في الصعيد، اقتحمت صابحة غرفة والدها عزام دون إذن، بشرر متطاير من عينيها وجحيم مستعر. حدق بها بغضب وهتف بضيق: -جرى إيه يا أمى، داخلة أوضتى من غير أحم ولا دستور؟ لم تكترث وهدرت بعنف شديد وهي تلوح بيدها بحركات متشنجة: -اسمع يا ابن بطنى، جواز من بت الشرشيرى ما يحصلش، وبت صابحة بت الشيخ سعفان ما تتجوزش. خرج بيت ولامعيوبة، أما كانت زينة البنت يا بجا تبور أحسن يا عزام. نفخ عزام بغضب وجحظت عيناه بشرر وهو يهدر بصوت عالٍ
غاضب محتد: -عزام وهدان القناوى ما يبورش يا أمى، وما اتخلجتش الحرمة اللى تمشى كلامه عليا، حتى لو كانت أمى. نظرت عمق عينيه بتحدٍ وصرخت بوجهه: -ما اتجوزهاش يا واد بطنى، ولو اتجوزتها هخنجها بإيدي. صلبت يدها في وجهه. تركها وغادر إذا شعر أنها سوف تخرجه عن طوره إذا استمر بمحادثتها. فمن زرع حصد، وكان عزام حصاد زراعته. فيه الكبرياء والحقد والتعالي، وأول من تعال عليه هي وتستحق، فلا تنتظر تفاحة من زرع بصل.
صرخت عالياً إذا جال في بالها أنه لا أحد يستمع لها، ليتجمع نساء الدار حولها في قلق. *** في الصعيد، جلست زينات وهنية بجوار صابحة، التي أمسكت رأسها وأخذت تئن على فراش والدها. -آآه يا دماغى، ضغطى عالى. هو ما فيش غير والدى اللى اتحدف عليه المصايب؟ دا أنا رضيت بيه وكبرته وخليته زينة الشباب. البلد كلها بتحكى عنه، تاخد بت الشرشيرى وتاخدوه منى، دي عين وصابت. لتؤمن هنية على حديثها: -أيوه عين وصابتكم يا ختى، معلش.
كانت زينات تربت على كتفها في صمت، وتعلم جيداً أنها لحظات وستذكر ابنتها بسوء وتوبخه. لم تسترسل في الأفكار حتى هدرت بتعنف: -من الأول جابولى بت الفلاح تبجا سلفتى. رفعت زينات حاجبيها وحركت وجهها باعتراض في صمت. لم تنتهِ صابحة عند هذه النقطة، بل زادت: -جلوا جمتى وساووا الفجير بالغنى، والواطى بالعالى. بعديها استكتروا ولدى وجابولوا عروسة البندر. جرستنا وسط الخلايج، يا ميلة بختك يا ولدى، حظك في البنتة المعيوبة.
نهضت زينات ولم تهدر حرفاً واحداً. مضت حتى لا تفقد اتزانها أمامها. شعرت بالوحدة إذا أصبحت بلا مأوى أو سند سوى جحر الأفاعي، ومضطرة للبقاء برغم معاناتها. *** في إيطاليا، نهض زين من مكانه وهو ينفض عنه الرمال التي علقت به، واتجه باتجاه فرحة الشاردة. وقف بجوارها ومد يده لها ليساعدها في النهوض. نظرت نحوه ببرود واستندت على يداه. وقفت بين يديه بشموخ زائف.
أزاح عن وجهها خصلات شعرها الهاربة وحدق بها جيداً، وهو يعرف تماماً أن صورتها قد طبعت على قلبه. كانت تنظر هي إلى عينيه التي تتجول في وجهها في صمت. دس يده إلى جيبه وأخرج السلسلة وأشار لها بيديه بمعنى أن يلبسها إياها. فحركت رأسها بالموافقة. التفت من ورائها ووضعها أعلى صدرها وزحف بها ببطء حتى وصل إلى عنقها وأغلق القفل الخاص به. وكأنما أغلق قلبه على حبها، وماتت جميع النساء في عينيه من بعدها.
كانت تشعر بصدره الملتصق في ظهرها، وأنفاسه التي تعلو وتهبط، ودقات قلبه غير المنتظمة. أشياء أخبرتها مدى عشقه دون الحاجة إلى تحريك لسانه بها. ابتعد قليلاً حتى لا يفقد السيطرة وخلع عنها جاكت الخاص به وألبسها إياه في رقة بالغة. كما أنه جذب الأيس كاب الذي يخص الجاكت ورفعه إلى رأسها وابتسم ابتسامة عذبة وهو يخبئ شعرها إلى داخله. -عارف إنك محجبة وما نسيتش دا، بس خلاص تقدرى تعيشى حياتك بحرية من دلوقت.
لمعت عيناه بتلك الدمعة خانتها هي وسقطت من عينيها. لتسمع صوت المروحية القادم من الأعلى وتنظر في السماء لتجدها تقترب. عاودت النظر إليه وهي تتوسل له ألف توسل بعينيها الباكيتين. ولكنه ارتسم الجمود واغتصب ابتسامة حزينة على وجهه وهو يحدق بها. هبطت الطائرة وفي نفس اللحظة جذبها بسرعة إلى أحضانه وكأنه يودعها. أطبق جيداً أحضانه عليها حتى يملأ قلبه بعبيرها.
ثم دفعها عنه بصعوبة وتحرك بها نحو الطائرة، بينما هي كانت في حالة مرهقة ولم تحملها قدمها وظلت تجاهد ألا تسقط. أسندها في أحضانه وسار بها. كانت تأبى الحراك وظلت تنظر إليه برجاء، ولكنه أخمد مشاعره وتسارع لينهي الوداع سريعاً. إلى أن وصل إلى سلم الطائرة ورفعها إليه وكأنه يخلع عنه قلبه. أمسكت بيده كرجاء أخير بأن لا يتركها. ليوزع هو نظره بين عينيها ويدها.
ولم يتردد في ذلك. ابتلع غصته بألم وسحب بيده بهدوء وترك أصابعها الخالية لبرودة الهواء. علقت بصرها ببصره. ارتفعت الطائرة بعض الشيء. هدرت فرحة بدموع القهر وكل الألم تعتصرها: -مش مسامحاك. حلقت الطائرة بعيداً وتابعت صورته على الأرض وهي تتقلص شيئاً فشيئاً حتى اختفت في وسط السحب، وبقي في مخيلتها ذكرى خالدة. *** في الصعيد، دخل وهدان وأمين الأخوين بناءً على طلب مدير الأمن المستعجل وضبطهم وإحضارهم فوراً. هتف وهدان بنبرة عادية:
-سلام عليكم يا سعادة الباشا. انهض مدير الأمن ليصافحه وهو يهتف بهدوء: -وعليكم السلام يا حاج وهدان، اتفضلوا اقعدوا واشربوا حاجة. ليربت الاثنان على صدرهم بشكر: -ألف شكر يا سعادة الباشا. ساد الصمت للحظات بين ثلاثتهم. بينما فتح وهدان الحديث: -يا سعادة الباشا، إحنا حاولنا نحل الموضوع ده مع الشرشيرى بس هو عصلج وما رضيش، واتنازل من نفسه عن القضية وإحنا... قاطعه مدير الأمن بابتسامة مزيفة: -لا، أنا بعتلكم عشان موضوع تاني خالص.
نظر وهدان إلى أخيه أمين في تعجب وسأل أمين في تعجب: -موضوع إيه؟ اعتدل مدير الأمن ليحادثهم بجدية تامة: -بخصوص فرح فتح الله القناوي، بنت أخوك. تركهم للحظات ليستوعبوا الحديث جيداً واسترسل:
-أنا مراعي خصوصيتكم، خصوصاً إنكم ما بلغتوش عن اختفائها، لكن هي اتخطفت من مجرم دولي ومُطرب نفسي، والأمر جه بالصدفة البحتة لأن ولاد عمها كانوا بيضربوها وهي خافت ودخلت العربية، وبعدين طلبت ينزلها، لكن هو رفض. إحنا بقى بطريقتنا قبضنا عليه وهي كانت معاه وطلبت ترجع عندكم. اتسعت عين وهدان في غير استيعاب إذا كان الأمر ليس سهلاً. ليتساءل أمين: -واشمعنى إحنا، وليه مش أبوها؟ أجابه:
-أبوها، إحنا بعتنا أخبارية وهيجيبه الصعيد الليلة عشان يسلمها، يبقى قدامكم كلكم. كان وهدان يسبح في صدمته، وترك المجال لأخيه أن يهدر المزيد من الأسئلة: -طيب، هي فين؟ -إن شاء الله، بالليل هجيبها أنا وعدد من ظباط الداخلية، بس مش هوصيكم، مش عايزين أي أذية للبنت، هي كانت مجبرة ودا شيء ملهاش ذنب فيه. حرك وهدان رأسه وهتف: -ربنا يسهل. ***
في إيطاليا، وقف في وسط الفراغ، ليس الذي على امتداد عينه، بل الفراغ الداخلي. شعور حزين وكأن قلبه انتزع منه، شعور أنه خاوٍ من الداخل. لم تحمله قدماه بعد الوقوف طويلاً صامداً، وانهار على ركبتيه يصرخ ألف صرخة موجعة. لقد كانت روحه التي تدفعه للحياة، ولأول مرة يسمح لنفسه بهذا الانهيار المؤلم. *** جلس وهدان وأمين وسط عائلتهم، وكانت زينات تحضن كفيها ببعض وهي تهتف: -يا رب لك الحمد والشكر. بينما لوت صابحة فمها للجانبين:
-ودي متجيش إلا دلوجت؟ صبرني يا رب. هتف عثمان لعمه: -وعمي فتح الله جاى؟ إجابة وهدان: -أيوه جاى، زمانه على وصول، بيجلوا شيعوله. هتف إبراهيم: -الساعة سبعة ومفيش جديد. صاح أمين بتأفف: -يوه، ما إحنا قاعدين في انتظارهم أها. كان عزام يجلس في وسط الجميع صامتاً، ونهض بغموض شديد واتجه نحو الأعلى. اندهش الجميع من حالته ونادى عليه أبيه بنبرة قلقة: -مش هتقابل الناس معانا يا والدي؟ -لم يلتفت وتقدم نحو السلم وهو
يهدر بغموض مشابه لحالته: -أما يجوا هتلاقونى وسطكم. على الجانب الآخر، هبطت المروحية على أرض ثابتة. لم تكن فرحة تشعر بأي شيء، لا خوف ولا فزع ولا تألم. فشعور اللاشيء يؤلم أشد الألم. لم تتحرك قيد أنملة أو حتى تنتبه للوقوف. أصبحت أشبه بالمومياء. انتظرها عدد من الظباط، من بينهم ياسين (الطيار)
وهو لقبه وليس مهنته. وعندما طال وقوفهم بدون جديد، علق ياسين نظره بالطائرة ولكنه لم يحدث جديد. حرك كتفيه بتعجب وأخرج يده من جيبه وتحرك نحو الطائرة. صعد السلم الخاص بها وأمال رأسه ودلف إلى الداخل وهو يبحث عن المرأة التي بدلت حالة زين وأفقدته صوابه. قضب حاجبيه في دهشة من استكانتها وبقائها رغم وقوف الطائرة بضعة دقائق. ثم تفهم الحمالة سريعاً وابتسم وهو يهتف: -هي، حمد لله على السلامة، عجبتك الطيارة ولا إيه؟
رفعت رأسها باتجاه الصوت ولم تدرك الأمر تماماً فقد كانت مشوشة. ضيقت عينيها لتستوعب من أين أتى ذلك الخارق الذي قدم من السحاب. وهتفت بدهشة: -أنت مين، وإزاي وصلت هنا؟ تعجب من أسئلتها ولكنه أجاب: -أنا طيار، ومجتش، أنتِ اللي وصلتي عندنا. صباح الخير، مالك شكلك أول مرة تركبي طيارة؟ فغرت فاها وهي تهتف: -هااا، وصلنا. اتسعت عيناه على حالتها الرثاء وأشفق عليها، ولكن تجاهل الأمر وأجابها: -ممكن تنزلي عشان في ناس مستنيانا. ***
الصعـــيد، وقف عزام في شرفة حجرته متصلباً، جامد التعبير، صامت تماماً، ولكن بداخله ضجيج. يرتب مشاعره المتضاربة بين اللهفة والانتقام والغضب. ليتابع عربات الأمن المركزي القادمة باتجاه منزل القناوي وترجل منها بعض القيادات المعروفة ومدير الأمن. نزلت فرحة بألم يفوق ألمها الجسدي وقلب بصميمها محفور عليه اسم زين. دخلت مع تلك الحاشية إلى الجمع الذي كان في انتظارها.
حدقت بوجوه الموجودين لتحاول التعرف عليهم، فما عرفت منهم سوى أبيها وأمها التي فتحت ذراعيها شوقاً وركضت نحوها. تحدث مدير الأمن بإيجاز: -تمام يا حاج وهدان، بنتكم عندكم، خلوا بالكم عليها ومش عايز أسمع عنها أي مشاكل. أجابه وهدان بامتنان: -إن شاء الله يا سعادة الباشا، شاكرين أفضالك. صافحه مدير الأمن ودار على عقبيه مودعاً. ناداه وهدان: -واه، ما عتجعتوش تاخدوا واجبكم؟ ابتسم ابتسامة صغيرة وأجابه بتحفظ:
-لا يا راجل يا طيب، إحنا كنا بنأدي واجبنا. على نفس الجانب، كانت فرحة تنحب في أحضان أمها بلا دموع، فقد هدرت الملايين منها طوال الطريق حتى جفت مقلتاها، وما تبقي سوى نيران قلبها المستعرة. خرج مدير الأمن وأغلق الباب عليهم، حتى اندفع نحوها فتح الله بغضب، وجذبها من أحضان أمها عنوة ولطمها بعنف وهو يهتف: -يا بت الناقصة، روحتِ فين وجاية بالبوليس؟ تشبثت زينات في يد ابنتها وصاحت باهتياج:
-ملكش صالح بينا يا فتح الله، مش سبتنا في مصيبتنا واتجوزت؟ روح لمراتك وسيبنا. اشتعلت عين فتح الله بانفعال زائد: -مش قبل ما أربي بت الناقصة دي. وبدأ بالتهاوي بلكمات في أماكن متفرقة على جسد فرحة الضعيف وبدأت بالصراخ. عندئذ نزل عزام الدرج بخطوات واثقة وهادئة وهو يهدر بتحذير عالٍ أسكت الجميع: -ما حدش يمد يده عليها. رفعت فرحة نظرها إليه كما فعل الجميع، ولكنها أحست بأمان نسبي سرعان ما تلاشى عندما استرسل قائلاً
وهو يتقدم نحوهم: -مراتي ومن حقي أنا بس اللي أربيها. انتفضت أثر كلماته وأصابتها قشعريرة وحدقت به ملياً. ودت لو بإمكانها الصراخ باسم زين وأنه لن ترضى سواه أبداً مهما كان، وأن وصل الأمر إلى الموت. أطلقت صابحة صرخة عالية عوضاً عنها وهتفت بضيق: -يا لهوي، يا مُرك يا صابحة. لم يبالِ بها عزام والتف إلى فرحة وحدقها بنظرات ضيقة دون أن يحيد نظره عنها. وصاح في ابن عمه بصوت غاضب: -إبراهيم، جيب المأذون عشان يكتب الكتاب دلوجت.
كان لا يفكر سوى في امتلاكها الوقتي حتى يضمن بقاءها على كل حال. ارتعش جسدها وكادت أن تسقط أرضاً من فرط الرعب. بينما لطمت زينات وجهها، فهي تعرف النوايا التي تخبئ لابنتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!