تصاعدت النيران بعينيه، وكان يشعر بالاختناق وهو يراها معه. تم نسف أي أمل بداخله. قبض على كفيه بقوة وهو يمنع نفسه أن يتهور. ماذا سيفعل؟ هل سيذهب ليضرب طليقها مثلاً ويضع نفسه في موقف محرج؟ هذا هو طليقها وربما سوف يعود إليه. ألم يمل من الرفض؟ هل يريد أن يكسر قلبه مجدداً؟
أغمض عينيه بألم وهو يفكر أن قلبه قد كُسر للمرة الثالثة. ولكي لا ينكسر أكثر، يجب ألا يحارب. لقد حارب كثيراً على شيء ليس له، وهو من تحطم في النهاية. لذلك لن يحارب مجدداً. ماجدة ليست له، يجب أن يفهم ذلك. كان يعترف بهذا وهو يشعر بالهزيمة. ينظر إليها وهي بين ذراعيه ويفكر: لماذا لا يحصل على الحب الذي يريده؟ لماذا يتم رفضه من الجميع؟ هل هو شخص لا يستحق حتى الحب؟ هل به مشكلة؟ هل الناس ينفرون منه؟
أم أنه كُتِب عليه أن يعيش بقلب محطم مدى الحياة؟ للمرة الثالثة يعشق، وللمرة الثالثة يتحطم قلبه. هل لهذا العذاب نهاية؟ توسعت عينا ماجدة وهي تشعر به يضمها إليه حتى ازكمت أنفها. شعرت حقاً بالاشمئزاز منه وابتعدت بعنف وهي تشعر أنها سوف تتقيأ. نظرت إليه وهي تفكر: كيف أحبت يوماً رجلاً مثله؟ "إياك تقرب مني كده، أنا مش بطيق ريحتك اللي كلها دم." "كلها دم!
" قالها بصدمة وحزن وهو يرى نظرات الكره بعينيها. لا يصدق أنها تكرهه لتلك الدرجة. كلما حاول أن يقترب منها، تدفعه بعيداً عنها. ولكن الآن تلك الأدلة بيده هو، لذلك سيجبرها أن تعود إليه. نظر إلى يوسف الذي ما زال واقفاً بكره. هل هذا هو الرجل الذي تجرأ على أخذ مكانه في حياة زوجته؟ هل هذا هو الرجل الذي تحبه هي؟
نظرت ماجدة إلى حيث ينظر وشحب وجهها كالأموات وهي تنظر إلى يوسف الذي تلون وجهه بالغضب. كان ينظر إليها بغضب واشمئزاز أوجع قلبها. أطرقت برأسها وهي تخفي دموعها عنه. كيف تخبره أنها تتألم؟ تحارب لوحدها رجلاً ليس له ضمير. استدار يوسف فجأة وولج للكلية غاضباً. "هو ده اللي مش عايزة ترجعيلي بسببه... الدكتور يوسف! نظرت إليه بكره فابتسم بسماجة وقال: "بجد أنتِ مسكينة يا ماجدة أوي. فاكرة أنه بيحبك وعايزك؟
حبيبتي أنتِ هتكوني مجرد تسلية ليكي. تعرفي أن دكتورك العظيم كان مرتبط بواحدة ولا ملكات الجمال؟ واحدة من اللي بتشوفيهم في التليفزيون ومتقدريش توصلي لنص جمالهم ورغم كده سابها لما مل. رغم أنها كانت من دور عياله. بجد يا ماجدة فاكرة أن واحد عايش كده هيبصلك أنتِ؟ ست متوسطة الجمال مطلقة ومعاها طفل. مفلسة بتشتغل في مكتبة قديمة. بتجيب حق أكلها هي وابنها بالعافية! انتفضت بعنف وهي تستمع لكلماته المهينة وقالت:
"طيب مادام أنا وحشة كده... مادام محدش هيبصلي... ليه بتجري ورايا؟ ليه مش عايز تسيبني في حالي يا لطيف؟ سيبني أربي ابني بعيد عنك وبعيد عن فلوسك الحرام! نظر إليها بهوس وقال:
"متعرفيش يا ماجدة أنا بحبك قد إيه. مهووس بيكي. مش قادر أستحمل أن حد تاني يبصلك. أنا ممكن أقتل الدكتور بتاعك. ده بس خلاص أنتِ دلوقتي بقت رقبتك تحت إيدي. كل الأدلة اللي واخداها عليا وعلى اللي شغالين معايا بقت معايا أنا. أنتِ متقدريش تعملي حاجة ومسألة وقت وهترجعيلي تاني!
دموعها نزلت وهي حاسة بخنقة. مش قادرة تصدق أنها هترجع له تاني. هترجع للإنسان اللي دمر حياتها. دمر حياة أولادها. انهمرت دموعها وهي تنظر إليه. تشعر بالاختناق. للمرة الأولى التي تكره شخصاً لتلك الدرجة. للمرة الأولى التي تتمنى أن تقتل أحدهما. مسح دموعها برفق وقال: "صدقيني مش هتلاقي حد يحبك أكتر مني يا ماجدة. أنا حياتي متتكملش إلا بيكي! ثم استدار واستقل سيارته وتركها.
كان في مكتبه يشعر بالاختناق. يتذكر مشهد وقوفها معه، احتضانه لها ويشعر بالنيران تسري في عروقه. أوقع أوراقه من على المكتب بصيحة غضب. كان يموت بالفعل. الغيرة تلتهمه. جلس على مقعده وهو يدفن رأسه في كفيه. لقد اعتذر عن إتمام المحاضرة. لا يصدق أنها تؤثر به لتلك الدرجة. هي تدفعه للجنون. لا يستطيع أن يتوقف عن التفكير بها. ومشهد وجودها بين ذراعي زوجها يقتله حرفياً. لماذا يقع في حب الشخص الخطأ دوماً؟
رفع وجهه وهو يشعر بالدموع تحرق عينيه. حزين هو على حاله. حزين لأنه ليس له نصيب في الحب. لقد قال إن الأمر لا يهمه، ولكن العكس هو مهتم. يريد أن يشعر بالحب. يريد أن يشعر أنه محبوب. تنفس بحدة وهو يرى كم هو شخص ضعيف. تلك هي الحقيقة مهما حاول أن يخفيها. هو ضعيف للغاية أمام من يحب. نهض بيأس وهو يمسح وجهه. وقد اتخذ قراراً أنه سوف يترك التدريس بتلك الجامعة. قرار غريب، ولكنه لا يمكنه أن يتحمل وجودها أمامه. لن يرتكب خطأ أن يكون مهووساً بها كما حدث سابقاً مع نسرين. هذا هو الصواب.
في المساء... "طيب قوليلي قررتي تعملي إيه؟ "هو بيتصل بيا وبيهددني." قالتها جيلان وهي تشعر بالرعب. ضغطت رحيق على كفها وهي تقول بلطف: "متخافيش، إن شاء الله كل حاجة هتكون بخير يا نوران. ربنا إن شاء الله هيكون معانا. ادعي كتير. اللي هعمله ده هينفع معاه." ابتلعت نوران ريقها وقالت: "طيب قوليلي هتعملي إيه؟ أنا خايفة! ابتسمت رحيق في وجهها ابتسامة تطمئنها وهي تقول:
"إن شاء الله خير، متقلقيش. هعمل المستحيل عشان ميقدرش يأذيكي. ثقي فيا." انسابت دموع نوران وقالت باختناق: "أنا خايفة عليكي تتورطي بسببي وفرحك يبوظ." تصاعدت الدموع بعيني رحيق. تعرف أنها سخيفة الآن، ولكن شعورها بحب نوران وخوفها عليها جعلها في قمة سعادتها. ودت في تلك اللحظة أن تُعطيها عينيها، ليس مساعدتها فقط. ابتسمت رحيق دامعة وقالت: "متشيليش هم، إن شاء الله خير." ثم مسحت دموع نوران وقالت بلطف:
"يالا روحي دلوقتي وارتاحي وبكرة إن شاء الله يحلها ربنا." هزت نوران رأسها ونهضت من الفراش وهي تخرج من غرفة رحيق. تسطحت رحيق على الفراش وهي تقول: "يارب ساعدني، أنا مليش غيرك." ولجت نوران لغرفتها لتجد رحيق ما زالت جالسة على الفراش وهي تبكي. اقتربت منها نوران وجلست بجوارها وهي تضمها برفق وقالت: "متزعليش من أمجد يا جيلان، هو خايف عليكي." لم ترد جيلان وبقت تبكي. جلست نوران بجوار جيلان وضمتها برفق وهي تقول:
"والله يا جيلان أمجد أصر إنك تكوني هنا عشانك. مينفعش تبقي لوحدك في البيت. أمجد فعلاً مهتم بيكي." قالت جيلان من بين شهقاتها: "لو سمحتي يا نوران ممكن متجيبيش سيرة أنه مهتم بيا. أنا خلاص مبقاش حد يهمني. بعد موت ماما اهتمام أمجد من عدمه مبقاش يهمني." بعد منتصف الليل... "أنا قصداك في خدمة! " قالتها رحيق وهي تمسك هاتفها بخوف بينما تتحدث معه.
كان عاصي يحارب النعاس عندما اتصلت به خطيبته في منتصف الليل. كاد أن يصرخ بها ولكنه هدأ نفسه قسراً وقال وهو يحاول ألا تخرج نبرته غاضبة: "اتفضلي." ابتلعت ريقها وهي تقول: "أنا طبعاً آسفة إني بتصل في وقت غريب زي ده، بس حد يخصني عنده مشكلة وحله في إيديك أنت." كسا البرود ملامحه وهو يقول: "عايزة فلوس! صُدمت وهي تسمع كلمته وقالت: "لا لا خالص، الموضوع مش موضوع فلوس. معرفش انت فكرت في كده إزاي."
ابتلع ريقه وهو يشعر بالخجل من نفسه للحظات. يجب أن يعترف أن ما زالت ذكرياته مع زوجته تؤثر عليه. يظن أن الجميع عاشق للمال مثلها. "أنا آسف. قوليلي عايزة إيه؟ ذهلت قليلاً وهي تسمع نبرة الاعتذار الصادقة الصادرة منه. هي دوماً ظنته فظاً غليظ القلب. هزت رأسها بضيق. ما شأنها حقاً الآن؟ هي لديها هدف محدد لا يجب أن تحيد عنه. تكلمت بتردد وقالت: "أنت تعرف طارق البكري، رجل الأعمال المشهور، صح؟ "أكيد." قالها بحيرة. بتقول بتوتر:
"محتاجة أقابله ضروري لمسألة خطيرة. أتمنى متسألش عن تفاصيلها." رفع حاجبيه بدهشة ولكنه قال بهدوء: "حاضر، بكرة تقابليه." "بكرة! بالسرعة دي! قالتها بصدمة ليرد: "مش عايزة تشوفيه ضروري؟ هخليكي تشوفيه. ممكن أنام دلوقتي." احمر وجهها وقالت: "شكراً يا أستاذ عاصي. تصبح على خير." ثم أغلقت ليرفع حاجبيه وهو يهز رأسه بدون اهتمام ثم نام مجدداً.
تجمد فجأة وهو يجدها في المطبخ. كانت تبدو أقل تحفظاً حيث أنه ليس موجوداً. كانت ترتدي بنطالاً وبلوزة بكم. شعرها كان يخفي وجهها بينما هي تأكل بنهم طبق مكرونة بالصلصة. الشيء الصحيح الذي كان يجب أن يفعله أن يذهب سريعاً من أمامها قبل أن تكتشف وجوده، ولكنه وجد نفسه متجمداً مكانه وهو يتأملها. هي جميلة للغاية. صغيرة للغاية. عينيه العسلية مرت عليها بنهم. تفاصيلها تبهره. أشعلت مشاعره كرجل نحوها. أصبحت رغبته بها تشتعل شيئاً
فشيئاً. اقترب منها رغم أن هذا هو الخطأ بعينيه، ولكنه كان عاجزاً عن المقاومة. لقد قاوم كثيراً حتى خسر المعركة أمام عينيها. جمالها. شعرت هي بوجوده، فنظرت إليه لترتبك وتتراجع للخلف. نظر هو إلى جانب فمها حيث أن كان هناك لطخة بسبب صلصة الطماطم.
ابتلعت ريقها وقالت: "أنا كنت جعانة." حامت نظراته عليها وقال بصوت ثقيل من فرط المشاعر التي تجتاحه: "أنتِ عملتي فيا إيه يا جيلان؟ أنا كنت مرتب حياتي كويس وجيتي أنتِ في غمضة عين قلبتيها كلها. مبقتش عارف أفكر في غيرك. خطوبتي بتبوظ. حياتي بتنهار بسببك. بسبب إني مش قادر أخرجك من عقلي." لمعت الدموع بعينيها وقالت:
"ده اللي كنت حاسة بيه يا أمجد. أنا كنت بحبك. بحبك أكتر من أي حاجة في حياتي. أنت كنت مشقلب كياني. أنا مت حرفياً لما خطبت غيرك. وأنت بتعاني أهو نفس معاناتي." ابتسامة متشفية ظهرت على شفتيها وقالت: "ولسه هتعاني أكتر لما أخطب لفادي! ثم كادت أن تتجاوزه ولكنه وضع كفه على خصرها يمنعها من الذهاب. بينما يحرك شفتيه على شعرها. أمسكت ذراعه وهي تقول: "أمجد ابعد." "ياريتني كنت أقدر أبعد. أنتِ لعنة."
ثم جعلها تواجه ومد إصبعه ليمسح البقعة بجانب شفتيها. ثم تلمست أصابعه شفتيها وبدأ فاقداً للسيطرة بشكل لن تراه من قبل. ثم اخفض فمه و... نهض أمجد من نومه بصيحة فزع. كان صدره يرتفع ويهبط بسبب سرعة أنفاسه. كان العرق يحتشد على جبينه. رباه... رباه... شد شعره بعنف وهو يقول: "أنا إزاي أحلم بكده؟ إزاي؟ ياربي سامحني. سامحني. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم." صدح أذان الفجر لينهض بتثاقل. بعد قليل...
كان ينزل وهو ممسكاً سبحته بينما يستغفر الله وهو يحاول أن ينسى هذا الكابوس الذي ما زال مسيطراً عليه. ولكنه وقف فجأة وهو يراها تجلس على المقعد أمام باب المنزل. ترتدي خمارها والدموع تغرق عينيها. "أنتِ بتعملي إيه هنا؟ انتفضت بعنف وهي تنظر إليه ومسحت دموعها سريعاً وهي تطرق برأسها أرضاً. ازدادت وتيرة أنفاسها وحلمه معها يطارده بقوة. أغمض عينيه وهو يحاول السيطرة على نفسه وقال بعصبية:
"لو سمحتي ادخلي ومتطلعيش في الوقت ده لوحدك تاني. فاهمة! هزت رأسها بارتباك. وولجت للمنزل ليتنفس عدة مرات لكي يتحكم بنفسه. كم يشعر أنه حقير. كيف يحلم بها بتلك الطريقة؟ هل تلاعب به الشيطان لتلك الدرجة؟ بعد انتهى من أداء صلاة الفجر جلس قليلاً في المسجد وهو يسبح بالمسبحة الخاصة به. يستغفر الله وهو يشعر بالذنب. يشعر بالاختناق أيضاً بسبب حلمه هذا. كيف يرغب بما ليس له؟ كيف يكون بتلك الحقارة؟
كيف يفكر أصلاً بـ جيلان بتلك الطريقة؟ رغم أنه كان حلماً، إلا أنه يشعر بالذنب بسببه. أنه يشعر بكل شيء يتعقد. كل ما حوله يتهاوى. هو رجل سوف يتزوج قريباً ورغم ذلك قلبه مع أخرى. يحلم بأخرى. ماذا يفعل؟ هو تائه للغاية. لا يمكنه أن يترك أريام بعد كل هذا. لا يمكنه أن يكسر قلبها. مسح وجهه بتعب ليقترب منه رفيق، صديقه. وأمام المسجد الذي يصلي به. "إيه يا أمجد مالك؟ " قالها رفيق وجلس بجواره.
نظر إليه أمجد. شعر وكأن قد أتته نجدة من السماء، فهو يثق برأي رفيق. تنهد وقال بلهفة: "كويس إنك جيت." ابتسم رفيق برفق وقال: "أنا حسيت بيك يا صاحبي. ها قولي إيه مشكلتك." نظر أمجد وقال: "أنا تايه يا رفيق. الشيطان قدر يلعب بيا ويضحك عليا. مهما حاولت أبعد أفكاره عن دماغي بتتزرع فيا أكتر. أنا أول مرة أكون تايه بالشكل ده. أول مرة أخاف بالشكل ده يا رفيق." نظر إليه رفيق بحيرة وقال: "وضحلي أكتر يا أمجد مشكلتك." "أنا حبيت...
" قالها وقد احمر وجهه بحرج وفرك كفيه بتوتر. ابتسم رفيق بتفهم ليكمل أمجد: "حبيت حد مينفعش أحبه يا رفيق." -ليه مينفعش؟ تنفس أمجد بارتعاش وهو يلمس طوق الخطبة ويقول: "أنا خاطب. وهتجوز. واللي حبيتها... أغمض عينيه للحظات وهو يشعر نفسه أنه حقير وأكمل: "حبيت بنت عمي." فتح عينيه مجدداً وقال: "مش عارف أعمل إيه يا رفيق. وياريت متجيبش سيرة الجواز تاني لأني مش هقدر أعدل ومش عايز أشيل ذنوب على ذنوبي." صمت رفيق
ليطرق أمجد برأسه وقال: "أعمل إيه يا رفيق؟ أنا مش قادر أشيلها من بالي مهما حاولت. كل حاجة بتقربني منها. حاسس نفسي إنسان وحش. عاصي حاسس إن ربنا غضبان مني. أنا عمري ما كنت مزلزل للدرجة دي. أنا دايماً عارف أنا عايز إيه. بس... صمت وهو يشعر بالتوهان. كان ينظر إلى رفيق، عينيه تصرخ بالمساعدة. تنهد رفيق وهو عاجز تماماً عن نصيحته ولكنه قال الشئ الذي يستطيع أن يريح ضميره: "أمجد لو اتجوزت خطيبتك تقدر تضمن إنك مش هتظلمها؟
مش هتفكر في واحدة تانية وهي معاك؟ تضمن إنك مش هتخليها تعيسة وتكره اليوم اللي اتجوزتك فيه؟ تضمن إنك هتبطل تفكر في بنت عمك؟ قولي." هز أمجد رأسه بالنفي وعينيه يشوبها الألم فابتسم رفيق وقال: "أنت عارف حل مشكلتك بس مش عايز تطبقه يا أمجد. فكر مستقبلاً حياتكم هتكون إزاي." في اليوم التالي...
جلست بتوتر على الكرسي المريح وهي تنظر إلى الرجل المسن الذي يجلس أمامها. تلك مخاطرة كبيرة جداً، نعم تعرف هذا بشكل جيد. أن تستعين بخطيبها لكي تقابل طارق البكري، والد عادل. رغم أن عاصي حاول معرفة السبب الذي جعلها تريد مقابلته، إلا أنها لم تحكي له أي شيء. لا يمكنها أن تفضح شقيقتها بتلك الطريقة. عرفت أن عاصي هو الوحيد الذي سوف يساعدها. هو رجل أعمال ووالد عادل أيضاً، ربما يدبر معها هذا اللقاء. وها هي في اليوم التالي استطاع أن يجعلها تقابل الرجل بينما هو ينتظر خارجاً.
كانت تفرك يديها بتوتر والرجل ينظر إليها بصمت وقال بلطف: "خير يا بنتي. عاصي قالي إنك عايزة تشوفيني في موضوع ضروري. عاصي ده على فكرة زي ابني. صحيح كان بينا شراكة قبل كده وانتهت بس بجد أنا بعزه أوي وأنتِ محظوظة به." ابتسمت من تحت نقابها بأمل. هذا الرجل يبدو طيباً للغاية، قد يساعدها بالفعل.
"طارق بيه، اللي هقوله دلوقتي أتمنى ميطلعش لأي حد وخاصة عاصي. الموضوع متعلق بشرف بنت. موضوع حياة أو موت. لو سمحت أوعدني الكلام ده ميطلعش بره." "بخصوص شرف مين؟ " قالها بتوجس لترد وصوتها مختنق بالدموع: "شرف اختي يا طارق بيه. أنا دلوقتي هكشفلك سر محدش يعرفه عشان أنقذ اختي من ابنك." "عادل! " قالها طارق بصدمة. كان يشعر أن ابنه الأحمق قد ارتكب خطأ كعادته. "هو... هو عمل إيه؟
أغمضت رحيق عينيها وهي تجمع كلماتها ثم فتحت عينيها مجدداً وهي تقول: "أنا هحكيلك كل حاجة." ثم بدأت تحكي له بصوت مختنق عن حقارة عادل وكيف أنه يهدد نوران لكي تهرب معه. بعد أن انتهت هز طارق رأسه وقال: "أنا مش مصدق. بجد مش مصدق! كان يشعر أنه في دوامة عميقة. لا يصدق أن ابنه قد فعل هذا. ولكن لما الدهشة؟ للأسف لقد دلل عادل حد الفساد. أخرجت رحيق هاتف نوران وقالت: "ده تهديد عادل لأختي على الواتس آب." ثم فتحت برنامج
تسجيل المكالمات وأكملت: "ودي مكالمة لابنك وهو بيهدد اختي." فتح طارق التسجيل واتسعت عينيه وهو يسمع التسجيل الصوتي بصوت ابنه: "أيوه يا حلوة. فكرتي في عرضي ولا أنشر صورك على السوشيال ميديا؟ نوران، أنتِ مش هتكوني لغيري. صدقيني مستعد أعمل اللي ميخطرش على بالك! أطرق رأسه بخجل من أفعال ابنه المشينة. قالت رحيق بتوسل:
"أبوس إيديك يا طارق بيه، اختي ممكن تتفضح. خلي ابنك بس يتجوزها ولو لفترة وبعدين يتطلقوا. أنت عرفت كل حاجة أهو ساعدني ربنا يسترِك دنيا وآخرة." نظر إليها طارق بخجل وقال: "أضمن لك أن عادل مش هيعترض طريق اختك تاني. لكن سامحيني جواز لا." "يا طارق بيه... قالتها رحيق بانهيار ليرد: "عادل خاطب بنت عمه يا بنتي مقدرش أدمر العلاقات بيني وبين أخويا. كل اللي أقدر أعمله إني هبعده عن اختك."
"بس يا أريام هو عنده حق. مرات عمه لسه متوفية، مينفعش يعمل كتب كتاب! " قالتها سلوى بارتباك. كانت تنظر إلى صديقتها الحزينة. كانت أريام قد طلبت منها أن يتقابلا. أخبرتها أنها تشعر أنها في دوامة كبيرة. "يعني مينفعش نعمل كتب كتاب، بس ينفع إن بنت عمه تعيش عندهم ويحب فيها براحته." رمشت سلوى وقالت: "يا أريام البنت والدتها اتوفت، طبيعي هتعيش معاهم. وبعدين بنفسك قولتي إنه طلع الشقة اللي فوق يعني مش معاهم أصلاً."
"ده اللي قالهولي. أنا إيش عرفني إنه صادق. ما يمكن يكون بيحصل بينهم حاجة بعد... "بس يا أريام اسكتي عيب. إيه اللي أنتِ بتقوليه ده. مترميش الناس بالباطل حرام." "والنبي يا ست الشيخة اسكتي أبوس إيديكي. الحرام والحلال، أنتِ آخر واحدة تتكلمي عليهم. أنا مش عارفة أنا بأخد رأيك ليه أصلاً. عمرك ما جيتي في صفي أبداً. أنتِ أصلاً مش عايزاني أبقى فرحانة. غيرانة مني لأن حياتي ماشية وأنتِ واقفة في الماضي. أو يمكن كان عينيك على أمجد."
نظرت إليها سلوى باستياء. للأسف هذا الجانب في صديقتها تكرهه بشدة. هي تتكلم دون أن تفكر، ولكنها تعرف أن أريام طيبة القلب. "أريام أنتِ مش كده! " قالت سلوى بلوم لتنفجر أريام بالبكاء وهي تقول: "أنا آسفة يا سلوي. بس بجد مضغوطة. هو خانني. حتى لو محصلش بينهم أي حاجة، بس بيفكر فيها. بيحبها أنا عارفة. وأنا عايزة الفرح بتاعنا يتم بسرعة عشان أنا مش هسمح لعيلة زي دي تاخده مني." تنهدت سلوى وقالت: "ربنا يجبر بخاطرك يا أريام يارب."
كان يقف أمام المدرسة التي تعمل بها ينتظرها هي وابنه. قرر أن يأخذها اليوم ويسعدها. سوف يقنعها أنه حقاً يريدها. ثم يتنزهان كأي أسرة سعيدة. ابتسم وهو ينظر إلى السلسال الذي أحضره هدية لها. ثم أخفاه. كان يريد أن يفاجئها. نظر إليها ليجدها تخرج من المدرسة تمسك عمر بينما تنظر إلى أحدهما وتضحك. تجمدت ملامحه وعصف الغضب بعينيه وهو يتعرف عليه. ماجد خطيبها السابق. ضغط على مقود السيارة بعنف حتى ابيضت مفاصله. كان الغضب يتصاعد بداخله. الغيرة كانت سيئة هذه المرة. كان غيوراً لدرجة أنه رغب بتحطيم أنفه ثم جرها هي وحبسها في المنزل عقاباً لها. ترجل من سيارته واتجه نحوهما وملامح الإجرام تعلو وجهه.
"حبيبتي... " قالها بنبرة مشدودة لتنظر إليه سما وتتوتر بينما اختفت ابتسامة ماجد وهو ينظر إليه بضيق. هذا هو الرجل الذي استطاع التأثير على سما حتى تركته. ما زال يشعر بالحقد نحو أمير. الرجل الذي سلب منه المرأة التي لا يستطيع حتى الآن أن ينساها رغم زواجه.
كان أمير واعياً جيداً لنظرات ماجد لسما. تلك النظرات يعرفها جيداً. تلك النظرات جعلته غاضباً بشدة ولكنه سيطر على أعصابه. مهما حدث لا يمكنه أن يحرجها هنا ويحطم أنف هذا الرجل. ابتسمت سما بتوتر وقالت: "امير... بادلها الابتسامة بحب وقال: "يالا يا حبيبتي عشان أوصلكم." ثم حمل ابنه وأمسك كفها وهو يرمق ماجد ببرود لتبتلع سما ريقها بعسر وتقول وهي تحاول أن تنحي التوتر عنها: "ده... ده يبقى... قاطعها أمير بفظاظة وقال:
"مش مهم يالا." ثم سحب زوجته خلفه. بينما الأخير أخذ يطحن أسنانه بغيظ. لا يصدق كم أن هذا الرجل وقح! لا يصدق أن سما أحبت رجلاً مثله! في السيارة... كان يقودها وهو يضغط على المقود بقوة. تنهدت سما ونظرت إلى عمر لتجده مشغولاً في الدبدوب القطني الخاص به. قررت حينها أن تتكلم مع أمير. "امير ممكن أقول حاجة؟ نظر إليها، عينيه محملة بالغضب وقال: "نعم أقول إيه يعني يا سما؟ شايف مراتي بتضحك وتهزر مع خطيبها القديم."
"يا امير ماجد يبقى... "أستاذ ماجد يا سما." قالها من بين أسنانه ثم ضغط على المقود بشكل أقوى وهو يقول بغضب: "كلامك بيعصبني. لو سمحتي التزمي الصمت لحد ما نوصل للبيت. أنا والله مش عايز أعمل أي حاجة تضايقك." ابتلت عينيها بالدموع وقالت باختناق: "بأسلوبك ده عايز فرصة مني إزاي؟ نظر إليها وضحك بدهشة وقال: "لا... أنا اللي غلطان دلوقتي. بقولك شفتك بتضحكي معاه وبتهزري. هو مفيش احترام للي متجوزاه يا سما ولا هو مجرد كرسي في حياتك؟
"وطي صوتك! " قالتها سما وهي تنظر لعمر بقلق. تنهد أمير بضيق ثم ضرب المقود بقوة وقال من بين أسنانه: "متتكلميش دلوقتي ممكن. لو سمحتي! نظرت لنافذة السيارة وهي تحارب دموعها كي لا تسقط. نعم، إنها مخطئة جداً أيضاً. تعترف بهذا. ولكن يعلم الله أنها لا تهتم بماجد أبداً. ربما اندفاعها بسبب شعورها بالذنب. مسحت دمعة انسلت من عينيها وهي تعرف أن ما ينتظرها في المنزل سيكون أصعب!
"عمر ادخل أوضتك." قالها أمير بنبرة آمرة ليهز الصغير رأسه ويلج لغرفته. ثم نظر أمير إلى سما وولج لغرفته هو الآخر. ولجت سما خلفه وقررت أن تعتذر منه. رأته يخلع ملابسه وهو يبحث بعنف عن قميص قطني ليرتديه لدرجة أنه أوقع بعض الملابس. تنهدت وهي تتجه للخزانة أمسكت كفه برفق وقالت: "أنا هجيبلك تيشرت."
ثم أخرجت له قميصاً قطنياً بنصف كم ليرتديه بغضب ثم كاد يخرج إلا أنها أمسكت كفه ثم قبلت باطنه بعمق. انقشع الغضب عن عينيه وهو يرى تلك المبادرة منها. نظرت إليه وقالت: "أنا آسفة. عارفة إني عملت غلط. مش هتتكرر تاني أبداً. أمير متزعلش مني عشان خاطري. أنا والله ما كان قصدي أزعلك. عارفة إني غلط أضحك معاه مش عشان كان خطيبي وبس، لا عشان ده الصح. وأنا غلطت في كده. وغلطت لما جادلتك في العربية." كان صامتاً وهو ينظر إليها.
ارتبكت وهي تقول: "ممكن تقول حاجة يا أمير؟ أنت بتخوفني بصراحة. أنا بجد آسفة." شدها أمير ثم دفعها نحو الخزانة وهو يحاصرها هناك. توسعت عينيها وهي تنظر إليه. كانت الغيرة تتصاعد بعينيه أكثر من الأول. ابتلعت ريقها. هل ما زال غاضباً؟ مد كفه ولمس وجنتها وهو يقول بابتسامة بينما الغيرة تعمي عينيه: "أنتِ ملكي يا سما. ملكي. قولي إنك ملكي." "أمير... قالت لاهثة ليكرر بحدة: "قولي إنك ملكي! هزت رأسها وهي تقول بتوتر: "أنا ملكك."
توسعت ابتسامته وهو يقول: "أنتِ هتسيبي الشغل ده يا سما وده قراري النهائي! "أمير... " قالتها باعتراض ليضع إصبعه على شفتيها وقال: "لو مش عايزاني أقتله هتسيبي الشغل، ماشي يا سما؟ وإلا والله هقتله! في المساء... "السلام عليكم." قالها سيف وهو يلج لصالة القصر. كانت مياس تجلس على طاولة الطعام. ترتدي النقاب وهي تأكل. نظرت إليه وقالت بخفوت: "وعليكم السلام." "أهلاً يا سيف." قالها جلال ببسمة ليجلس سيف ويقول:
"معلش جيت وطلعت على فوق على طول. الشغل النهاردة كان كتير في الشركة. روحت أخدت شاور ونزلت." "شد حيلك، أنا معتمد عليك." "متقلقش يا بابا هرفع راسك إن شاء الله. عندنا صفقة مهمة مع عاصي صفوت لو تمت هيعم الخير على الكل." "عاصي شاب قدك بس رغم كده رجل أعمال مخضرم يا سيف، ما شاء الله في وقت قصير قد ينافس في السوق." "عايز تخليني أغير عشان أتحمس يعني؟ " قالها سيف ضاحكاً ليبتسم جلال ويقول: "قدرت تكشفني." نظر سيف إلى مياس
التي تأكل بهدوء وقال بهمس: "وحشتيني على فكرة." اختنق الطعام في فمها ولكنه قالت بعد برهة بهمس: "شكراً ليك." علت ملامحه خيبة الأمل وقال: "مفيش وانت كمان وحشتني." تنهدت وقامت وهي تقول: "أنا الحمد لله أكلت. هروح أطلع الأوضة." ثم هربت للأعلى. شرد هو في هروبها منه وابتسم وهو يتنهد. "شكلها حبيتها! " قالها جلال ليخرج سيف من شروده. توتر قليلاً وهو ينظر إليه وقال: "لا طبعاً يا بابا." "ليه لا طبعاً يا بابا؟
يا بني أنا بشوف نظراتك ليها." نظر سيف إلى طعامه بيأس وقال: "أنا لسه خارج من تجربة مكانتش ألطف حاجة ومش عايز... "أنا بقول اللي شايفه يا سيف. أنت بتقع فيها. نظراتك بتقول كده." نظر سيف لوالده وقال: "طيب افرض أنا حبيتها بس هي محبتنيش وقتها أتكسر للمرة التالتة يا بابا." ابتسم جلال بغموض: "هتحبك. أنت لو عايز هتخليها تحبك." عبس وهو ينظر لوالده وقال: "مش فاهم."
"يا بني الستات سهل تكسب قلوبهم وواحد زيك هيكسب قلب مياس بس محتاج محاولة شوية. شوف من رأيي أنا شايف لو خلفتوا هتقربوا من بعضكم أكتر. إيه رأيكم تجربوا تخلفوا عيل." سعل سيف ووجه احمر من الإحراج ونظر إلى والده ليفهم أن جلال يعرف بشأن أن سيف لم يتمم زواجه بها بعد. أخفى سيف توتره خلف ابتسامة مهتزة وقال: "إن شاء الله!
ولج لغرفته وهو يجدها جالسة على الفراش تنظر إلى الكتب التي تفرزها وابتسامة واسعة تحتل شفتيها. استدارت مياس وهي تنظر إليه وقد خلعت نقابها. اقتربت منه وهي تقول: "بجد شكراً يا سيف. دي كل سلسلة شيرلوك هولمز، متتخيليش بحبها قد إيه." ابتسم سيف وهو يمرر كفه على الحرق بوجنتها وقال: "إحنا تحت أمر البرينسس. دي كانت أول أمنية في الأجندة بتاعتك. والنهاردة كمان هشوف كتبتي إيه." ابتسمت وقالت وهي تشبك يديها سوياً:
"المرة دي كتبت أمنيتين." ابتسم وقال: "اكتبي الكمية اللي حباها وأنا هحققها. شباك لبيك سيف بين إيديكي." ضحكت وقد احمر وجهها فقال: "بس أنتِ مش بتشكريني بضمير." نظرت إليه بحيرة ليكمل وهو يشير على وجنته: "ممكن تشكريني بضمير لو سمحتي." "سيف مينفعش." قالتها وهي تشعر بالإحراج لينظر إليها ويقول ببراءة: "بوسة أخوية مفيهاش حاجة يعني." ابتسمت له وهي تقترب منه ثم تقبله على وجنته برفق. أغمض عينيه وهو يبتسم ثم أمسك كفها وقال:
"يالا نشوف الأجندة." جلس على الفراش لتجلس بجواره. فتحها هو ليجد الصفحة الثانية مكتوب فيها أنها تريد أن تكمل دراستها. نظر إليها لتبتسم وتقول: "بعيد الحادثة بتاعتي للأسف انقطعت عن الدراسة مع إن كنت في كلية علوم وكنت شاطرة بس اللي حصل خلاني أدخل في فترة اكتئاب وحتى إني محضرتش الامتحان وبعدين سحبت ورقي." ابتسم لها وهو يقول: "حاضر." توسعت عينيها وقالت بلهفة: "بجد؟ هز رأسه وقال: "بجد."
ابتسمت بسعادة فبدت في تلك اللحظة كطفلة سعيدة غير محملة بالآلام. اقتربت وهي تقلب الصفحة لتريه الأمنية الثانية غير مدركة أنها قريبة منه للغاية. ثقلت أنفاسه وهو يشم رحيق شعرها واغمض عينيه وكلام والده يدور في عقله. هل يعقل أنه يقع فيها بالفعل؟ ضحكة صغيرة هربت منها وقالت: "الأمنية دي غريبة شوية بس أنا نفسي في سكوتر لونه زهري عشان...
ولكنها قاطعت كلماتها وهي تدرك الوضع المريب الذي هما به. كان وجهها قريب للغاية من وجهه بينما هو ينظر إلى شفتيها. عينيه الزرقاء كانت صافية تماماً وقد توسعت بؤبؤتيه. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشيح بوجهها عنه وتقول بارتباك: "أنا هنام. تصبح على خير." هز رأسه واقترب منها ثم طبع قبلة على خدها وقال: "وأنتِ من أهله." تسطحت وهي تنظر من الجهة الأخرى. نام هو بجوارها واحتضنها واضعاً كفه على كفها ويقول:
"مياس، ممكن في يوم تقرري إنك تكملي حياتك معايا؟ ممكن ده يحصل." الأمل في صوته مزقها. كانت خائفة أن تعطيه أملاً وهي لم تحبه بعد. ماذا أن فشلت في أن تحبه؟ أغمضت عينيها وقالت بتعب: "مظنش." ابتسم بحزن وهو يضمها أكثر ويغمض عينيه. في اليوم التالي... نهض بكسل لينظر إليها ويجدها تغط في نوم عميق. اقترب وقبل ذراعها العاري الظاهر من القميص القطني الذي ترتديه وابتسم لها ثم نهض ليجهز نفسه.
كان تحت صنبور المياه والماء يندفع عليه. لقد قرر أن يفاجئها اليوم. قرر أن يسعدها. كان متحمس لما سيفعله. فجأة لاح طيفها بعقله ليتكدر بعد سعادته. لا يصدق كيف أصبحت مشاعره نحو سيلا سلبية بتلك الطريقة. لقد أحبها وربما ما زال. ولكن ما حدث بينهما يجعله يشعر بالقرف من نفسه لأنه كاد أن يخون زوجته. هو يحملها سبب هذا. ولو كان حدث هذا، كان سيكره نفسه للأبد. هز رأسه وهو ينفض تلك الأفكار عنه. هو لا يجب أن يفكر بها. اليوم هو يومه ويوم ماريانا، يجب أن يجعله مميزاً.
بعد قليل خرج من الحمام وهو يرتدي مئزر الحمام بينما يجفف شعره الناعم بمنشفة صغيرة. ولج للغرفة ليجدها جالسة على الفراش تزيل آثار النوم عنها. اقترب وقبلها على رأسها وهو يقول: "صباح الخير يا روحي." ابتسمت له وهي تقول: "صباح النور. هقوم أحضر الفطار وأجهز عشان الشغل." "لا مفيش داعي ارتاحي النهاردة من الشغل، فيه مفاجأة ليكي النهاردة." نظرت إليه بحيرة وقالت: "مفاجأة إيه؟
كاد أن يرد إلا أن رنين جرس المنزل رن ليبتسم وهو يخرج مسرعاً ليفتح الباب. عبست ماريانا بدهشة ولكن بعد ثوانٍ كان يدخل جورج وهو يحمل صندوقاً كبيراً. ثم وضعه على الفراش. وقال: "جزء من المفاجأة." نهضت ببطء وهي تفتح الصندوق بحيرة فجأة اتسعت عينيها بصدمة وهي تجد مفاجأة عظيمة تنتظرها. "فستان فرح! " قالتها لاهثة وهي تتلمس فستان الزفاف. كان يبدو رائعاً للغاية. ابتسم وهو يقترب منها وعانقها من الخلف ثم طبع
قبلة خفيفة على عنقها وقال: "يوم فرحنا مكانش قد كده. أنا يومها جرحتك عارف. عشان كده بقى دين في رقبتي إني أعملك فرح من أول وجديد." نظرت إليه ذاهلة ليمسك ذقنها بلطف ويقول: "دلوقتي جاية مادلين عشان هي اللي هتجهزك وبعدين أنا حجزت يخت لينا النهاردة هنحتفل بفرحنا ونبات هناك ونرجع بكرة." ترطبت عينيها بفعل الدموع فقال بتحذير: "متعيطيش." هزت رأسها وهي تقول: "أنا مش مصدقة إن كل ده عشاني و... قاطعها وقال:
"دي أقل حاجة عشانك. أنا رايح أجهز عند كريم صاحبي وتلات ساعات. وهاجي تكوني جهزتي." رنين المنزل رن مرة أخرى فابتسم وقال: "مادلين دقيقة في مواعيدها لازم أعترف." بعد ثلاث ساعات...
خرجت أنفاسه حادة وهو ينظر إليها تخرج من الغرفة بينما حمرة الخجل تزين وجهها فبدت أجمل بكثير من مساحيق التجميل التي تضعها. كان الفستان من الحرير أبيض اللون بأكمام طويلة مطرز بورود صغيرة أعطته سحراً لا يقاوم. بينما شعرها الطويل جعلته منساباً على جانبي وجهها فبدت كملاك هبط على الأرض. حورية تماماً. "شكراً يا مادلين." قالها جورج مبهوراً.
لتهز مادلين رأسها ثم تأخذ أدواتها وتخرج تاركة لهما خصوصية. ما أن خرجت حتى اقترب منها وسرعان كانت بين ذراعيه وهو يضع شفتيه على جبهتها ويقول: "تعرفي لولا إني وعدتك إنك هتعيشي يوم فرحك كامل النهاردة مكنتش خرجتك من البيت." ابتسم وابتعد عنها وهو ينظر إلى اشتعال وجنتها ثم أمسك كفها وقال: "يالا." بعد ساعة تقريباً...
كان يقف أمام اليخت. ركبه وساعدها هي حتى ولجت إلى اليخت الرائع. كان مزيناً بطريقة تخطف الأنفاس. ينبعث من مكان ما أغنيتها المفضلة (I wanna be yours) بينما الإضاءة الداخلية أعطتها انفصالاً تاماً عن العالم رغم وجود الشمس بقوة. اقترب جورج منها وأمسك كفها وقال: "يالا ناكل الأول وبعدين نرقص."
ثم جذبها برفق نحو الطاولة الصغيرة المزينة وأجلسها برفق. نظرت إلى الأصناف اللذيذة من الطعام وشعرت أنها جائعة للغاية ودون أي اعتبار لأساليب الرقي في الأكل بدأت تأكل بشراهة. بينما جورج ينظر إليها بتسلية. بعد قليل... خرجت من الحمام وهي تجفف يديها وتضع كفها على بطنها وهي تقول: "أنا أكلت كتير النهاردة. بس مش ذنبي والله، ابنك طالع مفجوع زيك." ضحك جورج وقال: "بالهنا والشفا يا روحي. مش يالا بقا." "يالا إيه؟ " قالتها بتوجس.
ابتسم بلطف وقال: "مفيش يوم فرح يمر من غير الأغاني. يالا نرقص." ثم جذبها برفق وهو يرقص بها على الأغنية التي تنتشر في اليخت. وضعت رأسها على كتفه وقالت: "أنا بحلم صح يا جورج؟ ده حلم جميل." قبل رأسها وهو يضمها ويقول: "لا يا حبيبي ده مش حلم. ده حقيقي. حبي حقيقي وقلبي ليكي وبس." ابتسمت برضا وهي تضمه بشكل أقوى. أظلا يرقصان طوال اليوم. يتكلمان. كانت حقاً ماريانا سعيدة بشكل لم تختبره بعد.
وعندما اختفت الشمس وبدأ الظلام يسدل ستائره. امسك جورج كفها ثم رفع صوت الموسيقى لتنتشر أغنيتها المفضلة مرة أخرى (wanna be yours) . ادخلها للغرفة المجهزة للعروسين. لمعت عينيها وهي تجد غرفة بيضاء جميلة واسعة بعض الشيء. الأزهار الحمراء متناثرة على الأرض. بينما الفراش يغطيه أيضاً أزهار حمراء صغيرة تخطف الأنفاس. برفق قام جورج بحمل ماريانا وهو يتجه بها للفراش ويقول:
"أذيتك كتير أنا عارف. كسرت قلبك في أيام كان مفروض تكون أجمل حياتك. وأنا كاره نفسي عشان كده." "جورج متقولش." ولكنه أوقفها وقال: "خليني أكمل يا ماريانا." جلس على الفراش وأجلسها على ساقيه وأكمل: "واحدة غيرك كان مفروض تسيبني بعد اللي عملته بس أنتِ اتمسكتي بيا. عشان كده أنا بوعدك من النهاردة عمري ما هزعلك أبداً. بس اوعديني إنك تحبيني دايماً. أوعي في يوم حبك ليا ينتهي يا ماريانا، وقتها أنا اللي هنتهي." ضمته بقوة وقالت
بصوت مختنق بفعل المشاعر: "أنا مستحيل أبطل أحبك. مستحيل! ابتسم وهو يبعده عنها ثم أخذ يربت على شعرها ثم اقترب منها يعوضها عن ليلة زفافهما الكارثية. "دي صورته." قالها معاذ وكفه يرتجف بانفعال بينما يمد له صورة سيف. نظر إليه الرجل الضخم وقال: "تمام. هاخد نص المبلغ دلوقتي ونصه بعد ما أقتله." هز معاذ رأسه وقال: "موافق. بس المهم اقتله! شيله من على وش الدنيا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!