ترك يدها، ولكن روحه ما زالت متشبثة بها. قلبه يرفض التحرر، وعقله يعصي أوامره. لا يملك أسلحته لمواجهته، عينيها هو أعزل تماماً. جاسم...
شعرت وكأن دلو من الماء البارد انسكب عليها. كانت تتنفس بتوتر وهي تشعر بالإحراج. للمرة الأولى تشعر أنها عديمة القيمة لتلك الدرجة. هي تعرف أنه لا يحبها، متأكدة من هذا. ولكن أن ينطق اسم طليقته دون شعور منه، وكأنها لم تغادره، هي ما زالت تمتلك روحه. حبست دموعها بشق الأنفس كي لا تخرج نفسها أكثر من هذا.
تجهم وجه والدتها وهي ترمق ابنتها الناكسة رأسها بطرف عينيها. تشعر بالغيظ منها لأنها تضع نفسها في هذا الموقف. رفعت عينيها لتنظر إلى جاسم الذي بدا وكأنه أدرك خطأه، إذ غامت عينيه بالشعور بالذنب. -اسم بنتي حورية مش نوران! قالتها بضيق وهي تنظر إليه. ليبتلع ريقه وهو يطرق برأسه متمتماً باعتذار لم يصل لأذنيها.
كانت منيرة تجلس على طاولة الطعام تأكل ببرود وداخلها تشعر بالراحة. ابنها الغبي ما زال يعشق نوران. وهذا سيجعل من السهل عودتهما. هي لا تعرف لماذا حدث الطلاق. ابنها رفض أن يتكلم، وهي كادت أن تفقد عقلها بسببه. ولكن مهما حدث، هي متيقنة أنه سوف يعود لنوران. ابنها ما زال يعشقها بقوة، وسوف يعود إليها.
تنهدت والدة حورية وهي تستعد لما ستقوله. يجب أن تضمن حق ابنتها. قد تكون ابنتها غبية عمياء بفعل الحب، ولكنها هي ليست مثل ابنتها. سوف تحمي سعادتها. -جاسم يا بني، أنا مليش غير حورية. هي أول فرحتي. أنا مكملة عشانها هي وبس. تعبت وربيتها وكبرتها وعلمتها وفرحت بيها. ومش مستعدة أشوف بنتي تعيسة. رفعت حورية رأسها ودموعها تنهمر وكأنها أصبحت غير قادرة على حجز دموعها بعد الآن. أكملت وهي ترى ملامح جاسم المتوترة وقالت:
-أنا مش مستعدة اخليها تتجوز واحد هيوجع قلبها. -ماما... اعترضت حورية ودموعها تنفجر من عينيها بغزارة. لتنظر والدتها إليها وتقول: -اسكتِ انتِ. أنا بعمل كده عشانك. فرك كفيه بارتباك وقال: -يعني ايه؟ تنهدت هي وقالت: -يعني مش مستعدة اجوزهالك وانت لسه عايش في الماضي. انت لسه مش قادر تنسى طليقتك. وبنتي مش هترتاح وهي عايشة مع جسد من غير روح. عشان كده لما تنسى طليقتك خالص وتشيلها من دماغك، تيجي وتتجوز بنتي. انتحبت حورية وقالت:
-لا ده مش هيحصل. حرام عليكي يا ماما. أنا راضية. نظرت إليها بحزم وقالت: -اسكتي انتِ. -لا مش هسكت. مش هسكت. دي حياتي وأنا حرة فيها. أنا عايزة اتجوزه. أنا اللي هعيش وأنا هتحمل نتيجة قراري. احمر وجه والدتها بإحراج، بينما طحنت منيرة أسنانها بغضب. لا تصدق وقاحة تلك الفتاة. هل اختار ابنها الغبي تلك الفتاة الوقحة لتكون زوجته؟ رباه، كيف تتكلم بتلك الوقاحة. رمقت ابنها بغضب ليطرق جاسم رأسه وهو يفكر لماذا حياته أصبحت فوضى.
بعد قليل... وبعد أن ذهبت حورية ووالدتها. وقفت والدته تواجهه وهي تغلي وتقول: -ايه ده؟ ايه اللي بتعمله في حياتك يا بني؟ نظرت إليها ببهوت. كان جالساً على الأريكة، يشعر بالإنهاك الشديد. -بعمل ايه يعني؟
عقدت حاجبيها وكادت أن ترد، إلا أنها رأته ينهض وينسحب من النقاش. كان متعباً. غاضب لأنه لا يستطيع أن ينساها. غاضب لأنها ما زالت تسيطر عليه. يحلم بها، بقبلتهما الحميمية آخر مرة. يغضب من أمنيته تلك. أمنية أن يعود بها الزمن للوراء ويوافق على عرضها. يقتنص سعادته. لم تسمح والدته له بأن يذهب، بل أمسكته من ذراعه وهي تصرخ به:
-لا انسى أنك تهرب يا جاسم. لازم تبعد وتسمعني أنا بقول ايه. كفاية بقا. هروب من الحقيقة. كفاية عذاب ليك وللي حواليك. -ماما لو سمحتي. قالها وهو يخفي عذابه. إلا أن والدته لم تسمح له بالهروب وهي تقول: -انت بتحبها. رجعها. تنفس بتوتر. وكلمات والدته تغري عقله. ولكن بصرامة أوقف عقله عن التفكير وهو ينظر لوالدته ويقول كاذباً: -أنا مش بحبها. رفعت حاجبيها ليرتبك هو، ثم يقول بغضب مكتوم: -هنساها. -مش هتقدر. هز رأسه وقال:
-لا هقدر. ربنا هيقدرني ان شاء الله. -يا بني يا حبيبي ليه بتعمل كده في نفسك. ما ترجعها وخلاص. هي عملت ايه بس لده كله. انعقد حاجبيه في ألم وقال: -أنا مش عايز اتكلم عن الموضوع ده تاني لو سمحتي. ثم تركها وغادر وهو يشعر بالضيق، بالقهر، والغضب.
أسفل بناية والدته، استقل سيارته وهو يغادر سريعاً. كان يقود سيارته وعينيه تحترقان بالدموع. مقهور هو منها. لأنه لا يستطيع أن ينساها مهما فعل. كيف ينساها وقد تخللت بكل جزء داخله. تنهد وهو يتمنى أن يستطيع يوماً أن ينساها.
ولجت والدة حورية إلى المنزل وهي تكاد تغلي من ابنتها. بينما شعرت حورية بالتوتر وهي ترى والدتها بهذا الغضب. تعرف أنها أخطأت عندما عارضتها أمام الجميع. ولكن فكرة أن تنفسخ خطبتها، أن تخسر حلمها كانت مرعبة للغاية. هي لا يمكنها أن تتركه. حتى لو كان لا يحبها. حتى لو قلبه متعلق بآخرى. حتى لو أخطأ في اسمها. ستتحمل. -ماما!
قالتها حورية بتوتر وهي تطالع وجه والدتها الأحمر من الغضب. استدارت وهي تنظر إليها بغضب، ثم رفعت كفها وصفعتها بعنف. تراجعت حورية بصدمة وهي تضع كفها على وجنتها وتنظر إلى والدتها بصدمة، الدموع تنهمر من عينيها. -أنتِ فعلا متربتيش. فعلا أنا معرفتش اربي. علمت ونسيت ما أربي. اغرورقت عيني حورية بالدموع وتساقطت دون توقف وهي تشهق، بينما تنظر لوالدتها. -ماما.
-اخرسي متقوليش ولا كلمة. أنا بحاول أعززك. أعملك كرامة وأنتِ مصرة تبعثري كرامتك في الأرض! -يا ماما أنا بحبه. قالتها بقهر لتصرخ بها: -حب ايه اللي يخليكي ترمي كرامتك بالشكل ده. تكسري قلبك بإيديكِ. ايه الغباء ده يا بنتي. انهمرت الدموع من عينيها وقالت: -هيحبني. -وافرض محبكيش. تعيشي طول حياتك تعيسة وأنتِ شايفة جوزك بيحب غيرك. بينطق اسم غيرك. دي حياة دي. دي عيشة دي يا بنتي. مسحت دموعها وهي تقول باختناق:
-الحب مش كل حاجة. مش لازم يحبني. -الحب مهم عشان تستمر الحياة. مينفعش تعيشي حياتك مع حد مش شايفك. مينفعش تدي بس يا بنتي. في الآخر هيتقالك محدش أجبرك تعملي كده. وأنتِ اللي هتندمي. مع كل يوم يقول اسمها بدل اسمك. كل مرة يلمسك ويكون بيشوفها هي. كل مرة بتقوليله بحبك وهو مش بيردها عشان واحدة تاني في قلبه. -بس.. بس خلاص كفاية! قالتها بعذاب وهي تبكي، بينما تضع كفيها على أذنها. إلا أن والدتها أمسكت كفها وهي تقول بحزم:
-دي الحقيقة. انتِ هتعيشي كل ده. لو كنتي مش قادرة تسمعيه دلوقتي هتعملي ايه لما تعيشيه معاها. ابتعدت عنها قليلاً وأكملت وهي تلهث قليلاً: -فكري يا بنتي. فكري كويس عشان مترجعيش تعيطي بعدين. عشان وقتها مش هتلاقيني أطبطب عليكي. -ده قراري وأنا هتحمل نتيجته. مش محتاجة حد يطبطب عليا. .............. -طلاق ايه يا بت أنتِ التانية. يالهووي عليا وعلى بناتي. انتوا أكيد صابتكم عين! قالتها دلال بهلع، ثم نظرت لأمجد وقالت:
-جالك كلامي. أنا قولت بلاش نعمل فرح البنات في يوم واحد هيتحسدوا. واهو الاتنين بيتهم اتخرب ورا بعض. كانت دلال تولول بلا توقف. -لو سمحتي يا امي اهدي خلينا نفهم. ثم نظر إلى شقيقته رحيق. رحيق ليس من النوع الذي يتخذ هذا القرار بسبب اختلاف بسيط. لابد أن شئ سيء قد حدث. ربما عاصي تجاوز حدوده معها. تكلم بهدوء وقال: -ايه اللي حصل يا رحيق خلاكي تطلبي الطلب ده؟ عاصي عمل حاجة؟
-أنا مش حابة اتكلم ومفيش داعي تعرف السبب. أنا عايزة اتطلق وخلاص يا أمجد. لو سمحت ساعدني عشان اتطلق. -يا صبر أيوب. هو انا كل ما اقول لبنت هتتطلقي ليه متقولش السبب؟ ما أنا لازم اعرف عشان لو زعلك أنا مش هسيبه. -هو مزعلنيش خالص. بس متفقناش عادي وكل واحد هيروح لحاله. -انتِ عايزاني أشد في شعري صح؟ قولى متتكسفيش ولا ألطم على وشي. -اهدى يا أمجد. قالتها رحيق وهي تمسح دموعها. ليصرخ:
-اهدى ايه. هو كل شهر واحدة فيكم تيجي وعايزة تتطلق ومش عايزين تقولوا السبب. هو الطلاق طالع تريند عندكم وأنا معرفش!!! فيه ايه مالكم. هتجننوني معاكم خلاص. مبقتش حمل اللي كل واحدة تيجي وتقول طلاق طلاق. هي الكلمة سهلة عليكم للدرجادي!!! -أمجد أهدى شوية. قالتها جيلان وهي تلمس كتفه لأنه رأيته وقد احمر وجهه تماماً من الغضب. لم ينفعل في طلاق نوران كما انفعل على رحيق.
-اهدى ايه. ابعدي يا جيلان عن وشي دلوقتي. أنا بقول عليها عاقلة وهي بتعمل كده. مش تقول هو عمل ايه عشان اخد حقها منه. فاكراني مش هقف معاها؟ أنا بس عايز اعرف السبب مش عايز ابقى زي الأطرش في الزفة. نهضت رحيق وقالت بإختناق: -أنا مش قادرة اتكلم وعايزة ارتاح شوية. خلينا نتكلم بعدين يا أمجد. تنهد بعمق وقال وهو يحاول السيطرة على غضبه: -روحي يا رحيق ربنا يهديكي. انسحبت رحيق وخلفها نوران إلى غرفتهما ليجلس أمجد وهو يتنهد بتعب.
-يا حزني على بناتي. -ابوس ايديكي كفاية. كفاية خليني افكر في المصايب اللي بناتك بتعملها. خليني اشوف هعمل ايه في الحكاية دي. معرفش ايه اللي حصل بينها وبين عاصي. بس انا عارف رحيق كويس. هي متخربش بيتها عشان حاجة تافهة. اكيد عاصي ده عمل حاجة كبيرة خلاها تقفل منه بالشكل ده. بس انا لازم اعرف السبب عشان لو زعلها والله ما هرحمه. -ما تتكلم معاه يا أمجد يمكن يكون خلاف بسيط وترجع الماية لمجاريها. احنا مش عايزين خراب يا بني!
-امي رحيق مش هتسيب البيت عشان خلاف بسيط. أنا عارف اختي. اكيد هو عمل حاجة. قالها أمجد بثقة. هلعت دلال وهي تقول: -يعني ايه الكلام ده. انطق. انت موافق أنها تطلق. بيت أختك التانية هيتخرب يا أمجد. الناس تقول علينا ايه! احمر وجهه بغضب وقال بإنفعال: -ما يولعوا الناس يا امي. يغوروا في ستين داهية. أنا أهم حاجة عندي رحيق. اكيد ده مش خلاف بسيط. أنا متأكد.
-حتى لو حاول يصلح الدنيا بينهم يا بني. كفاية بنت رجعتلي مطلقة مش هيبقى الاتنين. زفر بضيق وقال: -هتكلم معاها مرة تانية. .......... في غرفة رحيق ونوران. كانت نوران تضم رحيق إليها التي كانت تبكي. لمعت عيني نوران ببريق الدموع وهي ترى شقيقتها في تلك الحالة. قالت برفق: -طيب عايزة تتكلمي وتقولي ايه اللي حصل. لو مش عايزة تتكلمي أنا مش هضغط عليكي. بس قوليلي هو عمل ايه؟ رفعت رحيق عينيها وقالت من بين شهقاتها: -أنا حامل.
رمشت نوران وهي تستوعب الأمر ثم توسعت ابتسامتها وهي تقول ببهجة: -يا عبيطة. ودي حاجة تزعل؟ الف مبروك يا حبيبتي. يبقى أكيد طلبك الطلاق من عاصي هرمونات صح؟ هزت رحيق رأسها بمرارة وقالت: -لا. عاصي مش عايز الطفل وعايزني اجهضه. توسعت عيني نوران بصدمة وهي تقول: -ايه ده؟ ليه كده؟ تنهدت رحيق وهي تستعد لتقص عليها كل شيء. بعد قليل. كانت قد انتهت من سردها لما حدث وهي تقول ببكاء:
-أنا اللي آذاني اكتر حاجة يا نوران أنه قال إني عايزة استغله. أنا بحاول افتكر أنا عملت ايه عشان يفكر فيا بالطريقة دي. أنا عمري ما طلبت منه أي حاجة. حرفياً عمري ما بصيت على فلوسه. كنت راضية باللي يقدمه. ليه بعد ده كله يتهمني اني بتاعة فلوس. مسحت نوران دموعها وهي تمسح دموعها وتقول وهي تربت على كتفها وتقول: -خلاص متزعليش. صدقيني هيندم على كلامه ده. وهو اللي هيجي وهيطلب رضاكي. هزت رحيق رأسها بالنفي وقالت:
-أنا صعب ارجع تاني يا نوران. ده عايزني اقتل ابني. أنا مستحيل اسمع كلامه في حاجة زي دي. مستحيل أطيع واحد عايزني اقتل ابني. -هيتراجع وهيندم إن شاء الله وهتشوفي. مسحت رحيق دموعها وقالت: -طيب وقلبي اللي اتكسر يا نوران ملوش حق؟ أنا معملتش معاه حاجة وحشة. كنت بسمع كلامه في كل حاجة. أنا اتحملت كتير في الجوازة دي. أمسكت نوران كفها وقالت بقوة:
-أكيد قلبك اللي اتكسر ليه حق وهتاخدي حقك لما يجي ندمان وأنتِ مش هتسامحي بالساهل. لكن فكري في موضوع الطلاق ده تاني. بلاش تتسرعي. أنا واثقة أن هو بيحبك وهيندم. ابتسمت رحيق بإنكسار وقالت: -اذا كان هو معترفش أنه بيحبني. أنتِ عارفة ازاي؟ ابتسمت لها نوران وقالت: -عشان الأبلة بس اللي هيشوفك ومش يحبك. وأنا معتقدش أن عاصي أهبل. ممكن يكون غشيم ودبش وجلنف بس أكيد مش أهبل.
ضحكت رحيق ولم تتمالك نفسها. ولكن داخلها كانت مجروحة منه. الكلمات التي قالها لها ما زالت تؤلم قلبها. كيف تنسى أنه اتهمها أنها تركض خلف المال. لا تصدق حتى الآن ما تفوه به. وكأن هذا ليس عاصي. نظرت نوران إلى شقيقتها الغارقة في التفكير وهي تشعر بالشفقة عليها. ليتها تساعدها وتنزع هذا الألم من قلبها. فرحيق تستحق كل شيء جيد في الحياة. لن تنسى وقوف رحيق معها وكيف أنها استطاعت منع عادل من تهديدها. وقفت بجوارها رغم كل الإهانات التي وجهتها نحوها. عندما احتاجتها نست رحيق كل شيء وساعدتها. لم تتخلى عنها. رحيق تستحق الأفضل. تستحق أن يدرك عاصي خطأه ويسعى لغفرانها.
قبلت نوران رأس رحيق وقالت: -بطلي تفكير ويالا ارتاحي. كويس أنك غيرتي هدومك واخدتي شاور قبل ما أمجد يجي. ثم جذبتها برفق نحو الفراش وجعلتها تتسطح عليه وقالت: -ارتاحي شوية وكل حاجة هتكون بخير إن شاء الله.
في المساء. وقفت أمام باب منزلها وهي تتنهد براحة. أخيراً وبعد وقت طويل انتظمت في المركز التجميلي الذي تعمل به. قررت أن تعود لحياتها السابقة. تقاوم هذا الشعور بالرغبة في الانعزال عن العالم. تنفض الكسل عنها وتنهض من جديد. لن تنكر أن جورج لديه فضل في هذا. فهو من ألح عليها أن تعود وساعده في هذا إبرام. يحاول جورج بكل طاقته أن يجعلها تغفر له وتنسى. لا يكل ولا يمل. لا تنتهي محاولاته أبداً. وقد لمست فيه تغيير. لن تنكر هذا.
فهو يصبح صبور عليها بشكل كبير. يتقبل كل رفض لها بابتسامة ويخبرها أنه سوف يحاول مجدداً. ورغم تأففها من الأمر، ولكن داخلها تعلم أنها تحب تلك المحاولات منه ولا تريده أن يتوقف عن تلك المحاولات. فهذا يغذي أنوثتها. يطيب من جرح كرامتها قليلاً. كلما تزيد محاولاته كلما تزداد عناداً وتطالب بالمزيد. تخبر نفسها أنها تعذبت قليلاً لكي يحبها فليتعذب هو قليلاً. وكلما يرق قلبها تذكر نفسها أنه كسر قلبها وأنه هو من أوصلهما لتلك النقطة.
تنهدت مجدداً بشكل أكثر عمقاً وهي تخرج مفتاحها من الحقيبة الجلدية الخاصة بها وتفتح الباب. عبست وهي تجد الظلام يغرق المكان.
اتجهت كفها لمفتاح البيت وفتحت فمها وهي تهتف باسم جورج، ولكنها توقفت فجأة وقد اتسعت عينيها وهي ترى المنزل عندما بدد النور ظلام المنزل. كانت الأرضية مغطاه بممر من الورود الحمراء. التي تؤدي إلى غرفة النوم. وعلى حافتي ممر الورود كان هناك الكثير من البالونات الملونة. حاولت مسح الابتسامة التي سيطرت على ملامح وجهها وفشلت في الأمر تماماً. أخيراً سيطرت على نفسها وهي تضع حقيبتها على الطاولة وتسير على ممر الورود بعد أن خلعت
حذائها ذو الكعب. توقفت أمام غرفة النوم وهي تشاهد جورج الذي يقف أمام طاولة صغيرة عليها كعكة من الشوكولاتة موجود عليها صورتها. بينما الغرفة مخففة الإضاءة. الغرفة مغطاه بالورود التي تحبها. حتى الفراش بمنتصفه هناك قلب من الورود يتوسطه نوع الشوكولاتة التي تعشقها. لقد قام بخلق جو شاعري لها. كان هذا جميل لدرجة أنها أخذت ثواني تتأمل كل هذا بإنبهار وقلب العاشقة داخلها يرق له. يصرخ بها أن تركض وتعانقه. حاولت تشكيل الكلمات على
لسانها لكي تتحدث.
وقبل أن تتحدث. قام بتشغيل هاتفه على أغنية لأمير عيد. واقترب منها وهو يقول: -ممكن ترقصي معايا. وقبل أن ترد قام بجذبها إليه وراقصها بنعومة بينما يردد مع الأغنية: في مكان مع حاجة بتحصل وتغير شكل حياتنا في مكان بيحقق أحلامنا ويفهم اهتماماتنا مليانة حياتنا احتمالات ومفاجآت بتقربنا لحلمنا بالصدفة تقابل بنت جميلة وتخطف قلبك خطف من نظرة تشقلب كل حياتك قبل ما تنطق حرف هنا كل العالم سهل وجيران أقرب من الأهل هنا بنبدأ حكايتنا
في مكان مع حاجة بتحصل وتغير شكل حياتنا في مكان بيحقق احلامنا ويفهم اهتماماتنا مليانة حياتنا احتمالات ومفاجآت بتقربنا لحلمنا بتقابل حد بيشبهلك أفكاره شبه أفكارك أو صاحب غايب من مدة وفي ثانية تلاقيه جار هنا في احتمالات حلوة تخلي الحياة مكملة في مكان مع حاجة بتحصل وتغير شكل حياتنا في مكان بيحقق أحلامنا ويفهم اهتماماتنا مليانة حياتنا احتمالات ومفاجآت بتقربنا لحلمنا.
لم تتمالك نفسها وابتسمت له ليتوقف عن الغناء. بينما عينيه تلتهمان كل أنش في وجهها بلهفة. اللهفة التي تمنت أن تراها بعينيه دوماً. تمنت دوماً أن ينظر إليها كشيء غالي يخاف اضاعته. وقد تحقق حلمها. -بحب ابتسامتك. بحب أووي. بحب غمازاتك كمان. أنتِ عندك أجمل ابتسامة في العالم. قالها بشغف ثم أكمل:
-بحب شعرك. بحب عيونك. وواحشني أشوف الحب في عينيكي. واحشني أووي أحس بدقات قلبك السريعة وأنا قريب منك. واحشني أني أحس بحبك يا ماريانا. نفسي ترجعي تحبيني زي زمان. نفسي تديني الفرصة أقرب. الفرصة أني أثبت أني اتغيرت. تلاشت ابتسامتها قليلاً وهي تعقد حاجبيها بينما تشرد فيما عانته بسببه. ولكن صوته انتشلها من ذكرياتها المؤلمة وهو يردد بلطف:
-لا لا. أنا مش عايزك تفكري في أي حاجة من الماضي. فكري في الحاضر. فكري قد إيه أنا بحبك ومستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعيلي وتحبيني زي الأول. ابتعد قليلاً وأخرج عبوة مخملية ناعمة ثم قدمها لها. فتحت العبوة لتنبهر وهي ترى تلك القلادة الذهبية والتي كانت متدلي بها تشكيل للشمس. كانت قلادة خيالية فعلاً. جميلة بشكل جعلها عاجزة عن الكلام. -حلو أووي. همست ليقول بلطف: -هتبقى أحلى لما تلبسيها.
أمسكها ثم استدارت هي ليلبسها إياها. وبعد أن انتهى انحنى بشفتيه وقبل كتفها. ابتعدت بإرتباك وهي تنظر إليه: -جورج معلش أنا مش مستعدة حالياً. ابتسم لها وقال: -مش مشكلة. هحاول تاني. ثم جذبها من كفها وقال: -يالا بقا عشان ناكل التورتة.
خرجت من الغرفة التي تنام بها وهي غرفة رحيق السابقة، فرحيق اختارت أن تشارك نوران غرفتها. توقفت فجأة وهي ترى أمجد يجلس على الطاولة بيده مسبحة ويغمض عينيه بتعب. ابتسمت واقتربت منه بهدوء وضعت كفها على كتفه ليرفع عينيه نحوه. فتنظر هي إليه مشدوهة وهي ترى أثر الدموع بعينيه. -أمجد. رددت بصدمة. لم تتخيل أمجد أبداً أن يبكي. لم يرد بل حاوط خصرها وهو يعانقها حيث أصبح وجهه مقابل بطنها. وضعت كفها على شعرها وهي تتمتم: -أمجد.
-كل حاجة بتضيع يا جيلان. حاسس اني فاشل. لمع بريق الدموع في عينيها وهي تقول: -متقولش على نفسك كده. هز رأسه بتعب وهو يقول: -نوران اتطلقت ورحيق هتحصلها. وأنا مش عارف لا أساعد دي ولا أساعد دي. حاسس اني مش قد المسؤولية. الكل كان متوقع مني اني أحافظ على اخواتي بعد موت أبويا بس أنا فشلت يا جيلان. رفعت كفها وهي تمسح دموعها ثم قالت وهي ترفع وجهه نحوها وتقول:
-متقولش كده يا حبيبي. انت اهتميت بيهم ووقفت جنبهم. بس ده نصيب. هو خلاص اتجوزوا بيكون عندهم أسرار حاجات مش عايزين يقولوها مشاكل عايزين يحلوها بنفسهم. انت مقصرتش بالعكس كل واحدة بتحتاجك بتجيلك. بتيجي البيت عشان عارفة أن بيت أبوهم مفتوح ليهم. -بس هما رافضين يقولوا أسباب الطلاق. محدش راضي يثق فيا. قالها بشتات لتبتسم بلطف وتقول:
-يا حبيبي هما مش عايزين يطلعوا أسرارهم. هما عايزين ياخدوا قرارهم اللي شايفينه صح. ورحيق إن شاء الله تهدى ومش هيحصل طلاق ولا حاجة. بس انت كلم عاصي وخليه يجي عشان تشوف ايه الوضع وتحاول تصلح بينهم. ابتعد عنها قليلاً وهو يمسح وجهه بتعب ويقول: -اتصلت بيه من شوية طلع الأستاذ سافر ومقاليش أي تفاصيل غير أنه هيرجع بعد أسبوع. لما يجي نتكلم. -على خير إن شاء الله. المهم انت متتضايقش. خليك قوي عشان اخواتك. هما بيقووا بيك.
هز رأسه وهو يرسم ابتسامة حزينة على شفتيه لتقبل رأسه وتقول: -يالا روح ارتاح ونام. بعد أسبوع. -كفاية بقالك أسبوع بتزغطيني زي البطة لحد ما هتخنق. أنا تعبت. قالها سيف بضيق مصطنع ومياس تحشر الطعام في فمه ولا تعطي له أي فرصة حتى للإعتراض. هزت رأسها وهي تمسك قطعة من فخذ الدجاجة وقالت: -لا لازم تأكل. الدكتور قال إنك محتاج تتغذي. مش كفاية طلعت تاني يوم من المستشفى.
-صحيح ومن وقتها وأنتِ شغالة تاكليني زي الجاموسة. أنا بجد تعبت وزهقت. تركت الطعام وقالت: -زهقت مني. اخص عليك يا سيف. خلاص أنا هسيبك اهو في حالك. ثم وضعت طاولة الطعام على الطاولة ونهضت لكي تذهب. إلا أنه ضحك وهو يجذبها نحوه حتى سقطت بين ذراعيه. فـ تأوه قليلاً بسبب ضغطها على الجرح لتقول بخوف: -فيه ايه. ايه اللي حصل انت كويس؟ -أنا تمام يا مياس متقلقيش. قالها مبتسماً وهو يقبل رأسها لترد وهي تلمس جانبه وتقول:
-جرحك يا سيف لسه ملمش. متبقاش مستهتر كده عشان مزعلش منك. ضحك وهو يقبل رأسها مجدداً: -حاضر يا حبيبة سيف. أنا أسف. مدت شفتيها بحزن كالأطفال وقالت: -لا انت بتقول زهقت مني خلاص. أنا همشي عشان مش أزهقك أكتر. ثم كادت بالفعل أن تذهب إلا أنه تمسك بها وقال: -وأنا أقدر يا فراشة. أنا بنكش فيك يا جميل. قبل رأسها وقال: -اقعدي وزهقيني براحتك يا ست الكل. -يعني هتخليني أكلك. -اعملي اللي أنتِ عايزاه يا ست البنات يالا.
ضحكت وهي تسحب فخذ الدجاجة وتبدأ في حشرها بفمه. -هفطس! قالها وهو يكاد يختنق ويضحك بنفس الوقت. وما أنقذه هو رنين جرس المنزل. نهضت هي مسرعة وقالت: -ده أكيد صبي عم علي بتاع الفراخ. وصيت أنه يجبلك أربع فرخات بلدي هعملهوملك النهاردة. ضرب على وجهه وقال: -هاكل أربعة لوحدي. حرام والله. ضحكت بمرح وهي تخرج وقد ارتدت أسدالها على عجالة. فتحت الباب ولكن تلاشت ابتسامتها وهي تتمتم: -عمي! ..............
-يا بنتي رحيق هتتطلق أو اتطلقت من عاصي بيه. قالتها وفاء بأرتباك لمادونا بغرفة المدرسات. توقفت مادونا فجأة وهي تنظر إليها ببهوت. كيف تسرب هذا الخبر. لقد أخبرتها صديقتها أنها ستتطلق وأنها ترغب في العودة للعمل. وأخبرتها أن يكون الأمر سراً. -حضرتك من فين عرفتي الكلام ده يا مس وفاء؟ ابتلعت وفاء ريقها وقالت: -قريبي شغال عند عاصي بيه وبيقول أن الخبر انتشر في الفيلا كله أن رحيق سابت البيت وهيتطلقوا!
على باب الغرفة كان يقف مؤيد مصدوماً. وأمل يداعب قلبه. وقبل أن يراه أحد ابتعد بسرعة وهو يسير في الرواق السريع والإبتسامة تنتشر على وجهه شيئاً فشئ. .............. في المشفى. كان جاسم بغرفة الطوارئ. العمل كان قليل. والجو يغلبه الهدوء. ذهب صديقه مروان لشرب قهوته بينما بقى هو. -السلام عليكم. رفع رأسه وهو يرى حورية أمامه. أطرق بوجهه مرة أخرى وقال: -وعليكم السلام.
ثم أغلق كفه على قرط أذن كان يخص نوران. كانت قد نسيته بالمنزل قبل أن تذهب. اقتربت منه وقالت: -كنت حابة أكلمك عن فستان الفرح. أنا فيه مكان حلو أووي حابة أجر من الفستان. فساتينه شيك ومش غالية خلاص. -اختاري اللي عايزاه ومتفكريش في السعر يا نوران. قالها شارداً وهو يتلمس القرط. لتتسع عينيه وهو يدرك زلة لسانه مجدداً. رفع رأسه ليجد الدموع قد أغرقت وجه حورية وقالت: -أنا حورية مش نوران! صرخت وقد ارتفع صوتها بشكل مبالغ فيه:
-اسمي حورية مش نوران!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!