صاح وهدان بوالدة معنفا: جوم يا ولُد شوف بت عملك راحت فين دور عليها. اعتدل عزام في جلسته بارتياح وهتف بتهكم: أني أدور وأتعب حالي ليه، وهي كل مرة تهرب مع عشيجها. أقولك يا بواي، أني ما عادش عايزها، الجوازة بلاها تعب وفجر. ما عدش تدورش عليها وهي في حضن عشجها، وأيجي أقولك بنتجرطس تزعلوا. واديني أه باقولها جدام الكل، كلّها فرحة بتك يا عم فتح الله. طـــــــــــــــــــــــــــالــــــــــــج مني بالثلاثة.
شهقت زينات ولطمت لطمة خفيفة على وجهها، وتهللت أساريرها. وعلت صوتها الزغاريد، وعقبت مبتهجة: لولوولوي، ألف بركة وألف نهار أبيض. بينما تركت الصدمة أثرًا على وجه من بقي من وهدان وأمين وفتح الله. الذي هدر باهتياج: يعني إيه، انتوا هتلعبوا بينا ولا إيه؟ أنا جاي من مصر عشان أفرح ببتي، تطالقوها؟ ما تشوف ابنك يا وهدان. لم ينبس وهدان فمه بكلمة واحدة، فقط بقى على وجه تعابير مبهمة. نهض عزام من مكانه وهتف وهو يتجه نحو الدرج:
افرح بيها مع عشيجها. في مكان مظلم، فتحت فرحة عينيها المجهدة، ولكنها لم تر سوى الظلام الذي يراعبها ويفقدها صوابها. حاولت الصراخ ولكنها كانت مكممة. على صراخها المكتوم وهي تحاول تحريك يديها المقيدين، لم تعد عاجزة. لا تحرك أي عضو من أعضائها. ظلت تعتصر رأسها تحاول تذكر كيفية وصولها إلى هنا. لم تر شيئًا أو حتى تميز ذلك الشخص الذي مد يده أسفل جسدها المستسلم للنوم.
وعند إدراكها للأمر، حاولت الصراخ، ولكنه كمم فمها بيده، وأطبق يديه حول قدمها ويدها وحملها بين يديه إلى خارج الغرفة. رأت أمها الغارقة في النوم، وصرخت صرخات كان مصيرها جوفها. ثم تيقنت أنها لم تستسلم بسبب حركتها المستمرة. فأطاح رأسه برأسها في اصطدام قوي أفقدها الوعي. عادت لتصرخ من جديد، ولكن صوتها لا يخرج. حاولت التحرك، ولكن القيد كان محكمًا. حاولت التبصر عن بصيص نور، ولكنها لم تجده.
بقى معها صراعها الخفي من الظلام وهواجسها عن أي صوت يصدر حولها. حاولت السيطرة على نفسها، ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا. ودخلت في نوبة بكاء هستيريا وهي تخشى حتى مرور شعرها على وجهها، الآن يرعبها. ظلت تنتفض مرارًا وتكرارًا وهي خائفة من الظلام وحالتها المزرية التي لا تبشر بخير. إذا كانت فرحة مرتعبه تمامًا. في إحدى الفنادق، هتف زين لصديقه ياسين متبرمًا: ما حدش رد ليه؟ إحنا لازم نرجع تاني. أجابه ياسين بضيق: حاضر يا ابني، اصبر.
انهاردة كمان وبكرة لو ما ردوش نروح إحنا. بس انت اهدى شوية. وقف زين في شرفة الفندق يحاكي نفسه: يارب بقى. في منزل القناوي، خرج الجميع للبحث عن فرحة المفقودة، حتى زينات كانت من بينهم. بعدما قبع عزام في المنزل رافضًا البحث عنها تمامًا. فقد أهدر وقته من قبل في البحث عنها ولم يحصل على شيء. حتى فرحة لم تقدر ذلك ونبذته ورفضته بشدة، فما عاد يتم لأمرها أو يكترث لمصيرها بعدما طلقها طلقة بائنة أمام الجميع.
أشرق يوم جديد على كل الأفراد. مازالت فرحة مفقودة تقاسي في مكان مظلم ولا تعرف أين هي ولا سبب وجودها. لا تعرف ليلاً من نهار أو ترى نورًا من الأساس. فقط الظلام والرعب. شحب وجهها كالأموات وأصبحت باردة تمامًا. وتركت القيود علامات على بشرتها البيضاء. في الفندق، هدر زين متعصبًا إلى صديقه ياسين: ما حدش اتصل، يبقى يلا بينا نرحل. ضغط ياسين على رأسه وهتف بضيق:
يا ابني انت كل خمس دقايق تقول لي يلا نرحلهم، اهدى يا زين، الموضوع صعب ولازم تقدر الناس. شرع زين في فك أزرار قميصه بعجلة وهدر بضيق: صعب ما صعبش، أنا رايح دلوقتي، عايز تيجي معايا تعال، مش عايز ما تجيش. اتجه نحو الخزانة والتقط تيشرت عشوائيًا وشرع في ارتدائه. حرك ياسين رأسه وهتف مستسلمًا: يلا يا خويا، انت ما عندكش صبر أصلًا، يلا بينا. في منزل البدري، نهضت سناء من نومها بفزع، فقد مضت الليلة السابقة في كوابيس مفزعة.
ضغطت على رأسها وهي تهتف: آآآه يا راسي، ياني راسي هتطق، يا ساتر. مر في رأسها لمحات مما رأيت في منامها. رأت نفسها تسبح في بركة من الدماء ليس لها آخر. تجم وجه بفزع وتمتمت بصوت عالٍ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم نزلت باتجاه الأسفل تبحث عن مسكن للصداع الذي احتل رأسها. في منزل القناوي، كان الوضع سيئًا للغاية. بحث الجميع عن فرحة ولكنهم لم يجدوها. جلس أمين في منتصف المنزل يلطم كفه ببعض:
لا حول ولا قوة إلا بالله، البت دي راحت فين؟ كانت تجلس إلى جواره زوجته هنيه، والتي سارعت بالقول: وهي هتروح فين يعنى؟ هي تعرف حد هنا، البت دي هربت مع الجدع اللي جه هنا من كام يوم. نظر إليه أمين متحيراً، فأضافت صابحة وهي تتقدم نحوهم: على قولك يا سلفتي، أنا هاين عليا لو جات تاني أطردها هي وأمها. برة الكفر كله، كفايانا فضايح، كنا كافين خيرنا شرنا. دخل فتح الله من بوابة المنزل الكبيرة برفقة وهدان أخيه.
نظرت إليهم صابحة نظرة ازدراء وهدرت بتهكم واضح: هااا، لاجتوها؟ هتف وهدان وهو يجلس لا يلتقط أنفاسه: صبرك علينا يا أم عزام، ناخد نفسنا، هاتي شوية ميه نبل ريقنا. لم تحرك ساكنًا ووقفت تتابعهم بعين هازئة، ثم هدرت بصوت عالٍ: يا بت هاتي ميه هنا. هتف أمين: أني جلبت البلد من شارجها لغاربها، مالهاش أثر واصل. فتح فتح الله فمه بتحسر: ولا إحنا كمان لاقينها. دقائق ودق الباب المفتوح، وكان ذلك زينات. رفعت صابحة نظرها نحو
زينات وهدرت بتهكم صريح: على الله تكوني جبتي الديب من ديله، ها الرجالة ما لاقوهاش. لوت زينات فمها وسكتت تمامًا، ثم اتخذت وجهتها باتجاه الدرج. صاح وهدان بتعصب: صــــــــــابحــــــها. جابته هي أيضًا بتعصب: يالهوي على صابحة وسنين صابحة اللي ما حدش طايجلها كلمة. لم يعيرها وهدان أي اهتمام ونادى عاليًا: أم فرحة. التفت إليه بهدوء، فاستكمل غاضبًا: أنتي إيه طالعك؟ ما كلنا خرجنا أه وما حدش قصر.
كانت عيناها الدامعة تلجم فاها، فهي أضعف من فيهم، ولكن أكثر من سيبحث بدقة عنها بعدما تخلى عنها زوجها المستقبلي عزام. نادى صوت خشن قطع ذلك الحوار: دستور يا أهل الدار. التف الجميع نحو مصدر الصوت، واتسعت أعينهم في دهشة. إذا كان المنادى هو زين وياسين الذان يشكون أنهم هم الفاعلين. حل المساء بهدوء قاتل، ووقت يمر ببطء على تلك التي لا تعرف ليلاً من نهار أو ترى أي ضياء.
تمكن الرعب من فرحة وملأ كل خلجاتها، حتى خصلات شعرها الهاربة ترعبها. ارتعش جسدها وشعرت بالخدر. أرادت فقط أن تنتهي حياتها وينتهي كل شيء. فقد كان الصمت والظلام الموحش كان أسوأ من القبر بذاته. التقطت أذنها صوت باب ينفتح يصدر صريرًا مرعبًا. رفعت وجهها تحاول التقاط أي شيء يطمئنها، ما عادت تدرك أيًا من القدرين أخف. المجهول أم القبر؟ أنفاس غريبة لفحت بشرتها الباردة. لم تر شيئًا أو تسمع صوتًا. فقط أنفاس تبدو قريبة منها.
حاولت التكلم، ولكن منعها الكمامة التي على فمها. وأصدرت همهمات عالية، وعاد الصمت من جديد. أدمعت عينيها لسكون المكان من جديد، وظنت أنها أصيبت بالخرف. وما هي إلا ثانية حتى شعرت بيد خشنة تحاوط أسفل فخذيها وكذلك أعلى ظهرها. قاومت وأصدرت همهمات عالية وركلت بقدمها المقيدة في الهواء. ولكن تلك اليدان لم تسمح لها بحراك كثير، وأحكمت قبضتها عليها وشعرت بحركة خفيفة تبدو كالخطوات.
بدأ يتسلل ضوء القمر إلى عينيها، ولكنها أغمضت عينيها بشدة من تلك الإضاءة المفاجئة. نظر إلى جلوسها فترة طويلة في الظلام، جل ما أرادته الآن هو رؤية من يحملها. فتحت عينيها سريعًا لتصدم بأعين ذات نظرات حادة وشرسة للغاية. جحظت عيناها بفزع حقيقي، وعلت شهقاتها المكتومة، ودب الرعب في أطرافها. فهتف ذلك الصوت الأجش بتهكم واضح: براحة يا بت عمي، ما تصرخيش، لسه الصريخ جاي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!