تحميل رواية اسيا بقلم حنان عبدالعزيز pdf
بقلم حنان عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هتجوزنى وانا متجوز يا أبوى ومين بت عمى الجاهله وانا الدكتور أتجوزها؟ اقفل خشمك واااصل يا دكتور سليم، إلى بتتحدت عليها دى تبقا من دمى بنت أخوى فاهم زين. نفخ بضيق: مش قصدى يا حج، بس أنا متجوز دكتوره من مستوايا ومركزى، أسيبها وأتجوز واحده، أسف فى إلى هقوله، فلاحه. ومكملتش تعليمها كمان. ضرب والده العصا على الأرض بغضب وزجر به بعنف: أول هاام، اتحدت بأصلك يا سياده الدكتور، ولا نسيته هو كمان؟ والدكتوره إلى انت فرحان بيها وكتبت عليها من غير معلومى وسيبتك بمزاجى، وإستنيت أما بت عمك تكمل سنها الجانونى وتكت...
رواية اسيا الفصل الأول 1 - بقلم حنان عبدالعزيز
هتجوزنى وانا متجوز يا أبوى ومين بت عمى الجاهله وانا الدكتور أتجوزها؟
اقفل خشمك واااصل يا دكتور سليم، إلى بتتحدت عليها دى تبقا من دمى بنت أخوى فاهم زين.
نفخ بضيق: مش قصدى يا حج، بس أنا متجوز دكتوره من مستوايا ومركزى، أسيبها وأتجوز واحده، أسف فى إلى هقوله، فلاحه. ومكملتش تعليمها كمان.
ضرب والده العصا على الأرض بغضب وزجر به بعنف: أول هاام، اتحدت بأصلك يا سياده الدكتور، ولا نسيته هو كمان؟ والدكتوره إلى انت فرحان بيها وكتبت عليها من غير معلومى وسيبتك بمزاجى، وإستنيت أما بت عمك تكمل سنها الجانونى وتكتب عليها على أساس عجلُك يرجعلك وتعرف إن الواد من نصيب بنت عمه. هنى ولا نسيت عوايدنا إيااك، وإنك فى يوم من الأيام هتتجوز أسيا بت عمك.
يا بابا افهمنى بس إن...
قاطعه والده بحده: اتحدت صعيدى يا واااد، هتعمل دكتور عليا ايااك.
تنهد سليم بضيق: حاضر يا حج، مجصدش حاجه واصل، أنا بس عايزك تفهمنى، هبابه أسيا بت عمى كيف أختى، وكمان دى مكملتش تعليمها واصل، خدت الدبلومه وقعدت. أتجوز أنا جاهله تربى ولادي كيف بس يا أبوى افهمنى.
وقف والده بشموخ ونظر إليه بصرامه: إلى عندى جولته يا دكتور، الخميس الجاى دخلتك على بت عمك، وبلغ مرتك الدكتوره بضرتها الجديده، وإيااك ثم أيااك تزعلها وااصل، لأن ساعتها مش هشوفك ولدي، هشوف إنك زعلت بت اخوى الله يرحمه وبس، خلص الكلام يا ولدي.
ثم تركه وغادر، تاركاً شعله تخترق خلفه من الغضب.
نظر أمامه بغضب وشر دفين: لاااع، مهتجوزش الفلاحه دى واااصل، ويا أنا يا الجوازه دى.
ثم حمل هاتفهه واتصل على محبوبته وزوجته حتى اتاهه الرد.
_أيوة يا سليم، برن عليك مقفول لييه؟
ابتسم بحب: معلش يا قمر يا حبيبتى، كنت بتكلم مع بابا شويه.
ردت عليه بقلق: هو فى حاجه وحشه حصلت؟ أصله طلبك بسرعه إنك تنزله البلد، هو كويس؟
اغمض عيونه بتعب: أيوة يا حبيبتى كويس، شويه مشاكل فى الأراضى بس، وعايزانى معاه يومين كده، وهرجع.
_يومين يا سليم، هتسيبنى يومين!!؟
همس بحنين وحب: أنا أسف يا حبيبتى، والله غصب عنى، صدقينى، أول ما أنزل هعوضك بأحلى سفريه، وهناخد اجازه أنا وانتى من المستشفى ونسافر أسبوع بره كده، كويس.
ضحكت بحب: خلاص، إذا كان كده عفونا عنك يا استاذ سليم، هروح عند بابى ومامى بقا اليومين دول لحد ما تيجى.
همس بحب: ماشى يا حبيبتى، خلى بالك من نفسك، وأنا هكلمك كل شويه أطمن عليكى.
_ماشى يا حبيبى، يلا مع السلامه.
: سلام يا حبيبتى.
ثم أغلق الهاتف وتنهد بتعب، وهو يحاول الوصول إلى حل يرضى الأطراف جميعاً.
غير منتبه لتلك الصغيرة التى استرقت إلى حديثهمع زوجته، لتركض مهرولة لتلبس عباءتها السوداء بخفة، وتركض خارج السرايا فى طريقها المعهود.
يا بتااى، هو فى حد ميتمناش الدكتور سليم يكون جوزه يا بتااى.
نظرت لها بعناد وغضب: أيوه يا اماا، إننى مش عايزااه وااصل، هو متجوز، أتجوزه وأكون مرته التانيه، اياااك.
تنهدت والدتها بتعب: يا بتى أيه جلب حالك اكده؟ دا انتى كونتى ملهوفه عليه وإنتى صغيره، وتستنيه على راس البلد لما تعرفى إنه جاى اجازه الجامعه من مصر، وكان ميحلاش ليكى الوكل غير لما تروحى لعمك وتخليه يتحدت ويااه وتطمنى عليه. أيه جلب الحال بجا.
اغمضت عينيها التى تحتوى على أطيان من المساحات الخضراء، لتمسك دموعها: إننى كبرت يا أماا، كبرت وعجلت، كنت عيله صغيرة بضفاير مش فاهمه حاجه، بس خلاص، واد عمى اتجوز، وأنا كمان هتجوز، بس غيره، مش هبجا زوجه تانيه لحد ولا ضره.
كادت والدتها أن تتحدث، ولكن قاطعهم دخول هنادى، تلك الصغيرة ذو الـ 17 عاماً، وهى تنادى مُسرعه: يا ست أسيا، يا ست أسيا.
نظرت إليها أسيا مستغربة من هييتها المبعثرة من سرعتها وجريها: وه كيفك يا هنادى، وجايه على ملا وشك اكده لييه؟ عمى حصل عنده حاجه؟ هو كويس؟
وقفت هنادى تلتقط أنفاسها بتعب، لتصيح بها والدة أسيا بغضب: قولى يا مفعوصه، انتى عمك الحح كويس؟ فى اييه؟ أُنطقى.
لتلتقط الأخرى أنفاسها بصعوبه: لع لع، عم الحج زين، أنا كنت جايه أخبر الست أسيا على حاجه تبع الوكل بتاع الحج.. ي.. يعنى كيف ما انتى عارف يا ست هدى، الحج بيحب وكل أسيا، فجيت أسألها قبل معاد الغدا بتاع الحج.
نظرت لها هدى، والدة أسيا، بغيظ وهى تتحرك من أمامهم: جطعتى خلفى يا بت المركوب بدخلتك دى، قولت فى ولعه.
ثم تركتهم وغادرت، بينما نظرت هنادى على أثرها للتأكد من خروجها.
لتقترب من أسيا بسرعه: لازم أحكيلك إلى حوصل يا ست أسيا.
نظرت لها أسيا بأنتباه: قولى، فى اييه؟ سليم حصله حاجه؟
هزت هنادى رأسها برفض، وبدأت تسرد ما سمعته من محادثته مع والده الحج، ومع زوجته الدكتوره، وهى تقول بضيق: المصروايه عرفت تبلف دماغه يا ست أسيا، بيجولها حديت ماسخ كيف وحشتينى وحبيبتى، وه كيف يجولها اكده واصل.
تنهدت أسيا بدموع وحزن: مرته يا هنادى، بجا لازم يقولها اكده، مهى حلاله.
ربتت هنادى على كتفها بحزن: والنبى يا ست أسيا متبكيش حالك اكده، دا انتى كيف البدر منور، والبلد كلاتها تتمنه بس نظره منيكى.
تنهدت أسيا بحزن: مفيش حاجه يا هنادى، خلاص، روحى بس، عايزه منك خدمه صغيرة اكده.
_أؤمرى يا ست أسيا.
أخرجت أسيا جواب من عباءتها وأعطته لهنادى: الجواب ده يبجا فى ايد سليم وااد عمى الليله، علشان نخلص من الحوار الماسخ دا.
_وفيه اييه الجواب دا يا ست أسيا؟
نظرت أسيا أمامها بشرود: فيه خلاص، هو ومرته يا هنادى.
"الجوازه مش هجبرك عليها يا وااد عمى، يوم كتب الكتاب مش هوافج أمضى ولا هوافج على الجوازه دى، وجتها هيبجا العيب فيا مش فيك، مش هتجوز واحده جاهله فلاحه مكملتش علامها، وربنا يخليك لمرتك الدكتوره يا وواد عمى."
نظر إلى كلمات الجواب بصدمه واستغراب: يعنى هى إلى هترفض الجوازه؟ بس ازاى كده؟ هيبان قدام الكل إنى أنا إلى اترفض، ووقتها هيبقا منظرى مش كويس قدام أهل البلد، بس فعلاً دا الحل الوحيد علشان أخلص من الجوازه دى، يارب سهلها بقا من عندك.
تسارعت الأحداث ليأتى ليلة الخميس، والبلد على قدم وساق لإقامة أكبر الأفراح، الدكتور سليم ابن كبير البلد على أسيا سيدة الحسن والجمال بالقرية، لتملى البلد بالزينة والأنوار، وتملى البطون من كثرة الذبائح والموائد للفرح، وحضور كل أهالى القرية ليشهدوا على عقد القران، فبالنسبة لهم كان الزواج المثالي على الإطلاق.
بينما تلك التى ترتدى فستان الأبيض التى طالما حلمت به، تزف لفارسها التى تمنته يوماً، اليوم تزف إليه، ولكن لن تصبح زوجته، فهى ستنهى ذلك الزواج قبل بدايته، فقط بأنتظار دخول المأذون لتعلن رفضها أمامه.
بينما في الطرف الآخر، يجلس براحة كبيرة، فهى قد أزاحت من على كتفهه هم كبير، فهو لا يريد الزواج على محبوته، فهو يحبها بشدة ولا يريد أن يتسبب في دموعها.
ساعة اثنان ثلاثة، ولا وجود للشيخ ولا أثر له، والغريب أن الجميع مكمل في الرقص والغناء بشكل طبيعي، حيث بدا التوتر على وجهه أسيا، وبدأت التساؤلات تدور عن عدم مجيئه، ليدخل عمها إليها ويقترب منها ويقبل رأسها، ويسحبها معه إلى إحدى الغرف، لتنظر وتجد سليم يجلس أيضاً وهو ينظر إليهم بأستغراب.
بينما هي تابعته بنظراتها العاشقة، وهى تتفحص ثيابه الصعيدية البيضاء التى لا تليق سوى به، وعمته ووسامته، اااه تلك التى لا تتغير بل تتزداد مع السنوات، حتى أنتبهت إلى نفسها وأطرقت رأسها خجلاً، بينما هو تابع نظراتها الشغوفة بأتجاهه.
وهو يتابعها بفستانها التى كانت به كالملاك، ابتسم لنفسه بسخرية: إلى يشوفها كده ميقولش إنها فلاحه وجاهله، والله نضفوها فعلاً.
قاطعهم والد سليم بجديه: المأذون مجاش علشان مكتوب كتابكم يوم عيد ميلادك يا أسيا.
نظروا إليه بصدمه، ليقف سليم بصدمه وعصبيه: أيييه؟ ودى امتى إن شاء الله؟ اتجوزتها وأنا ناايم.
نظر إليه والده بصرامه: اتحشم يا سليم واتحدت عدل، دا كان الحل الوحيد علشان أضمن إنك متهربش من الجوازه، بعتلك ورق توقعه وأنت مش واخد بالك، ونفس الحاجه عند أسيا، وكلمت المأذون وكتبنا كتابكم خلاص، يعني انتوا متجوزين من تلات شهور.
نظرت أسيا إلى عمها بدموع وصدمه: ي.. يعني أيه؟ يعني أنا مراته دلوقتي؟
نظر إليها عمها بضيق: أيوه، أيه زعلانين على الخطه إلى انتوا عملتوها متتنفذش؟ ايااك بس الحمد لله إنى سبجتكم بخطوه، ومش هتضحكوا عليا واصل.
ثم أكمل بصرامه تحت صدمتهم وغيظ سليم: ساعة والفرح هيتفض، ويتجفل عليكم باب وااحد، وهتبجا مرتك قولاً وفعلاً يا سليم، وأنت عارف عوايدنا كييف.
ثم تركهم ليستوعبوا ما حدث وسيحدث، لتجلس على الكرسي بانهيار، وبدأت تبكي بشدة على ما أصاب حياتها.
بينما هو اخذ يسير في الغرفة بغضب وهو يشد بشعره بغيظ، ليقف وينظر إلى تلك الجالسة، ويمسك يديها بقوة، لتقف أمامه بألم من قبضته، وصرخ بها: أنا بكرهك، فااهمه؟ بكرهك.
ثم القاها على الأرض بقوة، لينظر إليها بقرف: مستحسل المسك، مستحيل المس القرف دا.
ثم تركها تجلس على الأرض بدموع وغادر الغرفة، تاركاً خلفه جسد بقلب مكسور بتأثير من كلماته الجارحة.
بينما هو خرج إلى الرجال، بعد أن سحبه الرجال بمظهر بارد، ولكن بنار تلتهم صدره من الداخل، فهو أصبح زوجها، أصبح زوج غير لمحبوبته، وظل يصارع بين أفكاره، حتى سحبه جده إلى الداخل عند النساء: يلا روح خد عروستك يا ولدي.
نظر إلى والده بغضب، ولكن قاطعهم صوت صريخ وعويل من هنادى، وهى تتقدم نحوهم: الست أسياا ما*تتت، الست أسيا ما*تتت.
رواية اسيا الفصل الثاني 2 - بقلم حنان عبدالعزيز
ما*تت الست أسيا.
ما*تت.
تزالت تلك الكلمات تتردد داخل أذن الجميع. وهم الآن يقفون أمام غرفة العمليات بانتظار تلك الصغيرة ذات الفستان الأبيض الذي تلطخ بد*مائها.
أغمض سليم عينيه بغضب وهو يتذكر دخوله إلى غرفة المكتب مسرعًا بعد هرولة وعويل هنادي التي تصرخ بمو*ت أسيا في الغرفة التي تركها بها. حيث ركض الجميع للداخل ليتفاجأوا بأسيا ملقاة على الأرض وتن*زف من معصمها وغائبة عن الوعي.
ليقترب منها عمها مسرعًا بخوف وقلق:
"أسيا يا بتي، فُوقي يا بتي فُوقي."
ولكن لا رد. وتجلس بجانبها والدتها التي تصرخ:
"بتي! هتروح مني بتي يا خلق!"
صرخ والدها به بقوة ليسحبه من صدمته:
"سليم، جوم شيل مراتك على الحكيم بسرعة، جووم!"
أسرع سليم بخطوات متباثرة ليحملها بين ذراعيه ويتجه بها مسرعًا إلى سيارته نحو المستشفى، ويُحلق به والده ووالدته بخوف يكاد يشق أرواحهم نصفًا.
فاق من تفكيره على صوت الدكتور وهرول الجميع إليه بخوف. حيث قال والد سليم بقلق:
"أسيا زينة يا حكيم؟ طمني يا ولدي."
هز الطبيب رأسه بابتسامة مطمئنة:
"متجلجش يا حج حمدان، مرات ابنك بخير، هي بس خسرت دم وبعوضه ليها. ونصيحة مني يعني، شوفوا إيه اللي زهجها أكده وخلاها تنت*حر علشان نفسيتها باين عليها واعرة جوي. والف سلامة عليها. عن إذنكم."
نظر حمدان إلى ابنه بغضب. بينما نظرت إليهم هدى بدموع وحسرة:
"أني اللي غصبتها تتجوز. بتي مكنتش عايزة تدخا على ضرة وأصل. أنا اللي غصبتها."
حول حمدان نظراته إليها بقوة:
"بطلي ولولة وعويل يا هدى. خشي اطمني على بتك وبعدين نتحدت في الموضوع دا."
نظرت هدى إليهم بدموع ثم دخلت إلى الداخل لتطمئن على ابنتها. بينما نظر حمدان إلى سليم بغضب:
"جولت لبت عمك إيه يا سليم؟ خلاها تموت حالها أكده؟"
زفر سليم بضيق:
"وهجولها إيه يا أبوي؟ كفاياك أنت اللي جولته. طلعنا متجوزين وإحنا معندناش علم بإكده."
"بكرة تعرف أنا عملت إكده ليه أنا وعمك. ووجتها هتجول يارتني."
نظر إليه سليم بغضب:
"بعد إذنك يا حج، أنا لازم أدلي القاهرة على شغلي والمستشفى محتاجني."
ضرب حمدان العصا بغضب:
"مفيش مصر ولا سفر لما مراتك تبجا زينة. هتاخدها وتسافر معاك. غير إكده مفيش سفر وأصل."
نظر إليه سليم بصدمة. هل سيأخذها معه إلى القاهرة فعلاً؟ لا، لا، لا. وكاد أن يعترض ولكن تركه حمدان ودخل ليطمئن على أسيا، تاركًا سليم يشتعل من الغيظ والغضب.
ضرب الحائط الذي بجانبه بغضب:
"لا مستحيل آخدها معايا. قمر لو عرفت هتسيبني إزاى؟ قمر وقفت معايا من الصفر. ودلوقتي لما وصلت للي أنا فيه دا وبسببها هتقول إيه؟ خدت اللي عايزة واتجوزت غيرها. لا لا مستحيل دا يحصل. أسيا دي تفوق وهتكلم معاها وهخليها تقول إنها عايزة تقعد مع أمها لحد ما أشوف حل تاني. أيوه أيوه هو دا الحل الصح والوحيد. بس تفوق وتبقى لوحدها وهكلمها."
"أكده يا بتاي؟ توجعي جَلبي أكده عليكي؟"
نظرت أسيا إلى والدتها بدموع ولم ترد. بينما نظر إليها حمدان بعتاب:
"من امتى يا أسيا مش بثجى في جراراتي؟ وإنتي عارفة اللي كل اللي بعمله بيبقى الصح، مش إكده؟"
رفعت أسيا عينيها الخضراء المكسوة بالدموع:
"طلجني منه يا عمي. أحب على يدك طلجني منه. مش رايداه ولا هو رايدني يا عمي. خلينا نعيش زين يا عمي. بكفاياك بجا لحد أكده."
نظر إليها حمدان بصرامة:
"معندناش حريم تطلج يا بتي. الحكيم كتبلك على خروج بكرة. هتخرجي مع جوزك وتدلوا مصر سوا. سلامتك يا بتاي."
ثم تركها وغادر. بينما ارتمت أسيا في أحضان والدتها بدموع:
"عايزة أطلج يا أما. مش رايداه. مش رايداه."
لم يكن بيد هدى سوى أن تواسيها بحزن على حال ابنتها، والتي لا يوجد بيديها لا حول ولا قوة.
"يعني أنت أبوك غصبك تتجوز على مراتك؟ إزاي؟"
تنهد سليم بضيق في الهاتف:
"أهو اللي حصل بقا يا عم. أعمل إيه؟ المشكلة إننا طلعنا متجوزين أصلاً من سنة كمان."
"طيب وبنت عمك دلوقتي حالتها إيه؟"
نفخ سليم بضيق وهو يدور محرك السيارة:
"في المستشفى. امبارح لما حاولت تنت*حر. ورايح أجيبها النهارده. المشكلة إن أبويا مصمم آخدها معايا مصر ومش عارف أعمل إيه."
"والله يا سليم مشكلتك كبيرة. بس متظلمش بنت عمك معاك. هي برده اتصدمت شبهك. يعني إنتوا الاتنين في نفس المركب. وغلط الكلام اللي قولتهاله يوم فرحكم دا برده."
نفخ سليم بضيق:
"أعمل إيه يعني؟ من صدمتي واتعصبت مشوفتش قدامي. أنا بعز أسيا جداً. دي بنت عمي ولحمي ودمي. بس إنها تبقا مراتى وكمان على قمر. أنا محبتش قد قمر في حياتي يا صاحبي."
"عارف يا سليم، قمر جدعة وطيبة وتستاهل كل خير. هو اختبار من عند ربنا بقا ولازم تعديه. خير متقلقش."
"الحمد لله على كل حاجة. معلش نسيت أسألك. أنت نزلت مصر ولا إيه؟"
ضحك الآخر بخفة:
"أيوه يا عم نزلت أسبوع كده. هخلص كام حاجة في إسكندرية وأرجع تركيا تاني."
"مش ناوي تستقر بقا يا ابني؟ كفاية غربة."
تنهد الآخر بتعب:
"لحد ما ألاقيهم يا سليم. هستقر. متقلقش."
"ربنا ينولك اللي في دماغك يا صاحبي. يلا سلام عشان وصلت عند المستشفى."
"ماشي يا صاحبي سلام."
نزل سليم من السيارة واتجه داخل المستشفى بضيق وغضب حتى وصل أمام الغرفة ليطرق الباب ولكن لم يأتيه الرد. ليطرق مرة أخرى ولكن لا رد. فقرر الدخول. فتح الباب ودخل وجد الغرفة فارغة لا يوجد بها أحد. نظر حوله باستغراب وقلق حتى وجد ممرضة أمامه. فنظر إليها:
"لو سمحتي فين المريضة اللي كانت هنا؟"
نظرت الممرضة إلى الغرفة لتقول:
"آه جصدك أستاذة أسيا؟ هي مشيت الفجر وسابت الجواب دا. وجالت إنكم عارفين وهي حابة تعملهالكم مفاجأة."
ثم أعطته الجواب وغادرت من أمامه. بينما نظر إلى الجواب بغضب وهو يتمتم:
"مفاجأة إيه اللي بتهببها وجايباني على ملى وشي أجيبها وفي الآخر مشيت."
ثم فتح الجواب بغيظ. ليقف ثوانٍ ويفتح عينيه مصدومًا غير مستوعب ما حدث الآن.
كانت تسير بألم في معصمها قليلاً بتلك الثياب والعباية السوداء وتستند على يد هنادي ويسيرون بخوف وهم ينظرون حولهم بتوتر حتى وصلوا إلى محطة القطار. لتمسك هنادي يد أسيا بدموع:
"ست أسيا. خلي بالك من حالك وكلميني وطمنيني عليكي يا ستي. متسبيش جَلبي يوجعني عليكي."
ابتسمت أسيا بتعب:
"متجلجيش يا هنادي. خلي بالك من عمي ومن أمي. مش هوصيكي. إنتي متعرفيش أنا روحت فين يا هنادي. حافظي على السر."
نزلت دموع هنادي حزنًا:
"هتوحشك جوي يا ست أسيا."
ابتسمت لها أسيا بدموع:
"وأنا كمان هتوحشك جوي. بس مش قدامي غير الحل دا."
مدت هنادي يدها وأعطت أسيا بعض النقود. وكادت أسيا أن تعترض ولكن نظرت لها هنادي بدموع:
"دا من خيرك يا ست أسيا. خليهم معاكي. إسكندرية مصاريفها واعرة جوي. وخلي بالك من حالك هناك."
ابتسمت لها أسيا بامتنان:
"شكرًا يا هنادي. لا إله إلا الله."
"محمد رسول الله."
لتنطلق صافرة القطار ويبدأ في تحركه محو تلك البلد بمصير جديد. تاركة خلفها نيران تتصارع لها.
"هربت بتاي؟ هربت كيف أكده؟!"
صاحت هدى بتلك الكلمات بصراخ وعويل شديد. بينما حمدان يجرى اتصالاته بغضب:
"تعرفي طريجها فين بسرعة. إنتي فاهم؟ جيبها لي من تحت الأرض."
كل ذلك تحت نظرات سليم الهادئة. لا يعرف. مشاعر متضاربة. ارتياح قليلاً لأنها هربت وليس ملزومًا بها ولن تذهب معه إلى القاهرة. وأيضًا شعور القلق. فهي ابنة عمه وزوجته مهما حدث. ولا يعرف أحد طريقها وأين هربت. كل ما عرفه من ذلك الجواب وهي تقول: "أنا ههرب ومحدش يدور عليا. أنا أكده هرتاح وكله هيرتاح. سلام."
نظر إليه حمدان بغضب:
"هتفضل جاعد أكده ومش عارفين مراتك فين؟"
وقف سليم أمام والده بغضب:
"وأنا اللي جولت لها تهرب. ولا أنت لما عرفتها بجوازنا هي اللي هربت؟"
قاطعتهم هدى بعويل:
"المهم بتاي يا حج. أحب على يدكم بتي هاتولي بتاي."
نظر إليها سليم بضيق وزفر:
"أنا هدور عليها علشان هي بت عمي ومن لحمي ودمي. غير كده لو موصلتش ليها مش هعرف أهمل شغلي أكتر من أكده وهسافر. عن إذنكم."
ثم تركهم وذهب من أمامهم تحت غضب والده وبكاء هدى بحسرة على ابنتها.
فتحت عينيها بتعب على توقف الصفارة وهي تعلن وقوفها على مدينة البحر المتوسط، مدينة الإسكندرية الحبيبة. نزلت من القطار بعباءتها السوداء وخمارها الطويل الذي تلفه حول وجهها خوفًا من أن يعرفها أحد. فهي خافت أن تنزل القاهرة بسبب شغل سليم بن عمها الذي يعمل في مستشفى في القاهرة. لذلك قررت ونزلت الإسكندرية لتبعد عن الأنظار.
لاحظت تلك الأنظار التي عليها وذالك بسبب لبسها الغريب الذي جعلها محط الأنظار والسخرية من الأغلبية. لتتنهد بضيق:
"عمالين يبصوا عليا أكده من غير لا خشا ولا حياء. همشي حالي كيف وسط الخلق دي كلها بعيونهم اللي عايزين يطخوا عيارين دول."
كانت تسير بلا هوادة في تلك البلد الكبيرة والغريبة بالنسبة لها. حيث تتطلع حولها ببلاهة ولا تعرف أين تتحرك وتتجه بأي اتجاه. ولكن فجأة نظرت أمامه بصدمة وبدأت عينيها تزرف الدموع بخوف وصدمة حيث...
رواية اسيا الفصل الثالث 3 - بقلم حنان عبدالعزيز
فتحت عينيها بصدمة وبدأت دموعها تنزل بخوف وصدمة عندما رأت أمامها زوجة سليم، بالمعنى الصحيح، ضرتها، تقف أمامها وهي تضحك بشدة مع إحدى صديقاتها.
رجعت إلى الوراء بصدمة ودموع لتعدل وشاحها الأسود على وجهها، تخفي معالمها بحذر حتى لا تراها. حتى أنها متأكدة أنها لا تعرفها، فقط أسيا تعرفها من خلال الصور التي أرسلها سليم لوالده في ليلة زواجهما، حتى يلين قلبه قليلاً وتخف معارضته لزواجهما.
استدارت بسرعة وأخذت تجري، لا تعلم لماذا تهرب من مواجهتها. هل خوفاً من أن تتعرف عليها، أم كرهاً لرؤية أي شخص يتبع سليم، أم كرهًا لها هي شخصياً لأنها سرقت حبيب طفولتها ومعذب قلبها.
أخذت تسير شبه راكضة وهي تلتفت خلفها بتوتر أن يلمحها أحد، حتى وصلت أمام كوبري كبير وأمامه بحر.
تنهدت بتعب وخوف وهي تجلس أمام البحر بحزن، وأخذت تفكر بكل حواسها فيما حدث ويحدث وسوف يحدث في حياتها. لتطلق تنهيدة عميقة:
"وبعديهالك يا أسيا، هتدلي فين دلوقت؟ خلاص الليل هيليل عليكِ وأنتي متعرفيش حد هنا تتداري عنده. وااااه يا عمي وااااه، لييه إكده جوزتيني لييه وهو مش طايجني؟ ودلوقت مش لاجيه مطرح أتدلى فيه لصبح ربنا..."
لتنزل دموعها، وتمسك قلادتها الذهبية التي على شكل فراشة صغيرة رقيقة، وتمسكها بقوة كأنها تستمد منها قوتها. وتغمض عينيها وتتذكر حديث والدها الأخير معها ومع تلك القلادة.
flash Back
"وه بجا العقد الحلو دا بتاعي يا أبا؟"
ابتسمت بفرحة طفلة صغيرة وهي تتفحص تلك السلسلة الذهبية الرقيقة أمام والدها الراكض أمامها على السرير بتعب ويبتسم لها بضعف:
"لكي يا حبة عيني من جوا. اسمعي كلامي زين يا أسيا يا بتي، لازم أوعيكِ قبل ما أواجه رب كريم."
نظرت له بسرعة:
"وااه بكفاياك حديث ماسخ عاد يا أبوي، ربنا يطول بعمرك."
ابتسم لها بضعف:
"ماشي يا جَلبي. اسمعي كلمتين مني، الفراشة اللي حداكي دي عشان تبجي حرة، محدش يكسرك واصل، لا قريب ولا غريب يا بتي. خليكي فراشة إكده بتروحي من مكان لمكان بس بعقلك يا بتي، واللي يكسرك إكسريه بس بالعجل مش بالإيد. عرفي اللي قدامك إنه خسرِك، ووقت ما يطلب السماح، عارفة هتقولي إيه؟"
ابتسمت له بمرح:
"هقوله سماح ماتت يا جدع انت."
ضحك عليها والدها بخفة:
"أكده أنتي بتي حبيبتي، ربنا يحفظك ويصونك يا جَلبي."
Back
فاقت من ذكرياتها وفتحت عينيها بدموع:
"هكسره يا أبوي، اللي قال عليا جاهلة وكسر جَلبي وكسر كرامتي، هندمه بس لازم أعمل أكده وأنا بعيدة عنه، عشان كده هملتهم كلهم وجيت على هنا...."
قاطع كلامها وحوارها مع نفسها صوت مجموعة من المتسكعين على بداية الكوبري وهم يتسندون على أنفسهم ويتمايلون بسكر شديد. نظرت إليهم برعب وخوف لتمسك نفسها وتقف وتسير بسرعة من أمامهم بخطوات سريعة. بينما هم لاحظوا سيرها السريع ليسيروا خلفها ويلحقوها وهم يترنحون من الخمول:
"استني بس يا حلوة نتعرف."
بينما هي شدت خطواتها بسرعة وخوف وبدأت تجري وتزيد سرعتها وهم كذلك، حتى وصلت إلى الطريق العام لتنظر خلفها لتجدهم يقفون أمامها بخبث. لتنظر حولها بتوتر وخوف لتجد باب سيارة مفتوح لتسرع إليها بدون تفكير وهي تظنها تاكسي وتجلس بها وتغلق الباب عليها بسرعة وخوف وقالت بدون أن تنظر بجانبها:
"اتحرك يا عم السواق من هنا بسرعة."
بينما نظرت إليهم من النافذة لتجدهم يقفون ينظرون إليها بحيرة ويتهمسون سوياً، حتى اتخذوا قرارهم عندما وجدوا السيارة تتحرك بها، فذهبوا بسرعة من أمامها بخوف. بينما هي تابعتهم حتى اختفوا من أمامها للتتنهد براحة:
"رجالة عايزين عيارين في نفوخهم، جلّ حيا."
"واللي بتعمليه ده يعني اسمه حيا مثلا؟"
فتحت عينيها بصدمة من الصوت الذي بجانبها لتنظر بخوف وارتباك للشخص الذي يجلس على كرسي القيادة لتجده شاب وسيم، بل لنقل كتلة في الوسامة، بعيون سوداء حادة كالصقر وشعر أسود سواد الليل، وهو ينظر إليها بجمود مستفسراً، منتظر منها تبرير لما فعلته الآن.
ابتلعت ريقها بخوف وهي تتابع نظراته الحادة باتجاهها:
"ان... أنت مين يا جدع أنت؟"
عقد حاجبيه بدهشة من وقاحتها وغبائها:
"مين؟! أنتي اللي في عربيتي وقفلتي الباب كمان، يعني كمان شوية وتيجي تسوقي مكاني كمان بالمرة."
نظرت له بضيق من أسلوبه ومن غبائها أيضاً لتهتف:
"معلش يا أخينا، كان حدايا رجالة ميعرفوش حاجة عن الحيا وبيمشوا ورايا، فاتخبيت في أي حاجة قدامي وكنت بحسب البتاع ده تاكسي اللي بتركبوه ده. مجصدتش يعني."
نظر إليها بتفحص من ثيابها السوداء ووشاحها الذي يغطي معظم وجهها ولا تظهر منه شيء، ليقول بشك:
"انتي صعيدية؟"
هزت رأسها بتلقائية، ثم أفاقت ونظرت له بحدة:
"وانت مالك يا جدع أنت؟ نزلني من المخروبة دي بدل ما أقطعها على راسك."
اسودت عيناه بغضب واحتدت نبرته أكثر بتهديد:
"بت انتي في عربيتي وبتعلي صوتك عليا كمان، انتي مش عارفة أنا مين ولا إيه؟"
نظرت له بغضب:
"مش عايزة أعرف وهملني لحالي يا جدع أنت."
ثم التفتت لتحاول فتح الباب ولكن تفتح فمها بصدمة:
"ا.. أنت واخدني على فين؟ والمحروقة دي اتحركت كيف من مكانها؟"
نظر إليها بسخرية وهو ينظر إلى الطريق:
"من وقت ما حضرتك ركبتي اتحركت لحد ما أشوف آخرتها إيه معاكي."
نظرت إليه بحدة وتوتر:
"نزلني يا جدع من هنا، نزلني."
أوقف السيارة مرة واحدة حتى كادت أن تجرح رأسها، ولكن انزلق الشال من على وجهها قليلاً لتظهر غاباتها الخضراء الحادة وهي تنظر له بغضب يتطاير من عينيها، مما جعلها جذابة بشكل أكبر. لينظر إلى خضراوتها باستفهام وهو يحاول البحث عن أصلهم أو الوصول لنهايتهم، لتقاطع تفكيره بصراخها وغضبها:
"انت مخبول يا جدع أنت، بـأقولك افتح المحروقة دي ونزلني."
نظر بقوة إلى عينيها بجمود:
"وأنا قولتلك أخلاقي متسمحليش أسيبك في الشوارع كده بليل، فقوليلي عنوانك وهوصلك، سهلة أهي."
صرخت به بلا وعي:
"أنا مليش بيت هنا يا مخبول أنت."
أغمض عيونه ليتحكم بغضبه ويجز على أسنانه بغضب:
"صوتك لو علي هخرسه خالص طول عمرك. ملكيش بيت يعني؟ أنتي لسه نازلة من الصعيد دلوقتي؟"
لم ترد عليه لتحاول فتح الباب وتتجاهل الكلام معه، ليتنفس بغضب ويضغط على الزر ويفتح الباب الذي بجانبها، لتنظر له بضيق:
"أبو برودك يا جدع."
ثم تركته وغادرت السيارة وهي متجهمة الوجه، ليتابعها باستغراب:
"إيه البت المفترية دي؟ يخربيتها."
"قوليلي يا هنادي أسيا فين؟ والا جسماً بالله واللي خلقك هكسر رجبتك دي، سامعة؟"
صرخ حمدان بتلك الكلمات بغضب لهنادي التي تقف أمامه وتبكي بخوف منه:
"معرفش يا سيدي، معرفش ست أسيا فين."
اقترب منها بغضب تحت نظرات سليم الباردة ودموع هدى على ابنتها ليمسك معصمها بقوة:
"انطقي يا بت الواد سيد شافك وانتي راجعة من المحطة وانتي متخفية في سواد الليل، كنتي بتتهبي إيه؟ انطقي يا بت المركوب."
أخذت تبكي بألم:
"وصلتها المحطة بس معرفش ركبت في أنهي قطر، والله يا سيدي، همل يدي الله لا يسيئك."
صرخ بها بغضب:
"انطقي يا بت، أسيا فين؟ والا مش هملك واصل."
نظرت له بدموع:
"والله يا سيدي معرفش أكتر من كده. أنا كنت بايته مع الست هانم، صحيت على حركتها الفجر وقالتلي أسندها عشان تتدلى من المستشفى، ولما جولتلها أكلم الحج جالتلي لأ، وسندت عليا وهملنا المستشفى سوا ووصلتها المحطة زي ما جالتلي، وجالتلي هملني وهي هتتصرف ومشيت وسيبتها، معرفش راحت فين، ورحمة أمي يا سيدي."
نظر إليهم سليم بضيق:
"خلاص يا بابا، بتقولك متعرفش حاجة غير كده، خلاص سيبها."
تركها حمدان بغضب لتجري من أمامهم بخوف إلى الداخل، بينما نظر حمدان إلى سليم بصرامة:
"أكيد مراتك هتتدلى مصر عشان خالها عايش هناك، خد خلجاتك وروح شوفها، ومترجعش إلا بيها، فاهم يا ولدي."
زفر سليم بضيق:
"وافرض ملقتهاش عند خالها؟ ألف على الست هانم مصر كلها يعني."
ضرب والده العصا على الأرض بصرامة:
"أيوه يا سليم، مترجعليش واصل غير بمراتك، فاااهم؟ يلا جهز حالك يلا."
نظر سليم بضيق ليتركه ويصعد إلى غرفته، بينما نظر حمدان إلى هدى بهدوء:
"جوزها مش هيسيبها وهيلاقيها يا هدى، بطلي بكا عادي."
نظرت له هدى بدموع:
"يارب يا حج، يارب..."
"انتي كويسة يا بنتي؟"
كان ذلك الصوت الذي أفاقها من شرودها الذي كان وسط دموعها، لتقف بتوتر وتنظر إلى صاحب الصوت لتجد امرأة كبيرة في السن تلف وجهها بحجاب أبيض يعكس ملامح وجهها الكبيرة الطيبة، وهي تنظر إليها بشفقة وحزن، لتقول أسيا بتوتر وحزن وهي تمسح دموعها:
"بخير يا حاجة، تسلمي."
وضعت المرأة يدها على كتف أسيا بحنان:
"مالك يا حبيبتي قاعدة لوحدك كده ليه بس في الوقت المتأخر ده؟ ملكيش بيت؟"
تنهدت أسيا بحزن:
"والله يا خالة معرفش أروح فين واصل، لسه نازلة من البلد ومليش حد هنا."
ابتسمت لها المرأة بحزن على حالها:
"يا حول الله يارب، طيب يا بنتي انتي بتعرفي تشتغلي، يعني تفهمي في شغل التنضيف وخدمة البيوت وكده؟"
نظرت لها أسيا بصدمة وهي تقول لنفسها:
"وكيف مفهموش بس؟ وأنا كنت ست النجع كله."
فاقت من شرودها ونظرت إلى المرأة بأمل:
"أيوه أيوه، أفهم فيه جوي، ألاقي عندك شغل كيف أكده؟"
"بصي، أنا شغالة في فيلا كبيرة لواحد كبير في السن بس بيحب الفيلا تكون نضيفة دايماً وفيها روح كده، فعلشان كده طقم خدامين تحت أمره، وكنا بندور على واحدة جديدة وربنا وقعك في طريقي أهو."
ابتسمت أسيا بفرح:
"بجد يا خالة؟ يعني أقدر أشتغل في الفيلا دي؟"
ابتسمت لها المرأة بحنان:
"أيوه يا بنتي، وكمان تقدري تنامي هناك في غرف الخدم. أنا كمان نايمة هناك عندهم، بس خرجت أجيب طلبات ومروحة تاني."
ابتسمت لها أسيا بحماس:
"يعني ممكن أجي معاكي دلوقتي يا خالة؟"
"أيوه يا بنتي، تعالي يلا معايا، متخافيش، انتي زي بنتي بالظبط."
ابتسمت لها أسيا بفرح وهي تحمد ربها أنها وجدت تلك السيدة الطيبة التي ساعدتها بسرعة في وجود عمل ومكان يأويها في أول ليلة لها في تلك المدينة الغريبة...
خلعت وشاحها براحة في إحدى الغرف الصغيرة وهي تتفحص تلك الغرفة من سرير صغير متهالك ولكنه بحالة جيدة، وكذلك الدولاب، لـتجلس بحزن وهي تتذكر غرفة الأميرات التي كانت تسكن بها وكيف وصلت إلى تلك الحالة. لتتنهد بخفوت:
"الحمد لله على كل شيء، الحمد لله."
ثم تذكرت الفيلا التي دخلتها، ورغم ظلام الليل الدامس إلا أنها أعجبت بمنظر الفيلا حيث كانت قصر يشبه قصرهم في النج، ولكن ذلك على الطراز الحديث الذي يشد الأنظار. أخذتها المرأة التي عرفت اسمها وتدعى فوقية إلى إحدى الغرف حتى يأتي الصباح وتعرفها على صاحب الفيلا، لتحمد ربها أنها وجدت مكان يأويها وعمل ضمنته أخيراً، لتنام بهدوء غافلة عن المعارك التي تدور خلفها وتنتظرها خلف النيران...
وقفت بجانب فوقية صباحاً بعد أن ارتدت زي الخدم وهم ينتظرون صاحب الفيلا لينزل حتى يسمح لها بالتوظيف. لتمسك يديها بتوتر وخوف لا تعلم سببها فجأة، لتسمع خطوات تقترب منهم لترفع عينيها وهي تجمع شجاعتها، ويا ليتها لم تفعل، لتفتح عينيها بصدمة:
"انت!!!!!!"
رواية اسيا الفصل الرابع 4 - بقلم حنان عبدالعزيز
فتحت عيونها بصدمه ليغلى الدم فى عروقها: انت!
نزل بخطوات واثقه من السلم وهو يرتدى بدلته السوداء التى تجعله ملك الوسامه على عرش الرجال، ليتقدم منها ببرود وينظر الى فوقيه ببرود: مين دى يا فوقيه؟!
نظرت له بغضب وعصبيه وكادت ان ترد عليه بأسلوب وقح ولكن قاطعتها فوقيه بسرعه عندما رأت غضبها وقالت بسرعه وتوتر: دى أسيا يا بيه الشغاله الجديده كنت عايزه أوريها للبيه الكبير علشان تشتغل معانا هنا
حول أنظاره الى اسيا من اسفل الى اعلى بتفحص ببرود: امم لا عمى تعبان النهارده مش فاضى يقابل حد، ولو عليها ف..
ثم نظر اليها ببرود وتعالى: بتعرفى تنضفى وتتطبخى ولا جايه تدربى هنا
نظرت اليه بغيظ وكادت ان تنفجر به ولكن مسكت فوقيه يديها بقوه حتى تجعلها تهدأ قليلاً وتذكرها بوضعها الحالي وحاجتها للأموال والعمل تلك الفتره، أغمضت عيونها للتحكم بعصبيتها قليلاً ثم قالت: ايوه يا بيه بعرف شغل الخدم كله
ابتسم ببرود وتحدي: تمام تقدرى تشتغلى بس خليكى فاهمه انتى هنا فى سرايا ظافر العلام يعنى مش شبهه الزريبه الى انتى جايه من عندها فاهمه
لاحظ وجهها الذى أصبح احمر من الغضب وكذالك غاباتها الخضراء تحولت الى الاسود القاتم وهى تمسك قبضتها بقوه حتى لا تنفعل عليه
بينما هو ابتسم بخبث وارتدى نظارته الشمسيه ببرود: عرفيها شغلها يا فوقيه انا ورايا شغل مش عايز ارجع الاقى ولا غلطه سلام
ثم تركهم وغادر من امامهم بكل ثقه وغرور، بينما هي تطلعت له لو كانت سهام من النار كان سقط مكانه قتيلاً
صرخت بغضب وغيظ بعد خروجه: كيف الحمار الى حدانا فى النجع وه لوح تلج وكيف الحيطه واشايف حاله بماله جليل الربايه كيف اكده عايش وسط الناس دا مكانه فى الزيربه الى فى دوارنا وهتجى كتيره عليه كمان
ثم اخذت تتنفس بغضب بصوت عالى بينما تطلعت اليها فوقيه باستغراب وضحك من سبها لمديرها الآن: الله عمل اييه معاكى استاذ ظافر بقا دا انتى شايله منه قوى على كده
قوست شفتيها بغيظ: وهزعل منه لييه البومه ده دا مشافش ربايه واصل يا خاله
ضحكت فوقيه بخفه: طيب اهدى وتعالى اوريكى الشغل بتاعك ومتقفيش معاه كتير ولا تغلطى فيه لانه هنا يعتبر صاحب القصر دا كله
عقدت اسيا حاجبيها بأستغراب: ابااه يا خاله مش انتى جولتيلى ان صاحب البيت راجل كبير فى السن اومال كيف الحيطه دا صاحبه بجا؟!
ابتسمت فوقيه وهى تسير وبجانبها اسيا: دا ظافر بيه يبقا بن اخو الأستاذ حسين، القصر دا كان بتاع العيله كله كانوا ولدين الاستاذ حسين واخوه حسن ودا يبقا أبو الاستاذ ظافر،وكمان حشمت هانم اختهم التالته بس هى مسافره فى امريكا ومتجوزه هناك وبتيجى زيارات بس، من عشرين سنه الاستاذ حسن ومراته ماتوا فى حادثه وعلشان حسين بيه متجوزش ولا عنده ولاد اعتبر ظافر ابنه ورباه طول الفتره الى فاتت لحد ما بقا راجل وهو الى ماسك شغل العيله كله، بس حسين بيه اوقات بيتعب علشان حكم السن وكده فسلم كل حاجه لظافر بيه بس يا ستى ودى كل الحكايه
نظرت اسيا امامها بتفكير: وه دا كيف الأفلام بحكايتهم دى، ناقص يبقى عنده خطيبته العجربه علشان الروايه اكده تكمل
ضحكت فوقيه بمرح: لا ظافر بيه مش خاطب، بس قريب ممكن يخطب علشان عمه طلب منه كده يطمن عليه يعنى قبل ما يموت بس لسه مفيش حاجه رسمى
تطلعت اسيا بغيظ: ودى مين المخبوله الى هتتجوز الحيطه دا، ده امها داعيه عليه سبع مرات فى ليله الجدر واللهي
مسكت فوقيه يديها بضحك: طيب يلا يا أسيا دا انتى مصيبه تعالى اوريكى الشغل تعالى
وحشتنى اوى يا سليم
ضمها سليم اليه بحب واشتياق: وانتى كمان يا قلب سليم
خرجت من حضنه بعتاب: كده دى كلها غيبه يا دكتور اييه الى يخليك تغيب عنى كل دا
ابتسم لها بحنان: معلش يا حبيبتى شغل فى البلد وانتى عارفه الحج مش بيحب أتأخر عنه وعايزنى افضل معاه على طول
نظرت اليه بضيق: ااه باباك الى لسه مش متقبل جوازتنا مش كده
مسك زراعيها بحنان وبعض التوتر: هيتقبلها يا حبيبتى هو بس مكنش عايزنى اتجوز من القاهره وخلاص
نظرت اليه متهكمه: اومال تتجوز بنت عمك زى تقاليدكم دى
بدا التوتر على وجهه من كلامها التى تقوله بدافع السخريه ولكن لا تعرف ان ما قالته صحيح بالفعل وانه متزوج من ابنه عمه حتى قبل زواجهم وهو لا يعلم، لكن سرعان ما اخفى توتره واقترب منها بهدوء وحب: بس انا فى النهايه متجوزك وبحبك انتى مش كده
نظرت اليه بهدوء ليقترب منها عابثاً بخبث: طيب وحشتينى على فكره
ابتسمت بخجل ودلال: سليم الاه
حملها بضحك: قلب سليم والله
لتصل ضحكاتهم عنان السماء ويعوضوا فتره الاشتياق السابقه وهو يزيح من امامه اى تفكير فيما حدث فى البلد قد يعكر صفو حياته مع محبوبته وزوجته
كان يجلس خلف مكتبه بكل جديه وهو يعمل على بعض الأوراق بتركيز شديد وهو يشمر قميصه الابيض وربطه عنقه مفكوكه قليلاً وجاكت البدله بجانبه لتبرز عضلات يديه الجميله بقوه فكان منظره يخطب الانظار من الرهبه والوسامه فى ذات الوقت، ليسمع طرقات على الباب ليسمح للطارق بالدخول، لتدخل السكرتيره بجديه وعمليه شديده: مستر ظافر الفرع بتاعنا الى فى امريكا بعتت فكس لحضرتك بوجود مشاكل فى الادوات والاجهزه وان شاهندا هانم مش عارفه تسيطر على الوضع هي ومستر كريم
تنهد بضيق ليأخذ منها الأوراق ويقول بغضب: وهى من امتا شاهندا ولا كريم بيعرفوا يعملوا شغل كويس لازم اشيك على كل حاجه بنفسى يعنى
ثم نظر الى السكرتيره بجديه وصرامه: ساره حضرى شنطتك وجواز سفرك يومين بالكتير وتكونى هناك فى الفرع بتاعنا وتخلصى كل المشاكل بتاعه الاجهزه وتكلمى المصنع الى بعتت الاجهزه دي ويبعتوا معاكى اكفأ المهندسين والعمال علشان يصلحوا العطل، وشاهندا وكريم فكريهم ان شغلهم اداري بس ملهمش اي تدخل فني في الشركه ولا المصنع
هزت راسها بهدوؤ: حاضر يا فندم اي أوامر تانيه
هز راسه بجديه: لا اتفضلى، انا متاكد انك هتنجزى كل حاجه يا ساره انا ممكن اروح بس صفقه الحديد شاغله كل تفكيري ووقتي
هزت راسها بتفهم: لا ولا يهمك يا مستر ظافر كل حاجه هتبقا كويسه عن اذن حضرتك
هز راسه بهدوؤ ليتنهد بتعب بعد خروجها وهو يتمتم بغيظ: شاهندا والي جاب شاهندا جايين يبوظوا كل الي بنيته السنين الي فاتت بسبب غباؤهم هما وأمهم طلعوا أغبى ناس بعد البت الصعيديه والله
على تلك الكلمه وابتسم بهدوؤ وهو يتذكر وجهها الغاضب وهى تكتم غضبها وغيظها منه، ثم سند على كرسيه ومازالت تلك الابتسامه على وجهه: كان نفسي تتكلم وتشتم زي امبارح بلهجتها دي والله ببقا هموت واضحك بس مش مشكله هي بقت شغاله في البيت يعني هسمعها في الرايحه والجايه يا أسيا
يعني انتي زينه يا ست أسيا
قالت هنادي تلك الكلمات بهمس قلق، لترد عليها أسيا بابتسامه هادئه في الهاتف: ايوه يا هنادي لجيت شغل ومطرح أنام فيه، طمنيني انتي امي عامله اييه وعمي الحج
تنهدت هنادي وهى تهمس في الهاتف خوف من ان يسمعها أحد: والله الست هدى انفطرت من البكا عليكى يا ست أسيا والحج عمال يدور عليكى ولما حصل زي ما جولتك وجلتلهم انك ركبتي جطر بس معرفش جطر اييه جالو يبقا هملت مصر فبعت سى الدكتور سليم يدور عليكى فى مصر وجاله ميرجعش الا بيكي واصل
تنهدت أسيا بتعب وحزن: خليه يدور لحاله بجا في مصر، بس خلي بالك من امي يا هنادي اوعي تهمليها لحالها واكليها زين
في عنيا يا ست أسيا انتي بس متهمليش حالك واتغذى منيح عارفاكي لما بتزهجي مبتحطيش الوكل في خشمك عاد
ابتسمت اسيا بخفوت: ماشي يا هنادي انا هجفل علشان هروح انام تصبحى على خير
تلاجى الخير يا ست هانم
ثم اغلقت اسيا الهاتف وتنهدت بحزن وبدأت الدموع تتجمع في عيونها بحزن: معرفاش أزعل على مين ولا مين على كلام سليم الي جرحني ولا صدمه عمي لما جالي اني مرته ولا من امي الي معارضتش جوازتي دي ولا من نفسي اني سلمت جلبى وحبيت واحد دكتور وانا حيالاا معايا دبلومه بالعافيه
ثم تنهدت بحزن ومسحت دموعها ودخلت الى المطبخ بهدوؤ بعدما نام الجميع وهى خرجت لتتحدث في الهاتف لتطمأن هنادي وتتطمأن على امها وعمها ولا تنكر فهى تريد ان تعلم رده فعل سليم بهروبها هل فرح لانه نجى من اصطحابها معه للقاهره ووجود زوجته به ام حزن بسبب هروب زوجته وابنه عمه عن البلد بدون معرفه اي شخص
تنهدت بحزن وهى تغلق انوار المطبخ وكادت ان تخرج ولكن فزعت بخضه عندما سمعت صوت خلفها بقوه: انتي يا بت
نظرت خلفها بصدمه وهلع لتغمض عيونها بخضه وتنظر له بضيق: اييه يا جدع انت ما تقول دستور اييه داخل الترب
نظر اليها متهكما ببرود: لا داخل بيتي وبنادي عليكى علشان انتى خدامه هنا وعايز اتعشى
نظرت له بضيق وهى تمسك انفعالها بشده لتقول من بين اسنانها بصوت شبهه مسموع: عيل حيطه جطع لسانك جوا خشمك
نظر لها ببرود: بتقولى حاجه
نظرت له بضيق: تحب تطفح جصدى تتعشى دلوجتى يا بيه
نظر اليها بكبرياء وبرود: اممم لا هاتيلى كوبايه عصير مانجا بس فريش
نظرت له بعدم فهم: يعنى اييه؟!
تنهد بنفاذ صبر: يعنى اعمليه دلوقتى متجبهوش من التلاجه عايز واحد فريش طازه كده فهمتى
هزت راسها بغيظ وهى تسير الى المطبخ: ما يجول طازه لازم التناكه فى عضم الى جايبنه اكده
بتقولى اييه يا بت انتى
اغمضت عيونها بعصبيه: بت فى عينك يا جليل الربايا
استدارت له بابتسامه مصطنعه: خمس دجايق والعصير هيبجا عندك يا بيه
ثم تركته وغادرت بينما هو ينظر فى أثرها بتسليه ومرح
عادت بعد دقايق وهى تحمل كأس العصير وهو يجلس فى الصاله بأريحيه، تقدمت منه بغيظ ووضعت الكأس وكادت ان تسير لولا قاطعها صوته البارد: مش عايز عصير عايز قهوه
نظرت له بغيظ وغضب: مش انت الى جولت اعمليلى عصير فشير دا ولا اييه ودلوجتى مش عايزه كيف اكده
مسك ضحكته بصعوبه على كلمه فريش التى لا تعرف نطقها ليقول بصرامه: وانا اقول الى عايزه ويتنفذ كمان يلا هاتيلى قهوه
مسكت يديها بغيظ وسارت من امامه لتحضر طلبه بينما هو انفجر ضاحكا على منظرها حتى عادت بعد دقائق بالقهوه لينظر الى القهوه بعدم رضا ويقول ببرود: لا لا مليش نفس هاتيلى أكل انا جعت دلوقتى
اخذت تتنفس بسرعه وضيق وهى تقبض على يديها واستدارت بغضب الى المطبخ تحت ابتسامته اللعوب، حتى عادت بعد قليل بالاكل لتضعه امامه بغيظ: حاجه تانيه يا بيه
نظر الى الأكل بعد رضا وقال بسخريه: بقولك عايز اتعشى تجبيلى مكرونه وفراخ انتى غبيه عايز اكل حاجه خفيفه مش فراخ ومكرونه
رفع عيونه من على الأكل لينظر اليها ليجدها شعله محترقه امامه وهى تمسك يديها بقوه حتى لا ترفعها عليه وتعطه درسا لا ينساه ولكن تنفست بعمق: حاضر
ثم اخذت الاكل وغادرت لتدخل المطبخ وتمسك فوطه وتضعها على فمها وتبدأ بالصراااخ بغيظ حتى تنتهى وتتنفس بعمق: ماشي يا حيطه سد انت انا هربيك ربايه هتجبك جوي
ثم بدات فى تحضير الأكل الخفيف له حتى انتهت ووضعت بجانبه فنجان قهوه اخر وخرجت بهم اليه وهو يجلس بكل برود لتضع الطعام امامه وهى تنظر الى الساعه ببرود لتقول: الساعه اتنين واكده وجت شغلى خلص من زمان عن ازنك يتك طفحه
قالت ذالك وغادرت بسرعه من امامه قبل ان يوقفها مره اخرى لينظر خلفها بغيظ: ماشي انا هربيكى على اخر جمله دي بعدين
ثم نظر الى الأكل وابتسم بسخريه ليمسك الفنجان القهوه ببرود واخذ يرتشف منه مع اول رشفه سكبه على الارض من مرارته ليقف بوجهه متهجم: يا بت ال.. ماشي يا أسيا ايامنا طويله هنروح من بعض فين
بينما هي ضحكت بخفه على منظره المتعصب: احسن يا حيطه سد انت علشان تعرف تبهدل بنات الناس كيف
ثم دخلت الى غرفتها لتنام بسعاده بعد ان اخذت ثأرها
وقف امامها بقلق وخوف: قمر استنى هفهمك
نظرت له بدموع وهى تحمل صور زواج سليم وأسيا: تفهمنى اييه انت اتجوزت عليا يا سليم
اقترب منها سليم بخوف: هفهمك والله
ابتعدت عنه بصراخ وهى تنظر له بكرهه: طلقنى يا سليم طلقنى
رواية اسيا الفصل الخامس 5 - بقلم حنان عبدالعزيز
نظرت إليه بدموع وصدمة: أنت اتجوزت عليا يا سليم؟
اقترب منها بخوف وتوتر: قمر اصبري أنا هفهمك يا حبيبتي.
ابتعدت عنه بغضب ودموع: طلقني يا سليم، طلقني.
هز رأسه بخوف وحزن: قمر ارجوكي اسمعيني، أنا ما كنتش أعرف والله حاجة.
هزت رأسها بدموع وغضب: أنا بكرهك، طلقني يا سليم بقولك طلقني.
سليم يا سليم سليم.
فتح عينيه بسرعة وأخذ يتنفس بسرعة وهو يتصبب عرقًا وينظر حوله باضطراب وتوتر: قمر ما كنتش أعرف والله، هفهمك.
اقتربت منه بخوف عليه: اهدى يا حبيبي، أنت كنت بتحلم. اهدى.
أغمض عينيه بهدوء وهو يهز رأسه بتوتر، ثم نظر إليها وهي جالسة أمامه وتنظر إليه بخوف، ثم مسك يديها بقوة وحنان: قمر أنا بحبك أوي. أوعي تبعدي عني، أوعي في يوم.
مسحت على وجهه بحنان: اهدى يا حبيبي، أنا معاك وجمبك أهو، مش هسيبك خالص. دا كابوس، اهدى.
ضمها إليه بحب وهو يحاول أن يتأكد أن كل ما رآه كان مجرد كابوس لا يتمنى أن يتحقق بأي شكل، ولكن ذلك الكابوس سيظل يطارده إلا أن يجد أسيا ويطلقها، وحينها سيحصل على حريته الأبدية منها.
"وه بغرج بغرج الحجونى بغرج."
فتحت عينيها بصدمة وهي تشعر بالماء يتلاشى فوقها وهي نائمة، لتفتح عينيها باستغراب وخضة وهي تجد نفسها مبللة تمامًا. نظرت حولها بغضب وغيظ، ولكن كانت الغرفة فارغة تمامًا، لتتنهد بغيظ: وه كيف اتبلت خلجاتى اكده؟ مين ابن المركوب إلى عمل فينى اكده؟
ثم نظرت حولها بضيق وغضب لتدخل إلى الحمام لتغير ثيابها بسرعة قبل أن تصاب بنزلة برد. بينما في الخارج كان يقف وهو لا يستطيع السيطرة على ضحكاته كلما تذكر منظرها وهي تصرخ بأنها تغرق من الماء الذي سكبه عليها، وخرج سريعًا. تنهد بسعادة ومرح: كانت وحشاني المقالب دي والله. يلا حلال عليكي يا أسيا. أراكِ في الشوط الثاني بقا وأنتِ بتغرقي.
ثم ضحك بخفة وابتعد عن الغرفة وخرج إلى مكان السفرة بهدوئه وبروده المعتاد على الجميع.
كان يجلس رجل كبير على رأس السفرة وهو يتصفح بعض الورق الذي أمامه بجدية شديدة، ليقاطعه دخول ظافر بهدوء ويجلس بجانبه بنفس الاتزان.
ليرفع عمه حسين نظراته إليه بعملية: عملت إيه في مشكلة مصنع أمريكا يا ظافر؟
بدأ ظافر في تناول الطعام بهدوء وهو يرد على عمه بعملية: بعت سارة السكرتيرة وسافرت النهاردة الصبح وخدت العمال والمهندسين، وكل حاجة بقت تحت السيطرة.
هز حسين رأسه بيأس: مش عارف شاهندة وكريم دول إيه دخلهم في الشغل الفني؟ مش كفاية وافقت إنهم ينزلوا الشركة أصلاً.
أكمل الطعام وهو يتحدث ببرود: عمتي مديّـاهم كل السلطة في الفرع اللي هناك، هي يعتبر مش بتنزل كتير ومسلمة كل حاجة ليهم، ووجودهم بالشكل دا هيبوظ حاجات كتير أوي يا عمي.
هز حسين رأسه بموافقة: معاك حق فعلاً يا ظافر. طيب في حاجة معينة في دماغك؟
هز ظافر رأسه ببرود: أيوه. سيب الموضوع دا عليا وأنا عارف هنزلهم مصر إزاي وأبعدهم عن الفرع خالص.
هز حسين رأسه بفخر وابتسامة لظافر، ذلك الولد الذي اعتبره دائمًا كابنه، فهو رباه طوال حياته ويجعله دائمًا رافع رأسه فخرًا بسببه وبشهرته في مجال عملهم بسرعة وهو مازال في شبابه.
فاق على قهوته التي توضع على السفرة، نظر حسين إليها باستغراب: أنتِ مين؟ أول مرة أشوفك هنا.
نظرت له أسيا بابتسامة بسيطة: إني أسيا الشغالة الجديدة يا بيه.
هز حسين رأسه بموافقة وهو يلاحظ يديها ترتجف، عقد حاجبيه باستغراب: أنتِ متوترة كده ليه؟ وإيدك بترتعش يا بنتي.
مسكت كفيها بتوتر وهي تهز رأسها برفض، بينما نظر ظافر إلى كفيها اللذان يرتجفان، لا يعلم هل بسبب تلك الماء الباردة التي أصبها فوق رأسها صباحًا أم بسبب التوتر فعلاً، فقال بسخرية بعدما أشاح بنظره من عليها: هتلاقيها تعبت وهي بتغرق الصبح ولا حاجة.
فتحت عينيها بصدمة ونظرت إليه بغضب، هل هو الذي سكب عليها الماء صباحًا؟ لاحظت نظرته الساخرة وهو يكمل طعامه، مسكت يديها بقوة وكادت أن تهشم رأسه، واللعنة لذلك العمل الذي يجعلها تستيقظ بتلك الطريقة، ولكن قاطع موجهة غضبها حسين باستغراب: غرق؟ غرق إيه؟ أنتِ كنتِ بتغرقي الصبح؟
أغمضت عينيها بغيظ منه ثم قالت بصوت حاولت إخراجه طبيعيًا: لا يا بيه، كنت هغرق بس ربنا سترها. بس هاخد بالي وحقي هجيبه هجيبه قريب جوي.
ثم نظرت إلى ظافر بتحدٍ وغضب يتطاير من عينيها، لاحظه ظافر وهو يتطلع إليها بطرف عينيه وضحك بداخله على تهديدها الذي جعله يريد الضحك بشدة، ولكن لا يستطيع الآن بوجودها وبوجود عمه، ثم نظرت إليه بحقد واستأذنت حسين وغادرت من أمامهم، بينما نظر حسين إليها وإلى ظافر باستغراب وهو يشعر بوجود شيء غريب، ولكن برود ظافر المعتاد لم يجعل شكه يطول، وأكملوا الفطار وخرجوا إلى الشركة تاركين أسيا خلفهم تخطط بغضب وغيظ كيف ترد حقها هذه المرة من ذلك المتعجرف.
"أيوه أيوه جايه جايه."
اتجهت هنادي إلى الباب مسرعة وهي تفتحه بسبب صوت الجرس المستمر الذي أثار إغاظتها، فتحت الباب بضيق لتقول بغضب دون أن ترى الطارق: كيف الطور اللي عم تخبط على بيوت الناس أكده؟ وبعدين...
ثم سكتت صامتة وهي تفتح عينيها بصدمة وهي ترى رجل شاب وسيم يقف أمامها بكل هيبة وهو يرتدي بنطلون جينز به بعض القطع وتيشيرت أبيض فوقه ويحمل شنطة سفر على ظهره بنظارته الشمسية وهو ينظر إليها بابتسامة لعوب: هاى يا حلوة.
فاقت من استغرابها من ملابسه وشكله وعقدت حاجبيها بغضب: حلوة في عينك يا جدع أنت! أنت مين وعايز إيه؟ انطق.
نظر إليها باستغراب: إيه يا Cam dawn يا قمر؟
نظرت له بغضب وصوت عالٍ: قمر في عينك يا جليل الرباية. ثم خلعت حذاءها من قدمها وهي تضربه به بغضب وغيظ وتقول: والله لأقطع خشمك يا جليل الحيا دا.
ثم انهالت فوقه بحذائها الخفيفة (الشبشب) بينما هو لا يستطيع أن يدافع عن نفسه بسبب ضرباتها السريعة المنهالة فوقه وعلى ظهره بقوة، لتتوقف فجأة عندما سمعت صوت الحاج حمدان بغضب: بت يا هنادي! بتضربي مين يا محروقة أنتِ المرة دي كمان؟
توقفت بغضب وضيق ونظرت إلى حمدان بغضب: دا راجل جليل الرباية يا حج.
نظر حمدان إلى الشاب الذي يمسك يديه بألم وظهره وساقه باستغراب: أنت مين يا جدع أنت؟
نظر الشاب إلى هنادي بغيظ ثم إلى حمدان بألم: أنا مهند صاحب سليم. حضرتك الحاج حمدان مش كده؟
ابتسم حمدان وسحبه إلى أحضانه بترحيب: يا أهلا يا أهلا يا ولدي! الدكتور سليم قالي إنك جاي بس ما كنتش أعرف إنك هتيجي بالسرعة دي.
ابتسم له مهند: موضوعي مستعجل يا حج. أنا آسف، عشان كده بدور في كل مكان وكان لازم أجي بسرعة.
هز حمدان رأسه بهدوء: نورتنا. أنت صاحب سليم يعني نشيلك فوق راسنا كمان.
ثم نظر إلى هنادي التي تنظر إليهم بغيظ: بت يا هنادي! خشّي حضري الأكل وأوضة الضيوف عشان الأستاذ مهند بسرعة.
نظرت إلى مهند بغيظ في الوقت الذي تطلع إليه بتوتر وغيظ من ضربها له وقالت من بين أسنانها: حاضر يا حج.
ثم ذهبت من أمامهم وهي تسب ذلك الأجنبي الغليظ عنها.
تنهد بتعب بعدما ذهب إلى عدة أماكن اليوم. ذهب إلى خال أسيا حتى يتفقدها عنده ولكنه عرف أنها لم تأتِ إليه. ذهب إلى أغلبية الأماكن المتوقع أن يجدها مثل المساجد المشهورة أو حي السيدة زينب أو شارع المعز، فكما عرف من والدتها أنها تعشق تلك الأماكن، ولكن لم يجد خيطًا واحدًا يوصله إليها وعاد في نهاية اليوم خائب الرجاء. ألقى نفسه على الأريكة بتعب وهو يقول لنفسه بتفكير: دلوقتي لو ما لقيتهاش أبويا ممكن يحط معرفة قمر بزواجنا مقابل إني ألاقي أسيا، ووقتها هخسر كل حاجة. بس أنا دورت عليها في كل مكان مش لاقيها. أنا حتى ما أعرف هي ركبت قطر القاهرة ولا لأ، يعني بدور في مكان ممكن ما تبقاش موجودة فيه. بس للأسف، أنا لازم ألاقيها قبل أبويا ما يلاقيها، عشان وقتها هيقنعها إنها تفضل معايا وعلى ذمتي. بس أنا لو لقيتها هنقنعها ونطلق. يا رب أنا تعبان والله.
فاق من دوامة تفكيره على صوت فتح الباب ليجد قمر زوجته تدخل إلى المنزل وتتجه إليه: سليم مالك مجتش المستشفى ليه النهاردة؟
هز سليم رأسه بتعب: مفيش، كان عندي كام مشوار كده ضروري. أنتِ لسه جاية من المستشفى ولا إيه؟
تنهدت بتعب وهي تجلس بجانبه: آآه. كان عندي عمليات كتير النهاردة وكشف كتير ولسه مخلصة.
نظر سليم إلى ساعته التي أشارت إلى الثانية صباحًا ليهتف بتعب: طيب عملتي أكل؟ أنا جعان.
ابتسمت له برقة: جبت معايا دليفرى. هجيب أطباق وأجيلك بسرعة.
ابتسم لها بهدوء وقامت من مكانها لتأتي بالأطباق والأكل سريعًا، بينما هو استغرق مرة أخرى في تفكيره ومشكلته الكبيرة.
دخل إلى غرفته مساءً بتعب بعد أن خلع الجاكت البدلة ورماه على السرير ليأخذ بجامته ويدخل إلى الحمام بإرهاق ويغلق الباب خلفه. في نفس الوقت دخلت أسيا غرفته وهي تمشي على أطراف أصابعها بهدوء شديد وابتسمت بخبث عندما سمعت صوت الماء بالداخل: ماشي يا حيطة سد أنت، أنا هوريك هاخد تاري كيف.
ثم وضعت الشيء الذي بين يديها على السرير وهي تتأكد من ضبط كل المواد والأشياء التي وضعتها، ثم نظرت نظرة أخيرة بخبث واستدارت لتذهب، ولكن تجمدت مكانها ونشف الدم في عروقها عندما وجدت من يمسك يديها بقوة. استدارت إلى الخلف بصدمة وخوف وهي تراه أمامها ببجامته المنزلية وهو يمسك يديها بقوة ويتطلع إليها باستغراب وغضب: أنتِ بتعملي إيه هنا؟
ابتلعت ريقها بخوف: أ. أ.. أصل يعني. ست فوقية قالتلي أطلع أسألك لو محتاج تتعشى أجيبلك.
نظر لها بشك: اممم. يعني فوقية اللي بعتاكي؟
هزت رأسها بتوتر وخوف وهي تحاول سحب يديها منه، حتى تركها. لم تكد تلتقط أنفاسها حتى بدأ يقترب منها ببرود وهي تتراجع إلى الخلف بخوف وتوتر، وهو يقترب ويقترب حتى وصل أمامها مباشرة ودنا بوجهه منها قليلاً، بينما هي ابتلعت ريقها بخوف ليقول: ما تدخليش أوضتي تاني، فاهمة؟
هزت رأسها بخوف لتحرر من أمامه بسرعة وتوتر تحت نظراته وابتسامته المسلية وهو يتنفس براحة وابتسامة: مسخرة، أقسم بالله.
بينما هي وقفت في غرفتها بضيق: والله يستاهل اللي هيجرالك واللي عملته فيك.
ثم ابتسمت بخبث عندما تذكرت ما فعلته لتتجه إلى سريرها براحة وهدوء.
لتقوم مفزوعة صباحًا على صراخ ظافر الشديد، ليست بمفردها بل من في القصر بأكمله.
رواية اسيا الفصل السادس 6 - بقلم حنان عبدالعزيز
فزع الجميع من صراخ ظافر الشديد من الأعلى.
أرتدت أسيا حجابها بسرعة وحماس وهي تتمتم بخفوت: "شكل الدواء جاب مفعوله جوي أكده."
ثم خرجت مسرعة إلى الأعلى حيث مصدر الصراخ، وكذلك معظم الخدم وحسين عمه الذي خرج من غرفته مصدوماً من صراخ ظافر وصوته العالي.
ليجتمع الجميع أمام غرفته وهو واقف أمامها، يوبخ الخادمة التي تقف أمامه بكل رعب وهو يسبها بصراخ: "يعني إيه يحصلي كده بسبب إهمالك؟ انتي مجنونة؟ أومال انتي شغلتك إيه؟ فهميني مش شغلتك تنضفي الأوضة كويس؟"
كانت تنظر الخادمة إلى الأرض بدموع وخوف شديد: "والله يا بيه أنا بنضف اوضة حضرتك كويس كل يوم، أنا معرفش دا حصل إزاي والله."
كاد أن يسبها مرة أخرى ولكن قاطعه عمه باستغراب من صراخه: "مالك يا ظافر؟ فيه إيه لكل دا؟ بتصرخ في وش الغلبانة دي ليه؟"
استدار إليه ظافر بعصبية وغضب.
لينظر عمه إلى وجهه وجسمه بصدمة، الملئ بالحبوب الكثيرة الحمراء.
وشهقت أسيا من الصدمة، فهي لم تتوقع أن يترك كل ذلك التأثير الواضح.
وأمسكت ضحكتها بصعوبة على منظره، حيث تطلع عمه إليه بصدمة وقلق: "إيه يبني اللي عمل في جسمك كده؟"
نظر ظافر إلى الخادمة بغضب: "الهانم مش بتنضف أوضتي كويس، معرفش طول الليل وحاسس بحاجة بتخليني أهرش في جسمي كله لحد ما قمت الصبح على المنظر ده. وبسبب إيه؟ قلة نظافة وإهمال."
نظرت له الخادمة بدموع: "والله يا ب..."
قاطعها ظافر بصراخ وغضب: "انتي تخرسي خالص، انزلي خدي باقي مرتبك وغوري، مش عايز أشوف وشك هنا خالص، انتي فاهمة."
بدأت تبكي بقوة وخوف: "والنبي يا بيه أوعدك آخر مرة مش هتتكرر."
ولكنه تركها ودخل إلى الغرفة مرة أخرى بغضب شديد.
بينما وقفت أسيا تتطلع إلى تلك الخادمة بحزن وشفقة على حالتها وبكاؤها، التي تشعر أنها السبب به الآن.
فحسمت قرارها بسرعة، فهي لا تحب أن يتأذى أحد بسببها.
فاقت على صوت حسين لها: "انزلي يا أسيا، هاتي دواء الحساسية من تحت واديه لظافر علشان يخفف الحبوب اللي عنده دي يا بنتي."
هزت رأسها بالموافقة واتجهت لتجلب المرهم.
كان يقف أمام المرآة عاري الصدر وهو يتفحص وجهه وجسده الملئ بالحبوب وهو يزفر بضيق وغضب: "وشي باظ، أخرج إزاي أنا لاجتماع النهارده؟"
قاطع كلامه خبط على الباب.
زفر بضيق: "ادخل."
دخلت إلى الداخل بتوتر قليلاً، ثم نظرت إليه.
سرعان ما شهقت من الصدمة من منظر صدره العاري واستدارت برأسها بسرعة: "وه كيف واقف أكده من غير خِلْجَات يا جدع انت؟"
نظر إليها بسخرية: "مش يمكن عشان واقف في أوضتي مثلاً؟"
احمر وجهها خجلاً وقالت بتعلثم: "طيب البس خِلْجَاتك بسرعة عشان أخبرك كلمتين وأسير طوالي."
ابتسم بخفة على كلامها وخجلها، ليمسك التيشيرت الخاص به وارتداه ليقول بسخرية: "لبست ها؟ كنتي عايزة إيه؟"
نظرت إليه وتنهدت براحة، ثم قدمت إليه المرهم: "اتفضل دا المرهم بتاع الحساسية عشان تخف شوية."
أخذ منها المرهم بضيق وهو يفتحه ويضعه على وجهه بسرعة، بينما هي مازالت واقفة مكانها.
حمحمت بخجل.
ليحول نظره عليها باستفهام: "خير؟ فيه حاجة تاني؟"
عقدت يديها بتوتر: "يعني كنت عايزة أقولك حاجة أكده."
ترك المرهم ونظر إليها باستفهام.
لتتنهد بشجاعة: "إني اللي حطيت البودرة الصراصير على السرير بتاعك، يعني الخدامة ملهاش ذنب واصل."
قالت كلماتها وأغمضت عينيها بخوف.
لتشعر بالسكون حولها.
فتحت عينيها برفق لتجد بركان ثائر أمامها بغضب.
"إنتي وأمجد كنتوا بتضحكوا كده ليه يا قمر؟"
"إيه يا سليم؟ عادي، كان بيقولي حاجة تبع العملية اللي كنا بنعملها سوا وضحكنا."
نظر إليها بضيق: "قمر؟ إنتي عارفة إني مش بحب الكلام والشغل ده."
نظرت له بضيق وغضب: "قصدك إيه يا سليم؟ دا مجرد زميل وإنت عارف كده، إنت بتشك فيا؟"
تنهد بضيق حين شعر بكلامه: "أكيد مش بشك فيكي يا قمر، أنا أنا بس قصدي... ولا يهمك، معلش، حقك عليا، أنا بس أعصابي بايظة اليومين دول."
نظرت له بضيق وشك: "مالك يا سليم؟ من وقت ما رجعت من الصعيد وإنت مش مظبوط، دايماً سرحان وبتغيب عن المستشفى كتير، إنت مخبي عليا حاجة؟"
هز رأسه بتوتر: "لا، هخبّي عليكي إيه بس يا حبيبتي؟ هو ضغط بس مش أكتر، متقلقيش."
هزت رأسها بصرامة وضيق: "هات تليفونك كده يا سليم."
عقد حاجبيه باستغراب وتوتر: "ليه يا حبيبتي؟ فيه حاجة؟"
نظرت له بصرامة: "هات فونك يا سليم، يلااا."
تنهد بضيق ثم أعطاه لها الهاتف بخوف.
ثم وضعته أمام عيونه على صورة لأسيا قد حصل عليها ليسهل عملية العثور عليها.
فتح عيونه بصدمة وبدأت معالم الارتباك على وجهه.
وزاد ارتباكه مع كلماتها الغاضبة: "الصورة دي شوفتها على فونك امبارح وأنا بكلم ماما، مين دي يا سليم؟ هااا؟ وصورتها بتعمل إيه عندك؟ انطق."
نظر إليها بتوتر وكلمات متعلثمة: "دي أسيا بنت عمي."
عقدت حاجبيها باستغراب: "بنت عمك!! وصورتها بتعمل إيه عندك يا سليم؟"
نظر حوله بتوتر: "بدور عليها عشان هربانة."
جلست أمامه بصدمة واستغراب: "هربانة؟ هربانة ليه وامتى؟!!"
أكمل بتوتر خفي: "كانوا هيجوزوها غصب عنها وكده، فهربت. من وقتها مش لاقيينها خالص. ففي ناس شافتها وهي لتركب قطر من المحطة واحتمال تكون في القاهرة هنا. فعلشان كده بدور عليها."
نظرت له قمر بحزن: "يا حول الله يارب، زعلتني بجد عليها. طيب مقلتليش ليه يا سليم؟ كنت هساعدك."
ابتسم لها بتوتر: "مكنتش عايز أشغلك معايا يا حبيبتي."
ابتسمت له بحب: "تشغلني في إيه بس يا حبيبي؟ متخافش هتلاقيها وهتبقى كويسة."
ربت على يديها بهدوء وهو يحمد الله في سره على عدم انكشاف سره الآن.
بينما هي شردت في الصورة وهي تفكر، ترى أين رأتها قبل ذلك.
"واقفة أنا واقفة رجالة.. عايشة لغيري وهاملة أنا حالي.. صابرة طول عمري وشايلة.. والغالى بيرخص للغالى.. بنت مصرية صعيدية وأصيلة.. لما تحتاجها تلاقيها سدادة."
قاطع غناءها من خلفها بمرح: "والصعايدة بيضربوا ضيوفهم ولا إيه؟"
نظرت خلفها بخضة وبسرعة: "جطعت خلفي الله يجحمك."
ضحك عليها بخفة: "انتي شكلك لسه شايلة مني يا هنادي، مش كده؟"
نظرت له بضيق: "وأنا هشيل منك ليه يا جدع انت؟ جليل الرباية وحديثك كله ماسخ كيف وشك."
"اممم، أومال مين بقى اللي هيفرجني على البلد وإنتي متضايقة مني كده؟"
نظرت له بغضب: "بجولك إيه يا جدع انت؟ هملني لحالي وبعد عن خلجتي واصل."
ثم غادرت وتركته ينظر إليها بابتسامة: "والله عسل يا هنادي."
قاطعه رنة هاتفه ورد بهدوء وابتسامة: "ازيك يا سليم؟"
"الحمد لله بخير يا مهند، إنت أخبارك إيه؟ اتعودت على الصعيد؟"
ابتسم مهند وهو يتابع هنادي: "اتعودت عليها قوي، بس هي اللي لسه مش متعودة عليا."
ضحك سليم عليه بمرح: "بكرة تتعود ولا تزعل، واستقبال الحاج حمدان عجبك؟"
ضحك مهند بقوة عندما تذكر طريقة استقباله من هنادي أول مرة: "جميل جداً، صدقني أول مرة أشوف استقبال حلو وقمر كده في حياتي."
"مش مرتحالك يا مهند، بس قولي وصلت للي كنت عايز توصله؟"
تنهد مهند بحزن: "لسة مبدأتش والله يا سليم، هبدأ النهارده كده أمشي في البلد وأسأل يمكن حد يفيدني في الموضوع ده ويكونوا عارفينهم."
"إن شاء الله هتلاقيهم يا مهند، متقلقش."
تنهد مهند بحزن: "يارب يا سليم، وإنت لقيت مراتك ولا لسه؟"
تنهد سليم بضجر: "متقولش مراتك، بس عموما لسه ملقتهاش، بدور عليها."
"ماشي يا صاحبي، هتلاقيها إن شاء الله."
زفر سليم بضيق: "يارب عشان أخلص بقى."
اقترب منها بغضب، بينما هي تتراجع إلى الخلف بخوف وتوتر حتى حاصرها ولم يبقى بينهم سوى القليل.
لتنظر حولها بتوتر: "إني عارفة إني غلطانة، بس بلاش تقطع عيش البت الغلبانة التانية، هي مغلطتش، إني اللي كنت عايزة آخد بتاري منك، من حركة الماية، بس دي جات زيادة."
كانت تتكلم بينما هو ينظر إليها بصمت ويعتبر الهدوء ما قبل العاصفة.
ليقطع سكوتها بجمود: "إنتي عايزة إيه؟"
أدمعت عيناها بتوتر وخوف من الموقف: "إني عايزة أك تهملني لحالي، بلاش الجط والفار اللي إحنا فيهم أكده. أنا جايه آكل عيش وبس، الجدر حطني أهني بعد اللي حصل في العربية، بس إني عايزة أعيش في هدوء، الله لا يسيئك."
نظر إلى دموعها بضيق.
لماذا تبكي الآن؟ هو اعتاد على رؤيتها قطة مشاكسة غاضبة دائماً، لكن الآن دموعها تؤلمه.
وجنتيها التي تحولت إلى الأحمر بسبب الدموع أوجعت قلبه فجأة.
ابتعد عنها بضيق: "معاكي حق، إنتي هنا خدامة وشغالة، مينفعش أحطك في دماغي، كفاية اللي فات، من دلوقتي مفيش اختلاط بينا، اللي فات كان تسلية مش أكتر، وإنتي كمان متتماديش فيه، يلا، اطلعى بره."
نظرت إليه بدموع وصدمة من كلامه، ليصرخ بقوة: "برااا."
نظرت إليه بدموع وحزن وخرجت بسرعة من الغرفة.
بينما هو خبط الحائط بغضب وضيق لا يعرف سببه: "كل اللي عملته كان غلط أصلاً، إزاي أحط واحدة في دماغي؟ دي خدامة، إزاي؟ جبتها هنا من الأول أصلاً، البيت ده..."
نزلت إلى غرفتها بدموع وحزن: "إني واحدة متجوزة، أيوه هربانة منهم، بس دي حقيقة، مينفعش أمنعها. إني أجرب من راجل أكده وأعاند معاه، دي لا تربيتي ولا أخلاقي واصل. إزاي عملت أكده؟ إزاي."
مر شهر على الجميع، يخيم الحزن والهدوء على أسيا وظافر، حيث بالكاد هي تراه، فهو يستيقظ مبكراً للعمل ويأتي في أواخر الليل بعد خلودها للنوم.
لا تنغص راحتها بسبب هدوء حالتها واستقرارها تلك الفترة، لكن ما زال الماضي يطاردها، وإلى متى سوف تهرب منه.
بينما ظافر انكب على عمله بشدة حتى لا يفكر كثيراً في تلك الصعيدية الغاضبة التي يحب أن يرى غضبها، ولكن يجب أن يبتعد عنها، فهي خادمة ولا يجب التفكير بها نهائياً.
أما سليم، الذي لا يزال يبحث عنها في كل الأرجاء والأماكن، ولكن بدون أي جدوى، وبدأ يتغيب عن المنزل كثيراً ويعود متأخراً بسبب رحلة البحث تلك.
أما هنادي ومهند، فما زالوا القط والفأر طوال الشهر، هي تغضب منه وهو يحاول أن يقترب منها بمرح قليلاً، ولكن دون جدوى.
"لقيتها يا سليم! لقيتها! أسيا في إسكندرية."
رواية اسيا الفصل السابع 7 - بقلم حنان عبدالعزيز
لقيتها يا سليم لقيتها أسيا في إسكندرية.
دخلت إلى مكتبه بسرعة وهي تقول تلك الكلمات بسرعة شديدة وفرحة. ترك القلم من يده ونظر إليها بصدمة وعدم استيعاب: أسيا؟! وأنتي عرفتي مكانها منين يا قمر؟!!
دخلت إلى مكتبه بسرعة وفرحة وحماس شديد: مش أنا قولتلك إني حاسة إني شفتها قبل كده.
هز رأسه بتوتر وخوف، لتبتسم بحماس له: لما كنت في الصعيد نزلت إسكندرية مع أمي علشان الدكتور بتاعها وكده. وقتها قابلت سوزان صاحبتي وسلمت عليها.
عقد حاجبيه باستغراب: وإيه علاقة سوزان بأسيا؟ مش فاهم.
ابتسمت بفرحة: اصبر هفهمك. لما وقفت مع سوزان لمحنا واحدة لابسة عباية وشال أسود. كانت صعيدية بجد. وقتها أنا وسوزان ضحكنا عليها وكده علشان منظرها. مع إن عيونها كانت حلوة ودا اللي لفت نظري. وأول ما شفت الصورة وكده كنت حاسة إني شايفه العيون دي قبل كده.
بلع ريقه بخوف وتوتر: طيب مش يمكن متكونش هي اللي إنتي شفتيها؟ ما فيه كام حد عيونه نفس عيونها.
هزت رأسها برفض: ما أنا كنت شاكة في كده. كلمت سوزان وبعتلها الصورة. أسيا وقالت لي إنها فعلاً نفس البنت اللي شفناها وقتها. وكمان بنت عمك تقريباً عرفتني لأنها أول ما شافتني خبت وشها بشال أسود على وشها كده. فدا كمان دليل إنها في إسكندرية.
سند سليم ظهره إلى الخلف بتفكير وتوتر: طيب ولو في إسكندرية هعرف مكانها إزاي؟ وإحنا ملناش معارف أصلاً هناك.
ابتسمت له قمر ومسكت يده بحنان: متخافش. دور وأنا هبقى معاك. هنسافر وندور عليها سوا. وإن شاء الله هنلاقيها.
عند تلك الكلمة إنها ستذهب معه بدأ الخوف والتوتر ينهش بداخله بخوف. وابتسم لها بتوتر: ل.. لا يا قمر خليكي هنا علشان المستشفى. أنا هنزل إسكندرية من بكرة وهدور عليها. متقلقيش.
ماشى يا حبيبي.
هز رأسه بتوتر وخوف من القادم والسيء للجميع.
انتي يا بتاعة انتي تعالي خدي الشنط دي.
كانت تنظف الصالون باندماج حتى قاطعها ذاك الصوت الأنثوي الرقيق المتعجرف من خلفها. استدارت لتقع عينها باستغراب على تلك الباربي التي أمامها. حيث أخذت تتأملها من بداية رأسها وشعرها الأشقر وملامحها الجذابة بمكياجها الصارخ وجسدها النحيل الممشوق. حيث تبدو كتلك عارضات الأزياء التي تراهم في التلفزيون. لتنتبه لثيابها الأنيقة من بلوزة بينك كات تصل إلى منتصف بطنها وبنطلون أبيض كالجلد الثاني لها به العديد من القطوع كالموضة.
فاقت على صوتها المزعج: إيه؟ هتفضلي مبحلقة كده كتير؟ يا بتاعة انتي تعالي خدي الشنط من هنا.
تنفست أسيا بضيق من أسلوبها معها. لتتجه بغيظ إلى الحقائب لتحملها بصعوبة بسبب ثقلها الشديد. لتهمس بغيظ: إيه العروسة دي؟ هي حاطة طوب في الشنطة.
لتتوقف قليلاً وهي ترى تلك الباربي وهي تجري في خطواتها لتقع بين أحضان ظافر الذي يبتسم بهدوء. ليبادلها العناق بابتسامة خفيفة.
خرجت من حضنه بدلع: وحشتني أوي يا ظافر. كده متنزلش أمريكا بقالك شهرين يا بخيل.
معلش يا شاهندا. الشغل والفروع اللي هنا واخدين كل وقتي.
ابتسمت بدلع ومسكت مقدمة بدلته: فاهمك يا حبيبي. والله أنا كمان الشغل هناك واخد كل وقتي.
زفر بسخرية: آه فعلاً. حتى المكن اللي في المصانع موافق جداً على شغلك ده.
نظرت له بضيق: ما كانش مقصود على فكرة. أنا عمري ما بغلط في شغلي أبداً.
تنهد بسخرية وهو يبعد عيونه عنها. لتقع عيونه على تلك الواقفة وهي تحاول حمل الحقيبة الثقيلة بغيظ من تلك الباربي وأسلوبها ووقاحتها وطريقتها وكل شيء. لاحظ علامات التعب والضيق على وجهها. ليهتف بجمود: سيبي الشنطة يا أسيا.
رفعت عيونها إليه باستغراب. ليتوقف الزمن لديه. فهو لم ير تلك الغابات في عيونها منذ فترة كبيرة. بالنسبة له لا يعلم لما عيونها كالمغناطيس تجذبه بشدة من حيث لا يدري ولا يحتسب.
لتلاحظ شاهندا نظراته. لتهتف بضيق وغضب لأسيا: طلعي الشنط فوق. انجزي.
هزت أسيا رأسها بضيق. لتحمل الحقيبة مرة أخرى. ولكن شعرت بمن يضع يده على الحقيبة لتمسك يديها أيضاً. رفعت عيونها لتنظر لتجده يقف أمامها وهو يتطلع إليها بهدوء شديد. ليصيب قلبها الخفقان من ذاك القرب والتوتر. لتبتعد بسرعة وتوتر واضح على وجهها. لينظر لها بابتسامة حاول أن يخفيها. ليقول: سيبي الشنط. عبده هيطلعهم. واعملي لي قهوة يا أسيا. يلا.
نظرت إليه باستغراب من معاملته. فهو أصبح آخر فترة يعاملها بجفاء ولا يحدثها من الأساس. ليقول لها فجأة بتلك النبرة الهادئة. لتهز رأسها باستغراب وتركبت الحقيبة ودخلت إلى المطبخ بسرعة تحت نظراته المبتسمة.
لتأتي خلفه شاهندا بغيظ: ما كانت تشيلها يا ظافر وبعدين تعملك القهوة. ده شغلها.
نظر لها ظافر بضيق وصرامة: شاهندا. أنا هنا اللي أقول مين يعمل إيه وميعملش إيه. عايزة شنطك تطلع يبقى مش مهم مين اللي هيطلعها. المهم إنها هتطلع. ماشي.
ثم تركها وغادر بغضب. لتنظر إليه بضيق: أووووف. أول ما جيت اتخانقنا عشان حتة خدامة. لا لازم أهدى كده عشان ميضيعش من إيدي بعد الحب دا كله.
ثم تنهدت بضيق لتصعد إلى غرفتها.
هنادي هما الناس دول بيعملوا إيه؟
نطق مهند تلك الكلمات باستغراب لهنادي التي كانت تسير معه بضجر وهي تساعده في استكشاف البلد بناء على أوامر الحاج حمدان. لتنظر مكان ما يشير لتقول بضيق: دول ناس بيلموا إيجار أراضيهم من الفلاحين. بس دول عالم ظالمة. مش بيستنوا أما المحصول يستوي ويتباع. لع عايزين حقهم قبل أي حاجة.
نظر إليهم بضيق وهم يتحدثون بغضب إلى رجل عجوز: هو إيه اللي بيعملوه دا؟ هو ما فيش قانون في البلد دي؟ دا اسمه ظلم.
ابتسمت هنادي بسخرية: القانون قانون العمده هنا يا مصراوي أنت. ودول إيدهم طايلة ومعاهم واسطة. يعملوا في الخلق كده.
نظر إليهم بغضب وهو يراهم يحاولون أن يمدوا يدهم على العجوز. ليطفح كيله منهم. ليتجه نحوهم بسرعة وغضب. بينما نظرت له هنادي برعب وخوف وهي تنادي عليه: يا سي مهند. لا. متدخلهمش. تعالي.
لكن لم يرد عليها. ليتجه نحوهم بسرعة وغضب. ليقف أمامهم وبين الرجل العجوز: أنت مجنون؟ عايز تضرب واحد قد أبوك عشان شوية فلوس.
نظر إليه الرجل بغضب: أنت مين يا جدع أنت؟ وبتتدخل في مصالح غيرك ليه؟ بعد من هنا.
نظر إليه مهند بتحدي وغضب: مش هبعد. وانتوا اللي هتمشوا. ومش هتيجوا تاخدوا فلوسكم إلا لما الراجل يجمع محصوله. وقتها تقدروا تاخدوا إيجاركم.
ليقول أحدهم بسخرية: وأنت يا مصراوي اللي هتقولنا نعمل إيه ومنعملش إيه؟ بعد من هنا. بدل ما تروح بدلكم على نجاله.
نظر إليهم مهند بسخرية. ليفاجئ أحدهم بلكمة على وجهه. وظل يسدد اللكمات والضربات إليهم واحد تلو الآخر بكل مرونة وشجاعة. بينما هنادي تنظر إليه بخوف ورعب وهي تلطم على وجنتها بخوف: يا مُري. يا مُري. الواد هيروح فيها. دول كتير عليه قوي.
ولكن شيئاً فشيئاً بدأوا بالسقوط على الأرض متألمين. لينتهي بهم الحال يفرون من أمامه وهم يتوعدون له بكل سيء. ليتجه إلى العجوز بشكر: كتر خيرك يا ولدي. مش عارف أرد جميلك دا فين.
ابتسم له مهند: متقولش كده. أنت زي والدي. عن إذنك.
اتجه إلى هنادي التي تنظر إليه بصدمة من ضربه لهم جميعاً بشكل مضحك. ليضحك مهند على منظرها: منظرك مسخرة وإنتي مصدومة كده.
انتبهت لحالها لتنظر له بغيظ وضيق: يلا يا جدع أنت. ابدأ شوف هتقول للحاج حمدان إيه لما يعرف اللي هببته ده. كنت هتموت حالك وسطهم.
اقترب منها بابتسامة ساحرة: كنتي خايفة عليا.
ابتعدت عنه بتوتر وغضب: وهخاف عليك بتاع إيه؟ امشِ قدامي. خلينا نعجل قبل العشايه.
لتسير هي أمامه بغيظ. ولا تشعر بتلك الابتسامة التي زينت وجهها تدريجياً. لتخفيها سريعاً قبل أن يراها.
ناوية تستقر هنا يا شاهندا؟ ولا أمك عندها رأي تاني.
نطق حسين بتلك الكلمات وهم يتناولون العشاء على السفرة. لتهز شاهندا كتفها بدلال: لسه مش عارفة والله يا خالو. أنا لما ظافر طلب مني أنزل مقدرتش أرفض الصراحة. ونزلت على طول من غير تفكير. أمي لسه مش عارفة بقا هتيجي ولا لأ. هي وكريم.
هز حسين رأسه بصمت. ليدير وجهه إلى ظافر الذي كان يتابع أسيا بخلسة وهي تضع الطعام على الطاولة بتركيز. ليقول حسين له: أخبار صفقة الصين إيه يا ظافر.
انتبه إليه ظافر ليقول بجدية: تمام يا عمي. وفيه عشاء عمل بكرة معاهم كمان. يعني عشان نتفق على آخر البنود.
قاطعتهم شاهندا بحماس: خلاص هاجي معاك بكرة في العشاء. يعني عشان أفهم في شغلك وكده.
زفر ظافر بضيق. ويعلم أنه جاء بالصداع لنفسه عندما طلب منها النزول لمصر. ولكن فعل ذلك لكي يبعدها عن عمل أمريكا التي تتدخل به وتهمله. ليسمع همس أسيا بغيظ من جانبه وهي تضع أمامه الشوربة: إلهي تروحي جهنم يا باربي انتي. كيف الجاموسة اللي عندنا في الزريبة.
ضحك ظافر بشدة عندما سمع كلمات أسيا. لتنظر إليه أسيا بحرج. لتعلم أنه سمعها وهي تسب تلك الباربي. لتحمحم بخجل وتتركهم وتذهب. بينما نظر إليه عمه وشاهندا باستغراب من ضحكه: بتضحك على إيه يا ظافر.
حمحم ظافر بإحراج عندما تدارك موقفه: احم. لا افتكرت حاجة بس مش أكتر.
نظرت له شاهندا بدلال: طيب هروح معاك بكرة مش كده.
وقف بضيق: هشوف يا شاهندا. عن إذنكم.
ثم تركهم وغادر.
بينما تابعته نظرات شاهندا بضيق. لتنظر إلى خالها بضيق: هو هيفضل يتهرب في موضوعنا كده كتير يا خالو.
نظر إليها حسين بهدوء: شاهندا. إنتي عارفة ظافر. محدش بيجبره على حاجة. اللي شايفه صح هيعمله.
عقد حاجبيها بغضب: بس يا خالو. أمي مش هتسيبني هنا كتير من غير ما يخطبني رسمي. إنت عارف إني بحبه. بليز يا خالو أقنعه شوية.
تنهد حسين بضيق: ماشي يا شاهندا. هكلمه. بس موعدكيش.
ابتسمت شاهندا بفرح: ميرسي يا خالو يا حبيبي.
كانت تقف أمام غرفتها باحراج: كيف أتحدت كده من غير ما آخذ بالي. بجيت زي التور يا أسيا. أهو سمع حديثك وهيجولك. إنتي مالك؟ وكيف.
لتقاطعها الخادمة: أسيا ظافر بيه عايزك في مكتبه.
لطمت على خدها بخوف: يا مُري. يا مُري. يا وقعتك المهببة يا أسيا. هيبدأ بمشاكل تاني فيا ولا إيه.
لتسير نحو مكتبه برعب وخوف يحتز أواصله. وتخبط على الباب بأصابع مرتعشة. لتسمع صوته البارد من الداخل يسمح لها بالدخول. لتبلع ريقها بخوف وتغمض عيونها استعداد لمواجهته. وتفتح الباب وتدخل بخطوات مترددة ثقيلة.
ليرفع عيونه عليها بهدوء. بينما هي تطلع إلى الأرض بخوف وخجل منه. لتسمع صوته البارد: شايفك ساكتة يعني مش عادتك.
صمتت وهي مازالت تنظر إلى الأرض بخجل وتفرك أصابعها بتوتر. ليزفر بضيق من صمتها ذلك. هو لا يحب صمتها. يحب أن يراها قطة شرسة. ليقول بخبث: شاهندا كيف الجاموسة اللي جنبكم في البلد يا أسيا.
لتغمض عينيها بخجل وتقول بخفوت: ه.. هو بس يا ب.. بيه.. ا... اصل.
قاطعها بجمود مصطنع: ردي يا ست أسيا. قولي الحقيقة.
لتزيد فرك أصابعها بتوتر وخوف. وكادت عيونها أن تدمع من التوتر. ليقول بمرح: عندكم كام جاموسة عشان تشبهي كل حد تشوفيه بالجاموسة اللي عندكم؟ هااا.
رفعت عيونها عليه بصدمة من كلامه. لتجده يضحك بمرح وينظر إليها بضحك: منظرك كان مسخرة وإنتي خايفة شبه الكتكوت. ههههههههه.
لتنظر له بغيظ: كنت بتتمسخر عليا إياك.
ابتسم بمرح: باين كده.
لتنظر له بغيظ وهمت أن تغادر. ليمسك يديها بسرعة ومرح: خلاص. متبقيش قماصة كده.
لتستدير وتنظر إلى يده الممسكة بمعصمها. ليتركها بهدوء. وهي تنظر أمامه بغيظ. ليقوم بإخراج ظرف من جيبه ويعطيه لها: اتفضلي. دا مرتبك كامل. إنتي كملتي شهر معانا.
لتنظر إلى الظرف بفرحة شديدة وتأخذه وتقول بفرح: يعني دا مرتبى أنا صح؟ بتاعي لحالي.
ابتسم وهز رأسه على رؤية فرحتها الشديدة بالقبض الخاص بها. وهي تقول بفرحة وبلا وعي: أكده هعرف أقدم في المعهد وكمان أجيب الكتب عشان أدرس. هلحق. هلحق.
لتمتم بسعادة وهي تخرج من الغرفة وتقول مخططاتها لنفسها. بينما هو ابتسم بشدة لفرحتها. وهو يقول: هي ناوية تقدم في معهد؟!!!
في صباح اليوم التالي استعدت أسيا بحماس وفرحة. واستأذنت من المديرة لتذهب لتقديم ورقها للمعهد. لتقوم بعمل معادلة لتلحق بكلية التجارة.
فارتدت دريس أسود وطرحة بيضاء قد استعارتهم من إحدى الخادمات. لأنها لم تملك سوى تلك العباءة السوداء التي جاءت بها. لتخرج من الفيلا بفرحة وسعادة. وهي تسير على الطريق. ليقطع خطواتها سيارة كبيرة. لتنظر إليه باستفهام. ليفتح ظافر الشباك: تعالي. اركبي. أوصلك.
نظرت له بضيق: لا. شكراً. إني هروح لحالي.
نظر أمامه ببرود: براحتك. بس ترى إنتي عارفة طريق المعهد منين؟
لتنظر أمامها باستيعاب. هي فعلاً لا تعرف مكانها. لتهز رأسها بالرفض بغيظ. ليبتسم لها بهدوء: يبقى اركبي. هوصلك.
حسناً. لم تجد مفر آخر للهروب منه. لتركب بجانبه بغيظ وتوتر في وقت واحد. بينما هو يظهر شبح تلك الابتسامة على وجهه طوال الطريق. بينما هي تنظر إلى النافذة حتى تتحاشى الكلام أو اللقاء معه بأي موقف.
ليصلوا أخيراً إلى المعهد. لتنزل بسرعة وحماس. وهي تنظر إليه بفرحة. بينما هو خرج من السيارة. وهو ينظر إلى فرحتها بابتسامة. وهو يلبس نظارته الشمسية: يلا. ندخل.
هزت رأسها بحماس. لتدخل إلى الداخل. وهي تطلع إلى كل الأماكن حولها. بينما هو يسير بكل هيبة ووقار لا يليق سوى به. لتنتبه لتلك الأنظار عليهم. لتنظر لتجد جميع الفتيات ينظرون إلى ظافر بهيام. لتقول بغيظ: إنت دخلت معايا ليه يا جدع أنت.
ليبتسم لها باستفزاز: عشان تخلصي بدري وتروحي تشوفي شغلك في الفيلا بدري. فهمتي.
لتصمت بغيظ. عندما وجدوا نفسهم أمام مكتب المدير. ليدخلوا سوياً وينهوا كل الإجراءات والمعاملات بسرعة. بسبب منصب ظافر وأهميته التي أدهشتها كثيراً. ليركبوا السيارة مرة أخرى في طريق عودتهم. لينظر إليها بتساؤل: إنتي عايزة تعملي معادلة وتدخلي كلية تجارة ليه؟
لتغمض عيونها وهى تتذكر كلام سليم عن زواجه من جاهلة. لتدمع عيونها: سبب يهمني لحالي.
نظر إلى الدموع العالقة بعيونها. لينظر إليها بقلق: إنتي كويسة.
مسحت دموعها برفق: أيوه. زينة.
ليتابع ملامح وجهها الحزينة. وهي شاردة في ذكريات ماضيها. التي كلما حاولت نسيانها تجري خلفها وتلاحقها. ليتتبع دموعها التي نزلت تلقائياً على وجهها. ليقرب يديه على وجهها ليمسح دموعها بلا وعي. ولكن يفوق على صراخها وهي تنظر أمامها بفزع وخوف: حااااااااااااااااااااسب.
رواية اسيا الفصل الثامن 8 - بقلم حنان عبدالعزيز
أييه ظافر عمل حادثة؟
نطق حسين بتلك الكلمات بصدمة عبر الهاتف لتتجه إليه شاهندا بصدمة: خالو مالو ظافر، حصله حاجة؟
لم يرد عليها حسين بل مسك الهاتف بخوف وهو يتصل على أحد الأرقام ويقول بسرعة: صلاح، اطلع على المستشفى ظافر عمل حادثة دلوقتي يلا وأنا هحصلك.
ليغلق الهاتف وينظر إلى شاهندا بقلق: أنا رايح المستشفى، تعالي يلا.
هزت رأسها بموافقة واتجهت معه بسرعة إلى السيارة لينطلقوا إلى المستشفى بسرعة كبيرة.
ليصلوا بعد قليل إلى المستشفى لينظروا باستغراب وصدمة من وجود أسيا.
تقف بدموع أمام العمليات وهي بحال متبهدل، حيث تنزف رأسها ويدها مجروحة، ولكن تبكي وتنظر إلى باب العمليات برعب وخوف.
ليتجه إليها حسين باستغراب: أسيا، إنتي بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي حصلك ده؟
نظرت أسيا إلى الأرض بدموع وحزن: ظافر بيه شافني وأنا راجعة من المعهد ووصلني، واحنا مروحين طلعت عربية كبيرة قدامنا وحصلت الحادثة.
نظر إليها حسين بحزن وقلق على ظافر: طيب ظافر، الدكاترة قالوا إيه؟
نظرت إليه بحزن ودموع: خدوه على العمليات، واصل بس بجالهم كتير عوجوا ومحدش خرج منهم.
لتجتمع الدموع في عيونها بخوف وحزن.
لتنظر إليها شاهندا بغضب وسخط: على آخر الزمن الخدم بيركبوا عربيات أسيادهم.
نظر إليها حسين بعتاب: شاهندا، إيه اللي بتقوليه ده؟
نظرت إليه بغضب: إيه يا خالو، مش دي الحقيقة؟ الله أعلم عملت إيه وهما راكبين العربية، خلت ظافر يعمل حادثة كبيرة بالشكل ده.
نظرت أسيا إلى الأرض بدموع، هي حقًا تشعر أنها السبب في هذه الحادثة، لتسمع كلام شاهندا الساخط وتسكت ولا ترد حتى تطمئن على ظافر أولاً.
ليقف الجميع أمام العمليات برعب وخوف يدثر في قلوبهم، وحسين ينظر إلى الأعلى وهو يناجي ربه بخوف على ابنه، فظافر رباه كابنه تمامًا وأحبه بشدة، لا يتحمل فكرة أن يصيبه شيء.
وأيضًا أسيا التي تزرف دموعها بخوف أن يصيبه مكروه، فهي لا تستطيع تحمل ذنبه.
بينما تتطلع إليها شاهندا بغضب من فكرة أنها ركبت مع ظافر السيارة، للتأكد وقتها أن تلك الخادمة أوقعت ظافر بكل تأكيد.
ليخرج الطبيب بعد فترة من العمليات ليتجه إليه حسين وتتبعه أسيا وشاهندا بسرعة.
لينظر إليه حسين بخوف ولهفة: ظافر يا دكتور، طمني عليه، هو كويس؟
نظر إليهم الطبيب بعملية: إلى حد ما سيطرنا على الوضع بتاع ظافر بيه، بس برضه في خطر لسه حدوث نزيف داخلي، فعلشان كده هيتحط في العناية المركزة لمدة 24 ساعة، لو عدت على خير هيبقا طلعنا من الحادثة دي بأقل خساير، ما عدا طبعًا شوية خدوش وكسور.
وضعت أسيا يدها على فمها بدموع وخوف وهي تكتم شهقاتها وصوت دموعها.
بينما ينظر حسين إلى السماء بدموع: يارب يارب.
تركهم الطبيب وغادر من أمامهم.
بينما تراجعت أسيا إلى الخلف بدموع وحزن.
لتتجه إليها شاهندا بغضب لتصفعها على وجهها بقوة وهي تنظر إليها بكره وغضب: كل ده بسببك، ظافر بين الحياة والموت بسببك، انتي، امشي من هنا، انتي مطرودة، فاهمة؟ مطرودة.
نظرت إليها أسيا بدموع وصدمة.
ليتجه إليهم حسين وهو ينظر إلى شاهندا بغضب: إيه اللي بتعمليه ده؟ إزاي تمدي إيدك عليها؟
نظرت إليه شاهندا بغضب: مش شايف إنها السبب في حالة ظافر دلوقتي يا خالو؟ وبتدافع عنها؟ دي لازم تمشي خلاص، أنا طردتها.
نظر حسين إلى أسيا وحالتها من دموع وألم وخدوش لم تعالجها، وأيضًا أثر كف شاهندا، ثم نظر إلى شاهندا بضيق: ظافر هو اللي مشغلها، ومحدش غيره ليه الحق يطرده، والحادثة دي قضاء، مش هي اللي كانت بتسوق وعملت بيهم الحادثة مثلاً؟ فانتي مش هتعملي أي تصرف غبي يا شاهندا غير لما ظافر يصحى، انتي فاهمة.
نظر إلى الناحية الأخرى بضيق وغضب.
بينما تنهد حسين بضيق، ووقفت أسيا مكانها تنظر أمامها مصدومة ودموعها تنزل بحزن وألم وهي تهتف بخفوت: يارب يبقى كويس يا رب.
***
إنت كويس يا مصراوي إنت؟
اقتربت منه متسائلة بتردد بنبرة يغلب عليها القلق، فهي تلاحظ حالته الحزينة طوال اليوم وهي ليست من عادته، بل هو يحب المشاغبة وأن يرخم عليها ويلقي عليها النكات والغزل، وهي ترد عليه بضيق وعصبية، ولكن هذه الحالة الهادئة غريبة.
فلم تستطع أن تمنع نفسها من سؤالها ذلك.
لينظر إليها بحزن: كويس يا هنادي، كويس.
جلست بجانبه باستغراب: أباه، إنت زعلان أكده ليه؟ حد جالك حاجة؟ قول لي وأنا هقطعه.
ابتسمت له بهدوء: خايفة على زعالي يا هنادي للدرجة دي؟
نظرت حولها بتوتر: وإني هخاف ليه بقى؟ أنا بس على... على شان الحاج حمدان ما يزعجليش لما يشوفك مهموم أكده، ليفكر بسببى ولا حاجة.
تنهد مهند بحزن وأرجع نظره إلى الأمام بشرود مرة أخرى.
لتقول بقلق: مالك؟ عادي فيك إيه؟
هز رأسه بحزن وهو مازال شارد أمامه: تعبت يا هنادي، تعبت. تخيلي تقعدي تدوري على حد عشر سنين، عشر سنين بدور عليهم، مش لاقيهم، روحت كل بلد في العالم مش لاقيهم، لحد ما وصلت لواحد كان يعرفهم، قال لي إن آخر معلوماته إنهم هنا في الصعيد، بس فين مش عارف، مش عارف. أنا تعبت يا هنادي، حاسس إني بدور ورا سراب وهم مش لاقيهم، وحشوني قوي، وحشني حضنهم، كانوا كل حاجة في حياتي، أنا من غيرهم ميت يا هنادي، ميت.
لتغمر الدموع عينيه بحزن.
لتنظر إلى دموعه وحالته بحزن، لترفع يديها على كتفه بتردد وهي تطبطب على كتفه بحزن: متجلجش، هتلاجيهم، إنت بس قول يارب، وطالما في الصعيد هتلاجيهم، متيأس أكده، هتلاجيهم وهتتجمعوا من تاني، اطمن.
نظر إلى داخل عيونها بعمق وقلبه ينبض بعنف عندما وجد يدها على كتفه ونظراتها له، واستمروا هكذا لوقت لا يعرفون كم، فهي لم تشبع من عسل عيونه وهو لم يشبع من سوداوية عيونها.
لتنتبه لوضعهم وتنزل يدها من على كتفه بخجل ووجهها الذي أصبح أحمر من الخجل.
لينظر مهند إلى حالتها بابتسامة حب: شكراً يا هنادي، كنت محتاج حد يسمعني فعلاً ويجدد طاقتي، شكراً.
هزت رأسها بهدوء.
ليصمتوا قليلاً ثم تقوم.
لينظر إليها مهند باستغراب: رايحة فين؟ خليكي هنا معايا.
حمحمت بخجل لتقول بهدوء: ده وقت مذاكرتي يا مصراوي، خلاص.
عقد حاجبيه باستغراب: مذاكرتك؟ إنتي بتدرسي يا هنادي؟
ابتسمت بفخر: أيوه، أنا في ثانوية تجاري، خلاص فاضل على امتحاناتي هبابة، لو نجحت وجبت مجموع عالي هدخل كلية تربية منها.
ابتسم لها بفخر: أنا مبسوط بيكي قوي يا هنادي، أنا واثق فيكي، هتدخلي الكلية اللي بتحلمي بيها إن شاء الله.
ابتسمت بمرح: قول يارب، أصل الرياضة دي صعبة جووي.
ابتسم لها: أنا خريج هندسة، تعالي لي وأنا هبقى أذاكر لك، يعني نعتبره رد جميلك الفترة اللي فاتت علشان ورتيني البلد كلها.
هزت رأسها بحماس وفرحة لتتركه وتغادر بسرعة خوفًا من أن يسمع صوت دقات قلبها العالية ووجهها الذي أصبح كتلة جمر.
ليبتسم في طيفها بحب: هحح والله ووقعت زي ويجز فعلاً.
***
كانت تنظر من خلف الشباك الزجاجي بحزن ودموع وهي تلاحظ حالته والأسلاك التي توصل بجسمه والكثير من المحاليل المعلقة بيده.
لتنزل دموعها بخوف على حالته.
ليقترب منها حسين بحزن على حالتها: روحي يا بنتي القصر غيري هدومك وارتاحي شوية، انتي طول اليوم واقفة على رجلك كده.
هزت رأسها بحزن: لا يا سعادة البيه، روح انت ريح جدتك وأنا هفضل هنا لحد ما ظافر بيه يبقى كويس.
تنهد حسين بحزن: يا بنتي متشيليش نفسك ذنب، ده قضاء ربنا، هنعترض عليه يعني.
هزت رأسها بدموع وحزن.
ليهتف حسين بتعب: أنا هروح أغير هدومي بس وأرتاح ساعتين وهاجي الصبح بدري، كده كده الفجر هيأذن أهو.
هزت رأسها بهدوء.
لينظر إلى جروحها التي لم تعقم بعد: عقّمي جروحك دي يا بنتي، كده هتتلوث وتتعبك أكتر، هبعت لك ممرضة دلوقتي تغيرهالك.
ثم تركها وغادر.
لتتنهد بحزن وهي تتابع حالته.
لتجد الممرضة خرجت من غرفته لتتجه إليها بسرعة: هو حالته زينة يا خيتي؟
هزت الممرضة رأسها: لحد الآن مستقرة، بس ممكن تدخلي تتكلمي معاه، يمكن يحس بيكي ويفوق، اتفضلي ادخلي.
نظرت إليها أسيا بتردد ولكن تشجعت ودخلت.
لتجده يجلس على السرير أمامها لتنزل دموعها لا إرادياً وتجلس على الكرسي أمامه وهي تنظر إليه بدموع وحزن وتهتف: مكنتش أعرف إنك غالي عندي أكده يا حيطة إنت، معرفتش الدموع والبكا الشديد دي غير النهارده وانت في العمليات، تجريبًا أكده مجالك خلت ليك معزة عندي، أنا معرفش أصلًا حياتي هتمشي كيف، يعني لا إني متجوزة ولا مطلقة ولا بحب ولا اتحبيت حتى، بس تعرف يا حيطة إنت مش عارفة قلبي انخلع من مكانه لما شفتك غرقان في دمك أكده والدم نشف في عروقي، أنا أكيد مش بخاف عليك يعني، إني بس خوفت من الصدمة، أيوه الصدمة.
لتضع يدها على خدها بغيظ ودموع: والبت الباربي بت عمتك دي ضربتني كف أعر، حتى خدي لساته أحمر من ضربتها، لو كنت زين كنت فرجت عليها المستشفى كلها وجبت شعرها الأصفر دي حوالين يدي أكده، بس ملحوقة، قوم إنت بس وأنا هفرجك بنات الصعيد بينتقموا كيف من النسوان المسهوكة كيفها أكده وكم...
ليقاطعها بنبرة ضعيفة: قاعد جنبي بيج رامى، ياربى.
لتفتح عيونها من الصدمة وتنظر إليه بدموع وفرحة وهي تراه ينظر إليها بضعف وتعب: ظافر بيه، إنت زين؟ أجيب لك الدكتور؟
هز رأسه بخفة.
لتسرعه هي إلى الخارج وتصرخ بقوة: دكتور، دكتور بسرعة، الخيطة فاجت، قصدي ظافر بيه فاج، فتح عيونه.
ليسمع كلامها ويبتسم بخفة على كلامها.
لتتجه بسرعة حتى جاء الطبيب.
***
لا، الحمد لله، كده حالتك كويسة خالص، وبكرة الصبح هننقلك أوضة عادية.
هز ظافر رأسه بهدوء ليغادر الطبيب من أمامه.
بينما تبقى الممرضة لتضع له الدواء.
اتجهت إليه أسيا بهدوء وهي تعدل الغطاء عليه.
لينظر إليه ليمسك يديها بضعف ورفق.
لترفع عيونها عليه بصدمة وخجل من رِقته وهو ينظر إليها ويرفع يده الأخرى على وجهها ليتحسس الجروح التي على وجهه وجبينه وينظر إلى يديها ويسير بيده على خدها المتورم من صفعة شاهندا.
لينظر إلى الممرضة بضيق: سيبى اللي في إيدك وتعالي عقّمي جروحها الأول.
هتفت الممرضة بهدوء: هعمل بس الدواء بتاع حضرتك وهعقم لها الجرح.
نظر إليها بضيق وعصبية: بقولك سيبى اللي في إيدك وتعالي عقّمي لها جرحها، إنتي مبتفهميش؟
لتفزع الممرضة وأسيا التي بين يديه بخوف من صراخه.
لتترك الممرضة عملها فعلاً وتتجه نحو أسيا بأدوات التعقيم سريعًا.
لتجلس أسيا على الكرسي أمامه والممرضة تعقم جرحها.
بينما هو منصب نظراته عليها بقلق.
نظرت إلى الأرض بتوتر بعد خروج الممرضة وانتهائها من التعقيم.
لتجده يحاول النهوض لتقم وتساعده حتى يستطيع الجلوس.
لتعدله برفق وهو ينظر إليها بهدوء وهو يتابع ملامحها.
لتلاحظ نظراته لتجلس مكانها مرة أخرى ويظلا في صمت.
حتى يقول هو بهدوء: شاهندا اللي عملت فيكي كده؟
لم ترد عليه بل نظرت إلى الأرض بخجل وتوتر.
لينظر إليها بضيق ونبرة أقوى: انطقي يا أسيا، هي اللي عملت كده؟
لتغرق الدموع عيونها وتهز رأسها بإيجاب.
ليلعن شاهندا في سره وهو ينظر إلى دموعها بألم.
ليهتف بهدوء: خلاص، متزعليش، أنا هاخد لك حقك منها.
نظرت إليه بضيق: لا، أنا مبحبش حد ياخد حقّي، أنا هاخد تاري لحالي.
ابتسم بهدوء: تار؟ هو القلم بقى تار؟ وبعدين مردتيش عليها في وقتها ليه بقى وخدتي طارك منها؟
نظرت إليه بغيظ: أعمل إيه؟ كنت قلقانة عليك.
لتعي ما قالته لتدير رأسها إلى الناحية الأخرى.
ليبتسم ظافر بسعادة: كنتي قلقانة عليا يعني، اممم.
وقفت بتوتر: قصدي خايفة أشيل ذنبك، إني هشوف الدكتور وجاية.
ثم فرت من أمامه مسرعة.
ليضحك عليها بخفة: مجنونة، بس بحبها.
***
في الصباح قاموا بنقله إلى غرفة عادية.
وجاء حسين وشاهندا واطمأنوا عليه.
ولكن أصر ظافر على الخروج في نفس اليوم لأنه لا يحب المستشفيات.
رفض مساعدة شاهندا وطلب من أسيا أن تساعده في الجرح والثياب وإلى ذلك.
لتتجه إليه أسيا وتساعده بكل شيء حتى خرجوا من المستشفى.
ووضعته في السيارة لتقف بحيرة لا تعلم أين تركب أو تسير.
ليشعر ظافر بحيرتها ليقول بهدوء: أسيا هتركبي معايا عشان لو احتجت مساعدة في الطريق، وانت يا عمي خد شاهندا وامشوا بالعربية التانية.
نظرت شاهندا إليه بضيق وصدمة من تصرفه.
لتسير على مضض وغضب مع خالها وتترك أسيا وظافر في سيارة أخرى بسائق.
لتركب بجانبه في الخلف بتوتر وخجل وهو يلاحظه.
فقد راق خجلها إليه وأصبح محببًا إليه.
لينطلق السائق بهم في الطريق.
اقترب منها فجأة وهمس إليها: شكراً.
لتنظر إليه بخجل وصدمة لتقول بخفوت: على إيه بس؟
ابتسم لها بحب وهو يتابع ملامح وجهها الخجلة.
لتلاحظ هي تأمله بها لتنظر إلى الجهة الأخرى من الشباك لتخفي ارتباكها وخجلها.
لتقف السيارة في إشارة المرور لتجد ظافر يمسك هاتفه يتحدث إلى الشركة.
بينما هي نظرت من الشباك لترى المدينة وجمالها.
لتفتح عيونها من الصدمة والدموع وهي تقول بخفوت بعد أن رأته أمامها: سليم.
لينظر إليها الآخر بصدمة: أسيا و...
رواية اسيا الفصل التاسع 9 - بقلم حنان عبدالعزيز
فتحت عيونها بصدمه ودموع وهى تتأكد من ما تراه أمامها الآن، لترتعش أوصال جسدها برعب وهى تراه ينظر إليها هو الآخر بصدمة من شباك سيارته المقابلة.
"أسيا!"
لينفذ الوقت ولا يستطيع فعل أي شيء، فقد فتحت الإشارة وغادرت سيارة أسيا بسرعة وهى ما زالت على وضعها مصدومة والدموع عالقة بجفونها. بينما هو نظر إلى السيارة بسرعة وسار خلفها ليلحقها، ولكنه علق بزحمة المرور وضاعت السيارة من بين يديه.
ليزفر بضيق ويضرب مقبض السيارة بغضب: "كنت لقيتها خلاص."
ليزفر بضيق: "بس كويس إني عرفت إنها في إسكندرية واتأكدت، الباقي مش مهم. بس عربية مين اللي راكبها دي ومع مين؟!!! معقولة تكون!!!"
هز رأسه برفض وعصبية شديدة: "دي هتكون جَنّت على روحها لو فعلا اللي في دماغي طلع صح."
بينما في الجانب الآخر، ظلت ثابتة مكانها والصدمة ما زالت حليفها. هل رأته الآن؟ هل عرف مكانها؟ هل سيجدها ويهينها ويعذبها الآن؟ لتهز رأسها بدموع ورفض.
بينما أنهى ظافر المكالمة لينتبه إلى حالتها باستغراب وقلق: "أسيا، انتي كويسة؟ مالك؟!"
هزت رأسها برفض ودموع، بدأت تبكي بشدة وجسدها يرتعش وينفض من الخوف والرعب. ليقترب منها ظافر بقلق وهو يمسك كتفها: "أسيا، انتي فيكي إيه؟ اهدّي."
لتنظر إليه بدموع ورعب: "أنا خايفة، خايفة جوي."
ليعقد حاجبيه باستغراب، ليظن أنها تذكرت الحادثة وبكت. ليربط على كتفها بهدوء وحنان: "اهدّي يا أسيا، أنا معاكي. مفيش حاجة وحشة هتحصل، متخافيش. أنا جنبك مش هسيبك."
لتنظر إليه بصمت ودموع، ويده ما زالت تحتضن يدها بأمان، لتستمد منها القوة.
ظلوا هكذا وهى تائهة في عالم آخر، بينما هو يمسك يديها بقوة وأمان، لتشعر بالراحة ولو قليلاً. حتى دخل بهم السائق إلى الداخل بالسيارة، ووقفت أمام الباب الداخلي. لتفوق وتنتبه إلى يدها التي تحتويها يده، ونظراته التي تلتهم تفاصيلها بكل قلق وحنان. لتبعد يدها عن يده بسرعة وتوتر، وتخرج من السيارة بسرعة.
بينما هو ابتسم على خجلها بحب، لينزل من السيارة ويلحقها إلى الداخل.
"اممم، يعني أكده تبجي المعادلة بس الناتج هيبجا بالسالب، مش أكده؟"
ابتسم: "أيوه كده يا هنادي، انتي طلعتي ذكية وفهمتي من أول مرة، مع إن المسألة دي طويلة وصعبة."
ابتسمت بخجل: "علشان بحب العلام بس."
ترك القلم من يده ونظر إليها بفضول: "قوليلي يا هنادي، أهلك فين وإزاي بقيتي بتشتغلي هنا في السرايا؟"
تنهدت بحزن: "أمي وأبوي كانوا شغالين هنا في السرايا من زمان جوي، من أيام الحاج جمدان ما كان عايش. وجابوني هنا معاهم الشغل وبقى بيتنا تمام، لحد ما كان عندي عشر سنين وأبويا مات لما المرض صابه. وأمي ماتت بعده بعشية بيوم من الزعل عليه. بيجولولي إن أمي كانت بتحب أبويا جوي، وإنهم اتجوزوا عن حب. ولما جابوني كانوا عايزين يعلموني أحلى علام ويشوفوني مدرسة أو دكتورة جد الدنيا."
ثم اغرورقت عيونها بالدموع: "الحاج حمدان كان طيب، جالي اقعد مش اشتغل وهيعلمني مع الست أسيا، بس مرضتش واصل. وجولت لازم أتعلم بعرقي جبيني ومخليش حد يتقل بيا واصل، علشان كده اشتغلت هنا في السرايا واتعلمت."
نظر إليها بحزن: "طيب، وإنتي مدخلتيش ثانوي عام ليه؟"
تنهدت بحزن: "علشان هياخد وقت مني كتير ومصاريف أكتر، وكان لازم أشتغل جنب الدراسة. فدخلت تجاري علشان أوفر وقت وكمان أضمن الكلية بعدها."
ابتسم لها ومد يده ومسك يديها بحب: "أنا فخور بيكي أوي يا هنادي، إنك عديتي كل ده لوحدك. إنتي شجاعة وجدعة أوي."
نظرت إليه بخجل، لتسحب يده من يدها بتوتر ووجهها أحمر، لتقول بمرح قليلاً لتخفف الأجواء: "الحاج حمدان دايماً بيجولي كده برده، علشان كده مش راضي يجوزني لعبده."
نظر إليها بغضب: "عبده مين؟"
لتقول بعفوية: "الواد عبده صاحب محل البقالة اللي جنبنا هنا. اتجملي للحاج كتير، بس أنا لسه مكملتش علامي. ولو اتجوزته مش هيخليني أكمل كليتي، علشان كده رفضته."
نظر إليها بغيظ: "أيوه أيوه، ارفضي. مش هنتجوزك دلوقتي. إحنا، كليتك ومستقبلك أهم."
لتبتسم إليه بهدوء وتكمل دراستها بجانبه، بينما هو يتابعها بشغف وحب.
كانت تجلس في الجنينة مساء، بعد خلود الجميع للنوم، لتتنهد بحزن وهي تتابع القمر والسماء والنجوم، وهي تغوص في أفكارها: "دلوقتي سليم بقى في إسكندرية وشافني كمان، يعني هيلاقيني في أقرب وقت. أعمل أنا إيه دلوقتي؟ لو لقاني هيبقسني لحد ما مرته تعرف بجوازنا. أعمل إيه بس يا رب؟"
أكده وفوق كل ده وده ظافر.
لتغمض عيونها بتعب، لتأتي صورة ظافر في مخيلتها. لتقول بدموع: "كده غلط، كده أكبر غلط. إيه اللي بعمله ده بس يا رب؟ يا رب."
ثم أخذت تبكي بشدة وعنف. لتشعر فجأة بشخص يشدها داخل أحضانه بقوة. لترفع رأسها بصدمة ودموع، لتجده ظافر وهو يضع رأسها على موضع قلبها، وهو يربط على كتفها بحنان: "هش، متعيطيش. أنا معاكي وجمبك."
لتزداد ضربات قلبها أكثر، فتبكي بحرقة وشده أكبر، وتحاول الخروج من حضنه، إلا أنه ظل ممسك بها بشدة حتى تنهي بكاءها. ليستمروا عدة دقائق على ذلك الوضع، ثم تتركه وتبتعد عنه بسرعة وتوتر وتقف.
ليقوم ظافر ويقترب منها بهدوء: "أسيا، أنا..."
ليتفاجأ بصفعة قوية على وجهه، وهي تنظر إليه بغضب شديد: "انت اتجننت؟ إيه اللي هببته ده؟ لا، أنا واحدة محترمة ومتربية زين، مش معنى إني شغالة عندك تعمل فيا على كيفك، انت فاهم؟"
لترمى كلاماته عليه بعصبية ودموع، وتجري إلى الداخل بدموع وسرعة، بينما هو ظل مكانه وهو ينظر أمامه بغضب وشر يتطاير من أعينه، ليتجه إلى إحدى سياراته ويسير بها بأقصى سرعة.
بينما تقف الأخرى وهي تطلع لما حدث بابتسامة خبيثة والغيظ مرتسم على ملامحها، وهي تهمس بتوعد: "أول خطوة جت من عندك يا أسيا. الباقي بقى عليا أنا، وهطردك زي الكلاب قريب."
ثم أمسكت هاتفه لتضغط على إحدى الأرقام، لتنتظر الرد، لتقول ببرود: "بكرة تبقى هنا، انت فاهم؟ لازم نشوف مصالحنا بقى وننهي كل حاجة ونرجع زي زمان."
جلس على السرير بتعب وإرهاق، على السرير بعد أن قضى الليل بأكمله في البحث عليه كالمجنون، لا يعلم، ولكن هناك شعله من النار بجسده عندما رآها اليوم في تلك السيارة الفخمة التي لا يعرف صاحبه. لا يعرف هل غاضب بسبب كرامته كرجل صعيدي لا يقبل أن تقترب زوجته من رجل آخر في غيابه، أم يثير غضباً بسبب أنها ابتعدت عنه أيضاً. تنهد بضيق من تلك الأفكار التي تحاصره وتقبض على قلبه وعنقه بشدة. ليمسك هاتفه ويتصل على زوجته، لعل تلك الثورة التي بداخله تهدأ قليلاً.
ليتصل بها ولكن لا رد، لا رد، لتصل إلى العشرين مكالمة. هتف لنفسه بقلق: "معقولة تكون في العمليات لحد دلوقتي؟"
ثم نظر إلى الساعة باستغراب: "لا لا، دي الساعة تلاتة الفجر."
بدأ يتصل مرة وراء الأخرى، حتى فتحت هاتفها وردت أخيرًا: "الو، أيوه يا سليم."
هتف بقلق وضيق: "إنتي فين يا قمر؟ برن عليكِ بقالي كتير مبترديش. انتي كنتي نايمة؟"
هزت رأسها برفض: "نايمة إيه بس؟ أنا لسه خارجة من المستشفى دلوقتي يا حبيبي، كان عندي عمليات وكام حالة أشوفها."
تنهد بضيق: "عمليات الفجر يا قمر؟ طيب هتروحي إزاي دلوقتي؟"
"لا متقلقش، أنا رايحة دلوقتي مع دكتور مروان، كان معايا في العمليات ووصلني عشان مسوقش العربية متأخر لوحدي."
سك على أسنانه بغضب وهتف: "مروان مين اللي يوصلك دلوقتي يا قمر؟ تروحي مع راجل غريب الوقت ده إزاي؟ إنتي مجنونة؟"
نظرت إلى مروان الذي يسوق بإحراج، لتقول بصوت منخفض لسليم: "سليم، أنا في العربية. أعمل إيه يعني؟ اللي حصل مفيهاش حاجة، يعني إنت مكبر الموضوع أوي."
شد شعره بغضب: "معاكي حق، مكبر الموضوع فعلاً. سلام يا قمر، سلام عشان منفجرش فيكِ دلوقتي."
ثم أغلق الهاتف بغضب وهو يتنفس بغضب: "قال عادي قال، راجعة مع واحد الفجر وعادي؟ مش مراعية إن إني صعيدي، وعرق الصعيدي لو طلع عليها هخليها تكره المستشفى واللي فيها."
نظر إليها مروان: "في حاجة عند سليم ولا إيه؟"
نظرت إليه بتوتر وابتسامة خفيفة: "لا، هو بس قلقان عليا مش أكتر."
هز رأسه بهدوء وكمل سياقة، بينما هي نظرت إلى النافذة بشرود، حتى جذبها مروان وهو يفتح معها أحد المواضيع، لتندمج معه في الحديث طوال الطريق وتنشغل عن غضب سليم.
كانت تضع الطعام على السفرة بهدوء، وهي تتحاشى النظر إليه، بينما هو يتطلع إليها بعيون ثاقبة تكاد تخترقها، ونظرات مبهمة لا تعرف، ولا حتى هو يعرف تفسيرها. حتى وجد عمه ينزل ويجلس على السفرة بعد أن ألقى عليهم تحية الصباح، لينظر إلى مظهر ظافر المرهق: "مالك يا ظافر؟ إنت شكلك منمتش طول الليل، في حاجة ولا إيه؟ إنت تعبان؟"
نظر ظافر إلى أسيا بصرامة، ليحول أنظاره إلى عمه بهدوء: "لا يا عمي، أنا كويس. مجاليش نوم بس."
ليهز عمه رأسه بهدوء ويبدأ في احتساء قهوته بهدوء والنظر إلى بعض الأوراق التي أمامه.
بينما هي سمعت حديثهم، لكنها لم تبدي أي اهتمام، لتكمل وضع الطعام، لتنظر إليهم بهدوء: "تحبوا أحيب حاجة تانية؟"
نظرت لها شاهندة بتكبر: "روحي اعمليلي عصير مانجة فريش."
نظرت لها أسيا باستغراب: "قدام حضرتك عصير أهو."
لتنظر إليها بغضب وتعالٍ: "إنتي بتعدلي عليا يعني؟ أنا عايزة عصير مانجا مش برتقال، يلا بسرعة."
لتمسك أسيا قبضتها بغضب وتهز رأسها بغيظ: "حاضر يا هانم."
ثم سحبت نفسها إلى المطبخ بغضب، بينما تتطلع إليها شاهندة بابتسامة ماكرة.
كاد أن يتدخل ظافر ويوقف شاهندة، لكنه تذكر كلام أسيا، أنها تحب أن تأخذ ثأرها بيدها، ليظل مكانه ساكناً، منتظراً رد فعل مشاكسة، فهو يحب ردود أفعالها الغاضبة.
لتعود أسيا بعد قليل بالعصير، وهي تضعه أمام شاهندة بغيظ: "اتفضلي يا هانم."
التقطت شاهندة الكوب بانتصار، وهي ترتشف منه بانتصار، بينما نظر ظافر إلى رد فعل شاهندة، فهو توقع أن تضع أسيا ملحاً في العصير، ولكن خابت آماله عندما وجد شاهندة تكمل عصيرها بهدوء. ولكن لاحظ تلك النظرة الشيطانية التي على وجه أسيا، لينظر إلى شاهندة بانتظار رد فعل أخرى منها.
لتمر دقيقة أخرى، لتظهر ملامح الآلام على وجهها، وهي تضع يدها على بطنها بألم، وتستأذن منهم للدخول إلى الحمام، لتركض مسرعة إلى الحمام. بينما نظرت إليها أسيا بانتصار وابتسامة خبيثة. بينما تابعها عيون ظافر وهو يضحك على خطط تلك المشاكسة. لينظر إلى أسيا بجمود مصطنع: "العصير ده فيه إيه؟"
نظرت إليه أسيا بجمود: "مفيهوش حاجة واصل، خد جربه لو مش مصدق."
لينظر إليها وهو يرفع حاجبه، لتلك الدرجة تريد التخلص منه. لتقاطع حرب النظرات تلك، قدوم شاهندة إليهم بملامح متعبة، وهي تمسك بطنها بتعب. ليتجه إليها ظافر وحسين بقلق: "إنتي كويسة يا شاهندة؟ تحبي نروح الدكتور؟"
لتهز رأسها برفض وتعب، وتسند على كتف ظافر بدلال وتعب: "أنا هكون كويسة، بس ممكن يا ظافر تطلعني أوضتي عشان مش قادرة أطلع."
ليهز رأسه بموافقة وهو يسندها، لترتمي داخل أحضانه بتعب ودلال، ليحملها بين يديه بهدوء ويصعد بها إلى الأعلى. بينما أخذت تنظر إليهم أسيا بغيظ، وهي تقول: "شيل يا أخوي شيل، بت المركوب دي مكنوش حبيبتين ماليين يعني، اللي تعمل الدلال والدلع الماسخ دي جلة حيا."
لتتنفس بغضب وغيظ، وتكاد أن تسير، ولكن توقفت عند سماع صوت من خلفها: "هاي."
نظرت خلفها باستغراب، وهي ترى ذلك الواقف بثياب أوروبية وابتسامة بلهاء على وجهه، لتعقد حاجبيها باستغراب: "عايز مين يا جدع إنت؟"
ليقترب منها بمرح: "عايز الورد يا ورد."
لتنظر إليه بغضب: "خلاص خلصنا ورد يا خفيف. انطق عايز مين يا جدع إنت."
ابتسم لها: "إيه يا بنتي بهزر؟ مبتهزرش يا رمضان."
نغخت بضيق، لتتركه وتذهب، ليسير خلفها بضحك: "طيب قوليلى اسمك إيه طيب؟ أنا اسمي كريم، وإنتي اسمك إيه؟ بصي أنا سنجل والله، يعني وبفكر أستقر. متعرفيش بت حلال شبهك كده اتجوزها وتكسبي فيا ثواب يا شيخة."
لتقف وتستدير إليه بضحك على كلامه: "إنت مخبول يا جدع إنت؟"
ضحك بخفة: "والله مخبول، طالعة من بقك زي العسل."
لتضحك على كلامه وهبله: "لأ دي طايرة منك خالص."
لتكاد أن تسير، ولكن كادت أن تقع، ليمسك يديها يساندها بمرح: "كده كنتي هتقعي في حبي إزاى؟"
لتضحك بشدة على كلامه، ليقاطعهم صراخ ظافر بغضب: "أسياااااااااا!"
اقترب منهم حمدان وهو يراهم يجلسون، ويهند يقوم بتدريسها كعادتهم مؤخراً، ليبتسم: "آه كويس إني لقيتكم سوا، محدش هيجننك غير مهند."
نظروا إليه باستغراب، لتقول هنادي: "خير يا حج حمدان، في حاجة؟!"
ليتنهد حمدان بابتسامة: "جايلك عريس وزينة شباب النجع، ومتعلم. هتلاقيِك عارفاه، الأستاذ محمد المدرس الإنجليزي بتاع المدرسة. هو ده شاب صغير وزين وكمان عايزك تكملي علامك، وهو هيساعدك. ها، جولتي إيه يا عروستنا؟"
ليصرخ مهند بغضب: "لااااا طبعاً و..."
رواية اسيا الفصل العاشر 10 - بقلم حنان عبدالعزيز
نظروا باستغراب وفزع من صراخ ظافر الذي يقف على أول الدرج.
لينزل إليهم مسرعًا، لتترك أسيا يد كريم الممسك بكفها وهو يساندها، وتبتعد عنه بتوتر.
لتنظر إلى ذاك الثائر الذي ينفخ نيرانًا من أذنيه حتى اقترب منهم.
لينظر إليه كريم بمرح: ظافر، وحشتني.
ليعانقه بشدة، بينما الآخر ظل ثابتًا في مكانه كما هو، فقط يتطلع إلى أسيا بتحذير وصرامة وغضب.
لتتوتر أعصابها وتخاف من نظراته، ولكنها أظهرت التجاهل ونظرت إلى الاتجاه الآخر بضيق، فهي لم تنس ما فعله أمس وما زالت غاضبة منه وبشدة.
"أومال فين شاهي وخالو؟"
كان ما زال مصوبًا أنظاره عليها بغضب ليقول: فوق.
ليبتسم لها بهدوء، ثم ينظر إلى أسيا بمرح: باي يا قمر، وابقى خدي بالك من نفسك لتقعي في حبي تاني.
ثم تركهم وغادر.
لتنظر إلى الواقف بهدوء وتكاد أن تغادر، وجسدها ينتفض من الرعب داخلها.
وتجري إلى الداخل بسرعة وهي تأخذ نفسها بتوتر: كان هيقتلني ببصاته، كيف الثور الهائج.
لم تكد تكمل كلامها لتجد من يسحبها بقوة من ذراعيها ويسحبها إلى إحدى الغرف.
لتشهق بصدمة وكادت أن تصرخ بصوت عالٍ، لكنه أسرع ووضع يده على فمها بقوة ليغلق الغرفة عليهم.
لتفتح عينيها بخوف وتوتر لتجده يقف أمامها وهو ينظر داخل عينيها بقوة.
لتبادله بتوتر وهي تحاول التخلص منه ومن قبضته عليها.
ليفوق من سحر عينيها وينظر إليها بغضب ويقترب بوجهه منها بغيظ: هشيل إيدي بس لو طلعتي حرف يا أسيا مش هحط إيدي، بس انتي فاهمة؟
لتعقد حاجبيها بغيظ ويتركه فمها، ولكن يظل محاصرها.
لتطلع إليه بغضب: كيف تعمل فيا أكده يا جدع انت، هملني لحالي.
لتكاد أن تخرج من الغرفة ليمسكها ويحسبها إليه بغضب وينظر إليها بغضب: أسيا اظبطي، إيه؟
لتتنهد بغيظ وتنظر بجانبها بهدوء لتخفي توترها وخوفها.
ليقول بصوت مليء بالغضب والغيرة: الزفت كريم ده كان ماسكك ليه؟
لترتعش من نبرته، ولكن تنظر إليه بغضب: وانت مالك يا جدع انت، خليك في حالك وهملني.
ليمسك ذراعها ويضغط عليه بقوة: بقولك كان ماسك دراعك ليه يا أسيا، انطقي.
لتعقد حاجبيها بألم من قبضته وتقول بصوت خافت متألم: كنت هقع فمسكني، وبعدين سحبت يدي لحالي.
لينظر إليها بغضب: أومال كنتوا بتضحكوا على إيه، وإيه تقعي في حبي دي ها؟
لتغمض عينيها بألم شديد وتقول بخفوت ودموع: يدي يدي بتوجعني، هملها.
لينظر إلى دموعها ثم ينظر إلى مكان ضغط يده ليخفف قبضته عليها بسرعة ويتنهد بضيق: معلش، أنا آسف.
ثم يسحبها ويجلسها على الكرسي الموجود بالغرفة برفق، ويقوم ويتجه إلى علبة الإسعافات الموجودة، واخرج مرهم واتجه إليها مرة أخرى وركع أمامها وبدأ في وضع المرهم على يدها برفق وهدوء وهو يدلكها.
لتنظر إليه بدموع والأفكار تكاد تعصر رأسها من أسلوبه ومعاملته لها.
لتشرد بعيدًا وهي تتذكر أسلوب سليم معها آخر مرة عندما مسك يديها وألقاها على الأرض بغضب بفستان زفافها.
لتغمر الدموع عينيها وهي تندم نفسها على تلك المشاعر التي وهبتها له ليكون هكذا رد معروفها ومشاعره منه.
نزلت دموعها بهدوء وهي لم تشعر بها إلا بيد ظافر التي تكفكف دموعها بحنان وقلق وهو ينظر إلى دموعها بندم: أنا آسف، خلاص اهدى، والله أنا بس اتعصبت، أنا آسف يا أسيا، والله.
لتسمع اعتذاره لتنهمر دموعها أكثر من حنيته وكلامه وهي تقارنه بتصرف سليم.
ليمسك يديها بقلق وندم يكاد يقتله: أنا آسف، والله آسف، قولولي أعمل إيه علشان تسامحيني.
مش هستحمل تزعلي وتعطي بسببى يا أسيا، سامحيني، إن شاء الله إيدي كانت تتقطع قبل ما تتمد عليكي، والله.
لتقول بخفوت سريع: بعيد الشر عن حالك.
ليبتسم بخفوت وهي تمسح دموعها كالاطفال.
ليقول بحب وهو ما زال محتفظًا بيدها بين يديه وينظر إليها بعشق: آسف على امبارح، وآسف على دلوقتي، أنا عمري ما كنت كده يا أسيا، والله أنا كده معاكي انتي وبس، معرفش ليه وإمتى، بس كل اللي أعرفه إنك غالية عندي أوي يا أسيا، وعايز أحافظ عليكي حتى من نفسي، خليكي عارفة إن عمري ما هقصد أزعلك أو أجرحك، علشان دموعك دي بتجرحني وبتموتني، سامحيني يا أسيا، أنا آسف.
لتنظر إليه باستغراب وخجل من كلامه.
لم تتخيل أن يخاف أحد عليها لتلك الدرجة ويخاف على دموعها وحزنها.
حتى عمها لم يهتم بها أثناء تزويجها من سليم، وكذلك أمها.
والآن هو يقول إنه يخاف أن يجرحها، هل لتلك الدرجة يقدرها؟
لتبتسم بخجل وتوتر: ه.. هروح أشوف العمة فوجيه بتعيط عليا، لازم أمشي.
ليترك يديها بابتسامة وهمس بحب: ماشي، خدي بالك من نفسك، هتوحشيني.
لتصعد الدماء إلى وجهها بخجل وتتركه وتغادر من أمامه سريعًا.
بينما هو ابتسم على أثرها بحب وهو يتنهد ويقول بهيام: وقعتني بت الصعيد، وقعه جامدة.
"أيوه، آخرها خمسة كده، الرقم مظبوط."
"أيوه يا دكتور سليم، يوم بالضبط وهنعرف لحضرتك صاحب الأرقام لوحة العربية دي."
"تمام، بس عايزة في أسرع وقت ممكن."
"حاضر يا دكتور، هنحاول."
ليتنهد بتعب وهو يغلق الهاتف وبيده تلك الورقة التي كتب عليها أرقام لوحة السيارة التي كانت تركب بها أسيا عندما وجدها.
ليتنهد: يارب أعرف أوصلها بالطريقة دي بقا، خليني ألاقيها وأخلص.
ليسرح في شكلها وهي تنظر إليه بصدمة والدموع التي امتلأت بخضراويتها لتصبح آية من الجمال، فاتنة لحد اللعنة.
وهو يتذكر عندما عنفها بالكلام آخر مرة ليقول بحزن: أنا غلطت لما كلمتها بالأسلوب ده، مكنش ينفع، هي كمان مكنتش عارفة شبهي، إحنا الاتنين كنا في الوضع ده سوا، إزاي نسيت بت عمي مرة واحدة كده.
ليبتسم بضحك وهو يتذكر ذكرياتهم السعيدة في الطفولة سوا.
"وه بتعيطي أكده ليه يا أسيا؟"
مسحت دموعها بكفها، تلك الصغيرة بعشر سنوات وهي تقول بحزن: عمي قالي إنك هتكمل علامك برا، الكلام ده صح؟
ليبتسم بهدوء ويجلس بجانبها: مش عايزاني أبقى دكتور وأعالجك لما تمرضي، ولا أقعد أهني جنبك في الأرض؟
لتعقد حاجبيها براءة: بس هترجع، مش أكده؟
ابتسم بهدوء ومسك يدها: هرجع، متجلجيش أكده، وهاجي إجازات كتير عشان أشوفك، أكده حلو، اضحكي بجا.
ابتسمت بفرحة: هستناك يا ولد عمي، لاخر العمر.
لينظروا إلى بعضهم بابتسامة ليسافر إلى القاهرة ليكمل تعليمه وكليته أيضًا، ولم يكن يراها إلا قليلاً.
حتى رأى قمر وقرر أن يتزوجها وأهمل مشاعر الطفولة لأنها لا تنفع بشيء، وكانت قمر هي المناسبة له.
لتدور الأيام وتصبح أسيا هي زوجته، ولكن زوجته الهاربة.
ليتنهد بتعب مع تلك الذكريات التي داهمته ليقول بضيق: ياترى هعمل إيه لما ألاقيكي يا أسيا؟
لينظر إلى هاتفه ليجد أن قمر لم تتصل به حتى لتعترف بما فعلته أمس.
ليتنهد بضيق ورمى الهاتف على السرير ودخل ليأخذ شاور ليخفف من تلك المعركة التي تدور بداخله.
"لا طبعًا، مينفعش تتجوز."
نظروا إليه باستغراب من انفعاله وغضبه.
ليعقد حمدان حاجبيه باستغراب: إيه اللي مانعه بس يا ولدي؟ دا راجل متعلم ومتنور، وأنا مش هديها لأي حد أكده، لازم أكون مطمناله ويااه، فلييه بجا متنفعش؟
لينظر إليه مهند بغضب وغيظ يحاول التحكم به: لا يا حج حمدان، هنادي مش هتتجوز دلوقتي، تخلص سنتها الأخيرة ونقدم لها في كليتها وبعد كده نشوف، لكن دلوقتي هتتشغل ومش هتعرف تذاكر، وأنا عايزها تجيب مجموع حلو.
لينظر إليه حمدان باقتناع: والله كلامك معقول، يولدي، انتي إيه رأيك يا هنادي يا بتي؟
نظرت إليه بهدوء: اللي تشوفه يا حج، اعمله.
"طيب، أنا هقول للواد وأفج نأجل كل حاجة بعد امتحاناتها، خير وبركة."
ليزفر مهند بضيق ويقول بهمس: ما يغور في داهية، يستنى إيه بس.
ثم تركهم حمدان وغادر.
لتنظر هنادي إلى هيئة مهند الغاضبة باستغراب: وإيه مالك أكده، جالب وشك؟
ليزفر مهند بضيق وغيره: مش فاهم جوازة إيه اللي دلوقتي، انتي لسه عندك 18 سنة، يعني لسه بدري على الكلام ده عليكي.
لتنظر إليه بغيظ: أنا كبيرة على فكرة، وبعدين أنا بيتقدم لي من وأنا في إعدادي كمان، بس أنا كنت برفض.
همس بضيق وهو يهمس بغيظ: يعني البت اللي أحبها، أمه لا إله إلا الله، عايزة تتجوزها، أعمل فيها إيه بس.
لتنظر له باستغراب: بتجول حاجة اياك؟
ليقوم بغضب وغيظ: مبقولش حاجة، أنا قايم خالص، سلام.
ضحكت على منظره وهو يسير ويشوط كل اللي أمامه بغضب.
لتضحك بخفة: ماله المخبول ده.
لتتنهد وتكمل دراستها بتركيز.
ليحسم الآخر قراره ويدخل إلى الحج حمدان في مكتبه: حج حمدان، كنت عايزك في موضوع كده.
"تعالى يا ولدي، ادخل."
ليدخل ويغلق الباب خلفه ويقول ما يريد قوله.
جلس الجميع على مائدة العشاء، من بينهم شاهندا التي تحسنت بشكل خفيف، وكريم أخوها بعد أن رحب بهم الجميع، وحسين.
لتنظر شاهندا إلى خالها باستغراب: أومال ظافر فين يا خالو؟
لينظر إليها حسين: عشان بقاله يومين منزلش الشركة، فهيتأخر النهارده في الشركة.
هزت رأسها بتفهم.
لتجد أسيا تنتبه إلى كلامهم وهي تضع الطعام وتبتسم لا إراديًا عندما جاءت سيرته.
لتنظر إليها شاهندا بغضب: انتي يا اللي اسمك إيه؟
أغمضت أسيا عينيها بغيظ ولم ترد عليها.
لتصرخ بها شاهندا بغضب: انتي يا زفتة.
ولكن لم ترد أسيا وأكملت توضيب الطعام.
لينظر حسين إلى أسيا بهدوء: أسيا يا بنتي.
نظرت إليه بابتسامة: أيوه يا بيه، تؤمرني بحاجة؟
نظرت لها شاهندا بغضب شديد: أنا بكلمك من ساعتها مش بتردي عليا ليه، انتي يا خدامة انتي.
نظرت إليها ببرود: حضرتك مقولتيش أسيا ومقولتيش اسمي، فانا طبيعي مش هرد لو مسمعتش حد بينادي باسمي.
ليبتسم كريم ويطلق صافرة ويصفق: الله، قصف جبهة ثلاثي الأبعاد يا أسيا يا جامد.
لتبتسم أسيا بخفوت.
بينما نظرت شاهندا إلى كريم بغضب ليسكت ليكتم ضحكته ويكمل أكله بهدوء.
ثم نظرت إلى أسيا بغرور: غوري، روحي هاتي كل الجزم بتاعتي اللي فوق كلها، يلا لحد ما آكل.
نظرت إليها أسيا بغيظ ولكن لم تعارض حتى لا تكبر المشكلة أكثر.
وصعدت إلى غرفتها وأخذت كل الأحذية الخاصة بها وهي تعبئها: كل دي مداسات، يعني الواحد لما كان بيجيب جزمة بوش بيلمع بيبقى ملك الدنيا كلها وكنت ببيتها في حضني من الفرحة.
لتبتسم بسخرية على نفسها.
ثم تحملهم بصعوبة في إحدى الأكياس الكبيرة وتنزل بها إلى الأسفل حيث تجلس هي وكريم بهدوء، بينما غادر حسين خارج المنزل.
لتنظر إليها شاهندا بتسلية وخبث وهي تضع الأحذية أمامها بضيق: اتفضلي، كل الجزم أهي.
لتنظر إليها شاهندا بغرور: اخلعيلي الجزمة دي ولبسيني الجزمة الحمراء دي.
فتحت أسيا عينيها بصدمة وغضب: كيف يعني أكده، انتي ملكيش إيد تلبسي حالك أصلا، ولا صغيرة مش بتعرفي تلبسيها لحالك؟
لتقف شاهندا بغضب وتصرخ بوجهها بغضب: بت انتي خدامة هنا، يعني تعملي كل اللي بقولك عليه، وإلا أقسمًا عظيمًا هقول لخالو يطردك زي الكلاب من هنا، وابقى وريني هتشتغلي فين بعد كده، فتعملي اللي أنا بأمرك بيه، انتي فاهمة؟
نظر كريم إلى شاهندا بضيق: شاهندا، إيه اللي بتعمليه ده؟
نظرت له شاهندا بتحذير: كريم، اسكت خالص، وإلا انت عارف هقدر أعمل إيه.
ثم نظرت إلى أسيا بقرف: الأشكال دي شافت نفسها، وأنا لازم أعلمها الأدب.
لتنظر إليها أسيا بدموع وأخذت تفكر إذا خرجت من هنا قد يجدها سليم فعلاً، ووقتها ستتحول حياتها إلى الجحيم بعينه.
لتجلس شاهندا على الكرسي بغرور وهي تضع قدم على الأخرى وتهتف بغرور: يلا انجزي، مش فاضيين لبرودك ده.
لتمسح أسيا دموعها وتنظر إلى قدمها بقهر وتقترب منها وتجلس أمامها وتمد يدها المرتعشة نحو جزمة شاهندا وبدأت تخلعها وتضعها بجانبها، وتأتي بأخرى وتضعها بقدمها، ودموعها تنزل بقهر وزعل.
ويتابعها كريم بضيق من تصرفات أخته، بينما تلك الشاهندا كانت تتطلع إليها بانتصار وسعادة.
لتنظر إلى الحذاء بغرور: لا لا، مش حلو، اخلعيه ولبسيني الأسود الكبير ده.
لتغمض أسيا عينيها بحزن لتخلعه مرة أخرى وتحضر الآخر بأيدي مرتعشة.
لتلاحظ شاهندا شيئًا ما على رقبة أسيا.
لتدفعها شاهندا بقدمها بقدم، لترتمي أسيا على الأرض وهي تنظر إليها بدموع وصدمة.
بينما وقفت شاهندا واقتربت منها بسخرية وهي تمسك السلسلة الذهبية التي تدلت من خارج ثياب أسيا: يا ترى بقى سارقة السلسلة دي من مين، ولا ضحكتي على مين وعملتي إيه علشان تاخديها قصادها ها؟ قولي.
نظرت إليها أسيا بصدمة وغضب: انتي اتجننتي، كيف تقوليلي أكده، دي من أبويا الله يرحمه.
لتنظر إليها شاهندا بسخرية: والمفروض أصدق الهبل ده، انتي خدامة وأهلك أكيد كلهم خدامين شبهك وناس بيئة شبهك وحرامية.
"شاهنداااااااااا"
لينتفض الجميع من صوت الصراخ بشدة لينظروا إلى صاحب الصوت ليجدوا ظافر يتجه إليهم بغضب الدنيا بأكملها على وجهه.
لتنظر إليه شاهندا بتوتر، بينما أسيا عندما وجدته، لم تعد تشعر إلا بدموعها على خدها بقهر وحزن.
لينظر إليها ظافر بقلق وغضب على دموعها ليقف أمام شاهندا وأسيا خلفه وينظر إليها بغضب.
لتقول شاهندا بتوتر: شوفت يا ظافر، الخدامة اللي عملت لها قيمة، بقولها فين السلسلة دي، تشتمني وتهزقني، واضطريت أشتمها عشان تقف عند حدها، هي أصلاً مش محترمة و...
ليقاطعها بصفعة قوية على وجهها.
انفزع على أثرها الجميع بصدمة وخوف لدرجة أن أسيا أمسكت في قميصه من الخلف ودموعها نزلت بصدمة.
وكريم نظر إليهم بصدمة ولكن لم يتدخل لأنه يعلم أن أخته تستحق ذلك القلم.
لينظر إليها ظافر بغضب: كدابة، أنا شوفت كل اللي عملتيه في أسيا، إزاي بتذليها كده، انتي مجنونة، كرامة أسيا هنا من كرامتي، يعني هي هنا خط أحمر، انتي فاهمة؟
نظرت إليه شاهندا بصدمة ودموع: انت بتضربني عشان دي، دي خدامة يا ظافر، خدامة.
نظر إليها ظافر بغضب: اخرسي خالص، أسيا هتبقى مراتي، يعني في حكم خطيبتي، يعني هي صاحبة البيت اللي انتي قاعدة فيه ضيفة دلوقتي، انتي فاهمة.
ليعم السكون على الجميع بصدمة من الكلمات التي أطلقها ظافر الآن، وخصوصًا أسيا.
ليفوق الجميع على صراخ ظافر لشاهندا: اتفضلي، اطلعي أوضتك، ولحد ما معاد طيارتك تيجي، مش عايز أشوف وشك، اطلعي.
لتنظر إليهم بغيظ ودموع وتصعد إلى الأعلى بسرعة وغضب وهي تتوعد بكل شر.
بينما نظر إلى كريم بغضب ليبتلع كريم ريقه بخوف: والله ما عملت حاجة، أنا معنديش جزم، هي تلبسهالي أصلاً، أنا بلبس كوتشيهات.. قصدي يعني مرات أخويا مقامها أكبر من كده... ألف مبروك والسلام عليكم ونساء الخير وتصبحوا على جنة.
ثم جرى من أمامهم بسرعة وخوف.
ليتنهد ظافر بضيق ثم استدار لتلك الواقفة خلفه بدموع.
ليميح دموعها بهدوء ورفق وهو يهمس لها: دموعك غالية عندي أوي، أنا مش عايزك تزعلي ولا تشيلي هم، طول ما أنا موجود، أنا معاكي.
لتنظر إليه بدموع: الكلام ده إزاي.
ليقاطعها بحب وهمس: هش، اهدى، اهدى، روحي ناني وارتاحي الأول، وبكرة نتكلم، ومتفكريش كتير، يلا.
لتنظر إليه باعتراض.
لينظر خلفها باستغراب: إيه ده.
نظرت خلفها باستفهام لتشهق بصدمة عندما وجدت نفسها محلقة على كتفيه وهو يحملها بهدوء وينظر إليها بابتسامة.
بينما هي حاولت التملص منه بخجل: لا لا، نزلني، نزلني، نزلني.
ليهز رأسه بالنفي والابتسامة لا تفارق وجهه حتى وصلوا أمام غرفتها ووضعها أمامها وهو ينظر إلى وجهها بحب.
ثم اقترب منها وقبل جبينها بحب وهمس لها: تصبحي على خير يا حبيبتي.
لتدخل بسرعة إلى غرفتها بخجل وتوتر وهي تضع يدها على قلبها من كثرة نبضه: يا لهوي، قلبي قلبي هيجف، إيه ده.
ثم بدأت الأفكار تتصارع بداخلها عن ما حدث وسيحدث وكلمته أمامهم أنها ستكون زوجته، كيف؟
لتبتسم بسعادة وقلبها لا يتوقف عن النبض.
لتجد هاتفه يرن برقم غريب لترد باستغراب: السلام عليكم.
ابتسم بسعادة وهو يتوسط الفراش: وعليكم السلام يا قمرايتي.
نظرت إلى الهاتف بخجل: ا.. انت جبت نمرتي منين أكده.
ابتسم بحب: اممم، شكلك مش واثقة في قدرات خطيبك يا هانم.
ابتسمت بخجل ولم ترد.
ليكمل هو بهمس وعشق: أنا قلت أطمن عليكي قبل ما أنام وأقولك تصبحي على خير.
لترد بخفوت وخجل: تلاقي الخير.
ليهمس بحب: أنا بحبك.
لتغلق الهاتف بصدمة لتنظر أمامها بصدمة: هو قالي إنه بيحبني بجد.
لتبتسم بسعادة وفرحة وقلبها الذي لا يتوقف عن النبض.
لتحاول النوم، لنرى هل ستستمر تلك الفرحة أم لا.
في الصباح كانت تقف في الجنينة تظبط من هيئة الورود وهي تبتسم بسعادة.
لتشعر بمن خلفها لتنظر باستغراب لتجده يقف أمامها وهو يبتسم إليها بحب وهو يهمس لها: أحلى صباح في الدنيا يا حبيبتي.
لتنظر إلى الأرض بخجل ولم ترد.
ليمسك يديها بحب ويرفع رأسها لتقع نظراتهم سوياً وهو يهمس لها بحب: عيونك دي اللي حابب أجلي وخلتني أقع في حبك.
لتبتسم بخجل وكادت أن ترد عليه ولكن قاطعها آخر صوت كانت تتمنى أن تسمعه: أسيا.
لتنظر وهي تتمنى أن تكون تتخيل، لتخيب آمالها وهي تجده يقف أمامهم وهو ينظر إليها بغضب عندما وجد يديها بين يدي ذلك الغريب.
لينظر ظافر إليه باستغراب: مين ده يا أسيا؟
لتنظر أسيا إليه بصدمة وتوتر ولكن هتف سليم بغضب: أنا جوزها، الدكتور سليم.