في إيطاليا، رفع زين هاتفه إلى أذنه ليجيب ياسين باهتمامه. "اتفضل يا سين." بنبرة متوجسة وسريعة. "انت تخلص مهمتك وترجع في أسرع وقت." سأله زين بتعجب: "ليه؟ أجاب في تحذير خطر: "جالنا معلومات إن جماعة المافيا بيدوروا عليك انت وفرحة، والموضوع بقا تار بايت، ومش هيعدوا إلا لما يلاقوا البنت دي، ودافعين فلوس كتير أوي عشان حد يدلهم معلومة واحدة عنهم." اتسعت عين زين بقلق وهدر بسرعة: "أنا لازم أوصل لفرحة بأسرع وقت."
"تفرح زين متبرمًا:" "سيبك من فرحة دلوقتي، المهم انت، هي في أمان؟ هي ما حدش يخطر على باله مكانها؟ ارجع انت." دار حول نفسه وهدر بجنون: "لا أنا مش هطمن عليها غير وهي معايا أنا." قاطعه ياسين بغضب: "انت هتلكك، ما تقول إنك بتحبها يا عم وخلصنا." كانت كلماته صادمة لزين، إذا وضح الأمر الذي طالما أنكره ولم يجد أي مفر من ذلك. فتحنح بحرج وحاول جاهدًا إيجاد رد مناسب أو دبلوماسي، ولكنه لم يستطع.
فباغته صديقه قائلًا: "ارجع مصر وأنا هوصلك بنفسي هناك، ربنا يجعلها من نصيبك يا عم." اندهش زين من طريقته وسؤاله بعجب: "نصيبي، انت مش قولت إنها اتجوزت؟ أجاب صديقه بتسلية: "آه ماهي ما اتجوزتش أوي يعني، انت ما سبتنيش أكمل، اتكتب كتابها بس ولسة ما اتحددش الفرح." زفر زين بارتياح، فقد أضاء أمامه بصيص أمل بالظفر بها. استرسل صديقه بسعادة: "ارجع انت بس وأنا هوصلك." هتف زين في ثقة: "لا أنا عارف المكان." أغلق الهاتف
وترك صديقه يتساءل بحيرة: "عارف إزاي؟! في منزل القناوي، صراخ فرحة الحاد أجمع أهل الدار عليهم، والجو المتوتر خلق عنفًا زاد داخل نفس عزام الذي جاهد للوصول إلى فرحة التي حال بينها وبينه زين وهنية بإستماتة، بينما وقفت صابحة تتابع بغل لم ينطفئ ولن ينطفئ أبدًا إلا بخروجها من المنزل. هدر عزام بغضب واجماً: "ما حدش يدخل بيني وبين مراتي، أنا هربيها من أول وجديد."
صرخت فرحة هستيريا: "لا لا ما تقولش مراتي، دي أنا مش مرات حد، أنا أصلًا مش عايزك." حاول التقدم ناحيتها ودفع زين وهنية دفعاً حتى هجم عليها. وأمسك شعرها بيده وكأنه سيقتلعه من جذوره، بينما أمسكت هي يده كي تزيح يده عنه لتتخلص من الألم. وصرخ في الجميع: "اطلعوا برة، برة! شفقت زينات على ابنتها وهتفت برجاء: "يا ابني حرام عليك، البت مش عارفة حاجة و... قاطعها في
ذلك صابحة وهي تهدر بسخرية: "إيه هتمنعي إنه يربي مرته كمان يا زينات؟ يظهر عليكي نسيتي عوايدنا." بينما تأفف عزام من حواراتهم السخيفة وصرخ بعنف: "أباي على حديتكم الماسخ، طالما مش عايزين تطلعوا أنا اللي هطلع." كانت فرحة ترتجف في يده كعصفورة في برد قارس. وبدأت التحرك بينما هو أصر على التحرك بها للخارج. لكنه توقف عندما اصطدم بجسد والده، نظر إليه وهدان شزراً، فترك شعر فرحة بهدوء، والتي هرولت إلى أحضان أمها تنتفض وتنحب. ساد
الصمت لصوت وهدان الغاضب: "إيه بيحصل هنا؟ وانت يا عزام عتجرجر فرحة من شعرها ليه؟ ابتلع ريقه بتوجس وهتف باحترام لهيبة أبيه: "عتجرح فيا يا أبويا وتجل ادبها." ضاق صدر وهدان من إجابته وهدر بتعصب: "وانت إيه يجيبك عنديها أهنه؟ أيوه كتبت الكتاب لكن لسة ما دخلتش عشان تجاي أوض الحريم؟ تهجم عليهم ولا إيه يا ابني؟ على آخر زمنا." أجاب عزام بحرج: "كت جاي أطمن عليها و... قاطعه وهدان بنبرة تهكمية: "بس بس بلاش رط. (كلام) فاضي...
الأوضة أهنه ما تعتبهاش إلا لما تبجا مراتك جدام الخلج (الناس) ونعمل فرح غير أكده. الكلام ناهي." هتف عزام بإصرار وتعند: "واحنا مستنين إيه؟ العفش جاهز بجاله كتير والكتاب اتكتب، فضونا بجا من السيرة دي وتمموا الجوازة." سكت وهدان ليتدبر ما قاله عزام ثم هتف موافقاً: "خلاص نعملوا الفرح السبوع الجاية." نهضت فرحة من على صدر أمها وهدرت ببكاء: "عمي أنا عايزاك." نظر لها بسخط وهتف ببرود: "بعدين نبجا نتحدت (نتكلم)
تقدمت نحوه بإصرار: "لا أنا عايزة أتكلم وياك، ارجوك." زفر أنفاسه ونظر حوله وحرك رأسه نافياً: "إني مش فاضي دلوقت. بعدين هنبعتلك ونتحدت." دار على عقبيه ليقاطع محاولة حديثها وهدر بتعصب: "يلا فضونا من اللمة دي." ألقى عزام نظرة غاضبة على فرحة وخرج مسرعاً، بينما تابعته هنية ووقفت صابحة تتأمل فرحة وكأنها تدبر لها أمراً. شردت قليلاً ثم دارت على عقبيها وخرجت في صمت. في منزل القناوي، الجميع منشغل بتجهيز للفرح الذي أتى على فجأة.
انتقص وزن فرحة بشكل ملحوظ وبات تصرع باستمرار من نومها بسبب الرعب الذي بثه عزام بداخلها. ومن جهة أخرى، رائحة زين التي تختفي شيئاً فشيئاً من الجاكت الخاص به، هو كان ما يطمئنها ويواسي روحها المجروحة. لم تفارق أمها غرفتها، تجلس إلى جوارها وتقرأ القرآن وتدعو لها بأن يريح قلبها وأن يسعدها ما بقي من الدهر. نهضت من الأرض واتجهت نحو سريرها الذي تنكمش عليه أغلب وقتها. هتفت بحنو: "فرحة يا بنتي، قومي صلي ركعتين لله وهدي نفسك."
لم تجبها فرحة وظلت تحدق للفراغ. عضت أمها شفتيها متأسفة على حالة ابنتها التي وصلت لها، ولكنها وقعت عينها على ذلك الجاكت الذي لم تفارقه وأحياناً ترتديه وتغفو به وكأنه يحتضنها. نسيت زينات كل هذا من فرط شوقها لابنتها وما حدث مؤخراً من طلاق بينها وبين فتح الله تارة، ومن تارة أخرى ما نوى عمها فعله، وبين عزام الذي أصبح فزعها الأكبر من معاملته الحادة معها والتي لا تبشر بخيره. هتفت
وهي تحدق بالجاكت وتتساءل: "هو البتاع دا بتاع مين؟ التفتت لها فرحة وأحكمت قبضتها عليه وهدرت بسرعة: "بتاعي." لم تشفها إجابة ابنتها بل ازدادت فضولاً وتمسكاً بمعرفة كل شيء الآن. "فرحة، محدش لحد دلوقتي يعرف انتي رحتي فين ولا اختفيتي فين، ولا أنا سألتك، أنا عايزة أعرف كل اللي حصل في غيابك زي ما عرفتي كل حاجة." تراقصت مقلتا فرحة بتوجس ولم تعرف بماذا ستكذب وعيناها بعين أمها. جف حلقها وارتفعت حرارتها وهتفت بتوتر حاد: "آه...
آه... أنا قولتلكم أنا خفت وجريت على العربية وهو خطفني." لم تنطلي الخدعة عن قلب أم تعرف وجه صغيرتها عند الكذب. حدقت في عينيها بحدة وهدرت بغضب واجماً: "عرفت دي إيه اللي حصل في فترة غيابك؟ قعدتي مع المجنون والمطرب نفسياً إزاي؟ هنا قد خارت قواها وأوشكت على الانهيار شيئاً ما.
سقط فوق رأسها، وودت البوح أنها كانت مع رجل حماها حتى من نفسه، وودت الصراخ باسمه بأعلى صوت لعلَّه يسمعها ويأتي إليها هرولاً لتختبئ في أحضانه عن كل ذلك الخوف. نفضت سريعاً تلك الأفكار من أثر نظرات أمها الفاحصة وحاولت أن تبدو طبيعية تماماً. وهتفت بتماسك زائف: "هيكون إيه يا ماما، أهو عشت زي ما عشت." هنا أمسكت أمها ساعدها بقسوة وأوقفتها عنوة على قدمها وهي تهدر بتعصب: "إزاي عشتي زي ما عشتي؟
انتي اتجننتي والمجنون هو اللي بهت عليكِ طول المدة دي وانتي عايشة معاه ومقفول الباب عليكم، وجاية تقولي عشت زي ما عشت؟ انطقي لاحسن ما أنا اللي هسيح دمك، مين دا وحصل إيه ويااه؟ ثم سحبت الجاكت المتروك إلى جوارها وهتفت بتساؤل منزعج، "ودا محضنه فيه ليل نهار ليه؟ نايمة قايمة بيه ليه؟ كانت تحركها بيدها بعنف في حركات سريعة أرهقتها. هدرت فرحة من وسط دموعها التي انهمرت بشكل متسارع: "كان ظابط، وحبيته."
اتسعت عين زينات وهي تفلت ذراع ابنتها ببطء وتمتمت بذهول: "يا مصيبتي." بعد أن استوعبت فرحة الكلمة هدرت بغير وعي وكأنها ترجوها: "أنا مش هتجوز غيره ومش هكون غير ليه." أمسكت أمها يدها من جديد وصرخت فيها غاضبة: "حصل بينكم إيه عشان تحبيه؟ عملك إيه؟ انطقي، شاف شعرك؟ شاف ضافر رجلك؟ طمنيني، هتموتيني وأنا واقفة." انتحبت فرحة بهستيريا وهي تجيبها وكأنها تستدعي
ذاكرة الماضي نصب عينيها: "ما لمسنيش، برغم إني كنت مستسلمة في إيده ما لمسنيش، كنت مغيبة عن الدنيا واصحى ألاقي نفسي بلبس تاني، وبرغم من كدا ما لمسنيش، كان بيحميني وبس." صفعت زينات بصفعة قوية على وجهها ودبت مخالبها في فروة رأسها وهي تصرخ بها: "كان إيه يا فاجرة، يا صايعة ياللي ما عرفتش أربيكي، كنتي بتنامي بلبس وتصحي بغيره وتقوليلي ملمسنيش؟ كنتي عايزة تبقي فايقة يا بت ال***. ضحك عليكي ونيمك ونام معاكي وبتقوليلي بحبه؟
صرخت فرحة وهي تحاول النفاذ من تحت يدها: "محصلش، محصل." أوقعتها أمها أرضاً وظلت تصرخ بها وهي تهوي بصفعات متكررة على وجهها بأنفاس لا هثة: "وانتي إيه ضمنك وايه عرفك؟ مش بتقولي كنت غايبة عن الوعي؟ تركتها زينات جانباً وجلست بتعب تربت على رأسها بهستيريا الحزن: "يا مصيبتي يا مصيبتي، يا خسارة دفعتي عليكي، يا ريتك ما رجعتي، يا ريتك ما رجعتي. كان عليا بإيه دعايا برجوعك؟
جبتيلي الحسرة والخزي معاكي. كان كفايا عليا أبوكي وبلاش انتي. بلاش انتي." حاولت فرحة التقرب إلى أمها ومواستها ولكنها كانت غارقة فيما قالته. هل حقاً زين فعل ما أرادت في غيبوبتها؟ فقد غابت عن الوعي لأيام وهو من اهتم بها. كيف قاوم فكرة أنها عارية أمامه ولم يمسسها؟ هل أمها محقة أم أن زين أرفع وأنبل من ذلك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!