الفصل 26 | من 45 فصل

رواية اسياد الحب والحرب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
1,766
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

وقفت فرحة بشجاعة زائفة أمام ذلك الذي يحدق بها بغل. فرج عزام عن الكلمات بعد دحجها بنظرات مميتة وهدر بغضب ملجم: "أما تكلمي مع جوزك تتكلمي بأدب، وأما أنا أتنازل وأجي أسأل عليكي، تجولي زينة ونحمده عشان انتي لسه مش قد غضبي، سامعة ولا لأ؟ ابتعدت عنه قليلاً حتى تتفادى ردة فعله عما ستنطق به، وهتفت بصوت متماسك بعض الشيء:

"بص، أنا كل اللي بتقوله دا ماليش فيه، أنا مراتك على الورق ووافقت إننا نكتب الكتاب عشان أعدي الموقف وعشان الهري اللي بتقوله، إنما أنا هنزل أقول لعمي إني مش عايزة الجوازة دي، وأنا مش موافقة." حملق بها بغضب، وبدت بوادر الانفجار على وجهه، وزمجر وهو يتقدم نحوها: "اتجننتي وزودتيها يا بت عمي، جوازة إيه اللي انتي مش عايزها، انتي بقيتي مراتي وما بتخلصيش مني إلا بموتك." كانت تتراجع من أثر تقدمه حتى توقفت، إذا انتهى بها المطاف.

أوقفها الجدار. نظرت إليه بتوجس وشعرت بضيق المكان، بينما هو لم يلاحظ أبداً. التلاشي التدريجي للمسافة، وظل يتقدم حتى أسند يده إلى الحائط واحتجزها بين يديه. وشعر باقترابه الشديد منها، واتسعت عينيه بشكل مخيف كي يرعبها زيادة. سارعت فرحة وأغمضت عينيها وابتلعت ريقها لتحاول إخفاء رعبها المتجلي في عينها. هتف بصوت أقرب للفحيح: "شفتي الدنيا صغيرة إزاي، انتي بقيتي مراتي خلاص وما حدش هيخلصك من يدي واصل."

كانت تنكمش تحت طوله الفارع، تكاد تضيع بين يديه. مال بجبينه حتى يتلذذ برؤيتها انقباض عينيها من فرط الرعب. عرف تمام المعرفة أنها كانت تتحلى بالشجاعة الزائفة وأنها ترهب من أقل الأشياء. كما تأكد من شيئاً مهماً. ذكره لنفسه. ساد الصمت وشعرت ببرودة في أوصالها. وأخيراً قررت أن تفتح عينيها لتجد الفراغ. نظرت حولها بقلق ومسحت الغرفة بعينين لامعتين فلم تجده. كادت أن تفقد عقلها وظنت أنه كان كابوساً لا أكثر.

ولكن اقتحمت أمها الغرفة وهرولت نحوها، جعلها تتأكد أنه كان حقيقياً. اقتربت منها أمها ومدت يدها لتحضنها، ولكنها صرخت بهستيريا: "لا ابعدوا عني، أنا يستحيل أتجوزه، هموت نفسي، هموت نفسي أقسم بالله." لطمت زينة وجنتها لطمة خفيفة وهدرت بقلق: "إيه يا بت، حصل إيه؟! انكمشت إلى طرف الفراش وراحت تنتفض من هول ما رأته. كان متجلياً بهيئته المرعبة ونجح في بث الرعب في نفسها بشكل كبير وبأبسط الأشياء. *** في الصعيد.

تجاذبت الفتيات وزينة أطراف الحديث حديثاً طويلاً حتى وصلوا إلى تلك النقطة. هتفت حنين بحماس: "يعني هلحق أحضر الفرح ولا لأ؟ لوحت فرحة بيدها في غضب: "لا لا، فرح إيه، مفيش فرح." وزعت حنين نظرها بينها وبين زينة بتعجب. هتفت زينة وهي تلوّي فمها: "أصل مش عاجبها العريس." ضيقت حنين عينيها وهدرت: "بت يا فرحة، انتي اتكتب كتابك، انتي مغيبة ولا إيه؟ عندئذ نهضت زينة معللة: "آه، هسيبكم بقي يا بنات وأقوم أصلي العشاء."

وتحركت نحو الباب دون انتظار رد، وأغلقت الباب من ورائها. التفت حنين إلى فرحة وسألتها بشك: "بت يا فرحة، فيه إيه؟ توترت قليلاً وأجابتها: "إيه اللي إيه، ما بحبوش." ابتسمت حنين ابتسامة ناعمة وهتفت: "بكرة تحبيه، مش انتي قولتيلي قبل كده." حركت رأسها بأسى: "لا مش هينفع." تشنجت قسماتها وسألتها بجدية: "ومش هينفع ليه؟ لم تقاوم فرحة حزنها الذي حملته في قلبها أياماً وهدرت ببكاء مرير: "عشان أنا قلبي مش ملكي." وانفجرت في البكاء.

وضعت يدها على فمها لتكمم شهقاتها المتتالية. تمعنت حنين في وجهها بدهشة وسألتها: "مين دا؟ حاولت فرحة التوقف عن البكاء ولكنها لم تستطع. كلما تذكرت جمود مشاعره تجاهها ولحظات فرقاه، ازدادت بكاءً وحسرة. نبثت كلمات من وسط بكائها سريعة: "بحبه يا حنين، هو بيحبني، مرضيش يقولها أو أنا بيتهيألي، مش معقول كان بيتهيألي، دا كان يخاف عليا، أخدني معاها، سافرت أنقذني، كنت بحس معاها بالأمان." احتضنتها حنين وظلت تربت على ظهرها حتى تهدأ.

لم ترها من قبل بهذا الانهيار. دخلت زينة في تلك اللحظة وهتفت دون أن تلقي نظرة عليهم ظناً منها أنهم سعداء: "أبوكي تحت يا حنين وعايزك." تمعنت قليلاً فوجدت ابنتها ترمي في أحضان حنين وتبكي، وبادلتها حنين البكاء. اقتربت منهم وهدرت بقلق: "إيه! عيطت تاني ليه؟! مسحت حنين عبراتها وهتفت وهي تنهض: "مش عارفة، بس شوفي حل في الجوازة دي، لاحسن بشكل دا هتموت." كانت فرحة مستمرة في البكاء ولم تعِ حرفاً. قلبها لا ينبض إلا باسمها.

احتضنتها زينة وهتفت بأسى: "ما باليد حيلة يا بنتي." ألقت حنين نظرة متحسرة إلى صديقتها التي تعرفها حق المعرفة وتعرف أنها عشقت. هتفت في نفسها: "عشقتي يا فرحة، والعشق بيكويكي." *** في إيطاليا. سكن زين يحدق في اللاشيء إلا من نقطة ساكنة في شاشة هاتفه. الهدوء والسكون أصبح يقودانه إلى الجنون. أغلق عينيه ليهدئ من لوعته، فقد اختل توازنه في الفترة السابقة وصار في غير سجيته.

ولكنه رتب أفكاره وعقد العزم على إنهاء مهمته سريعاً والعودة إلى حيث ترك قلبه. *** على الجانب الآخر. احتضنت فرحة الجاكت الخاص بزين لتستمد الأمان من رائحته العالقة به. كم ذرفت بحوراً من الدموع عليه وأغرقته، تترجى وصاله الذي أصبح فقط في الأحلام. وأخيراً أغمضت عينيها وسكنت. بعد مرور أيام. مرت أما مازالت فرحة تسجن نفسها في غرفتها ولا تريد المغادرة عن فراشه.

لفتت إليها زينة التي أشفت لحالتها التي لن تتغير منذ أن مضت تلك الورقة اللعينة المسماة بكتب الكتاب. اقتربت منها في محاولة لتخفيف حزنها وهتفت بحنو: "قومي يا قلب أمك، اطلعي من الخنقة دي، وحتى انزلي الجنينة اقعدي وسط الخضرة وفي الهواء، خلي الغمة اللي عندك دي تنكشف، حرام عليكي نفسك." أجابتها فرحة بصوت حزين مرهق مما تنحيه كل ليلة: "مش عايزة أخرج، لو خرجت هصرخ وأقول للدنيا تقف."

عضت زينة شفتيها ومدت يدها لتمسح على شعر ابنتها وهتفت بهدوء وكأنها طفلة صغيرة تروضها: "فرحة حبيبتي، انتي عرفتي كل اللي حصل في غيابك واللي أبوكي عمله، المفروض إنك تبقي أعقل من كدا، إحنا ما عدش لينا مكان تاني نروح." حدقت إليها بعينيها التي أصبحت في الفترة الأخيرة مرعبة من فرط الاحمرار وهدرت بألم:

"مش عايزة أتجوز، مش عايزة، سيبوني هنا في الأوضة دي واقفلوا عليا ليوم الدين، مش هشتكي ولا أقول لكم خرجوني، أنا ماليش ذنب، أنا أبويا قالهم يجوزوني، ماليش ذنب إنه اتفق يتخلص مني معاهم، حرام عليكوا، كفايا كدا ظلم فيا." كادت زينة أن تنطق لها آخر ما تبقى في جعبتها وأخفته عنها كي لا ترعبها. كانت على أمل لعلها تجد حالاً مع عمها بعيداً عن تلك الفكرة المؤلمة.

أوشكت أن تهدر أن عمها سيطلقها بعد زواجها بأشهر معدودة بعدما يتأكدوا بطريقتهم القديمة. أنها عذراء. أطبقت شفتيها جيداً حتى لا تهدر بحرف حتى لا تزيد الأمر سوء. احتضنتها بحنان جارف وهمست في: "يا حبيبتي يا بنتي." طرق الباب بطرقات متسارعة فابتعدت قليلاً عن ابنتها. ونادت بالقبول: "ادخل." كان هو عزام بهيئته التي تبغضها فرحة. صكت أسنانها فور رؤيته. بينما هو لم يكترث لأمرها وهدر بنبرة جافة بها شيئاً من السيطرة:

"كيفك يا مرت عمي، كيفك يا بت عمي، عقلك رجعلك وعرفتي تردي عليا كيف؟ دفعت فرحة أمها وقفزت فوق الفراش وهدرت بصوت عالٍ وهستيري: "أنا مش خايفة منك، وانت مالكش عليا كلام، وإذا كان على الورقة اللي مضيتها دي بلها واشرب مايتها، أنا مش هبقى مراتك لو آخر عمري." كممت زينة فمها بقلق مما ستجري به الأمور. بينما وجه عزام نظرات إجرامية ولمعت عينيه بنيران الغضب التي ستحرقها، مؤكداً على ما تفوهت به. زمجر عالياً وهو يقترب من فراشها الذي

انتصبت عليه وهدر بصوت حاد: "شفتيلك شوفة يا بت عمي ونسيتي اللي علمتهولك من جبل، بس نعيده يا فرحة طالما انتي ما اتعلمتيش من أول مرة." مد يده ليمسكها ولكنها ركضت من الآخر. وصرخت عالياً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...