في مكان مهجور للغاية، على نحيب فرحة المرتعش، سقطت بين يدي كابوسها المرعب. وحيدة دون أي مدافع أو أي شخص، فقط هي وهو. هدر عزام وهو يقترب منها بصوت بارد مخيف: -بطلي عويل يا بت عمي، هخلص عليكي بسرعة، ما تجلجيش. أزاح الكمامة من أعلى فمه. تصرخ بصوت عالٍ، لعل يستمع لها إنسان أو جان. ولكن علا بضحكاته الشريرة التي أحبطت صوتها وأسكتتها. توقف عند توقفها، وبنبرة مخيفة استرسل: -صرخي، ما حدش هيسمعك. صرخي...
صراخك ده يا بت عمي هو اللي هيشفي غليلي منك. قبل ما أموتك، مش انتي اللي قولتي الموت أهون عليا من إني أتجوزك؟ خلاص يبقى على إيدي، بس أنا محتار أسيبك هنا في الخلاء للديابة تاكل جتك. أمسك ذراعها بقسوة وصاح بعنف: -لكن كيف؟ الديابة ما تاكلش النجاسة. دفعها بقسوة إلى الأرض، لتسقط على التراب تلهث من فرط الرعب. أمسك ما يسمى بالكوريك ليحفر في الأرض بكل غل وهو يهدر من بين أسنانه: -هدْفِنك... وأخلص من عارك.
علا نحيبها وهي تتابع حركاته المتتالية برعبها. تفتت بصوت مبحوح: -أمي... أمي. ابتسم ابتسامة ساخرة تبعها بالقول:
-ما تجلجيش، الكل عارف إن بتها الفاجرة هربت تاني. كلفتيني كتير عشان أجيبك لحد هنا. استنيت وصنية اللبن جواكم، وحطيتلكم منوم. أمك شربت وراحت في سابع نومة، وانتي ما خبرش ليه ما شربتيش. يلا حلال فيكي. الضربة اللي أخدتيها، تصدقي أنا كان بودي أقطعك جطيع قبل ما أدَفنك هنا، بس جولت إن دفنك صاحية هيريحني أكتر. أشوفك وانتي بتتخنجي من التراب زي ما خنجتي قلبي. جنبك وانتي عمالة تتجلعي وتجولي دا لعاني.
كلماته وقد حفر حفرة كبيرة تسع جسدها. اقترب منها بينما هي تسارعت أنفاسها. وصرخت من جديد وحاولت التحرك، ولكن ما زالت مقيدة. زحفت للوراء. فتقدم هو بخطوات بطيئة واثقة نحوها. مال بجذعه وأمسك قيد يدها وجرها منه نحو الحفرة. ازدادت هلعاً وصراخاً، ولكنه لم يتراجع. دفعها نحو الحفرة بلا رحمة، فسقطت في أعماقها. شهقت برعب وهي ترى نفسها داخل حفرة سحيقة. لم تنادِ باسم زين هذه المرة لشعورها بالخذلان من جانبه. انتحبت بشكل هستيري وهي ترى ذلك البارد ذو القلب الميت يهيل عليها التراب. استسلمت للأمر، ولكن الروح غالية. حاولت النهوض، ولكن لا فائدة. في يدها وقدمها المقيدتين تعيقان حركتها.
هدر عزام بغل مبالغ فيه: -هدْفِنك بالحيا زي ما دفنتي عرضي وشرفي وهربتي وياه. وجاية قدام الكل تحضنيني فيه وتجوليله الحقني. طيب يا بت عمي، خليه يلحجك. في ذلك المكان النائي المهجور، أنهى عزام أغلبية عمله في تغطية جسد فرحة بالتراب. وما تبقى منها فقط إلا وجهها. هدر وهو يستمتع برعبها الجلي على كل انش في وجهها: -غسلت عاري منكِ، خلي التراب ينضف فجرك.
ازدادت نحيباً وهي تعرف أنه لا فرار هذه المرة، وأنها ستغمض عينيها عن هذه الدنيا. وآخر ما رأته تلك السحنة المقيتة. اعتدل عزام وأمسك بالكوريك لينهي عمله تماماً. ولكن قاطعه ذلك النور القادم من بعيد. توقف ورفع راحة يده ليحميه من تلك الإضاءة التي تسلطت على وجهه. توقفت السيارة وترجل منها شبح عزام الذي يبغضه، إنه زين بتمام هيئته. ركز على أسنانه وهو يندفع نحوه بغيظ يتعاظم بداخله. بينما زين انتظر قدومه بفارغ الصبر كي يسحقه وينهي ذكراه للأبد.
تبادل اللكمات بتعادل. وهدر عزام وهو يلكمه بغل: -جيت إزاي؟ عرفت مكاني كيف؟ عاد إليه زين لكمته من جديد بعنف وأجابه من بين أسنانه: -بتسأل ظابط مخابرات عرفت إزاي؟ وقعت عينه على رأس فرحة التي تظهر من الحفرة وتأكد مما نوى مجدداً فعلها. ازداد عنفاً أكثر من ذي قبل، وأوقعه أرضاً. وقفز فوقه وانهال عليه باللكمات حتى سالت الدماء من فمه. لم يوقفه أي شيء، فقد عزم على أن يفني روحه عقاباً على تجرؤه على لمس محبوبته الغالية من جديد.
اقتحم المكان عربة ياسين المسرعة وترجل من العربة وتدخل في الأمر. وهدر وهو يتقدم نحوهم: -انت كنت طاير يابني، ما عرفتش الحقك. أمسك بيده ليمسك يد صديقه الغاضبة: -خلاص بقى يا وحش، سيبهولي. رفعه عنه بصعوبة، ولكن ثورة زين لم تهدأ، بل ركله عدة ركلات متفرقة. بغل ثم بصق عليه وهو يهدر: -كلب! ربت ياسين على ظهره وهتف بمرح: -امم، روح بقي شوف الجو وأنا هكتفه وأسبقكم.
زفر زين أنفاسه وركض باتجاه فرحة التي أغمضت عينيها في حالة من الاستسلام والانتظار. ناداها بصوت حزين وهو يزيح عنها التراب الكثيف الذي أغرقها عزام به: -فرحة... فرحتي... قومي أنا جيت. فرجت عن سوداء عينيها الدامعة وانفجرت بالبكاء. لقد بات حبيبها أكثر من يعذبها. أزاح هو أكثر جزء من الرمال عنها ثم انتزعها من وسط البركة بخفة. وقد انتهى ياسين من تقييد عزام ودفعه بالسيارة. فناداه عالياً:
-أخلص يا عم الحبيب، وأنا مش هدخل من غيرك. أومأ إليه برأسه ولم يجبه، فقد كان همه هو الاطمئنان على تلك الثرثارة التي صمتت فجأة وبدت كئيبة. هو يعلم أن ما مرت به صعب، ولكنه لم يعاهدها بذلك الشكل من قبل. فك وثاق يدها عنها، وكمم غيظه عندما رأى تلك البقع الزرقاء أعلى يديها. هتف بصوت خفيض: -ما تقلقيش، أنا معاكي. نظرت إليه وهو يتابع حل وثائق قدمها بعينين غاضبتين. ثم صرخت به بعنف: -وأنا بكرهك! انت وحش، وحش جداً.
وانحدرت في بكاء هستيري كالضائعة. حدق إليها بحزن عميق. اقترب منها فدفعته بضعف. عض شفاهه واقترب منها مجدداً محاولاً تهدئتها. استرسلت هي بنبرة واهنة: -أنا ما بقتش عايزاك، الدنيا ما بقتش عايزانا مع بعض. العالم كله هيقف لو اتجمعنا. الحب جاه عليا أنا وجاب آخره، أنا منحوسة. ابعد كفاية تعذيب فيا بقي. جيت ليه؟ رجعت ليه؟ أنا ما نادتكش، جيت عشان تشوفني كده، صعبت عليك مش كده؟
جيت عشان تحميني زي ما بتقول من اللي قتلتهم سوء. أنا مش عايزة حماية، سيبهم يخلصوني من العذاب ده كله، كفاية كده. كان يعض شفاهه وهو يراه في هذا الانهيار. تابعها بعينين تنزف دماً. اقترب منها وأمسك وجنتيها بين يديه ومال رأسه ليرى وجهها المنتكس وهتف بصوت حزين: -فرحة، أنا جيت عشانك، مش عشان صعبتي عليا ولا عشان أي حاجة تانية. ابتلع ريقه أثر نظراتها المتحيرة. فـ الشوق في عينيها يفضحها. استرسل بنبرة صادقة:
-أنا بـــــــــحــــــــبـــــــــك يا فرحة. لوت فمها كالاطفال وكأنها تأبى التصديق. أضاف وهو يبتسم ابتسامة حزينة: -أنا بحبك، وما كنتش محتاج أبعد عنك عشان أعرف إني بحبك يا فرحة. حركت رأسها نافية وهتفت بتعند: -لا، انت عمرك ما حبيبتني. انت بتشفق عليا مش كده؟ صعبت عليك وأنا بتحايل عليك تاخدني من هناك، مش كده؟
حرك رأسه بغضب، فهو لن يفشل في إقناعها ولن يسمح لأفكارها السلبية في إفساد لذة ما نطق. مد يده في سرعة والتقطت سلسالها المعلق برقبتها ورفعه باتجاه نظرها. وهدر بتعصب: -عارفة دي إيه؟ نظرت إلى محتويات السلسال بتعجب، وحركت رأسها نافية. حدق إليه بعمق ليضمن استيعابها وهتف بهدوء دقيق وهو يشير بطرف إصبعه لكل محتوى على حدة: -دي الرصاصة، وانتي عارفة إنها إنتي. والفراشة دي... جهاز تتبع.
اتسعت عيناها وهي توزع نظرتها بينها وبين عينيه في صمت. أكمل هو بمزاح: -والحصان دا أنا عشان الرصاصة دي... وأشار باتجاه فرحة: -صابت الحصان دا... وأشار إلى نفسه: -... اتسعت ابتسامته واحتضنته دون أن ينطق فمها بكلمة. غَمض هو عينيه وهو يستمتع بالراحة في أحضان محبوبته الغالية. دقائق، وأزاحها ونهض عنها ومد يده ليوقفها. أمسكت بيده. هتف باسماً: -يلا عشان نتجوز.
لم تسندها قدماها وكادت أن تسقط من جديد، ولكنه سارع بالإمساك بخصرها ومنعها من السقوط. اقترابه الوشيك وعينيه المفزوعة عليها، يده التي تلمسها بحساب. كل انش فيه يوضح كم يعشقها. ولكنها تعشقه أكثر بكثير. هو كان دوماً منقذها، بطلها الخارق الذي يأتي في أصعب الأوقات. هامت بعينيها في وجه الذي اشتاقته له. لم تفق من شرودها بملامحه إلا على صوته يناديها باسمها الذي عشقته للتو: -فرحة، فرحة. هتفت بشرود: -ها. ابتسم مشاكس:
-يا بت قولتلك يلا نتجوز. وضعنا بقى صعب. عقدت حاجبيها لتدرك أنها في أحضانه، لا يمر من بينهما الخيط. اندفعت عنه بخجل وهي تترنح قليلاً. أمسك يدها بقلق: -انتي كويسة؟ حركت رأسها بهدوء. ابتسم وسحبها من ورائه وهو يهتف: -طيب يلا بقي، ياسين زمانه خلل. تساءلت وهي تتبعه وتتشبث بيده: -هنعمل إيه؟ أجابها وهو يتقدم نحو السيارة: -هنروح لعمك و...
توقفت قدماها وسحبت يدها من يده. التفت إليها وهو يستنكر توقفها، ليجدها قد تغيرت. تهلل وجهها إلى وجه مكفهر يكسوه الحزن. لم تنظر سؤاله وهدرت بهدوء حذر: -من يوم ما سبتِ وعيني ما بطلتش دموع. قلبي وقف ميت مرة وناديتك. ودلوقتي جاي نرجع عشان نبعد؟ حركت رأسها نافية. -لا لا، مش هستحمل يفرقونا تاني. أنا عايزاك. وآخر مرة هقولهالك إني عايزاك. لو روحنا مش هيرضوا. ادفني هنا، أنا موافقة، بس ما تسبنيش تاني.
حرك يده ليهذب شعرها المتناثر بعشوائية وابتسم ابتسامة هادئة وهو يهتف بحنو: -بتثقي فيا؟ أومأت برأسها بهدوء. ثم اصطنع التكشيرة وهتف متسائلاً: -هتسمعي كلامي؟ أومأت برأسها ثانية بهدوء. ابتسم ابتسامة واسعة وحدثها بنبرة عشق خاصة ومميزة: -مش هسيبك، ما تخافيش. آخر مرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!