في غرفة زين، دخل وهدان غرفته بحرج، وقف فوق رأسه فاستيقظ زين سريعًا واعتدل في نومه. هتف وهدان بحرج: معلش يا ولدي، كنت عايزك في كلمتين أكده. مسح زين من وجهه آثار النوم الذي لم ينعم به: اتفضل، أنا تحت أمرك. عفر وهدان أنفاسه المتحيرة وجاهد النطق وهو يحرك يده أعلى فمه وذقنه. كان زين يتتبع حركاته باهتمام وكأنه يقرأ أفكاره. خير. هتف:
بص يا ولدي، انت عارف إننا صعايدة والشرف عندنا أغلى من الأرض والدم. أنا جاي أسألك وأتمنى إنك ما تكذبش عليا. بتنا بختم ربنا ولا لأ؟ أطلق زين العنان لمرور الهواء الذي احتبسه في رئتيه وهو يخمن الأمر، وهدر بثقة لا يشوبها أي تزييف: انت شايفني إيه؟ حرامي؟ نصاب؟ معدوم الأخلاق؟ أنا ظابط اتربيت إني أحمي مش أغتصب. حرك وهدان رأسه بضيق، وكانت الإجابة لم تشفِ صدره:
إني ما جولتش عليك حاجة، إني بجول راجل وواحدة غايبين اد لهم مدة والشيطان ما جدرش عليهم. أمسك زين وهو يسحب ياقة التيشيرت الخاص به في حركة دائرية بضيق ملجم: امم، انت عايز الحقيقة كاملة. بنت أخوك لو كانت، لو ظهرت قدامي لابسة إيه ولا مش لابسة خالص، عمري ما هبص لها اطلاقًا. أنا مدرب على الحاجات دي وأعرف كويس. اتحكم في نفسي، فتأكد وارتاح إن ما حصلش بينا أي حاجة لا في وعيها ولا غير وعيها.
ارتسمت على وجه وهدان الابتسامة وحرك رأسه في إعجاب وابتسم ابتسامة راضية تمامًا عن الصدق النابع من عينيه. *** جلس وهدان مع أخيه أمين في جلسة مغلقة، ونحوا فتح الله بعيدًا عنهم لعدم رجاحة عقله وتفكيره المادي البحت. وضعا رؤوسهما في رؤوس بعض لإنهاء كل المشكلات التي قلبت ميزان حياتهم وأتعبتهم وذهبت بالنوم بعيدًا عن أعينهم. وصولا لنقطة معينة، ابتسما معًا ابتسامة راضية إلى ما توصلا إليه. هتف أمين:
على قولك، ما فيش حل غير أكده. بادله وهدان ابتسامة راضية وهتف أيضًا برضاء: على بركة الله. أنا طالع، وانت كمان قوم. راح المجلس واتجه وهدان نحو غرفة ابنه وفتح الباب دون سابق إنذار ليجد زوجته تجلس إلى جواره تمض جراحه، بينما هو يطرق رأسه في ضيقه. هتف وهدان بعنف: صابحة، اطلعِ بره. لم تكف صابحة عن دحرجتها بنظرات غاضبة، بل زادت بتعصب: جرى إيه يا وهدان، هو إني غريبة عنيكوا ولا إيه؟ صاح بها وهدان بضيق: جولت اطلعِ يبقى تطلعي.
قذفت ما بيدها وهمت بالخروج وهي تدق الأرض بقدمها من تحتها بغل. أغلق الباب من خلفها، ودار في الغرفة بخطوات هادئة أمام أعين ابنه وهو يرمقه بنظرات غاضبة: ابني، إني زينة شباب الصعيد اللي الكل بيعمل حساب لكلمته، يستجوب على حرمته. تحير عزام أين يضع وجهه من والده وهتف بتوتر: آآآ، إني كنت عايز أغسل عاري يا أبويا. صاح به وهدان مندداً بما فعل: عار إيه؟ انت كنت داخلت عليها، كنت قطعت الشك باليقين. مالك بيها؟
جولنا اتجوز بت عمك على جولة أبوها ستروها. عاجبتني لما جالت إني يا أبويا فرحت بيك إنك كملت كلمتك. وعلى قولك، هتربيها وتوعيها على عويدنا. وطالع عمك جايلك أكده من راسه، والبت بندرية ومتعلمة وما عايزاش تتجوز في بلدنا ولا تاخد على عويدنا. خلاص نجوزها غصب، ندفنها بالحيا، يا أما تتجوزك. هتف عزام بتململ: يا أبويا، انت ما تعرفش حاجة. تشنجت عضلات وجه وهدان وهدر بتعصب:
ما تجوليش ما أعرفش. اللي في راسك ده مش حجيجك. انت ما تعشقهاش. (بتعشقهاش) اتسعت عين عزام بصدمة من استكشاف والده أمر عشقها. استرسل والده وهو يقترب منه:
ما عشقتهاش يا ولدي، دا الكبر والغل اللي زرعته أمك في جلبك إنك عظيم وكبير وما حدش يجولك لأ، وأمر تطاع هو اللي جربك منها. جات هي وجالت لأ. الغل ملا قلبك من ناحيتها قبل العشق. عمى عينك وركبت دماغك وحلفت تكسر مناخيرها. حيلك يا ولدي، البت تبقى من دمك ولحمك، تجعد هنا زي اختك، تصونها. ما تمدش يدك عليها. العشق يا ولدي، حاجة تانية خالص. فيه الجلب (القلب) بيسبق العجل (العقل)
. اليد دي، ورفع يده ليفهمه، ما تعتمدش إلا للطبطبة، مش للأذية. لو حبتها ما كنتش تضيق (تطيق) تشوف دمعة من عينيها. بدا عزام مقتنعًا بحديث والده الهادئ وحرك رأسه في استجابة. ربت وهدان على كتف ابنه وهتف بنبرة حانية: هترجع ولدي بتاع زمان ولا هتفضل واد أمك اللي مليان غل. ***
رحل فتح الله سريعًا إلى مصر عندما أخبره ياسين بمكان زوجته عواطف، فسافر مسرعًا كعادته لا يهتم لأمور ابنته وزوجته. وبقي أمين ووهدان يجلسان في وسط المنزل برضاء تام وسط همهمات زوجتهم صابحة وهنية. نزل عليهم عزام يرتدي جلبابًا بنيًا زاده هيبة وتحرك في ثقة نحوهم. تعجبت صابحة من حالة ابنها التي تغيرت مائة وثمانون درجة بعد جلسة أبيه المطولة. هتف عزام بصوت عالٍ: السلام عليكما. أجابه الجميع: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
استرسل عزام قائلاً: إني رايح مشوار، فتكم بعافية. لوت صابحة فمها وتسائلت بصوت عالٍ: رايح فين؟ لم يجبها فقد تجاوز الباب الخارجي. هتف وهدان مبتسمًا: سبيه لحاله. علا صوت يدي تصفق وصوت خشن يهتف من جانب الباب الخارجي: ياساتر. التفت وهدان باتجاه الصوت وهتف: يحيى، اتفضل. نهضت صابحة وهنيئة إلى الداخل، بينما تقدم يحيى الدمنهوري باتجاههم. أولاه أمين ووهدان اهتمامًا فهو نادرًا ما يأتي إلى هنا. هتف أمين مرحبًا: يا هلا يا أهلا.
جلس يحيى على استحياء ثم هدر بتوتر: إني هدخل في الموضوع على طول. بجى يا حاج وهدان، انت خابر زين إني رجل عايش وحداني من بعد ما مرتي ماتت، وولدي أهو كمان اتجوز وبجى مشغول في المستشفى وبيته، وأنا بجيت محتاج حد يونسني وأتسند عليه لما أتعب. حرك وهدان رأسه: حجك يا واد عمي. لو عايز عروسة نشوف لك من الصبح. هتف يحيى بحرج: الصراحة، إني كنت جايلك بصفتك كبير البلد. جايلك تتوسط لي عند منصور عزوز عشان أتقدم لـ زينات أم فرحة.
اتسعت عين أمين ووهدان في دهشة وهتف معا: كيف الكلام ده؟ استكمل يحيى موضحًا: إني مانيش لسة صغير عشان أتجوز صبية صغيرة، خصوصي إني عايزها للونس. وإني عرفت من مدة إن أم فرحة اتطلقت. وزعوا نظراتهم المتوجسة بينهم وبين بعض وساد الصمت لدقائق، ثم حك وهدان طرف فمه بشرود وهتف: سيبنا شوية يا يحيى وهنبجى نرد عليك. *** دخل عزام المنزل وبيده رجل يرتدي عمامة وجلباب يبدو أنه مأذون شرعي.
ابتسم وهدان أثر دخول ابنه الذي ينتظره وتذكر ما تبقى من حديثه إلى ولده. جولت إيه يا ولدي؟ ضغط عزام على رأسه بحرج تام من والده وهتف: انت خلفت راجل يا أباه، وهيفضل راجل. ابتسم وهدان وتلى عليه آيات الكتاب الحكيم ببسمة: سورة فصلت: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) استسلم عزام لإرادة والده واسترسل والده بهدوء وهو يربت على فخذيه: بكرة تجيب المأذون يكتب كتاب بت عمك، ويطلع على بت الشرشيري يكتب كتابك انت كمان. بادله عزام والدة الابتسام وتقدم وهو يصيح بصوت جهور: اتفضل يا شيخ.
تقدم المأذون وهتف: مبارك، ربي يجعل داركم كلها أفراح. مال وهدان إلى أخيه وهمس إليه: جوم هات الضيف من الجنينة. بينما صعد عزام للأعلى باتجاه غرفة فرحة وتبعه والده بابتسامة رضاء. على نفس الجانب، كانت فرحة ترتدي عباءتها السوداء بجوار والدتها النائمة. سمعت طرقات الباب فاتجهت في سرعة لتفتحه حتى لا توقظ أمها النائمة. وما أن رأت جسد عزام يتوسط الباب حتى تراجعت في خوف.
مال عزام رأسه ولم يرفع عينه باتجاهها، لقد أصبح الآن أبرد من تشعل نيران الغل من جديد. هتف بهدوء: صحي مرات عمي واتجهزي، المأذون تحت جاي يكتب كتابك على الظابط. كادت تجن من كلماته، فآخر من كان يسعدها هو عزام. فما رأت منه سوى الرهبة والخوف والكرة. ما هي المعجزة التي حدثت حتى يأتي إليها بذلك الخبر السعيد؟ سألته وهي تفتح فاها: انت بتكلم جد؟ رفع عينه بقدر الذي يسمح له برؤية سعادة عينيها وهتف وهو يزفر أنفاسه:
الماذون تحت، وإني اللي هشهد على العقد بنفسي. أنهى كلماته بمزحة خفيفة كي يعتذر عن ما بدر منه فيما سبق. لوحت بيدها في وجهه كطفلة صغيرة وهدرت بسعادة بالغة: لألألأ، أنا هنزل على طول. هرولت نحو أمها في سرعة، بينما هو ابتسم وغادر على الفور. حركت أمها في سرعة، ما كادت تسع الدنيا حجم سعادتها وهتف: ماما، ماما، قومي يا ماما، بتك هينكتب كتابها. إيه؟ قولي عقد حياتها. قولي فرحة قلبها. قولي يا سعدك يا هناكِ، خدي اللي قلبك عشقوه.
نهضت زينات وهي ترمقها بتعجب وسألتها: في إيه؟ اتجننتي ولا إيه؟ حركت فرحة رأسها وقفزت إلى أعلى الفراش بسعادة: أيوه اتجننت، اتجننت خالص. هتجوز زين يا ماما، زين هيتجوزني. وقفت تتمايل في سعادة لا تتسع لها. هسمع كلامه وتحت أمره في اللي يقوله عليه. وبأي شكل هريحه لو حتى هيطلب إيه. بعد انهار ده ما حدش غيره ليه عليا كلام. وان حد شافنا مش هيقول تلت التلاتة كام. أنا همشي إيديا في إيده ومش هخاف وأخبي.
وهقول الناس بحالها دا اللي اختاره قلبي. قهقهت زينات عاليًا من جنان ابنتها، ربما على سعادتها. يبدو أن ذلك الساحر قد خطف عقلها قبل قلبها. *** نزلت فرحة وأمها وسط تجمع أهل المنزل على كتب الكتاب المفاجئ للجميع. جلسوا الجميع في فسيح المنزل، كانت قلوب العشاق تتراقص وهم يجلسون في مواجهة بعضهم البعض. في بداية الأمر، أمر وهدان الجميع بقراءة الفاتحة حتى تيسر لهم الأمور ويتم الزوج بصورة سليمة ويبارك للعرسين في حياتهم.
رفع زين وفرحة يديهما بقرب من فمهما كما فعل الجميع وتلوا الفاتحة بأعين متعلقة ببعض. لمعت أعينهما بسعادة جلية. تحركت شفاههما المرتسمة بالبسمة بقرائة الفاتحة حرفًا حرفًا معًا، وكأنها تقرأ بقلوبهما لا بشفاههما. من بعد، مد زين يده نحو عمها وهدان ليصافحه. وضع المأذون منديلًا أبيض ويده فوقه وبدأ يتلو الكلمات المشهورة في إتمام الزواج وزين يردد من ورائه.
كانت فرحة تقرع الطبول بداخلها، تشعر بأنها نسيت كل معاناتها. فقد كان كل شيء بترتيب إلهي وأجمل ما حدث لها. انقشع كل الظلام في حياتها. علقت سودية عينيها بشفاه التي نطقت طلبها بالاسم من عمها، وكأنها تحلم. ودت أن يتلاشى الجميع وتنطلق نحوه وتحضنه. مالت أمها إلى كتفها بأعين دامعة وهمست لها بسعادة: مبروك يا بنتي. همست، احتضنت أمها في سعادة وكأنها نبهتها أنها دقت ساعة الفراق. يا حبيبتي يا ماما.
قد انتهت المراسم وعلا صوت الزغاريط في كل الأرجاء، خاصة من قبل صابحة التي كانت في قمة سعادتها برحيل تلك المزعجة عن ولدها. فرحة إلى أمها في جنون: أروح أحضنه دلوقتي؟ وكزتها أمها بابتسامة من وسط دموعها وهتفت وهي تحبس ضحكاتها: اتلمي يا بت، عمامك قاعدين. بكرة يا أختي أبقى أحضنيه براحتك. صاح وهدان بسعادة بالغة: مبروك يا أم فرحة، مبروك يا فرحة يا بنتي. أجابته في سعادة: الله يبارك لك يا حاج. وعقبال ولدكم.
وجه نظرة لـ زينات وكأنه قفز إلى ذهنه شيء معين وهتف: أم فرحة، كنت عايزك في موضوع أكده. تعالي معايا في المندرة. حركت رأسها في استجابة، بينما هو هما واقفًا وهتف في الجميع: جهزوا نفسكم عشان نروح نكتب كتاب عزام على زهرة بت الشرشيري كمان شوية. هنا صرخت صابحة وهي تلطم صدرها: يالـــــهوتي. رمقها وهدان بنظرات نارية جعلتها تقفز من مكانها الذي أصابته الكهرباء وهرولت إلى الأعلى.
لم يتسع لها الوقت للفرح من خلاصها من فرحة وتلاحقت الأحداث عليها. تبعها هنية، وأخرج أمين وعزام المأذون لينتظر في العربة قدوم أبيه وهدان. خلا المكان إلا من فرحة وزين. شعرت فرحة بالخجل المفاجئ وهو يحدق إليها لاستمتع بخجلها. ثم هتف وهو يبتسم: مستنية إيه يا رف. رفعت وجهها الذي كانت تنكسه بالأرض وكأنها تتأمل السجادة العجمية. وقضت وجهها بعدم فهم: يلا إيه؟ اتسعت ابتسامته وهتف بمكر وهو يضيق عينيه بغمزة شقية:
مش كنتي عايزة تحضنيني؟ رفعت يدها سريعا نحو فمها كي تكتم شهقاتها الفجائية. بينما هو استرسل: قريت شفايفك وانتي بتسألي أمك على فكرة، ومستغرب أوي من كسوفك دلوقتي. يا بنتي دا انتي تربيتي، أنا عارف جنانك دا ممكن يوديكِ في داهية، وبحبك عشان جنانك دا. هههههههه. أوعدي بطليه.
كانت حقًا في خجل تام لا تدري أين تتوارى منه. فبعد أن أصبحت زوجته، سارت لا تدري ماذا تفعل معه. فقد اعتادت صده ولكمه عند محاولات اقترابه أو نظره. وأيضًا كانت تتمنى أن تعيش معه لحظات سعيدة وتسمع أكثر كلمة اشتاقها قلبها إليه من بين شفتيه (بحبك) . تلك النبتة التي ستنبت وتترعرع في قلبها إلى أبد الآبدين. نهض هو من مكانه أثر سكونها وانتقل إلى جوارها. هتف متصنعًا الجدية: قوليلي بقى عملتي إيه في العبد لله؟
جبتيه على ملا وشه من إيطاليا لمصر. ابتسمت لطافته وكذلك أسلوبه الجدي في المغازلة وأجابته بضحكة لم تنكرها: انت اتعلمت الرومانسية فين؟ اتسعت شفتاه بابتسامة بدت نواجزه: أوبا، انتي بتريقي؟ دا الموضوع دا عايز له قعدة. رفعت قدمها وهي تبتسم وهتفت: وماله، نقعد. استدار لها وتأملها قليلاً ثم هدر بجدية: عملتي فيا حتة عاملة يا فرحة، هكدرك فيها أقسم بالله. أومأت برأسها بسخرية: اممم، ما أنا عارفة. رفع حاجبيه بتعجب وابتسم: عارفة؟
وسكتِ؟ وتعالت ضحكاتهما معًا. على الجانب الآخر، كان وهدان كشف الأمر تمامًا أمام زينات ووقف ينتظر إجابتها حول موافقته بالزواج من يحيى أم لا. هتف معللًا: أوعك تكوني مفكرة إني بجول أكده عشان ما عايزكيش تعيشي وسطنا. حجك محفوظ، وانتي على العين والراس. لكن أنا جولت أجولك انتي صاحبة الشان.
كانت زينات في خجل ابنة السابعة عشر، ظلت تفرك أصابعها في توتر وتحير، فهي لا تدري بما هو أنسب لها. وإن كان يحيى هو الذي تربع على عرش قلبها من قبل زواجها. ولكن فتح الله وتعذيبه لها طول كل هذه السنوات قد فقدها كل معاني الحب ونست أن كان حتى قلبها ينبض. أجابته أخيرًا: أنا هجوز بنتي اللي حلتي وهتروح تعيش مع جوزها ومش هيبقى ليّ معنى قعدي وسطيكم، خاصة بعد طلاقي من فتح الله. حرك وهدان رأسه من إشارتها غير الواضحة بالقبول وهتف:
خلاص، الخيرة فيما اختارها الله. إني هروح أتمم كتب كتاب ولدي وأعاود بالماذون هنا مع يحي، تكوني انتي كمان اتكلمتي مع بتك. &&& نزلت فرحة وأمها وسط تجمع أهل المنزل على كتب الكتاب المفاجئ للجميع. جلسوا الجميع في فسيح المنزل، كانت قلوب العشاق تتراقص وهم يجلسون في مواجهة بعضهم البعض. في بداية الأمر، أمر وهدان الجميع بقراءة الفاتحة حتى تيسر لهم الأمور ويتم الزوج بصورة سليمة ويبارك للعرسين في حياتهم.
رفع زين وفرحة يديهما بقرب من فمهما كما فعل الجميع وتلوا الفاتحة بأعين متعلقة ببعض. لمعت أعينهما بسعادة جلية. تحركت شفاههما المرتسمة بالبسمة بقرائة الفاتحة حرفًا حرفًا معًا، وكأنها تقرأ بقلوبهما لا بشفاههما. من بعد، مد زين يده نحو عمها وهدان ليصافحه. وضع المأذون منديلًا أبيض ويده فوقه وبدأ يتلو الكلمات المشهورة في إتمام الزواج وزين يردد من ورائه.
كانت فرحة تقرع الطبول بداخلها، تشعر بأنها نسيت كل معاناتها. فقد كان كل شيء بترتيب إلهي وأجمل ما حدث لها. انقشع كل الظلام في حياتها. علقت سودية عينيها بشفاه التي نطقت طلبها بالاسم من عمها، وكأنها تحلم. ودت أن يتلاشى الجميع وتنطلق نحوه وتحضنه. مالت أمها إلى كتفها بأعين دامعة وهمست لها بسعادة: مبروك يا بنتي. همست، احتضنت أمها في سعادة وكأنها نبهتها أنها دقت ساعة الفراق. يا حبيبتي يا ماما.
قد انتهت المراسم وعلا صوت الزغاريط في كل الأرجاء، خاصة من قبل صابحة التي كانت في قمة سعادتها برحيل تلك المزعجة عن ولدها. فرحة إلى أمها في جنون: أروح أحضنه دلوقتي؟ وكزتها أمها بابتسامة من وسط دموعها وهتفت وهي تحبس ضحكاتها: اتلمي يا بت، عمامك قاعدين. بكرة يا أختي أبقى أحضنيه براحتك. صاح وهدان بسعادة بالغة: مبروك يا أم فرحة، مبروك يا فرحة يا بنتي. أجابته في سعادة: الله يبارك لك يا حاج. وعقبال ولدكم.
وجه نظرة لـ زينات وكأنه قفز إلى ذهنه شيء معين وهتف: أم فرحة، كنت عايزك في موضوع أكده. تعالي معايا في المندرة. حركت رأسها في استجابة، بينما هو هما واقفًا وهتف في الجميع: جهزوا نفسكم عشان نروح نكتب كتاب عزام على زهرة بت الشرشيري كمان شوية. هنا صرخت صابحة وهي تلطم صدرها: يالـــــهوتي. رمقها وهدان بنظرات نارية جعلتها تقفز من مكانها الذي أصابته الكهرباء وهرولت إلى الأعلى.
لم يتسع لها الوقت للفرح من خلاصها من فرحة وتلاحقت الأحداث عليها. تبعها هنية، وأخرج أمين وعزام المأذون لينتظر في العربة قدوم أبيه وهدان. خلا المكان إلا من فرحة وزين. شعرت فرحة بالخجل المفاجئ وهو يحدق إليها لاستمتع بخجلها. ثم هتف وهو يبتسم: مستنية إيه يا رف. رفعت وجهها الذي كانت تنكسه بالأرض وكأنها تتأمل السجادة العجمية. وقضت وجهها بعدم فهم: يلا إيه؟ اتسعت ابتسامته وهتف بمكر وهو يضيق عينيه بغمزة شقية:
مش كنتي عايزة تحضنيني؟ رفعت يدها سريعا نحو فمها كي تكتم شهقاتها الفجائية. بينما هو استرسل: قريت شفايفك وانتي بتسألي أمك على فكرة، ومستغرب أوي من كسوفك دلوقتي. يا بنتي دا انتي تربيتي، أنا عارف جنانك دا ممكن يوديكِ في داهية، وبحبك عشان جنانك دا. هههههههه. أوعدي بطليه.
كانت حقًا في خجل تام لا تدري أين تتوارى منه. فبعد أن أصبحت زوجته، سارت لا تدري ماذا تفعل معه. فقد اعتادت صده ولكمه عند محاولات اقترابه أو نظره. وأيضًا كانت تتمنى أن تعيش معه لحظات سعيدة وتسمع أكثر كلمة اشتاقها قلبها إليه من بين شفتيه (بحبك) . تلك النبتة التي ستنبت وتترعرع في قلبها إلى أبد الآبدين. نهض هو من مكانه أثر سكونها وانتقل إلى جوارها. هتف متصنعًا الجدية: قوليلي بقى عملتي إيه في العبد لله؟
جبتيه على ملا وشه من إيطاليا لمصر. ابتسمت لطافته وكذلك أسلوبه الجدي في المغازلة وأجابته بضحكة لم تنكرها: انت اتعلمت الرومانسية فين؟ اتسعت شفتاه بابتسامة بدت نواجزه: أوبا، انتي بتريقي؟ دا الموضوع دا عايز له قعدة. رفعت قدمها وهي تبتسم وهتفت: وماله، نقعد. استدار لها وتأملها قليلاً ثم هدر بجدية: عملتي فيا حتة عاملة يا فرحة، هكدرك فيها أقسم بالله. أومأت برأسها بسخرية: اممم، ما أنا عارفة. رفع حاجبيه بتعجب وابتسم: عارفة؟
وسكتِ؟ وتعالت ضحكاتهما معًا. على الجانب الآخر، كان وهدان كشف الأمر تمامًا أمام زينات ووقف ينتظر إجابتها حول موافقته بالزواج من يحيى أم لا. هتف معللًا: أوعك تكوني مفكرة إني بجول أكده عشان ما عايزكيش تعيشي وسطنا. حجك محفوظ، وانتي على العين والراس. لكن أنا جولت أجولك انتي صاحبة الشان.
كانت زينات في خجل ابنة السابعة عشر، ظلت تفرك أصابعها في توتر وتحير، فهي لا تدري بما هو أنسب لها. وإن كان يحيى هو الذي تربع على عرش قلبها من قبل زواجها. ولكن فتح الله وتعذيبه لها طول كل هذه السنوات قد فقدها كل معاني الحب ونست أن كان حتى قلبها ينبض. أجابته أخيرًا: أنا هجوز بنتي اللي حلتي وهتروح تعيش مع جوزها ومش هيبقى ليّ معنى قعدي وسطيكم، خاصة بعد طلاقي من فتح الله. حرك وهدان رأسه من إشارتها غير الواضحة بالقبول وهتف:
خلاص، الخيرة فيما اختارها الله. إني هروح أتمم كتب كتاب ولدي وأعاود بالماذون هنا مع يحي، تكوني انتي كمان اتكلمتي مع بتك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!