رمش بصدمة وهو ينظر إليها. شعر للحظات أنها تمزح، ولكن البرود في عينيها هزه قليلاً. هز رأسه قليلاً وهو يحاول استجماع أفكاره وقال: -بتقولي إيه يا مياس؟ -عايزة أتطلق. ردت مرة أخرى وهي ما زالت تنظر إليه بهدوء تام. لم تخنها تعابيرها ولو للحظة. نهض وهو يسحب ملابسه ويرتديها على عجلة. ثم اقترب منها. اهتزت حدقتاها للحظة والتوتر يغزو جسدها وهي تراه يقترب منها، ولكنها ارتدت قناع برودها وهي تتراجع وتقول بصوت قاسي: -متقربش.
-مياس. قالها وهو يقترب منها يحاول تهدئتها فقد بدت أعصابها محطمة. لترد وهي تتراجع: -قولتلك متقربش مني. ابعد. -مياس إيه اللي حصل؟ أنا غلطت فيه إيه بس؟ ما كنا كويسين مع بعض. ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه. ليستغل هو هدوءها اللحظي ويقترب منها ثم يتلمس وجنتها وهو يقول بحنان: -فيه إيه يا فراشة؟ أنا ضايقتك في حاجة؟ حد ضايقك تاني؟
قوللي مين ضايقك وأنا أوعدك. هجيب لك حقك. بس متقوليش طلقني تاني. الكلمة بتوجع قلبي. أنا بحبك. ومتأكد إنك بتحبيني. ثم اقترب بشفتيه منها ليقبلها، ولكنها أبعدته عنها. الدموع محبوسة بعينيها. تعرف ما تقوله سوف يؤذيه، ولكنها لا تمتلك أي حل آخر. لا يمكنها أن تخسره للأبد على يد هذا المختل عقلياً. سوف تموت لو حدث هذا. -أنا... أنا مقدرتش أحبك. قالتها وهي تحاول تحاشي نظراته المصدومة والمنكسرة.
حاول أن يمسك كفها، ولكنها أبعدته بسرعة وهي تقول بنبرة باردة للغاية: -لو سمحت يا سيف كفاية. أنا مليت من اللعبة دي. طلقني لو سمحت. -مياس أنا زعلتك في حاجة؟ شوفي أنا آسف لو ضايقتك من غير ما أقصد. كتمت دموعها، فاحتضن وجهها وقال بلهفة: -مياس أنتِ بتكدبي عليا صح؟ أكيد بتحبيني. بس حد ضايقك تاني؟ قوللي نوال ضايقتك؟ قوللي والله أنا هقتلها المرة دي.
أبعدت كفيه عن وجهها ونظرت إليه ببرود. لقد اختفت نظرات الحب بعينيها كأنها لم تكن، وقالت: -قولت مش بحبك. الحب مش عافية يا سيف. مقدرتش أحبك. مش هتجبرني أفضل معاك. لو سمحت طلقني. لو سمحت. لو عندك كرامة طلقني. ده لو عندك يعني.
ابتعد عنها كالملسوع. شعر بألم كبير في قلبه. أقوى من الألم الذي يشعر به حالياً بسبب الإصابة الخاصة به. لمع بريق الدموع بعينيه. شعر أنه ضعيف للغاية للمرة الأولى. يعرف أن تلك ليست مياس. شيء ما قد حدث وجعلها بتلك الحالة. ولكن كلماتها تؤذيه بقوة. -أنا عايزة أطلق لو سمحت، وإلا هرفع عليك قضية خلع. -مفيش داعي. هطلقك يا مياس. قالها بهدوء.
لتفر الدماء من وجهها. لقد طلبت هذا، ولكن قوله هذا جعلها تنهار داخلياً. ولكنها بقوة تمسكت بقناع الجليد الذي ترتديه وابتسمت له وهي تقول: -حلو كويس. ياريت نخلص الإجراءات دلوقتي عشان أسافر القاهرة. عبس وهو ينظر إليها ويقول: -تسافري فين؟ رفعت وجهها وهي تقول: -القاهرة. -مياس... بتهزري صح؟ قاهرة إيه اللي عايزة تروحيها؟ عايزة تروحي وتقعدي في بيت خالتك لوحدك وده ينفع؟ اقعدي هنا في بيتك. -ده مش بيتي.
-لا ده بيتك. بيت عمك. ولو كان وجودي هيضايقك أنا هسيب البيت وأمشي. بس متتمشيش. خطر تقعدي لوحدك مش هسيبك تقعدي لوحدك هناك يا مياس. رفعت رأسها وقالت: -ما أنا دايماً كنت لوحدي أنا وخالتي لحد ما اتهاجمت واتشوهت ومفيش حد فيكم كان معايا. لا انت ولا عمي. فبلاش دور البطولة اللي مش لايق عليكم. أنا همشي يعني همشي وأنت هتطلقني؟ نظر إليه بجرح وقال:
-أنا اعتذرت عن ده مليون مرة يا مياس. صحيح قصرنا جامد وإحنا غلطانين وده اللي هيخلينا مش هنكرر غلطنا. أنا مقدرش أسيبك تروحي هناك برجليكي بعد اللي حصلك هناك. اقعدي هنا. ده بيتك. أنا اللي همشي ووعد مش هتشوفي وشي.
تألم قلبها وهي تراه بتلك الحالة. أرادت أن تركض إليه وتعانقه. تعتذر منه، ولكنها لا تستطيع. الرعب الذي داخلها كان أكبر من أي شيء. لو كان الأمر يتعلق بحياتها لماتت دون أن تهتم، ولكن هذا يتعلق بسيف. حياته. وهي لا يمكنها أن تعرض حياته للخطر. -وأنا قولت إني هروح القاهرة. لا أنت ولا جلال الحسيني هتمنعوني يا سيف. ***
في اليوم التالي. ولجت للغرفة وعبست وهي تجده ما زال نائماً. اقتربت منه بهدوء وهي مبتسمة ثم جلست على الفراش. نظرت لهاتفها لتجد أن الساعة قد تجاوزت الحادية عشر ظهراً. نظرت إليها وهي مبتسمة. كان ينام على ظهره عاري الجذع كعادته. يضع ذراعه أسفل رأسه وذراعه الأخرى يغطي بها عينيه. خفق قلبها داخل صدرها وهي لا تصدق حتى الآن أن هذا الرجل الوسيم يحبها. يحبها هي. وما كان مزيف أصبح حقيقي. هو أصبح لها وهي أصبحت له. كأنها بحلم جميل.
لم تظن أبداً أنها ستختبر تلك المشاعر القوية. تلك السعادة. لم تتخيل أبداً أن يكون لها من الحب نصيب. لقد تقبلت بهدوء أنها قبيحة لن ينظر إليها رجل مرتين. ولكن الأمر كان مختلف مع عاصي. نظراته تخبرها أنها جميلة. عندما لمسها أول مرة أشعرها أنها جميلة. لأول مرة ترى جمالها من خلال عينيه. لن تنسى هذا أبداً له.
أمسكت كفه ثم قبلته بلطف ووضعت كفها بتردد على وجنته وهي تهمس: -عاصي اصحى. ولكنها لم يفتح عينيه بل أمسك كفها ثم أخذ يقبل باطنه بشغف ويقول: -ليه قومتي من جنبي؟ -عشان كان لازم أصحى أملاك وأفطرها. يا أستاذ الساعة حداشر دلوقتي. بطل كسل وقوم. فتح عينيه بصعوبة وهو ينظر إليها. كانت مبتسمة وهي تنظر إليه ترتدي فستان طويل إلى حد ما. شعرها مربوط في ذيل حصان. تبدو أكثر انتعاشاً. ابتسم وهو يضع كفه على ركبتها ويقول:
-حلو الفستان ده عليكي. مخلّيكي زي القمر. بس لو لبستي فستان أقصر شوية هتبقي قمرين. ضربته على كفه بمزاح وقالت: -طيب اتلم طيب. -تؤ تؤ بتضربي جوزك يا رحيق. مينفعش كده. ضحكت بمرح وقالت: -طيب قوم يا جوزي عشان تفطر. أملاك مستنياك. عبس وهو ينظر إليها لتتوسع عينيها بصدمة وتقول: -مش معقول ناسي؟ ده انت اخدت إجازة مخصوص عشان الحوار ده. أملاك كانت حابة تقضي اليوم النهاردة في النادي وبعدين الملاهي. انت بجد نسيت؟
فرك عينيه بتعب وقال: -أووه راح عن بالي. نظرت إليه بلوم ليقرص وجنتها ثم يقبلها ويقول: -بس كويس إن مراتي فكرتني. -طيب يلا بقا قوم عشان بنتك متزعلش. أنا رايحة أحضر الفطار. وكمان عايزين بعد اليوم الطويل ده نروح عند ماما دلال وحشتني أوي. -حاضر يا روقة.
ثم نهضت لتذهب، الا انه شدها إليه فتسطحت على الفراش. تسطح هو جوارها وضمها إليه. كان وجهها مقابل وجهها. احمر وجهها بشكل مبالغ فيه بينما توسعت عينيها وهي تنظران إليه. رفع كفه وأرجع خصلة من شعرها للخلف وهو يقول: -شكلك حلو أوي لما بتتكسفي. سمارك بيعمل ماتش هايل مع اللون الأحمر بتاع الخجل. بتكوني جميلة بطريقة أنا مش عارف أوصفها. ارتعشت أنفاسها وقالت: -متبالغش. أنا عارفة إني مش حلوة للدرادي. تنهد بعمق وهو ينظر إليها وقال:
سمراء الوجه لكن... لها من شمس المغيب نفحة السحر والغموض ولها قلب يسع لك كلما ضاقت بك الأرض تلك التي ضيعتها... لن تسع الشطان دمعك ندماً بعدها!! (لقائلها) توسعت عينيها بصدمة وقالت: -معقول بتعرف تقول شعر؟ -هو مش بتاعي بس أنا حافظ البيت ده. ابتسمت وقالت: -مش مصدقة إنك رومانسي وبتقول شعر. نقر على أنفها وقال: -اعتبري ده سر ومتقوليهوش لحد. -لا بتكلم بجد. مش متخيلالك رومانسي خالص. -اومال متخيلاني إزاي؟ قالها بتسلية.
لتبتسم بخجل وتقول: -بصراحة ومتزعلش بحسك وقح أوي. يعني اللي يشوفك وانت بتتعامل برسمية ميشوفكش دلوقتي. -بكون متغير يعني. -جداً كمان. فرق بين السما والأرض بصراحة. يعني أول مرة قابلتك حسيتك جد أكتر من اللزوم. وحسيتك إنسان محترم كده. رفع حاجبيه وقال: -أنا إنسان محترم. متتكلميش كده عن جوزك. عيب. -آسفة مقصدش. أقصد يعني الجانب منك ده غريب و... قاطعها وهو يضع أصابعه على شفتيها ويقول: -المهم الجانب ده عاجبك ولا لا.
ابتلعت ريقها وقد احمر وجهها بقوة ليبتسم بعبث ويقول: -السكوت علامة الرضا. يعني بتحبي الجانب ده مني. كادت أن ترد عليه ولكنه بدأ يدغدغها بينما هي تصر وتضحك بقوة. -عاصي كفاية هيقولوا إيه اللي في الفيلا. قبلها وما زال يدغدغها ورد: -عرسان جداد يا ستي. *** -إنت مجنون بجد يا يوسف؟ لا حرفياً مجنون. أنا مش ببالغ.
قالها منير وهو يضحك بينما متسطح على الفراش. كانا الاثنين بغرفة المشفى بسبب الجروح التي أصابتهم. ظن منير وهو هناك أن تلك سوف تكون نهايته. أنه سوف يموت لا محالة، ولكن يوسف كان له رأي آخر. لم يكن ليسمح لأي أحد أن يؤذي من يخصه. ويعرف كثير جيداً أن يوسف لم يكن ليضحي به. لم يشك للحظة. ولكن ما لم يتوقعه هو ذكاء يوسف المبهر الذي جعل لطيف ومن معه في مواجهة الجحيم. ما حدث كان أشبه بالجنون. وقد تيقن فعلاً أن صديقه يمثل الجنون بحد ذاته.
ابتسم يوسف وهو ينظر لصديقه بينما يمسك كف زوجته وهو ينظر إليها مبتسماً. لقد انتصر. لم يظن أنه قادر على هذا. كان الأمر خطيراً إن لم يصل مراد في الوقت المناسب كانا سيموتان بكل تأكيد. ولكن الحمد لله الله قد نصرهما وعاد هو لزوجته سالماً معافى. صحيح أن لطيف قد هرب هو ومن معه، ولكننه يعرف جيداً أن الآن لا أحد سوف يساعد لطيف ورجاله. فالجميع قد وقع. أدلة قوية ظهرت. وأخبار تسربت في الصحافة. أخبار قوية قضت على الجميع. يعرف أنهم لن ينجوا الآن من القانون. لو كانوا نجوا في المرة الأولى فالمرة الثانية قد قضت عليهم.
ابتسم يوسف وهو يتذكر ما حدث بكل تفصيل. *** -هتعمل إيه دلوقتي؟ قالتها ماجدة بتوتر. فابتسم وقال: -هروح للطيف. -هيقتلك. قالت بإختناق والدموع تلمع بعينيها. ابتسم وهو يربت على كفها ويقول: -سيبيها على الله يا ماجدة. -طيب. طيب عندك خطة معينة؟ هز رأسه وهو يقول: -مفيش للأسف. أغمضت عينيها والدموع تنهمر منهما. فتنهد وهو ينظر أمامه. الا ان رنين الهاتف جعله ينتفض قليلاً. أمسك الهاتف وتوسعت عينيه وهو يعني بذهول: + مراد!!! ......
بعد قليل ... -أنا بجد مش مصدق. حاسس إني بحلم. مراد إنت هنا إزاي؟ مش كانوا نقلوك؟ قالها يوسف وهو بمنزل مراد. كان قد أحضر زوجته وطفلها. ما زال لا يصدق أن مراد قد عاد. ابتسم مراد وقال: -ورجعوني تاني. أصل الباشا الكبير وقع. ظهرت عليه أدلة أقوى. عايز أقولك إننا بنجهز إذن عشان نقبض عليه. -كده يبقى لطيف ملوش ضهر. -عليك نور. كده هيبقى لطيف ملوش ضهر فعلاً. عبس يوسف وقال:
-لطيف محتجز منير وهيقتله يا مراد وعايزني أروح له أنا ومراتي وابنه. أنا خايف أوي. ابتسم مراد وقال: -متقلقش وروح بس لوحدك. هنقبض عليهم كلهم زي الفيران. -دي مخاطرة يا مراد. ده جنان. ابتسم مراد وقال: -وانت مجنون يا صاحبي. أنا عارف. ابتسم يوسف وهز رأسه وهو يقول: -عندك حق يا صاحبي. *** المكان... الفيلا المهجورة التي يقبع بها لطيف. الحدث.. كان لطيف ممسك السكين موجهه نحو منير يستعد لقتله.
ابتلع كثير ريقه وهو يغمض عينيه بينما يسمع صوت تهيئة السلاح وقال بتماسك يُحسد عليه: -أشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن محمداً رسول الله. ولكن فجأة ضوضاء جعلته يفتح عينيه. نظر حولهم لطيف بتوتر بينما ابتسامة شقية احتلت شفتي يوسف وهو ينظر للطيف المرتعب بشماتة ويقول: -game over ya habiby. أنت انتهيت! -إنت عملت إيه؟ قالها بهلع وهو يسمع أصوات الأسلحة. ليرد يوسف: -أنا فتحت عليك أبواب الجحيم بس!!! ........
وما حدث بعد ذلك كان الجحيم. اقتحمت الشرطة الفيلا وألقت القبض على الكثير. لطيف وبعض رجاله هربوا بعد ما أصاب رجال الشرطة ساق لطيف بطلق ناري. وبهذا تخلص يوسف من كابوس لطيف ومن معه للأبد. عاد من شروده وهو يبتسم ويفكر أن لطيف ما زال حي. ولكن مراد طمأنه أنهم سوف يقبضون عليه سريعاً. كما أنه وضع حراسة مشددة أمام غرفته هو ومنير. والآن هو يشعر بالراحة بينما يمكث وسط عائلته وصديقه. نظر إلى ماجدة الممسكة
كفه وهي تبتسم له فمسح لها: -بحبك. ابتسمت بحب له وهي تطرق برأسها أرضاً. *** في عيادة الدكتور إبرام.
كانت ماريانا تجلس وهي تشعر بالرهبة. قلبها ينبض بعنف. اليوم سوف تكشف نفسها. ستخلع قناع البرود لتريهم كم هي متألمة من الداخل. اليوم سيعرف الجميع أنها لم تتخطى ما حدث لها. سيعرفون أنها ما زالت سجينة تلك الليلة. لم تتحرر بعد. والآن ما تفعله الآن هو أنها تحيط نفسها بالجليد لتحمي ذاتها. تدعي أنها لا تشعر أن تلك مأساتها. فتوهم نفسها أنها بخير. أنها ناجية. وأن تلك الليلة لم تحدث وأن هذا هو محض خيال منها فقط. كان السؤال الذي يؤرقها هل ستنجح؟
هل ستستطيع أن تعود لذاتها؟ أن يصلح أبرام الضرر الذي أصابها أم سيكون الوضع أسوأ خاصة بعد فتح كل جروحها؟ -ماريانا عندك أي مانع إن جورج يحضر معانا حاسة العلاج النفسي. فعلها أبرام بلطف وهو ينظر لماريانا التي بدت في عالم آخر. وكأنها لا تدري ما يحدث حولها. كان جسدها النحيل يرتجف قليلاً ولم ترد على سؤال أبرام. نظر أبرام إلى جورج ثم نظر لماريانا مرة أخرى وقال بنفس اللطف دون أي أثر للضيق بنبرته:
-ماريانا بقولك عندك أي مشكلة إن جورج يحضر جلسة العلاج النفسي معانا. رفعت عينيها أخيراً وهي تُجيب ببهوت: -لا معنديش. أجابتها كانت باهتة. باردة بشكل مغيظ ولكنه سوف يتحمل. سوف يمسك كفها ليخرجها من الظلام. هو لديه يد فيما حدث لها وهو من سوف يساعدها على الخروج. حتى لو تطلب هذا أن يضع كفه في كف أكثر شخص يكرهه حالياً وهو إبرام. اتخذ أبرام مقعده ثم أخرج المذكرة التي يكتب بها. وقال: -إبدأي يا ماريانا.
كانت ماريانا تفرك كفيها. بينما انسابت الدموع من عينيها. كانت تشعر بالرعب وكأن كل جروحها سوف تُفتح اليوم مجدداً. شعر جورج بإرتباكه. اقترب وجلس بجوارها ثم مد يده ليحاول إمساك كفها ولكنها أبعدت يدها بحدة نوعاً ما ولم تنظر إليه. شعر بالتوتر وابتعد محرجاّ عنها. -أنا خايفة أتكلم. قالتها بإختناق. ليرد أبرام متفهماً: -مش مشكلة نقدر نتكلم الجلسة اللي جاية مادام مش مستعدة ولا عايزة تتكلمي. هزت رأسها وهي تقول بإختناق:
-أنا عايزة أتكلم. بس خايفة يا أبرام. أنا عايزة أنسى اللي عيشته. أنا بحاول أقنع نفسي إني جالي تبلد. بقنع نفسي إن اللي حصل ده محصلش ليا أنا وإني كويسة. مش عايزة افتكر أي تفاصيل عن اليوم ده رغم إن كل حاجة بتدور في بالي. أنا لسه سجينة اليوم ده. في اليوم ده أنا خسرت كتير يا أبرام. خسرت ابني. شرفي. أطرقت برأسها ونشيج حار يهرب من بين شفتيها ثم أكملت ونبرتها مشوبة بالبكاء.
-أسوأ لحظات حياتي لما كان الحيوان ده بينتهك جسمي وأنا مكنتش عارفة أدافع حتى عن نفسي. كان نفسي أصرخ. أموت نفسي. كنت حاسة بالقرف. صحيح مكنش اغتصاب بس هو لمسني بطريقة خلتني أكره نفسي. أكره إني ست. لحد دلوقتي حاسة بإيده القذرة عليا. حاسة إني مش نضيفة. حاسة... حاسة...
ثم انفجرت بالبكاء مرة أخرى. انهمرت الدموع من عيني جورج. كان يشعر بالخجل من نفسه. زوجته تعاني. هي محطمة وهو كل ما يفكر به غيرته الحمقاء. أراد أن يذهب إليها ويعانقها. يعتذر لها. بينما زوجته تعاني من هذا كله هو كان معها. تلك المخادعة. من خدعته ودمرت حياته. هو لن يسامحها أبداً. -خلاص يا ماريانا. خلاص كفاية. قالها أبرام وهو ينهض يقدم لها محرمة ورقية بينما يضغط على كتفها بمواساة أشعلت غيرة جورج مجدداً. .... بعد قليل ...
كانت ترتاح على مقعد السيارة. منهكة الجسد والروح عاجزة عن البكاء مرة أخرى. لقد بكت كثيراً في جلسة العلاج النفسي وكأنها قد انفجرت فجأة. وإبرام كان متعاون معها. لم يدفعها أو يحاول أن يجعلها تتكلم دون رغبتها. أغمضت عينيها وهي تشعر بالتعب. فجأة شعرت بأحد يمسك كفها. فتحت عينيها ورفعت وجهها لتجده جورج يبتسم لها بحزن. كانت الدموع بعينيه وهو يهمس بندم شديد: -ليكي حق متسامحنيش يا ماريانا. اللي عملته ميتغفرش. سحبت كفها وقالت:
-متقلقش. مش بحقد عليك. خلاص يا جورج أنا خرجتك من حياتي وحساباتي وللأبد كمان. *** -إحنا اتفقناش على كده يا أمجد. أنا عايزة أشتغل. قالتها جيلان بضيق. ليرفع حاجبيه ويقول: -ما هو شغل يا حياتي. شغل أونلاين تقعدي ملكة في بيتك وتشتغلي في مجال الترجمة بما إن الإنجليزي بتاعك حلو أوي. كان يقولها بلطف بالغ وهو يتمنى أن تتوقف عن عنادها. وضعت جيلان كفيها على خصرها وهي تقول: -أمجد إنت مراوغ. ضحك وقال: -مبعرفش ألعب كورة والله.
-أمجد!!! قالتها بعصبية. ليقترب منها وهو يمسك كفها ويقول بحنان: -فيه إيه بس يا حبيبي. إنتِ مش عايزة تشتغلي. أنا قولت بدل ما تطلعي وتتبهدلي في المواصلات. أنا اهو جبتلك شغل أونلاين. هشتغلي من البيت وهتاخدي فلوس وانتِ مرتاحة. أنا شايف ده أحسن ليكي. -أمجد إنت وعدتني!!! قالتها غاضبة وهي تربع ذراعيها. ليتنهد بعمق وهو يقترب منها. جذبها إليه ليقبلها على رأسها ويقول مهدئاً إياها: -طيب ممكن تهدي؟ هزت رأسها بضيق وقالت:
-لا يا أمجد عشان إنت مش بتحترمني. عايز تحتجزني وبس. رغم إني قولتلك إني محتاجة أشتغل عشان أخرج. عايزة أخرج وأشوف الناس. نظر إليها بصبر وقال: -هخرجك معايا كل يوم. مش هحبسك خلاص. بس شغلك يكون من البيت وأنا هخرجك كل يوم. وعد. -فاكرني عيلة صغيرة هتضحك عليا بكلمتين. قالتها بضيق وهي تحاول إبعاده عنها. الا انه هو رأسها وقال بسرعة:
-لا والله أنا عمري ما فكرت فيكي بالطريقة دي يا جيلان. أنا فعلاً هخرجك. بس أنا شايف الشغل الأونلاين مناسب ليكي أكتر. هزت رأسها وقالت: -مفيش فايدة. إنت مش هتفهمني. إنت بس عايز تحبسني. الموضوع مش غيرة. إنت كنت خاطب أريام وهي كانت بتشتغل عادي. العلة مش في الشغل ولا الخروج. العلة فيا أنا. معرفش إيه اللي في دماغك مخليك مش عايزني اطلع. صمت ولم يتحدث. لتكمل بقهر: -لتكون شاكك في أخلاقي. نظر إليها بصدمة وقال:
-معقول اللي بتقوليه ده؟ -شكلك دي الحقيقة وشكلك شاكك في أخلاقي. -لا إنتِ اتجننتي فعلاً!!! اسكتي يا جيلان بدل ما أمد إيدي عليكي. انهمرت الدموع من عينيها ليحتضن وجهها ويقول:
-متقارنيش نفسك بيها لأني محبتهاش. أنا حبيتك إنتِ. ومن كتر حبي ليكي مش عايزك تطلعي إلا رجلي على رجلي. بعدين يقول هخرجك كل يوم يا جيلان. ده مش حبس. بالعكس حب. متخليش كلام السوشيال ميديا الفارغ يأثر على عقلك إنك قوية ومستقلة والكلام ده. إنتِ مراتي. مسؤولة مني أنا. أنا عليا أتعب عشان انتِ ترتاحي. ولو حابة تشتغلي اهو جبتلك شغل. يبقى أي فايدة الروحة والجاية يا جيلان؟ أنا بجد مش فاهمك.
لم تتكلم. ليبتسم وهو يقبل رأسها ثم يضمها إليه. ثم قال وهو يتنهد بعمق: -أنا بحبك أكتر ما تتخيلي. أنا بس خايف عليكي. إنتِ لسه صغيرة يا جيلان. مقدر حماسك للشغل ومقدر إن فيه فراغ كبير في حياتك. بس أوعدك هعوضك قريب جداً. ابتعدت قليلاً وقالت: -حاسة إننا مش هنعمر مع بعض يا أمجد. رمش بصدمة وقال بذهول: -كل ده عشان الشغل يا جيلان؟ بقا أهم مني. هزت رأسها والدموع تطفر من عينيها وقالت:
-الشغل ملوش علاقة. العلة مش فيه. العلة في شكل علاقتنا. إنت مش شايفني شريكة حياتك. إنت لسه شايفني جيلان الصغيرة المتهورة اللي لازم تفرض سيطرتك عليها قبل ما تعملك مشاكل. وصدقني يا أمجد طول ما شايفني بالشكل ده مش هنقدر نكمل مع بعض!!! ثم تركته وذهبت. ضرب كف على كف وقال: -الستات روح قلبهم الدراما. -إنت بتكلم نفسك يا أمجد؟ قالتها دلال من خلفه ليستدير وهو ينظر إليها ويقول: -عاجبك اللي عاملاه فيا جيلان ده يا ماما؟
كل يوم لازم تسم بدني. بتعمل من الحبة قبة وأنا كل ده صابر وساكت ومش عايز أزعلها. ربتت على كتفه وقالت: -معلش يا حبيبي. هي لسه برضه صغيرة. خليك صبور معاها. -لحد إمتى يا ماما؟ أنا تعبت. قبلت وجنته وهي تقول: -جرا إيه يا شيخ أمجد. احتضن البنت شوية. متنساش هي مرت بإيه. نظر أمجد لوالدته وقال: -بس لازم تكبر وتعقل عشان فعلاً نكمل مع بعض وإلا كل واحد هيروح لحاله. *** في المساء.
تجلس بالحمام. على حافة المغطس. تمسك اختبار الحمل وهي تهز قدميها بتوتر بينما الدموع على أعتاب عينيها. تنتظر النتيجة بفارغ الصبر وهي تدعو الله ألا تكون حامل. كانت لا تصدق غباءها كيف لم تتخذ احتياطاتها. لقد أصبح زواجهما حقيقي مئة بالمائة. لماذا استبعدت أن يحدث وأن تكون حامل. رباه. تنفست بتوتر وهي تغطي وجهها وتقول: -يارب تكون النتيجة سلبية ومطلعش حامل يارب. يارب.
كانت تتضرع لربها وهي تخاف أن تكون حامل رغم كل الإشارات التي تشير إلى أنها بالفعل تحمل طفل من أمير. تنهدت وهي ترفع الاختبار لتتوسع عينيها وتترطب بفعل الدموع. الجواب يأتيها قاسياً. نتيجة إيجابية. طفل قادم في الطريق. منه ومنها. ***
تتقلب بالفراش دون أي أمل في النوم. حالها هكذا منذ يومين. تنام بصعوبة. تفكر كثيراً. وتحلم كثيراً. منذ ما حدث بينهما تلك الليلة وهي تشعر أنها مخدرة تماماً وكأنها ليس بعقلها. هي تحمد الله أنه كان مريض لدرجة أنه لم يتذكر أي شيء مما حدث بينهما. هي لا تريد أن تضيف عذاب فوق عذابه. لا تريده أن يشمئز منها أكثر. وها هي تعاني بمفردها. الدموع تنهمر من عينيها بينما الذكريات تنهش قلبها. دفنت رأسها في الوسادة لتكتم شهقاتها. تحاول أن تخبر نفسها أن كل شيء على ما يرام، ولكن تعرف أن هذا سيكون مستحيل تماماً. لا هي ولا قلبها سوف يكونان بخير. تنهدت وهي تتذكر ما حدث بينهما. فما حدث سوف يظل داخل عقلها ولم تستطيع نسيانه أبداً.
-جاسم. جاسم. قالتها بإرتباك شديد وهي تراه يقرب وجهه الأحمر منها. كان لا يبدو في وعيه وهذا أسوأ. فلو حدث شيء بينهم سوف يكرهها ويكره نفسه. تعرف جيداً أنه يشمئز منها. رفع كفه وأخذ يتلمس وجهه. كان يبدو في أضعف حالاته وهو يهمس لها: -بحبك. أغمضت عينيها والدموع تنهمر منهما وقالت بإختناق: -وأنا كمان. بس أنت هتكرهني لو بعدت دلوقتي. هتقرف مني أكتر. أنا مش هتحمل إنك تكرهني أكتر من كده يا جاسم عشان كده عشان خاطري ابعد.
لم يبدو وكأنه قد سمعها بينما يتلمس وجنتها بإلحاح. بينما فمه قريب لحد غير مسموح به. كانت خائفة وهي تنظر إليه. خائفة أن تستسلم وتعاني الجحيم منه في الصباح. ولكن كان لا مفر. الحقيقة أنها لا تقوى على مقاومتها. ليس لأنها تريد اقترابه بقوة، بل لأن حبها له يضعفها. شهقت بخفوت وهو يقبلها وقد سقطت مقاومتها الواهية أرضاً وهي تتقبل كل ما يفعله بها. ...... بعد قليل ...
تنهدت براحة نوعاً ما عندما سقط في النوم. ابتعدت عنه وهي تتجه للمرآة لتعدل من وضع ملابسها. لم يكتمل ما أراد فعله. لقد سقط في النوم قبل أن يتمادى وهذا أشعرها بنوع من الراحة وهي تتمنى ألا يتذكر ما حدث. وضعت كفها على شفتيها وهي تفكر أنها لن تنسى تلك اللحظات. ستحتفظ بها لتكون عذاب جديد يضاف لعذابها عندما تذهب من هنا. تنهدت واقتربت منه مرة أخرى وهي تلمس جبينه. حرارته ما زالت مرتفعة وهو العنيد لن يذهب للطبيب. لذلك ذهبت للمطبخ. أحضرت ماء مُثلج مع قماش أبيض قطني نظيف وبدأت في عمل كمادات له لكي تخفض الحرارة. بينما من وقت لآخر تقبل رأسه. لن تنسى تلك اللحظات أبداً. سوف تختزنها داخل قلبها. سوف تتألم صحيح ولكنها ستتذكر يوماً أنها كانت قريبة منه لهذا الحد.
خرجت من شرودها وهي تنهض من الفراش. لا تستطيع النوم. أمسكت هاتفها لترى أن الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً. قررت أن تصلي ركعتين لله وتقرأ القرآن لعلها تهدأ. مؤخراً كلما أحست بالجزع تلجأ لربها وكانت دوماً تعود مطمئنة. توضأت ثم أمسكت سجادة الصلاة الخاصة بها وبدأت تصلي. انتهت ثم نهضت وأمسكت مصحفها وبدأت تقرأ.
-﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[ الزمر: 53]
بعد قليل انتهت من القراءة وهي تمسح دموعها. تخاف حقاً ألا يكون الله قد قبل توبتها. تخاف عندما تموت يكون ما زال هذا الذنب برقبتها. الشيطان كان يسيطر على عقلها أحياناً ويقول إنها لا تستحق الغفران وإن الله لن يغفر لها. لكنها كانت دوماً تقاوم الشيطان. تخبر نفسها أنه الله سيتوب عليها. هزت رأسها وهي تخرج تلك الأفكار من رأسها وقررت أن تخلد للنوم قبل أن تستيقظ لتحضير طعام الإفطار لجاسم. ولكن لا تعرف لماذا توقفت أمام غرفته.
خفق قلبها بقوة وهي تتذكر ما حدث بينهما آخر مرة. عقلها كان يصرخ بها أن تذهب ولكن القلب عارضه وانتصر. فدارت مقبض الباب وهي تلج للغرفة المظلمة. رائحة عطره في الغرفة قامت بغزوها بقوة. شعرت بقلبها يخفق بقوة شديدة وعينيها تقع عليه. رباه كيف ستتقبل خسارته بعد ما اعترفت أنها تحبه بهذا الشكل. ولكن إن كان هذا عقابها منه فسوف تتحمله. اقتربت من الفراش الذي هو به. وقد وقفت أمامه. كان غارق بالنوم. فمدت هي كفها وأمسكت كفه. ثم طبعت
قبلة خفيفة على كف يده وخرجت بسرعة وهي تضع كفها على قلبها الخافق وقد شعرت أن قلبها سوف يخرج من صدرها.
... في الصباح التالي ...
وضعت هي حقيبته على الطاولة وأمسكت المعطف الطبي الخاص به لكي تطويه وتضعه أيضاً على الطاولة. بينما كان يتناول هو قهوته. كان جسدها بأكمله يرتعش بفعل وجوده. لم يخبرها اليوم أن تلزم غرفتها. في الواقع هو توقف عن طلب هذا منها ولم يعد يؤذيها. اختلست نظرة إليه وشبح ابتسامة تشكلت على شفتيها وهي تراقبه جيداً. ولكن فجأة رفع نظراته إليها لترتبك أكثر ويسقط المعطف من كفها. ارتعشت وهي تعتقد أنه سوف يصرخ بها. لذلك انحنت سريعاً لتلتقط المعطف ونهضت لتجده أمامها. كان
يتمعن بها في قلق ويقول: -مالك يا نوران؟ من الصبح بتترعشي. ومش على بعضك. هو أنا عديتك ولا إيه؟ تحبي أوديكي الدكتور. ثم بعفوية وضع كفه على جبينها. أغمضت عينيها ليقول بهدوء: -مش سخنة ولا حاجة. بس برضه اشربي حاجة سخنة. ولو حسيتي نفسك تعبانة اتصلي بيا. ماشي. هزت رأسها بطاعة. *** في المشفى.
كان بمقهى المشفى يجلس ويتناول قهوته بينما يتفحص هاتفه. رفع عينيه ووجد حورية تلج. ما إن رأته حتى توقفت ثم استدارت وخرجت مسرعة. رباه لقد فعلت المستحيل كي تتجنبه. لماذا يظهر أمامها في كل فرصة؟ كانت تقف في الحديقة المحلقة بالمشفى وهي تفرك كفيها بتوتر. -أنا آسف. صوت عميق أخرجها من شرودها. نظرت لتجده جاسم الذي أطرق برأسه وأكمل: -آسف إني عاملتك بالشكل ده.
-لا أنا اللي آسفة. آسفة إني بلاحقك وآني متطفلة. آسفة إني فاكراك رغم أنك مش عارف أنا مين ولا مهتم عشان تعرف. آسفة إني حطيتك في مكانة إنت متستحقهاش. وآخر حاجة آسفة إني حبيتك!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!