تسارع وهدان ليهتف: يا ولدي اصبر، لما نعمل فرح. احنا مش عاملين حسابنا. وبعدين لساتك ما خلصتش موضوع بت الشرشيري. واحدة واحدة علينا يا ولدي الله يرضي عنيك. بالي بأي شئ سوى برغبة أن يحقق غايته الآن، فهدر بصوت محتد: قلت المأذون يجي دلوك يعني دلوك. لطم وهدان كفيه ببعض وهتف معترضاً: هي لعبة يا ولدي؟ دا جواز ما ينفعش. يصحوا الخلايج يلاجوك اتجوزت. كانت بعينيه قتامة وظلمة وغموض لا يدركه أحد، وهتف بإصرار عجيب:
نكتب الكتاب دلوك والفرح يبجا زي ما انتوا عايزين. عندها هتف زينات بنبرة متحشرجة: آه حاج وهدان، انت لسه على رأيك في ال... شار بيده للأعلى وهدر بضيق: خدي بتك واطلعي على فوق دلوقت يا زينات. كانت فرحة لا تعي أياً مما يدور. انكمشت إلى أحضان أمها ومالت برأسها على كتفها من فرط الفزع. كل شيء اليوم كان مؤلم وفوق الخيال. بينما نظرت زينات إلى فتح الله وهدرت بجمود: حاضر، بس أنا ليا عندك طلب يا حاج وهدان. طلقني من أخوك.
اتسعت أعينهم في دهشة ونظرت نحوها فرحة بتعجب، بينما زمجر فتح الله وهو يحاول الوصول إليها ومنعه أخويه بأن أمسك يديه. بتقولي إيه يا ناقصة؟ هتفت بتعالٍ وصمود غير مسبوق:
أيوه أنا الناقصة. الغبية اللي رضيت طول السنين دي تعيش مع واحد زيك مش شايف إلا نفسه. الناقصة دي جابتلك فرحة. النقص مش عندي، عندك انت. انت اللي ما رضتش بحالك. روح لمراتك وشوف حياتك. أنا النهارده رجعت لي حياتي اللي استحملتك عشانها. امشي وسيبنا زي ما اتعودنا منك على كده. امشي يلا. كانت كلمات غريبة على مسامع فرحة. كما أن وقوف أمها بهذا التحدي السافر جعلها في حيرة. نطق فتح الله غير هابعاً بأي شيء:
ماشي يا زينات. انتِ طالق بالتلاتة. شهق الجميع من الصدمة. بينما زفرت زينات في ارتياح واحتضنت ابنتها وصعدت بها للأعلى. يوكز أخاه وهدان بغل ويهدر: انت إيه يا خي؟ جنسك إيه؟ ما فيش في جلبك رحمة؟ بدل ما تهديها، طلجته. لم يبالي بأحد وخرج وهو يهتف بتأفف: في داهية. أنا سايبهالكوا وسايبالكوا البت. إن شاء الله تدبحوها. أنا اتبريت منها خلاص ومش راجع هنا تاني ولو في عزاها.
*********************************************************** اقتحمت الغرفة صابحة بوجها عابثاً وبيدها كفناً أسود. قدمته إليها وهتفت بسخط: خدي البسي دا يا اللي ينجطع خبرك. حدقت فرحة إليها بتعجب ونظرت إلى أمها وهي تلوّي فمها: وتطلع مين دي؟ لت هتف زينات بهدوء: دي عمتك صابحة أم عزام يا فرحة. أشاحت فرحة بيدها بعدم اكتراث: تصدقي كنت عارفة. نفس السحنة اللي تسد النفس.
وضعت زينات يدها سريعاً على فم ابنتها لتكممه بل أن تهدر المزيد. بينما اتسعت عين صابحة وقذفت ما في يدها بغير اهتمام، وانطلقت نحوها بغضب جم وأطبقت أصابعها على ذراعها ودارتهما وهي تهدر بغل: سحنة مين اللي تسد النفس يا مقطوعة الرقبة؟ ده انتِ أيامك سودة. ولدي أنا زينة الشباب يتجال عليها سحنة زينة الشباب يا بت الهاملة. أزاحت يد أمها عنها بصعوبة وحكت ذراعيها بتألم وهدرت بضيق: آآآي. يعني هو زينة الشباب وأنا بنت أبو قردان؟
ما تهدّي يا ست انتي. وأيام سودة مين اللي توريهالي؟ انتِ ما تعرفينيش ولا إيه؟ شهقت زينات وهي تدفها من أمامها كي تتحاشى غضب صابحة الذي بدا جلياً على وجهها كالبركان. *************************************************** في إيطاليا،،، كان زين يتحدث إلى الهاتف بصوت مرهق للغاية: كدا تقريباً كلهم وقعوا. هنجمعهم في نقطة (س) واللي ليه حاجة يتعامل معاها. وكدا مهمتنا تكون خلصت. دا تقريباً أكبر عدد جواسيس قدرنا نجمعه.
ليجيبه ياسين بسؤال: انت مالك يا زين؟ صوتك مش طبيعي. سحب نفساً مطولاً وأجابه: أنا تمام. فرحة، تفوه بها ياسين في سرعة كي يربكه. حاول زين جاهداً أن يمنع فضوله ولكنه فشل وسارع بالقول: مالها؟ عندها أدرك ياسين سبب حزنه وصوته المتألم، وهتف بهدوء: اتكتب كتابها من يومين. سكت زين وأغمض عينيه جاهداً ليستوعب تلك الصدمة. ألم رهيب اجتاح قلبه. ثم أغلق الهاتف دون مقدمات حتى يصرخ بحرية. آآآآآآآآآاااااااااااااه.
نوبة اهتياج رهيبة اعترته. ظل يحطم كل شيء بلا وعي ويصرخ. مال إلى جنبه بعدما ترك كل شيئاً حوله محطماً وانحدر في نحيب وقهر لم يعانيه من قبل. فقد أعز ما يملك وسلبت منه روحه وأصبح الآن يحتضر. ********************* في منزل القناوي.
كانت تتململ فرحة في سكون محدقة للفراغ بين اليقظة والنوم بقلب ينزف ولا يكف. لا تغيب صورة بطلها الخاص ومنقذها عن مخيلتها وهلة واحدة. لقد أحبته حباً يوازي عمرها. وخذله هو خذلان مبيناً وتركها تواجه مصيرها المحتوم بأعين باردة وقلب أخفت. تأجج قد أفلت يدها الممدودة ولم يبالي برجائها المتكرر في بقائها معه. وإضافة إلى ذلك، أنه لم يصرح بأي مما رأته في عينيه ولا شعوراً واحداً مما شعرت به في اللحظات الأخيرة أو حتى أحضانه.
سكون تام اجتاح نفسها وبدت مستسلمة للأمر وإن كانت ترفضه بداخلها. ولكن من يدري ماذا ستفعل المتمردة. دخلت إليها أمها ووجدتها على تلك الحالة التي تركتها فيها من وقت ما مضت بالقوة على عقد قرانها من عزام. اقتربت منها ومسحت على رأسها بهدوء وهي تتذكر كيف أقنعتها لكي تقبل بالأمر بعد إصرار عزام على تنفيذ ما أراد. دخل إليها عمها أمين وهو يقدم لها دفتراً ويهتف بنبرة جافة: خدي امضي هنا. حولت نظرها إلى أمها في تساؤل ليجيبها عمها:
دا عقد الجواز. بتعرفي تمضي ولا هتبصميه؟ لمت لتصرخ عالياً بأنها على ذمة عاشق وعدها بعينيه أنها له ما بقيت وسيأتي وإن تأخر. ولكن قطعتها أمها وهي تلتقط الدفتر من يد أمين وتقول: حاضر يا حاج، بس سيبنا شوية مع بعضينا. البنت مصدومة مش فاهمة حاجة. دحجها أمين بنظرات ساخطة وخرج وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة. التفتت زينات نحو ابنتها بعدما وضعت الدفتر جانباً، وهتفت بحنان:
فرحة، أنا عارفة إنك اتظلمتي وأبوكي الله يسامحه اللي دبسنا الدبيسة دي. لكن انتي كدا كدا في النهاية كنتي هتتجوزي وعزام مش وحش. ارضي بنصيبك وحاولي على قد ما تقدري تحبيه. أمضي على الورقة دي. انتي ما تعرفيش أنا اتبهدلت قد إيه بسبب غيابك دا واتأذيت قد إيه. حدقت فرحة في وجهها ملياً وهتفت ببكاء مرير: مش عايزة اتجوز. حرام يا ماما، أنا من حقي أختار شريك حياتي. كفت زينات دموع ابنتها بيدها وهتفت من جديد:
أمضي دلوقتي وبعدين ارفضي. لو رفضتي دلوقتي هتاكدي شكوكهم إن انتي مش بنت ومش بعيد يقتلوكي دلوقتي. ابنتي. نظرت فرحة لأمها في صدمة وهدرت بتعجب: ليه؟ هو حد شاكك إني مش بنت؟ ليه هو انتي مفكرة لما عروسة تهرب من عريسها قبل الفرح بأيام بتفسر بإيه؟ وخاصة هنا. لو كنتي سليمة. أمضي وارفعي راسك وراسي قدام الناس دي كلها. أمضي يا فرحة، خلي ربنا يستر في اللي جاي.
قدمت لها الدفتر ونظرت لها برجاء لتمسك القلم بأيدي مرتعشة. نقشت حروف اسمها التعيس بجوار اسم عزام لتثبت لأمها أنها كما هي وتطمئن قلبها. وإن كانت ليست عذراء ولم تعد كما رحلت. فعذرية الجسد شيء وعذرية القلب شيئاً آخر. عادت من شرودها إلى ابنتها التي لم تستجب لأي مما حولها بعدما أمضت تلك الحجية اللعينة التي تثبت ملكية عزام لها. وهتفت بهدوء: فرحة مش هتقومي يا بنتي؟ بقالك كتير على دا الحال. قومي يا حبيبتي.
لم تجبها فرحة بل ظلت كما هي وكأنها تسبح في عالم آخر. كررت زينات عليها السؤال من جديد: قومي يا فرحة، حرام عليكي قلب أمك. ما بقاش مستحمل. كفايا عليا كدا يا بنتي. وكأن كلمات أمها المرهقة انتشلتها من شرودها. فأولتها انتباهاً وتساءلت بدهشة: ماما، انتي ليه اتطلقتي من أبويا بعد السنين دي كلها؟ زفرت زينات بتألم: المفروض، تستغربي إني صبرت السنين اللي فاتت دي كلها. أسندت فرحة رأسها إلى صدر أمها واستكانت لتهتف بهدوء:
عارفة إجابة دا. صبرتي عشاني وعشان حنين. مسحت زينات على ظهر ابنتها وهتفت من جديد: واهي حنين اتجوزت وما فضلش غير أنا وانتي. إن شاء الله ربنا يهدي سرك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!