الفصل 34 | من 45 فصل

رواية اسياد الحب والحرب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
2,064
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

في مكان مهجور للغاية، على نحيب فرحة المرتعش، سقطت بين يدي كابوسها المرعب. وحيدة دون أي مدافع أو أي شخص، فقط هي وهو. هدر عزام وهو يقترب منها بصوت بارد مخيف: "بطلي عويل يا بت عمي، هخلص عليكي بسرعة، ما تجلجيش." أزاح الكمامة من أعلى فمه. صرخت بصوت عالٍ، لعل يستمع لها إنسان أو جان. ولكن علا بضحكاته الشريرة التي أحبطت صوتها وأسكتتها. توقف عند توقفها، وبنبرة مخيفة استرسل: "صُرخي، ما حدش هيسمعك. صُرخي...

صراخك ده يا بت عمي هو اللي هيشفي غليلي منك. جبل (قبل) ما أموتك، مش انتي اللي قولتي الموت أهون عليا من إني أتجوزك؟ خلاص يبقى على يدي، بس إني محتار، أسيبك هنا في الخلا للديابة تاكل جتك (جسدك) أمسك ذراعها بقسوة وصاح بعنف: "لكن كيف؟ والديابة ما تاكلش النجاسة." دفعها بقسوة إلى الأرض، لتسقط على التراب، تلهث من فرط الرعب. أمسك ما يسمى بالكوريك ليحفر في الأرض بكل غل، وهو يهدر من بين أسنانه: "هدفنك... وأخلص... من عارك."

علا نحيبها وهي تتابع حركاته المتتالية برعب. تكلمت بصوت مبحوح: "أمي... أمي." ابتسم ابتسامة ساخرة تبعها بالقول: "ما تجلجيش، الكل عارف إن بتها الفاجرة هربت تاني. كلفتيني كتير عشان أجيبك لحد هنا. استنيت وصنية اللبن اللي داخلكم، وحطيتلكم منوم. أمك شربت وراحت في سابع نومة، وإنتي ما خابروش ليه ما شربتيش؟

يلا حلال فيكي. الضربة اللي أخدتيها، تصدقي أنا كان بودي أقطعك جطيع قبل ما أدَفنك هنا، بس جولت إن دفنك صاحية، هيريحني أكتر. أشوفك وإنتي تتخنجي من التراب زي ما خنجتي قلبي. جنبك وإنتي عمالة تتجلعي (تدلعي) وتجولي دا لعانتي." كلماته وقد حفر حفرة كبيرة تسع جسدها. اقترب منها بينما هي تسارعت أنفاسها.

صرخت من جديد وحاولت التحرك، ولكن مازالت مقيدة. زحفت للوراء. فتقدم هو بخطوات بطيئة واثقة نحوها. مال بجذعه وأمسك قيد يدها وجرها منه نحو الحفرة. ازدادت هلعاً وصراخاً، ولكنه لم يتراجع. دفعها نحو الحفرة بلا رحمة. فسقطت في أعماقها. شهقت برعب وهي ترى نفسها داخل حفرة سحيقة. لم تنادِ باسمه هذه المرة لشعورها بالخذلان من جانبه. انتحبت بشكل هستيري وهي ترى ذلك البارد ذو القلب الميت يهيل عليها التراب. استسلمت للأمر، ولكن الروح غالية. حاولت النهوض، ولكن لا فائدة، يداها وقدماها المقيدتان تعيقان حركتها.

هدر عزام بغل مبالغ فيه: "هدفنك بالحيا زي ما دفنتِ عرضي وشرفي وهربتي وياه. وجاية قدام الكل تحضنيني فيه وتجوليله الحقيني (تقوليله الحقني) طيب يا بت عمي، خليه يلحجك." في ذلك المكان النائي المهجور، أنهى عزام أغلبية عمله في تغطية جسد فرحة بالتراب، وما تبقى منها فقط وجهها. هدر وهو يستمتع برعبها الجلي على كل إنش في وجهها: "غسلت عاري منكِ. خلي التراب ينضف فجرك."

ازدادت نحيباً وهي تعرف أنه لا فرار هذه المرة، وأنها ستغمض عينيها عن هذه الدنيا. وآخر ما رأته تلك السحنة المقيتة. اعتدل عزام وأمسك بالكوريك لينهي عمله تماماً، ولكن قاطعه ذلك النور القادم من بعيد. توقف ورفع راحت يده ليحميه من تلك الإضاءة التي تسلطت على وجهه. توقفت السيارة وترجل منها شبح عزام الذي يبغضه، إنه زين بتمام هيئته. ركز على أسنانه وهو يندفع نحوه بغيظ يتعاظم بداخله. بينما زين انتظر قدومه بفارغ الصبر كي يسحقه، وينهي ذكراه للأبد.

تبادل اللكمات بتعادل. وهدر عزام وهو يلكمه بغل: "جيت إزاي؟ عرفت مكاني كيف؟ عاد إليه زين لكمته من جديد بعنف، وأجابه من بين أسنانه: "بتسأل ظابط مخابرات؟ عرفت إزاي؟

وقعت عينه على رأس فرحة التي تظهر من الحفرة، وتأكد مما نوى مجدداً فعلها. ازدادت عنفاً أكثر من ذي قبل، وأوقعه أرضاً. وقفز فوقه وأنهال عليه باللكمات حتى سالت الدماء من فمه. لم يوقفه أي شيء، فقد عزم على أن يفني روحه عقاباً على تجرؤه على لمس محبوبته الغالية من جديد. اقتحم المكان عربة ياسين المسرعة، وترجل من العربة وتدخل في الأمر. وهدر وهو يتقدم نحوهم: "إنت كنت طاير يابني؟ ما عرفتش ألحقك." أمسك بيده ليمسك يد صديقه الغاضبة:

"خلاص بقى يا وحش، سيبهولي." رفعه عنه بصعوبة، ولكن ثورة زين لم تهدأ، بل ركله عدة ركلات متفرقة. بغل ثم بصق عليه وهو يهدر: "كـــــــــلـب." ركب ياسين أعلى ظهره وهتف بمرح: "اامم، روح بقي شوف الجو وأنا هكتفه وأسبقكم." زفر زين أنفاسه وركض باتجاه فرحة التي أغمضت عينيها في حالة من الاستسلام والانتظار. ناداها بصوت حزين وهو يزيح عنها التراب الكثيف الذي أغرقها عزام به: "فرحه... فرحتي... قومي أنا جيت."

فرجت عن سوداء عينيها الدامعة وانفجرت بالبكاء. لقد بات حبيبها أكثر من يعذبها. أزاح هو أكثر جزء من الرمال عنها ثم انتزعها من وسط البركة بخفة، وقد انتهى ياسين من تقييد عزام ودفعه بالسيارة. فناداه عالياً: "اخلص يا عم الحبيب، وأنا مش هدخل من غيرك."

أومأ إليه برأسه ولم يجبه، فقد كان همه هو الاطمئنان على تلك الثرثارة التي صمتت فجأة وبدت كئيبة. هو يعلم أن ما مرت به صعب، ولكنه لم يعاهدها بذلك الشكل من قبل. فك وثاق يدها عنها، وكمم غيظه عندما رأى تلك البقع الزرقاء أعلى يديها. هتف بصوت خفيض: "ما تقلقيش، أنا معاكي." نظرت إليه وهو يتابع حل وثائق قدمها بأعين غاضبة، ثم صرخت به بعنف: "وأنا بكرهك، إنت وحش، وحش جدا."

وانحدرت في بكاء هستيري كالضائعة. حدق إليها بحزن عميق. اقترب منها، فدفعته بضعف. عض شفاهه واقترب منها مجدداً محاولاً تهدئتها. استرسلت هي بنبرة واهنة: "أنا ما بقتش عايزك، الدنيا ما بقتش عايزانا مع بعض. العالم كله هيقف لو اتجمعنا. الحب جه عليا أنا وجاب آخره. أنا منحوسة. ابعد، كفاية تعذيب فيا بقى. جيت ليه؟ رجعت ليه؟ أنا ما نادتكش. جيت عشان تشوفني كده؟ صعبت عليك مش كده؟

جيت عشان تحميني زي ما بتقول من اللي قتالتهم سوء. أنا مش عايزة حماية، سيبهم يخلصوني من العذاب ده كله. كفاية كده." كان يعض شفاهه وهو يراه في هذا الانهيار. تابعها بأعين تنزف دماً. اقترب منها وأمسك وجنتيها بين يديه ومال رأسه ليرى وجهها المنتكس، وهتف بصوت حزين: "فرحة، أنا جيت عشانك، مش عشان صعبتي عليا ولا عشان أي حاجة تانية." ابتلع ريقه أثر نظراتها المتحيرة، فالشوق في عينيها يفضحها. استرسل بنبرة صادقة:

"أنا بـــــــــحــــــــبـــــــــك يا فرحه." لوت فمها كالأطفال وكأنها تأبى التصديق. أضاف وهو يبتسم ابتسامة حزينة: "أنا بحبك، وما كنتش محتاج أبعد عنك عشان أعرف إني بحبك يا فرحة." حركت رأسها نافية وهتفت بتعند: "لا، إنت عمرك ما حبتني، إنت بتشفق عليا، مش كده؟ صعبت عليك وأنا بتحايل عليك تاخدني من هناك، مش كده؟

حرك رأسه بغضب، فهو لن يفشل في إقناعها ولن يسمح لأفكارها السلبية في إفساد لذة ما نطق. مد يده في سرعة والتقطت سلسالها المعلق برقبتها ورفعه باتجاه نظرها. وهدر بتعصب: "عارفة دي إيه؟ نظرت إلى محتويات السلسال بتعجب، وحركت رأسها نافية. حدق إليه بعمق ليضمن استيعابها، وهتف بهدوء دقيق وهو يشير بطرف إصبعه لكل محتوى على حدة: "دي الرصاصة، وإنتي عارفة إنها إنتي. والفراشة دي... جهاز تتبع."

اتسعت عيناها وهي توزع نظرتها بينها وبين عينيه في صمت. أكمل هو بمزاح: "والحصان ده أنا، عشان الرصاصة دي... صابت الحصان ده... (وأشار إلى نفسه) اتسعت ابتسامته واحتضنته دون أن ينطق فمها بكلمة. أغمض هو عينيه وهو يستمتع بالراحة في أحضان محبوبته الغالية. دقائق، وأزاحها ونهض عنها، ومد يده ليوقفها. أمسكت بيده. هتف باسمًا: "يلا عشان نتجوز."

لم تسندها قدماها وكادت أن تسقط من جديد، ولكنه سارع بالإمساك بخصرها ومنعها من السقوط. اقترابه الوشيك وعينيه المفزوعة عليها، يده التي تلمسها بحساب، كل إنش فيه يوضح كم يعشقها. ولكنها تعشقه أكثر بكثير. هو كان دوماً منقذها، بطلها الخارق الذي يأتي في أصعب الأوقات. هامت بعينيها في وجه الذي اشتاقت له. لم تفق من شرودها بملامحه إلا على صوته يناديها باسمها الذي عشقته للتو: "فرحه، فرحه." هتفت بشرود: "ها." ابتسم مشاكسًا:

"يا بت قولتلك يلا نتجوز." وضعها بقى صعباً. عقدت حاجبيها لتدرك أنها في أحضانه، لا يمر من بينهما الخيط. اندفعت عنه بخجل وهي تترنح قليلاً. أمسك يدها بقلق: "إنتي كويسة؟ حركت رأسها بهدوء. ابتسم وسحبها من ورائه وهو يهتف: "طيب يلا بقي، ياسين زمانه خلل." تساءلت وهي تتبعه وتتشبث بيده: "هنعمل إيه؟ أجابها وهو يتقدم نحو السيارة: "هنروح لعمك و...

توقفت قدماها وسحبت يدها من يده. التفت إليها وهو يستنكر توقفها، ليجدها قد تغيرت، تهلل وجهها إلى وجه مكفهر يكسوه الحزن. لم تنظر سؤاله وهدرت بهدوء حذر: "من يوم ما سبتِ وعيني ما بطلتش دموع. قلبي وقف ميت مرة وناداك. ودلوقتي جاي نرجع عشان نبعد؟ حركت رأسها نافية. "لا لا، مش هستحمل يفرقونا تاني. أنا عايزاك. وآخر مرة هقولهالك إنّي عايزاك. لو روحنا مش هيرضوا. ادفني هنا، أنا موافقة، بس ما تسبنيش تاني."

حرك يده ليهذب شعرها المتناثر بعشوائية وابتسم ابتسامة هادئة وهو يهتف بحنو: "بتثقي فيا؟ أومأت برأسها بهدوء. ثم اصطنع التكشيرة وهتف متسائلاً: "هتسمعي كلامي؟ أومأت برأسها ثانياً بهدوء. ابتسم ابتسامة واسعة وحدثها بنبرة عشق خاصة ومميزة: "مش هسيبك، ما تخافيش. آخر مرة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...