ما*تت الست أسيا ما*تت تلا*زالت تلك الكلمات تتردد داخل أذن الجميع، وهم الآن يقفون أمام غرفة العمليات بانتظار تلك الصغيرة ذات الفستان الأبيض الذي تلطخ بد*مائها. أغمض سليم عينيه بغضب وهو يتذكر دخوله إلى غرفة المكتب مسرعاً بعد هرولة وعويل هنادي التي تصرخ بمو*ت أسيا في الغرفة التي تركها بها. حيث ركض الجميع للداخل ليتفاجأوا بأسيا ملقاة على الأرض وتن*زف من معصمها وغائبة عن الوعي. ليقترب منها عمها مسرعاً بخوف وقلق:
"أسيا بتي، فُوقي يا بتي، فُوقي." ولكن لا رد. وتجلس بجانبها والدتها التي تصرخ: "بتيييي، هتروح مني بتي يا خلق." صرخ والدها به بقوة ليسحبه من صدمته: "سليم، جوم شيل مرتك على الحكيم بسرعة، جوم." أسرع سليم بخطوات مبعثرة ليحملها بين ذراعيه ويتجه بها مسرعاً إلى سيارته نحو المستشفى، ويُحلق به والده ووالدته بخوف يكاد يشق أرواحهم نصفاً. فاق من تفكيره على صوت الدكتور وهرول الجميع إليه بخوف. حيث قال والد سليم بقلق:
"أسيا زينة يا حكيم، طمني يا ولدي." هز الطبيب رأسه بابتسامة مطمئنة: "متجلجش يا حج حمدان، مرة ابنك بخير، هي بس خسرت دم وبنعوضه ليها، ونصيحة مني يعني، شوفوا إيه اللي زهجها أكده وخلاها تنت*حر علشان نفسيتها باين عليها واعرة جوي، وألف سلامة عليها. عن إذنكم." نظر حمدان إلى ابنه بغضب. بينما نظرت لهم هدى بدموع وحسرة: "إني اللي غصبتها تتجوز، بتي مكنتش عايزة تدخا على ضرة وأصل، أنا اللي غصبتها." حول حمدان نظراته إليها بقوة:
"بطلي ولولة وعويل يا هدى، خشي اطمني على بتك وبعدين نتحادث في الموضوع دا." نظرت هدى إليهم بدموع ثم دخلت إلى الداخل لتطمئن على ابنتها. بينما نظر حمدان إلى سليم بغضب: "جولت لبت عمك إيه يا سليم، خلاها تموت حالها أكده." زفر سليم بضيق: "وهجولها إيه يا أبوي؟ كفاياك انت اللي جولته، طلعنا متجوزين وإحنا معندناش علم بكده." "بكرة تعرف أنا عملت أكده ليه أنا وعمك، ووجتها هتجول يارتني." نظر له سليم بغضب:
"بعد إذنك يا حج، أنا لازم أروح على القاهرة لشغلي والمستشفى محتاجني." ضرب حمدان العصا بغضب: "مفيش القاهرة ولا سفر، لما مرتك تبجى زينة هتاخدها وتسافر معاك، غير أكده مفيش سفر وأصل." نظر إليه سليم بصدمة. هل سيأخذها معه إلى القاهرة فعلاً؟ لا لا لا. وكاد أن يعترض ولكن تركه حمدان ودخل ليطمئن على أسيا، تاركاً سليم يشتعل من الغيظ والغضب. ضرب الحائط الذي بجانبه بغضب: "لا مستحيل آخدها معايا. قمر لو عرفت هتسيبني إزاي؟
قمر وقفت معايا من الصفر، ودلوقتي لما وصلت للي أنا فيه دا وبسببها هتقول إيه؟ خدت اللي عايزة واتجوزت غيرها. لا لا مستحيل ده يحصل. أسيا دي تفوق وهتكلم معاها وهخليها تقول إنها عايزة تقعد مع أمها لحد ما أشوف حل تاني. أيوه أيوه هو ده الحل الصح والوحيد، بس تفوق وتبقى لوحدها وهكلمها." "أكده يا بتي توجعي قلبي أكده عليكي." نظرت أسيا إلى والدتها بدموع ولم ترد. بينما نظر إليها حمدان بعتاب: "من امتى يا أسيا مش بثق في جراراتي؟
وإنتي عارفة إن كل اللي بعمله بيبقى الصح، مش أكده؟ رفعت أسيا عينيها الخضراء المكسوّة بالدموع: "طلجني منه يا عمي، أحب على إيدك طلجني منه، مش رايداه ولا هو رايدني يا عمي، خلينا نعيش زين يا عمي، بكفاياك بجا لحد أكده." نظر إليها حمدان بصرامة: "معندناش حريم تطلق يا بتي. الحكيم كتبلك على خروج بكرة هتخرجي مع جوزك وتدلوا مصر سوا، سلامتك يا بتي." ثم تركها وغادر. بينما ارتمت أسيا في أحضان والدتها بدموع:
"عايزة أطلق يا أما، مش رايداه، مش رايداه." لم يكن بيد هدى سوى أن تواسيها بحزن على حال ابنتها، والتي لا يوجد بيديها لا حول ولا قوة. "يعني انت ابوك غصبك تتجوز على مراتك إزاي؟ تنهد سليم بضيق في الهاتف: "أهو اللي حصل بقا يا عم، أعمل إيه؟ المشكلة إننا طلعنا متجوزين أصلاً من سنة كمان." "طيب وبنت عمك دلوقتي حالتها إيه؟ نفخ سليم بضيق وهو يدور محرك السيارة:
"في المستشفى إمبارح لما حاولت تنت*حر، ورايح أجيبها النهارده. المشكلة إن أبويا مصمم آخدها معايا مصر ومش عارف أعمل إيه." "والله يا سليم مشكلتك كبيرة، بس متظلمش بنت عمك معاك، هي برده اتصدمت شبهك، يعني انتوا الاتنين في نفس المركب، وغلط الكلام اللي قولتهولها يوم فرحكم ده برده." نفخ سليم بضيق: "أعمل إيه يعني؟
من صدمتي واتعصبت مشوفتش قدامي. أنا بعز أسيا جداً، دي بنت عمي ولحمي ودمي، بس إنها تبقى مراتي وكمان على قمر، أنا محبتش قد قمر في حياتي يا صاحبي." "عارف يا سليم، قمر جدعة وطيبة وتستاهل كل خير، هو اختبار من عند ربنا بقا ولازم تعديه. خير، متقلقش." "الحمد لله على كل حاجة. معلش نسيت أسألك، انت نزلت مصر ولا إيه؟ ضحك الآخر بخفة: "أيوه يا عم نزلت أسبوع كده، هخلص كام حاجة في إسكندرية وأرجع تركيا تاني."
"مش ناوي تستقر بقا يبني، كفاية غربة." تنهد الآخر بتعب: "لحد ما ألاقيهم يا سليم، هستقر، متقلقش." "ربنا ينولك اللي في دماغك يا صاحبي، يلا سلام عشان وصلت عند المستشفى." "ماشي يا صاحبي، سلام." نزل سليم من السيارة واتجه داخل المستشفى بضيق وغضب، حتى وصل أمام الغرفة ليطرق الباب ولكن لم يأتيه الرد. ليطرق مرة أخرى ولكن لا رد. فقرر الدخول. فتح الباب ودخل، ووجد الغرفة فارغة، لا يوجد بها أحد.
نظر حوله باستغراب وقلق، حتى وجد ممرضة أمامه، فنظر إليها: "لو سمحتي، فين المريضة اللي كانت هنا؟ نظرت الممرضة إلى الغرفة لتقول: "آه، قصدك أستاذة أسيا، هي مشيت الفجر وسابت الجواب ده وقالت إنكم عارفين، وهي حابة تعملهلكم مفاجأة." ثم أعطته الجواب وغادرت من أمامه. بينما نظر إلى الجواب بغضب وهو يتمتم: "مفاجأة إيه اللي بتعملها وجايباني على ملى وشي أجيبها وفي الآخر مشيت."
ثم فتح الجواب بغيظ ليقف ثوانٍ ويفتح عينيه مصدومًا، غير مستوعب ما حدث الآن. كانت تسير بألم في معصمها قليلاً بتلك الثياب والعباءة السوداء، وتستند على يد هنادي، ويسيرون بخوف وهم ينظرون حولهم بتوتر، حتى وصلوا إلى محطة القطار. لتمسك هنادي يد أسيا بدموع: "ست أسيا، خلي بالك من حالك وكلميني وطمنيني عليكي يا ستي، متسبيش قلبي يوجعني عليكي." ابتسمت أسيا بتعب:
"متجلجيش يا هنادي، خلي بالك من عمي ومن أمي، مش هوصيكي، انتي متعرفيش أنا روحت فين يا هنادي، حافظي على السر." نزلت دموع هنادي حزنًا: "هتوحشك جوي يا ست أسيا." ابتسمت لها أسيا بدموع: "وأنا كمان هتوحشك جوي، بس مش قدامي غير الحل ده." مدت هنادي يدها وأعطت أسيا بعض النقود. وكادت أسيا أن تعترض ولكن نظرت لها هنادي بدموع: "ده من خيرك يا ست أسيا، خليهم معاكي، إسكندرية مصاريفها واعرة جوي، وخلي بالك من حالك هناك."
ابتسمت لها أسيا بامتنان: "شكرًا يا هنادي." "لا إله إلا الله." "محمد رسول الله." لتنطلق صفارة القطار ويبدأ في تحركه محو تلك البلد بمصير جديد، تاركة خلفها نيران تتصارع لها. "هربت بتي، هربت كيف أكده؟ صاحت هدى بتلك الكلمات بصراخ وعويل شديد. بينما حمدان يجرى اتصالاته بغضب: "تعرفي طريقها فين بسرعة، انت فاهم، تجيبهالي من تحت الأرض."
كل ذلك تحت نظرات سليم الهادئة، لا يعرف، مشاعر متضاربة. ارتياح قليلاً لأنها هربت وليس ملزومًا بها ولن تذهب معه إلى القاهرة. وأيضًا شعور القلق، فهي ابنة عمه وزوجته مهما حدث. ولا يعرف أحد طريقها وأين هربت. كل ما عرفه من ذلك الجواب وهي تقول: "أنا ههرب ومحدش يدور عليا، أنا أكده هرتاح وكله هيرتاح، سلام." نظر إليه حمدان بغضب: "هتفضل قاعد أكده ومش عارفين مرتك فين." وقف سليم أمام والده بغضب: "وأنا اللي جولتلها تهرب؟
ولا انت لما عرفتها بجوازنا، هي اللي هربت؟ قاطعتهم هدى بعويل: "المهم بتي يا حج، أحب على إيدكم بتي، هاتولي بتي." نظر إليها سليم بضيق وزفر: "أنا هدور عليها عشان هي بت عمي ومن لحمي ودمي، غير كده لو موصلتش ليها مش هعرف أهمل شغلي أكتر من أكده وهسافر، عن إذنكم." ثم تركهم وذهب من أمامهم تحت غضب والده وبكاء هدى بحسرة على ابنتها.
فتحت عينيها بتعب على توقف الصفارة وهي تعلن وقوفها على مدينة البحر المتوسط، مدينة الإسكندرية الحبيبة. نزلت من القطار بعباءتها السوداء وخمارها الطويل التي تلفه حول وجهها خوفاً من أن يعرفها أحد. فهي خافت أن تنزل القاهرة بسبب شغل سليم بن عمها الذي يعمل في مستشفى في القاهرة، لذلك قررت ونزلت الإسكندرية لتبعد عن الأنظار. لاحظت تلك الأنظار التي عليها، وذلك بسبب لبسها الغريب الذي جعلها محط الأنظار والسخرية من الأغلبية.
لتتنهد بضيق: "عمالين يبصوا عليا أكده من غير لا خشا ولا حياء. همشي حالي كيف وسط الخلق دي كلها بعيونهم اللي عايزين يطخوا عيارين دول." كانت تسير بلا هوادة في تلك البلد الكبيرة والغريبة بالنسبة لها، حيث تتطلع حولها ببلاهة ولا تعرف أين تتحرك وتتجه بأي اتجاه. ولكن فجأة نظرت أمامه بصدمة وبدأت عيونها تزرف الدموع بخوف وصدمة حيث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!