الفطار. يالا اغسلي وشك عشان تفطري وبعدين تجهزي عشان أوصلك للبيوتي سنتر. هزت رأسها بطاعة ثم مدت كفها لكي يساعدها ليهز رأسه مبتسماً ويقول: بجد متدلعة. ولكنه ساعدها كي تنهض لتقترب منه ثم تعانقه بحب. حاوطت بذراعيها الناعمة ظهره وهي تشده إليها. توتر قليلاً. هو لا يحب مبادرتها تلك.
يعرف ما تريد أن تفعله. تريد أن تكسب قلبه. تريد أن تحتله. تبقى هي المالكة الوحيدة. وكل ما تفعله للأسف لن يفيد. هو حُكم عليه أن يعشق من لن يمتلكها أبداً. حُكم عليه أن يحب امرأة لن يحصل عليها أبداً!!! تنهد بتعب وهو يبعدها بلطف ويقول وهو يحاول التهرب من عينيها التي تنظر إليه بحزن: يالا عشان تفطري. ثم تركها وذهب. وقفت أمام المغسل وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة. تتذكر كيف تملص منها. وضعت كفها على قلبها وهي تفكر أنها تحبه.
تحبه بجنون ولكنه لا يحبها مهما فعلت. ما زالت تلك تسيطر عليه. التهمتها نيران الغيرة من الداخل. شعرت أنها تموت من فرط الغيرة. أسئلة كثيرة بدأت تشغل عقلها. لماذا هي. لماذا. لماذا لا تحظى ماريانا بقلبها. هي تعشقه. تفعل المستحيل من أجله فلماذا لا تحظى بحبه بكل بساطة. تلك الأسئلة كانت تنهكها بالفعل. فتحت صنبور المياه وامسكت غسول الوجه الخاص بها ثم بدأت في إنعاش نفسها استعداداً للفطور. كان جالس يتناول إفطاره بشرود.
لقد اختفت سيلا من حياته تلك الأيام. لم تعد تزعجه. ما زال يتذكر آخر لقاء بينهما. تذكر انهيارها. اعترافها المتكرر لحبه. ثقتها أنه سوف يضعف أمامها. الثقة التي كانت بمحلها فعلياً. هي لو حاولت معه سوف يستسلم لها بكل تأكيد. صحيح أن الندم سوف يأكله من الداخل. ولكنه يعرف أن أي محاولة لها معه ستجعله يستسلم. هي تدرك سلطانها عليه جيداً. وهو لا ينكر سلطانها. لقد قضى معظم حياته وهو يعشقها هي فقط. رسم أحلام كثير معها.
رغم أنها حطمت قلبه من قبل إلا أنه عجز عن كرهها. حبها كان كالمرض رفض هو أن يتعافى منه. لقد تغلغلت داخل قلبه وحكمته. فكيف يتوقف عن حب المرأة الوحيدة التي ملكت قلبه. هذا مستحيل تماماً. سيلا ستظل داخل قلبه حتى يموت. هو متأكد من ذلك ولن يقرب أحد مكانها. ومهما حاولت ماريانا لن تحصل على قلبه. كل ما تفعله غير مجدي حقاً!!! كانت تنظر ماريانا إليه بحزن. تريد النفاذ إلى عقله. أنه يفكر بها. تعرف هذا جيداً. هذا واضح من شروده.
ما زالت تحتله تلك المرأة. مهما حاولت إزاحتها عن عقله تفشل تماماً. ولقد سئمت ماريانا من الفشل. سئمت من أن تكون بالمرتبة الثانية بعدها. حقاً تعبت!!! فجأة انساب السؤال بنعومة من فمها وقالت: جورج أنت بتحبني؟ رفع جورج رأسه وقد لمعت عينيه الزرقاء وهو ينظر إليها بحيرة. لتكرر سؤالها: جورج أنت بتحبني. إيه السؤال ده يا ماريانا. ماله السؤال. سؤال عادي. بأسأل بتحبني ولا لأ. سؤال بسيط من حقي أعرف إجابته!!! ابتلع ريقه وهو ينظر
إليها و قال بكل صراحة: للأسف مقدرتش أحبك. لا يعرف متى بدأت تتعلق نظراته بها. متى انقلب النفور لألفة بقلبه. متى بدأت عينيه تتأملانها. ومتى بدأ بتأنيب نفسه لدرجة أنه يفعل المستحيل كي لا تقع عينيه عليها. هل فقد عقله. هل يعقل أن الشفقة التي يشعر بها حيالها هي من تفعل هذا. لا يمكن أن يكون هناك مبرر آخر. هو مجنون لو فكر في أمر آخر. لقد جرب حظه بالحب مرتين وفشل في كل منهما. لقد انكسر قلبه ولن يسمح لنفسه أن ينكسر مرة أخرى.
يكفي ما حدث له. يكفي الخيانة التي تعرض لها مرات عديدة. ركز أكثر على ما سيشرحه ولكن عيناه كانت تخونه أحياناً وتسقط عليها. على الناحية الأخرى كانت تشعر ماجدة بسخونة وجنتيها كلما تشعر أن عينيه تسقط عليها. لقد ظنت في البداية أنها تتوهم ولكن لا. الأمر واضح. إنه ينظر إليها. الأمر بقدر ما كان مربكاً إلا أنها كانت غاضبة أيضاً. لماذا ينظر إليها بتلك الطريقة. تحاشت النظر إليه قدر الإمكان ولكن كفيها بدأتا في الارتعاش.
شعرت فجأة بالإختناق وأنها تريد مغادرة قاعة المحاضرات. تريد الهروب. لا تعرف سبب هذا الضيق ولا تفهمه. حل ما تعرفه أنه يوترها. يبث الرعب بقلبها. والسبب مجهول. انتهت المحاضرة على خير وتنفست الصعداء ثم قررت أن تهرب الآن. لملمت أشياءها ثم نهضت مسرعة ترى باب الخروج من القاعة كبوابة إنقاذ لها. ما إن كادت أن تخطي باب الخروج حتى تجمدت وهي تسمع صوته يهتف باسمها. ابتلعت ريقها وهي تستدير وتنظر إليه.
أطرقت برأسها وهي تنظر إلى الأرض بينما اخذت تبتلع ريقها بشكل مبالغ به. كان هو من الأساس مصدوم من نفسه. لماذا هتف باسمها. هل هو مجنون. بما كان يفكر. كيف يتصرف بتلك الطفولة. حك جبهته بضيق وهو يراها تقترب منه. لا تقوى على النظر إليه من الأساس. كان يفكر بحجة يخبرها إياها كي لا تعتقد أنه مجنون. وقفت أمامه وهي تنظر إليه عينيها السوداء تحدقان به بحيرة وقالت بصوت مرتبك: نعم يا دكتور. حك أنفه وقال:
كنت بس حابة أسألك فيه حاجة واقفة معاكي في الشرح. أنتِ غيبتي فترة طويلة شوية. وانا بس كنت حابب أتأكد أنك مفاتكيش كتير. فركت كفيها بتوتر بينما عض لسانه بغباء. حقا ما الذي يقوله!!!! حك جبهته بتوتر وقال: أنا بعتذر لو عطلتك تقدري تروحي. هزت رأسها بسرعة ثم خرجت من قاعة المحاضرات ليطحن أسنانه بغضب وكل ما يريده الآن أن يلكم نفسه على غبائه!!! ماذا يحدث معه. هل فقد رشده أم ماذا!!!
هز رأسه بعنف نوعاً ما وهو يقرر أن يضع لجنونه حد!! كانت تسند رأسها على نافذة سيارة التوصيل العامة. بينما تشعر بقلبها يرتجف كلما تتذكر نظراته إليها. ابتسمت ساخرة من نفسها. هل هي مراهقة لتهاجمها تلك المشاعر السخيفة. كانت تشعر حقاً بالإختناق. ما الذي تفكر به. الم تقسم أنها سوف تعيش لأجل ابنها. ابنها فقط. لن تدخل أي رجل حياتها أبداً. لقد اقترفت هذا الخطأ مرتين ولن ترتكبه مرة ثالثة.
أحرقت الدموع عينيها وهي تتذكر أول حب لها. رأفت. جارها. الشخص الذي عاش في نفس حارتهم لسنوات عديدة جداً. لقد قضت طفولتها ومراهقتها وشبابها وهي معجبة به بالسر. لم تبح بإعجابها له أبداً. بل دفنته داخلها. كانت ناضجة لدرجة أنها عرفت أن مشاعرها تلك لا يجب أن تخرج. ولو كان هو يبادلها إعجابها سوف يتخذ خطوة رسمية. مرت السنوات وهي تشعر بعينيه ترقبانها ولكن دون أن يتخذ خطوة رئيسية. وهي لما تعيره أي انتباه.
كانت تتحكم بنفسها جيداً تعرف حدودها. لم تسمح لنفسها أن تنزلق خلف المشاعر العاصفة التي تعصف بها. إلى أن أتى اليوم الذي تقدم لخطبتها الرجل المناسب من وجهة نظر والديها. كان الرجل المثالي. وسيم وميسور الحال ومن عائلة محترمة. ورغم ذلك قالت لا. ولكن الرد عليها كان صفعة من والدها. صفعة قوية ما زالت تشعر بألمها حتى الآن. تلك الصفعة أحدثت ضرراً كبيراً داخلها. خاصة وأن والدها كان دوماً حنوناً ولم يضربها قط.
ولكن رفضها المفاجئ جعل الجميع يشكون بأمرها. ولتمحي أي كلام يقال وافقت مضطرة على الزواج منه. تزوجت لطيف ومحت رأفت من عقلها. رسمت أحلامها مع لطيف. وجعلته أهم شخص بحياتها وهو كان رجل رائع للغاية. كان يعشقها. لم يجرحها بكلمة قط. دلها كما لم يدللها أحد من قبل. حتى أنه وقف بجانبها عندما توفيا والديها. وهي أحبته. أحبت حنانه. تفهمه لها. شعرت أن تحبه لذاته. سمحت لقلبها أن يعشقه حتى أصبح ملكه. كان زوجاً رائعاً. ووالداً رائعاً.
كان رجلاً مثالياً بمعنى الكلمة. ولكن. أغمضت عينيها والدموع الساخنة تتسلل من عينيها. لقد اكتشفت حقيقته السيئة. الحقيقة التي أحرقته. دمرت عالمه. اكتشفت أن زوجها. والد أطفالها هو تاجر مخدرات. رجل بغيض دمر الكثير. تلك الحقيقة لم تدمرها فحسب بل دمرت أبناءها أيضاً!!! أنا بجد مش مصدقة. النهاردة خطوبتك!! قالتها مادونا وهي تعانق صديقتها بصدق بينما تضحك بكل سعادة. ابتعدت عن رحيق وامسكت كفها وهي تقول:
اهو ربنا عوضك بواحد وسيم وحالته المادية مرتاحة كمان. كنت عارفة أن ربنا هيعوضك عن أي حد خذلك. ثم نظرت بطرف عينيها لمؤيد الذي ولج غرفة المدرسين. كان ينظر إلى رحيق بحزن. ما إن سمع أنها سوف ترتبط بشخص آخر واهتز عالمه. لا يعرف لماذا ولكن هذا ألمه بقوة. هل يمكن أن يكون أحبها لتلك الدرجة. ابتلع ريقه عندما شعر بالتوتر في الجو ولكنه ابتسم بكل هدوء وقال بلطف بالغ: ألف مبروك يا آنسة رحيق. الله يبارك في حضرتك.
قالتها برسمية شديدة ليخرج هو مسرعاً. بجد جبان. قالتها مادونا بتقزز. نظرت إليها رحيق بلوم لترد بعصبية وتقول: بقول الحقيقة. هو إنسان جبان بتاع أمه مش بيعرف ياخد قرار. عملك البحر طحينة وفي الآخر مقدرش حتى يقف قصاد أمه. ابتسمت رحيق من تحت نقابها بلطف. إنها حقاً تحب مادونا. دوماً تشعرها بالحماية. تغضب لو أحزنها أحدهم. تمنت دوماً أن تحبها شقيقتها نوران بتلك الطريقة. ولكن نوران لم تستطع بعد تجاوز كراهيتها نحوها.
تنهدت مبتسمة ثم قالت: ده نصيب يا مادونا. وبعدين يمكن ده الأحسن. أنا لو ارتبطت بيه ممكن مكنتش هتفق مع والدته ويحصل مشاكل. فاعرفي أن ربنا مبيقدرش حاجة وحشة وهو ربنا بإذن الله يديله الأحسن. دي أقدار ومكتوبة وبعدين يا ستي اتقدم وزي أي واحد محصلش نصيب الحمدلله على كل حال وبإذن اللي ربنا يعوضه باللي أحسن مني. أنا بجد مش عارفة انتِ ليه طيبة بالشكل ده يا رحيق. ده واحد جبان قرر ياخد خطوة وبعدين اتراجع.
أنا بجد بكره الناس الجبانة اللي زيه. مش بطيقهم أبداً. هو جه وقال هتجوزك وبعدين اتراجع عشان خايف على أمه. اسم الله عليه ابن أمه. كان مفروض يتفطم الأول قبل ما يروح يخبط على بيوت الناس. رجالة آخر زمن. فركت رحيق جبينها وهي تكتم ضحكتها. ربتت على كتف صديقتها وقالت: أنا عايزك تنسي الموضوع بجد هو مش مهم. أنا دلوقتي مرتاحة. كل حاجة نصيب. ابتسمت مادونا وقالت وهي تمسك كف رحيق. كانت نظراتها تشع من السعادة وقالت:
يالا مش مهم مش هنديله أهمية. المهم إنك مبسوطة يا رحيق. وانا مبسوطة اووي عشانك. مش مصدقة إنك هتتجوزي يا قطة أخيراً. قولتلك يا بنت ربنا هيعوضك بإذن الله. واهو عوضك بواحد وسيم وغني وبيحبك وبإذن الله تكمل الفرحة ويبقى أبو أولادك في المستقبل. شحب وجه رحيق وهي تنظر إليها. شعرت بغصة في قلبها. لو فقط تعلم بحقيقة هذا الزواج. لو تعلم أنها سوف تكون مجرد مربية والمسمى زوجة. بالتأكيد سوف توبخها على ما فعلت بنفسها.
ولكن هل بيدها شيء آخر لكي تفعله. هي مجبرة على هذا. مجبرة على أن تمضي في هذا الزواج. لا تريد لأي أحد أن يعايرها مجدداً. لا تريد أن ترى نظرات الشماتة والشفقة مرة أخرى. سوف تتقبل نصيبها بنفس راضية ولن تشتكي أو تحزن. سوف تذكر ربها على كل شيء. كان جالس بفناء المدرسة يشعر بالألم يعصف به. لا يصدق أنها سوف تتزوج. شعور مقيت بالغضب والحزن يلف قلبه. لقد أرادها حقاً وظن أنها سوف تكون له.
بغباؤه ظن أنها لن تتزوج وبالأخير سوف تكون من نصيبه عندما يقنع والدته. ولكن خبر خطبتها من شخص آخر زلزل كيانه. وأخذت الأسئلة تنهش عقله عن ماهية هذا الشخص وهل أحبها ليتقدم لطلبها. وأين رآه. الأسئلة تدور بعقله ولا تنتهي. وكلما عجز عن إيجاد الإجابة كلما شعر بغضب أكثر. وكلما نهشته الغيرة أكثر. تنفس عدة مرات ليسيطر على نفسه. فجأة تجمد وهو يراها تخرج مسرعة. بالتأكيد خرجت اليوم مبكراً كي تجهز لخطبتها. فكر بضيق.
وقف فجأة في طريقها. كان يعلم أن ما يفعله ضرب من الجنون ولكنه كان غاضب. غاضب بشكل كبير. وغضبه كان نحو نفسه لأنه أضاعها. توترت وهي تراه يقف في طريقها بتلك الطريقة وتصاعد غضبها. لقد اكتفت من وقاحته. لا يمكنه أن يفعل هذا وتصمت له. يجب ألا يتعدى حدوده معها. ولكنها بمهارة تمسكت بأعصابها التي كادت أن تفلت منها. ثم كادت أن تتجاوزه إلا أنه وقف في طريقها مرة أخرى. عينيها السوداء تلمعت بغضب وهي تقول:
سيد مؤيد إيه اللي انت بتعمله ده. ميصحش كده!!!! ازدرد ريقه وهو ينظر إليها. أم يعرف ماذا يقول وكأن الحروف تعسرت على لسانه. رحيق أنا. توسعت عينيها بغضب وتراجعت وهي تقول: لو سمحت متتكلمش معايا بطريقة مش رسمية. ولو سمحت متقفش في طريقي مرة تانية. اللي بتعمله ده ميصحش أبداً. حاولت أفهمك بالذوق قبل كده. لكن بجد لو اتكرر انت هشتكيك. ابتعد بإنهزام عن طريقها وقال بيأس: أنا آسف يا آنسة رحيق!!! في المساء. أنتِ لسه ملبستيش.
النهاردة خطوبة اختك يا نوران. مش معقول!!! قالتها والدتها بغضب وهي ترى نوران تتسطح بدون مبالاة على الفراش. نظرت نوران إلى والدتها وقالت ببرود: مليون مرة قولتلك دي مش اختي. إن كنتي اتقبلتيها خلاص وبقيتي تعامليها زي بنتك ونسيتي إنها بنت الست اللي خطفت بابا منك براحتك. لكن أنا مش نسيت ولا عمري هنسى. فريحي دماغك وسيبيني في حالي. احمر وجه دلال من الغضب. غضبها كان موجهاً لنفسها في البداية. ربما هي السبب في كره ابنتها لرحيق.
تلك الفتاة المسكينة لم يكن لها ذنب في أي شيء. لقد تزوج زوجها وهي رضت وبقت معه. بل أنجبت منه أيضاً. وربت ابنته. هي اختارت هذا الطريق بملء إرادتها. لأنها أحبت زوجها. حبها كان أقوى من أنين كرامتها. صحيح أن كرامتها ثارت لما يحدث ولكن قلبها كان له السلطة. قلبها الذي عشقه رفض بشدة أن يتركه وهي اتبعت قلبها ولم تندم. خطأها الوحيد أنها دون قصد زرعت الكراهية بقلب نوران ابنتها نحو رحيق ووالدتها. رحيق ليس لها أي ذنب في هذا.
الفتاة المسكينة عانت الكثير. قومي يا بنتي الله يهديكي البسي عشان خطوبة اختك. قالتها والدتها وهي تتوسلها تقريباً. كتفت ذراعيها وقالت: لا يا ماما قولتلك مش هلبس ومتقوليش اختي. دي مش اختي. ولج أمجد للغرفة وهو يقول بينما ينظر لشقيقته: فيه إيه. اختك مش عايزة تحضر خطوبة اختها يا أمجد. نظرت نوران إليها شزراً وقالت: قولتلك متقوليش إنها اختي. دي مش اختي. ومش هحضر حاجة ويارب خطوبتها تتفركش. نوران إيه اللي بتقوليه ده.
عايزة تكسري فرحة رحيق. حرام عليكي. قالها أمجد بضيق وهو ينظر إليها. احتشدت الدموع بعينيها. شعرت وكأن نيران تحرقانها. تنظر إليه بحزن بالغ وهي ترى اهتمامه برحيق. لماذا يهتم برحيق لتلك الدرجة. لماذا لا يرى حزنها. لا يرى انهيارها. لماذا غفلا عما حدث معها. عن انتهاكها. الجميع اهتم برحيق. وهي لا. ما أمجد ينظر إليها بثبات. يرى دموعها تتساقط تباعاً. تألم قلبه وهو يراها بتلك الحالة.
يجب أن يعرف أن انشغاله بمشاكله مع خطيبته وانشغاله مع رحيق جعله يهمل شقيقته الصغيرة. هو أبداً لم يلاحظ تلك العلامات القاسية التي تظهر على وجهها. لقد نسي شقيقته الصغرى. أهمله ويعترف بهذا. تنهد وهو يقترب من نوران. سحبها من ذراعها حتى أوقفها أمامه. ثم عانقها وهو يربت على شعرها وقال برفق: أنا عايزك تحضري معانا الخطوبة. الفرحة من غيرك هتبقى ناقصة يا نوران. انتحبت بخفوت ودفعته برفق قائلة بنبرة مكسورة:
لا هتكون ناقصة ولا حاجة يا أمجد. محدش فيكم أصلاً مهتم أنا بيحصل إيه في حياتي. تقريباً لو متت محدش هياخد باله. شهقت دلال لينظر إليها أمجد بصدمة فأكملت نوران: إيه صدمتك يا أمجد. دي هي الحقيقة. محدش فيكم مهتم بمشاكلي. محدش مهتم أنا تعبانة زلت حزينة. ولا بموت حتى. إلا أهم عندكم هي رحيق. والمبرر أصلها حرام يتيمة. أصلها حرام كبرت ومتجوزتش. انشغلتوا بمشاكلها وسيبتوني. فاعملوا فيا معروف وسيبوني للاخر.
أنا مش عايزة أحضر خطوبة حد. روحي افرحوا وانبسطوا وسيبوني في حالي!!! بالفعل بعد دقائق كانت جالسة على فراشها وقد تركها شقيقها ووالدتها. دقة أخرى على الباب جعلتها تزفر بضيق. لقد أتت والدتها مرة أخرى لتقنعها هذا أكيد!!! ادخل. قالتها بضجر وهي متوقعة أنها سوف ترى والدتها. ولكن من رأته هي رحيق قد ولجت للغرفة بينما ترتدي فستان كريمي فضفاض ونقاب من نفس اللون وقالت: فينك مش هتحضري خطوبتي. نظرت إليها بكره وقالت:
لت مش هحضر الخطوبة. واحضرها بتاع إيه أصلاً!! أنتِ اختي!!! قالتها رحيق وقلبها يعتصر ألماً. هزت نوران رأسها وقالت: لا أنا مش اختك ولا عمري اعتبرت أنك اختي. عمري ما حبيتك ولا هحبك. انتِ زي أمي بالضبط. مجرد حرامية. هي سرقت مكان أمي وأنتِ قدرتي تسرقي مكاني. محدش بقا مهتم بيا بسببك. دموع رحيق انسابت من عينيها. إنها حقاً تحب شقيقتها يؤلمها أن تراها بتلك الحالة. انقبض قلبها من حالة نوران. هل هكذا تشعر نحوها. هزت رحيق
رأسها وقالت بصوت مختنق: محدش يقدر يسرق مكانك في قلب أمجد وما دلال يا نوران. أنا حتى لو كنت عايزة أعمل كده مش هقدر. إحنا كلنا هنا بنحبك وحقك عليا لو في يوم زعلتك من غير قصد. لكن أنا والله بحب. اخرسي!!! اياكي تتكلمي وبلاش تلعبي الدور الرخيص ده. انتِ مبتحبيش إلا نفسك. نفسك وبس. يالا اتفضلي اطلعي برا. مش عايزة أشوف وشك. هزت رحيق رأسها وهي تغالب دموعها ثم خرجت مسرعاً. ما إن خرجت رحيق حتى انهارت نوران على الفراش.
كان قلبها يتمزق. تشعر أنها سوف تموت. الغضب والندم وشعورها بالذنب يتصارعان داخلها. إنها تشعر وكأن شر كبير يجثم على صدرها. تريد أن تتحدث. تصرخ بقوة. تتحدث عما حدث لها. عن انتهاكها من قبل شخص لا يعرف الرحمة. ولكن هي لا تلوم نفسها بس. عائلتها هي السبب. نعم هي من تسببت في هذا كله. وهي لن تغفر لهم ما فعلوه بها. لقد كانت ضحية الجميع. دفنت رأسها عميقاً في الوسادة وهي تبكي بعنف. الألم في قلبها شديد.
تتمنى أن ينتهي يوماً ألمها. تتمنى أن تعود وتحب الحياة من جديد!! ولج أمجد لغرفة شقيقته نوران ليجدها تبكي على الفراش بإنهيار. وقف أمام فراشها وهو يراها تبكي بذلك الشكل. لقد فتحت عينيه بقوة. لا يصدق أنه قصر بحق شقيقته الصغيرة. لقد وعد والده أن يهتم برحيق وبها وهو لم ينفذ وعده له. هو أهمل صغيرته وعليه أن يصلح الوضع. اقترب من فراشها وشدها لحضنه. قاومته بشراسة وهي تبكي بإنهيار: لا لا ابعد خلاص.
مش قررتوا كلكم تبقوا في صفها. خلاص سيبوني أنا في حالي. سيبوني. نوران اهدي. لا مش ههدي. خلاص ابعدوا عني. رحيق هي الأهم عندكم دلوقتي. ليه جايين. نوران اهدي. اهدي يا حبيبتي. قالها أمجد وهو يضمها بقوة ثم أكمل بندم: أنا آسف. آسف بجد يا حبيبتي أني ماخدش بالي أنك بتعاني. آسف جداً يا نوران. بس من النهاردة هاخد بالي كويس منك اووي. أبعدته عنها وقالت وهي تنظر إليه بعيني حمراء بفعل البكاء: للاسف يا شيخ أمجد الأوان فات!!
يا عيني عليكي يا بنتي هتعيشي في المكان ده طول حياتك!! قالتها والدة أريام وهي تنظر لمنزل أمجد حيث أنها أتت لتحضر خطبة شقيقته رحيق. كانت تنظر للمنزل بإمتعاض. رغم أن المنزل كان راقياً إلى حد ما ومنظماً إلا أن وجوده وسط تلك الحارة الوضيعة جعلتها تمتعض أكثر. هي لا تريد لابنتها أن تعيش هنا. كيف يمكن لابنتها المهندسة أن تعيش بهذا المكان. لقد حلمت أن تمتلك ابنتها مكاناً بأرقى حي في مصر.
لا تريد لها أن تقطن بحارة وضيعة مثل تلك. تنهدت أريام بنفاذ صبر وهي تقول: أمي لو سمحتي خلاص كفاية كده!! قلبت شفتيها بسخرية وقالت: بشوقك يا حبيبتي انتِ اللي هتندمي بعدين. ياريت متجيش تعيطيلي بعدين. أصل بصراحة ده مش مستوى حد يعيش فيه. قالت جملتها الأخيرة بإشمئزاز. كانت جيلان تقف بعيد وهي تنظر إليها تشعر بقلبها يعتصر وهي تنظر إليها. تنظر إلى تلك المرأة التي أخذت مكانها. تلك المرأة التي اختارها أمجد.
كتمت حسرة في قلبها وهي تحاول ألا تنهار أو تبكي. أطرقت بعينيها أرضا وهي تفرك كفيها بتوتر. ترغب في الذهاب الهروب ولكنها لا تستطيع. شهقت بخفوت وهي ترى والدتها تقف بجوارها. تنظر إلى أريام أيضاً وتقول: عقبال ما ربنا يهديكي يا بنتي. ونفرح بيكي. نظرت إليها جيلان وهي تشعر بالإختناق لتكمل: بصي على الحقيقة ومتبقيش غبية. جايب خطيبته هنا. شوفيه متمسك بيها إزاي. بيحارب عشان ميبصش عليها كتير. تعرفي أن بعد جواز رحيق هيتجوزها علطول.
دلال هي اللي قالتلي. يا بنتي فوقي وشوفي مصلحتك. هو مش شايفك أصلاً!!! هتفضلي طول عمرك كده تطاردي في وهم. الراجل بيحب خطيبته افهميها بقا!!! خلاص يا ماما. خلاص كفاية ابوس إيديكي. قالتها بصوت مختنق ثم هربت إلى المطبخ وهي لا تتحمل كلام والدتها. كان الدموع تطرف من عينيها. أرادت أن تذهب إلى مكان ما وتبكي كما تريد. تريد أن تنهار. الألم في قلبها شديد. لا تستطيع أن تتحمله. رباه هي سوف تموت بكل تأكيد.
وقفت بالمطبخ ثم وضعت كفها على قلبها وهي تسقط رأسها للأسفل بينما تنفجر دموعها بشكل بائس. وجودهما بجوار بعض لا يفارق خيالها. لقد حلمت هي وحققت أريام ما تريده. هل هي بتلك البشاعة لكي لا ينظر إليها أمجد. وضعت كفها على فمها وهي تكتم نشيجها لا تريد لأحد ما أن يسمعها. رباه تشعر بالدوار. سوف تفقد وعيها من شدة الحزن. ولج فجأة أمجد للمطبخ وتجمد وهو يراها بتلك الحالة. جيلان.
قالها أمجد بتردد وهو ينظر إليها ويحدها بتلك الحالة كان يشعر بالشفقة عليها. الشفقة لأنه يعرف لماذا هي تبكي. ويعرف أنه السبب. شهقت بخوف وهي تنظر إليه وعينيها متسعة بصدمة. مسحت دموعها بسرعة وهي تهرب بعينيها منها. تلعن نفسها ألف مرة لأنها انهارت هنا. ماذا إن شك بمشاعرها نحوه. ماذا إن اكتشف الكل الحقيقة. كيف ستواجه الجميع!!! بالطبع سوف تصير أضحوكة. يجب أن تخفي مشاعرها تلك. يجب ألا يعلم أي شخص بها. جيلان بقولك فيه إيه.
كررها أمجد. مفيش حاجة. قالتها بجمود وهي تهرب بعينيها منه. تمسح دموعها التي تتسلل من عينيها وهي تحاول أن تهرب منه. إن بقت هنا أكثر من هذا سوف تنهار فعلاً وهي لا تريد هذا. قد تعترف له بكل غباء عن مشاعرها وقد تتوسل له أن يحبها. كانت في تلك اللحظة أضعف من أن تفكر بعقلها. كانت غاضبة. حزينة ويائسة. والشيطان يتلاعب بعقلها. لقد أحبته لسنوات سراً. تغيرت من أجله. فعلت المستحيل كي يرضى عنها ولكنه بكل بساطة لم يراها.
لم يفهم لمعة عينيها له. لم يصنع دقات قلبها العنيفة وهي تصرخ بإسمه. شكلك معيطة وازاي بتقولي مفيش حاجة. قالها أمجد بإصرار. قولتلك مفيش حاجة. لو سمحت خليني. اطلع. قالتها بإرتباك وغضب وهي تتهرب بعينيها منه. رباه لو بقت دقيقة أخرى سوف تعترف بمشاعرها له. لماذا يقف في طريقها. لماذا يهتم!!! من ناحية أخرى كان هو يصرخ بنفسه كي يبتعد. ماذا يفعل. ذلك ليس أسلوبه. لا تربيته ولا دينه يخبرانه أن يفعل هذا. فماذا يفعل هو.
شعر بالإختناق والشيطان ظل يتلاعب به. سيطر عليه للحظات. فلم يتحرك من مكانه وهو يثبت نظراته عليها. هو يعرف سبب بكاؤها. يعرف سبب حزنها. يعرف أن السبب هو والحل الأمثل في تلك اللحظة أن يبتعد عنها. ألا ينجرف وراء شيطانه ولكنه بدأ وكأنه تصنم مكانه. إيه المشكلة يا جيلان ليه بتعيطي. قالها بهدوء وعقله يصرخ به أن يبتعد. احمر وجهها وهي تنظر إليه أخيراً. تظراته تخبرها أنه يعرف. يعرف بمشاعرها الخفية تلك.
شعرت وقتها وكأن دلو من الماء البارد قد انسكب عليها. انت عارف مش كده. عارف. عارف إيه. قالها بإرتباك لترد هي: عارف بمشاعري ناحيتك. انت عارف ده. تنهد وقال: أيوه عارف بحقيقة مشاعرك. وعارف إن. أمجد. صوت مصدوم وقع على أذنه كالصاعقة لينظر نحوه ليجدها خطيبته أريام تنظر إليه!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!