تسلق إحدى المواسير وبدأ الزحف لأعلى. بهدوء شديد وحذر، وصل إلى الغرفة التي توقع وجودها فيها، والتي كان يقف على بابها رجلان ضخام الجثة بأسلحة. بمهارة وهدوء ينم عن رجل اعتاد تلك المخاطرة، الأمر سلس بالنسبة له. سقط خلفهم، وبحركة سريعة جذب أحدهم من عنقه واستند إلى الآخر بقدمه. في جزء من الثانية، كان الرجلان أرضًا. قال بسخرية: -معلش يا حبايبى، مجرد كسر رقبة بسيط. تقوموا بالسلامة. فتح الباب في هدوء تام وبحث عنها بعينيه.
كانت تقف في منتصف الغرفة في حالة سيئة للغاية، حيث آثار الدماء على وجهها المختلطة بالدموع. ركض نحوها في قلق وناداها: -فرحة... انت كويسة؟ رفعت بصرها نحوه، لتصدق ما سمعته أذنيها. ارتخت قسماتها أثر رؤيته أمامها من جديد. بدأ يفك قيدها في عجل، وما إن انتهى حتى سقطت في أحضانه وانتحبت بشكل هستيري. اشتكت له بألم: -زين... اهئ اهئ اهئ... خدوا القميص... احتضنها زين بإشتياق ولوى فمه بسخرية: -والنعمة مجنونة... وربت على ظهرها بحنو:
-معلش حبيبتي، هجيب لك غيره. أجذبها تحت إبطه وسار بها إلى الخارج، وبدأ التسلل للخروج. وهو يتوقع الأسوأ، أخرج من وراء ظهره مسدسان. أمسك كف فرحة ووضع أحدهما في راحة يدها. -فرحة... دفعها خلف ظهره. اتسعت عينيها ببلاهة وهتفت برعب: -أعمل بيه دا؟ لوى فمه بإمتعاض وهو يجيبها: -سلكي بيه سنانك... هتعملي بيه إيه؟ أحمي ضهري... يلا. ودفعها نحو ظهره.
ارتعشت يدها وهي تمسك هذا الشيء العجيب. حاولت جمع شتات نفسها وأمسكت به كما شاهدت بالتلفاز من قبل. صوبت المسدس نحو ظهره بيد مرتعشة. التفت زين في توجس إذا شعر بفوهة المسدس ملتصقة بظهره. وما إن وجدها حتى فرك وجهه بعصبية وهتف: -كدا هتموتيني أنا. صرخت عاليا برعب: -أعمل إيه، أعمل إيه؟ دفعها نحو ظهره مجددا وبسرعة وهتف وهو يشهر سلاحه للأمام: -أحمي ضهري. أطلق النيران على عدد من الأفراد بحرفية عالية.
وبلمح البصر، أدار وجهها للخلف والتصق بظهرها ليكونوا رجلًا واحدًا بوجهين. كانت فرحة تغلق عينيها بقوة أثر إطلاق النيران المتبادل والتصقت بظهره وتبعته أينما خطى. خرج بها من وسط أعداد من الجثث المخلفة من ورائه. لتصرخ هي: -ماتوا كلهم... ماتوا. هدر هو بدهشة وسخط: -يا بنتي انتي قربيتهم ولا إيه؟ ولا أبوكي حانوتي؟ اسكتي. وقفت بوجهه وأمسكت بتلابيبه وهتفت برعب: -خرجني من هنا... بالله عليك. نظر إلى عمق عينيها وهتف بعنف:
-هتسمعي الكلام. حركت رأسها بسرعة وبخوف بادٍ على قسماتها: -هسمع... حاضر. عاود السؤال بجدية: -هتثقي فيا؟ صاحت برعب وبدون وعي: -أيوه... أيوه. دس يده في جيبه وأخرج حقنة. فالتفت إلى ما بيده وقبل أن ينطق فمها بالسؤال، غرسها في جانب عنقها. أغمضت عينيها بألم وبدأت تشعر بالبرودة تدب في أوصالها. تشبثت بملابسه وهتفت بصوت متقطع: -ليه... عملت... ك... د... علق بصره بها وتفحص تراخي عضلات وجهها.
بينما هي وقعت بين أحضانه، فاحتضن خصرها بقوة وأسدل عينيه في قلق. *** في الصعيد. وقفت زينات من جديد على أقدامها وتمسكت بقوتها للدفاع لآخر نفس عن ابنتها أمام عمها وهدان القناوي. الذي تحدث بغضب: -بتك فضحتنا وحاطت راسنا في الطين، وانتي تجولي لا بتي شريفة وابصر إيه؟ اديني دليل واحد على أنها شريفة. هتفت مداعبة:
-بتي أشرف من الشرف. هي هربت أيوه مش هنكر، بس هي كانت خايفة من أبوها. أيوه عمره ما عاملها كويس عشان تحب صنف راجل. هي وبت خالتها اتعقدوا من صنفهم، مستحيل تهرب مع حد أو تثق في حد. لوى بيده بغير اهتمام: -إحنا ما نفهمش الكلام ده. إحنا في مصيبة. اللي نعرفه إن بتك غفلتكوا كلكم وركبت عربية مع راجل غريب قصاد عين ولاد عمها، كأنها بتجلهم أهو اللي عشجته. خلصني من أديكم.
كان عزام يستمع إلى الحديث بغضب جم، فانتفض من مكانه مسرعًا نحو الخارج. زفر برهام بتأفف: -اديكي شايفة أهو عملت إيه في سيد الرجالة، زينة شباب البلد. خلت الكل يلسن عليه وعلى هروب عروسته. وياريتها غريبة، دي بت عمه. ولدي اللي كان كييف السبع يعدل المايلة بنظرة قضيت عليه. جف حلق زينات وفرغت التبريرات وهتفت أخيرًا: -طيب ساعدوني ألاقيها، وأوعدك هاخدها وأبعد عن هنا ومش هتجيلكم من ورانا أي مشاكل. اعتدل في جلسته وزمجر بتعصب:
-إحنا عارفين نلاقيها، وإن لاقيناها ما لهاش دية غير الجتل. ركعت تحت قدمه بحزن وتوسل: -أبوس رجلك يا حاج، أنا ماليش غيرها في الدنيا دي. آخر حاجة فضلت لي في الدنيا. لو قتلتها يبقى قتلت اتنين مش واحدة. أنت حاج بيت الله وأنا نحلف عن بتي إنها شريفة وكانت وزة شيطان. أبعد قدمه وسحبها من يدها ليوقفها وهتف بجمود: -لو مش الموت، هيبقى فيه أوعر من الموت. شخصت بصرها وهي تخمن من نظرات عينيه القاتمة ما هو، ولكن فشلت.
هتفت بتوجس وريبة: -إيه... هو؟ ترك يدها وتحدث بنبرة مميتة أقرب للفحيح: -الدخلة تبقى بلدي، وبعديها تطلق. سواء طلعت شريفة أو لا. وقفت أمامه في تحير تام، وفرغ فاها من الكلام حيث أنها تخبطت ما بين الدعاء لها بالعودة أو بالبعد عن هنا. وقف ياسين ببنطال كافيه يناسب قامته الطويلة وتيشرت أسود بدون ياقة، يرتدي نظارة سوداء ببرواز معدني في نقطة فارغة في وسط الصحراء. يتابع ساعة يده بقلق وتوتر.
عقد ساعديه وأسند إلى سيارته في ملل في انتظار رفيقه. الذي ظهر بعربة جيب عالية تناسب البيئة الرملية التي تحيط بهم. اعتدل سريعًا ووقف في انتظاره. ترجل من السيارة سريعًا واتجه نحو الباب الآخر. تعجب ياسين من تصرفه ونظر من تحت نظارته باهتمام، إذا بدا له شيئًا مهمًا بعد كل هذا التأخير. التقطت فرحة الغائبة عن الوعي، وحملها بين يديه. يتطاير شعرها الأسود مع الرياح كالليل آتي في ضوء النهار. اتسعت عين ياسين وهتف بتعجب: -إيه دا؟
أجابته زين وهو يقترب منه بجمود: -دي فرحة فتح الله القناوي. أسنانه في غضب وهدر بضيق: -إنت اتجننت؟ أنا لازم أكلم اللي معانا، عشان يعرفوا جنانك ده وصل لحد فين. ودس يده إلى جيبه وأخرج هاتفه وشرع في ضغط الأزرار. قاطعه في ذلك زين بغضب: -انتوا مش كل اللي يهمكوا العملية؟ هتم بأي طريقة ودي. وأشار إلى فرحة. -ما حدش لي داخل بيها، أنا اللي أقرر مصيرها لأن مصيرها بين إيدي وبس. وكزه ياسين في كتفه بتعصب:
-إنت غبي من الأول لما وقفت ليها ع الطريق، وبغبائك ده فتحت العين عليك. واديك لسه بتكمل في اللي هيقضي عليك وعليها. إنت مش مسافر تصيف، إنت مسافر لجهنم الحمرة رايح للموت برجليك، ويا عالم ترجع تاني على رجليك ولا لأ. لم يغضب منه زين لأن ما قاله هو الحقيقة التامة. اقترب ياسين منه ووضع يده أسفل ظهر فرحة من بين يديه وهو يروضه: -هاتها يا زين، هرجعها لأهلها. ابتعد بها لخطواتين للخلف وازاح يده بها بعيدًا عن يده. وأجاب بقوة:
-لا، هتفضل معايا. عندها هدر ياسين بغضب: -يعني إيه؟ هي لعبة دي؟ بني آدمة يا زين، وشغلنا كله تحت النار. وجودها معاك خطر عليك وعليها. زمان الدنيا كلها مقلوبة عليها، قبلك انت ومفكرين إنها تخصك ونقطة ضعفك. إحنا في شغلتنا دي ما ينفعش يبقى لينا نقطة ضعف. قبض جيدًا على رسغ فرحة الغائبة عن الوعي. وحدق لصديقه بتحدي: -وأنا بقى هعمل العكس وهوريكوا كلكم إني قادر أحمي نقطة ضعفي. ضيق عينه ليأسه من إقناع ذلك العنيد المتهور.
واقتحم المكان صوت مروحية تهبط باتجاههم. حول نظرهما معا إليها. *** في سيناء. هتف ياسين محذرًا: -كدا اللي بتعمله غلط، وهتأذي نفسك. لم يستمع له. اندفع نحو المروحية بثقة وهو يحمل تلك الغائبة عن العالم بين يديه. تحرك من ورائه ياسين في محاولة أخرى لتغيير قراره. وأمسك كتفه: -يابني، اسمعني. هضيعنا كلنا. العملية كلها هتبوظ بسبب البت دي، وياريتها هتنفع. ده إنت هضيعها معاك. ابتلع ريقه بقلق واحتدت عيناه وهو يهدر إلى صديقه بحدة.
أحكم قبضته على ذراع فرحة: -مش هسيبها إلا أما أتأكد إنها في أمان. إنت عارف كويس إنها اتشافت معايا والدنيا كلها هتقلب عليها. أجابته ياسين بنبرة جافة: -وإنت مالك؟ مهتم ليه؟ توتر قليلا وهتف بجدية: -أنا مهتم بيها. لوى فمه ياسين وأجاب بسخرية: -أنا قولت إنت مهتم بيها. تأفف زين من مراوغة صديقه وهتف بجدية: -أنا ماشي. باغته ياسين بنظرة حادة، وهتف بضيق: -ابقى خلي بالك عليها، وبلغني أول بأول بالجديد.
اتجه زين نحو المروحية وصعد إليها. وزفر بارتياح ونظر إلى فرحة التي بين يديه وتأمل سكونها. أزاح خصلات شعرها المتناثرة على شعرها وهتف بهدوء: -ما تخافيش، إنتي معايا في أمان. *** الصعيد. كانت زينات تقف في ردهة المنزل الكبير الذي يطل على الحديقة المزدهرة. ولازالت بقايا الصدمة التي ألقاها برهام على مسامع زينات عالقة بذهنها. جعلتها في عالم آخر من القلق والخوف.
تريد أن تحتضن ابنتها، تريدها إلى جوارها، ولكن لا تريد لها مصيرًا مظلمًا كذلك الذي تعانيه. زفرت بـ: -اااه... يا فرحة، يارب استرها عليها، يارب أنت عالم بحالي وغني عن سؤالي. اقتحمت صابحة المكان وهي تهتف ساخرة: -ادعيله ياخدها. أحسنت. شنجت قسمات زينات عند سماع صوت صابحة وتذمرت وهي تهدر: -يا أختي حرام عليكي، سيبيني في اللي أنا فيه. اقتربت منها وهدرت ساخرة: -اللي انتوا فيه ولا اللي إحنا فيه. جيتوا وجبتوا الخراب وياكم.
استدارت زينات لها بغضب: -مالك قرشة مالح، حتى من وقت ما جيت لي، عايزة إيه يا صابحة؟ سيبتهالك مخضرة من سنين، حلي عن دماغي وسبيني دلوقتي في اللي أنا فيه. حركت صابحة رأسها بطريقة شرسة وهدرت: -أنا مش قرشة مالحك يا أختي، أنا عايزة أجرك أنتِ بين سناني. رجعتوا انتي وجوزك ليه؟ مش خدتم جاسمكم ورحتوا مصر؟
ما بقالكمش هنا لا بيت ولا أرض. رحتوا اتمرمطتوا وسفتوا التراب أشكال وألوان. واما شبعتم فقر جيتِ رسمتي على جوازة بتكم أهنه تاني؟ بتزرعلكوا هنا شجرة عشان تنعموا في خيرها. وما توجعش ميلة البخت إلا على ولدي زين الشباب يتعمل فيه أكده. اللي كان يمشي كيف السبع، كل البنته تمنى التراب اللي تحت رجله... بتك إنتي تهرب منه قبل فرحها بسبوع. هتفت زينات بمرارة:
-يا ستي حرام عليكي، إحنا مش عايزين كدا. منه لله فتح الله هو اللي اتفق وياكم من ورانا. إحنا جبنا على عماانا، وبتي بس تيجي وهعرف منها كل حاجة. لوت فمها بسخرية: -أيوه أيوه، اعملوهم علينا. مش عايزة تخيلي علينا كهنة البندر. إنتي عارفة إني بت الحاج سعفان. وإنتي يا سلفتي قيمتك مش جمتي عشان تجعدي تتحدتي معايا على الفاضية والمليانة. أنا من الأول جولتلهم الجوازة دي ما هتجيبش غير الخراب. يلا خليهم كلهم يشربوا من مجايبهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!