الفصل 16 | من 45 فصل

رواية اسياد الحب والحرب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
2,469
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

وقف أمام زينات المسجية على الفراش وبجانبها صابحة وهنية. هدر بغضب: "مش قولنا ما حدش يضغط على أعصابها." أجابته صابحة بعدم اكتراث: "ولا حد جة جارها، هي أكده لحالها." أومأت هنية على كلامه: "أيوه، إحنا كنا في المطبخ ولاجناها صرخت ووجعت لحالها." هدر الطبيب متذمراً: "على العموم، خدوا بالكم. ارتفاع الضغط بالشكل المتكرر ده، ممكن يجبلها جلطة أو تروح فيها لا قدر الله. خدوا بالكم عليها وما حدش يزعله."

تبادل صابحة وهنية النظرات إلى بعضهما بحيرة لعدم معرفة سبب حدوث كل هذا. *** في الصعيد،،،، كان وهدان وأمين يشتعلان غضباً من تلك الأخبارية التي أتت من عزام وقضت على ما تبقى من زينات تماماً. صاح أمين بغضب: "قليل الأصل، اللي ما يعرفش ربنا، سايب بنته ومراته في الظروف دي ورايح يتجوز." بينما لطم وهدان كفيه ببعضهما وهو يهدر بضيق: "أخص عليه، والله ما أني عارف كيف ده أخونا، جلب العار والفضيحة وراح يتجوز."

كان عزام يستمع إليهما بصمت، ما يهمه هو شيئاً واحداً، هو الحصول على عروسته، ليحقق انتقامه. بينما ساد الصمت بين الأخوين في تعجب وضيق من فعل أخيهم، وماذا يفعل الكلام في تلك الأفعال المشينة. *** في إيطاليا،،،،

مشاعر فياضة أغرقت فرحة وأنسيتها كل ما كان، فقد لا ترى سوى أن زين هو سوبر مان الخاص بها، والذي سقط من السماء لينقذها وينتشلها من بؤرة الظلام التي كادت أن تسقط بها. وازداد بداخلها شعوراً قوياً أنه يبادلها نفس الشعور، ولكن، يرتسم الجمود، أو يخشى الرفض. وأجمل ما في الحب دائماً البدايات.

تابعت السير في غابات الحب الملتوية لا ترى سوى وجه زين، الذي يدفعها دفعاً لإخبارها بمكنون صدرها دون خجل أو تردد. عشقته، نعم عشقته حد الجنون. لا تحلم سوى بفستان أبيض وباقة زهور وتتعلق بيده إلى منزلهم. كل هذا كان في أحلامها اليقظة. وهي تغتسل تحت غمرة المياه الدافئة بالحمام الملحق بالغرفة. تنهدت وأسبلت عيناها وراحت تدندن بصوت ناعم. أنهت حمامها أخيراً وخرجت منه بعد وصلة من الغناء والرقص في فرح وسرور.

وتحركت بحرية، إذ كان زين غير موجود. لم تبدل تلك المنشفة القصيرة التي التفتها من تحت إبطها إلى ركبتها، ووقفت في المرآة تمشط شعرها بشرود. لا تسمع سوى صوت الألعاب النارية التي ستنطلق في زفافه. دلف زين إلى الغرفة بعد أن أنجز مهمة سريعة. جلس إلى طرف الأريكة ونادى عالياً باسمها: "فرحة." لم تستمع إليه، وباتت كالمغيبة في عالم آخر من الأحلام اليقظة، لا ترى سوى يوم زفافها على زين. عاد زين الكرة ونادى باسمها: "يا فرحة."

ساورته القلق وهتف في نفسه: "مش بترد ليه دي." نهض وتحرك إلى الغرفة. اندهش من أنها مفتوحة. دلف إليها وكانت فرحة متصنمة أمام المرآة بذلك البشكير توليه ظهرها. أدار وجه بخجل وسرعة. ثم تعجب من عدم ملاحظتها له. والتف بوجهه وناداها بصوت عالٍ: "فرحة." حركت رأسها في انتباه ودارت على عقبيها في اتجاه الصوت، وتوترة أثر وجوده المفاجئ أمامها بعد كل هذه الأحلام. وتعلثمت وهي تهتف: "آآه،،،ي،،و،،ه."

ابتسم إليها زين ابتسامة عذبة، والتي دائماً تفقدها صوابها. فأسبلت عيناها له. بينما هو تابع قائلاً: "سرحانة في إيه؟ انتبهت وهتفت بنفي: "لا مش سرحانة ولا حاجة." رفع حاجبيه مستنكراً حالتها التي وصلت لها، خاصة من عدم وعيها لما ترتديه. فنادها: "طيب، تعالي نتكلم برة." تحركت ببطء نحوه. بينما هو واقف عند الباب ولم يتجاوزه. وما أن وصلت إليه حتى أشار لها بإصبعه على كتفها العاري وهو يهتف متعجباً: "هتقعدي معايا كده أهو."

قبضت حاجبيها في استنكار ونظرت إلى نفسها في عجل. واتسعت عيناها وجذبت الباب في سرعة وأغلقت بوجهه. حتى أنه صدم بأنفه. تراجع إلى الخلف وحرك يده على أنفه وهو يبتسم ويهدر: "البت دي مجنونة والله." *** كان زين يدور في الطرقة الصغيرة للغرفة الفندق ذهاباً وإياباً. يعرف تماماً ما أصابها، إنها نار الحب في عينيها واضحة لا يمكن تجاهلها. حرك يده مراراً وتكراراً على رأسه وهو يهتف: "لا مش لازم تحبني."

اندفع نحو الباب الفاصل بينهما وطرقه عالياً وهو يصيح: "يا بنتي، اطلعي بقى، من الصبح وأنتي قافلة على نفسك وما بترديش." كانت فرحة تعتلي السرير تثني ركبتيها وتحتضن نفسها وداخلها يتآكل من الخجل. وراحت تؤنب نفسها: "هيقوال عليا إيه؟ أكيد مش هيصدق إني نسيت نفسي وأنا بحلم بيه." عضت إصبعها بغيظ للمرة العاشرة كلما تذكرت نظرته المستنكرة وهو يشير إلى كتفيها ويهتف: "هتقعدي معايا كده." بينما صاح زين بصوت عالٍ

مرة أخرى: "لا إله إلا الله، يا بنتي، أنتي خلاص اطلعي، ولو مكسوفة وأنا هنسى اللي شوفته، همسحوا من ذاكرتي خالص عشان ترتاحي." ثم قبض وجهه مستنكراً وهتف من جديد: "و تتكسفي ليه أصلاً، ولا أنتي نسيتي الحاجات الحلوة اللي لابستيها قبل كده." نهضت فرحة بجحيم يكاد يحرق الأخضر واليابس وانطلقت نحو الباب بغضب وخرجت إليه وبسرعة دفعته بكل قواها. فصاح زين: "إيه يا مجنونة، هتعملي إيه." وسقطت معه على الأريكة.

وكادت الأريكة أن تسقط بهم إلى الوراء. فتشبث بخصرها جيداً ليعيد توازن الأريكة قبل أن يختل. ابتسم وهو ينظر إلى وجهها الذي يشتعل من الغضب، ليس فقط من استفزازه لها، بل من اعتقاله يدها وتصيده السهل لها ومحاولتها في نفس غضبها بائت بالفشل الذريع. ثم هتف ساخراً: "هاه، جاية تضربيني بقى وعاملالي فيها شبح، عاجبك كده يعني." اتسعت عينها بضيق وحاولت دفعه دفعاً، ولكن كانت يداه أقوى وهدرت بضيق: "سيبني، سيبني." تشبث

بها أكثر وأكثر وهتف بخبث: "شوفي يا فروحة، طول ما أنتي بتحاولي تمدي إيدك عليا، يبقى أنتي هتقدر، وأنتي بصراحة زودتيها، ولا نسيتي إن قلة الأدب ما بتجيبش غير قلة الأدب." فرحة أدركت تماماً أنه لا مفر من تلك القابضة، وأنها وضعت نفسها في خجل مضاعف بسبب غضبها المبالغ فيه. الآن هي في أحضانه، لا تستطيع الحراك، عاجزة تماماً عن التنفس أو حتى الصراخ. فقد ارتجفت من فرط

القلق وبصوت مبحوح ومتوتر: "حرام عليك يا كابتن، هو أنت معندكش إخوات بنات." ارتسمت ابتسامة ساخرة: "اممم، والنبي يا فروحة، أنا لو عندي، عندي أخت حلوة زيك كده، ما كنتش أبطل أغلس عليها." فرغ فاه وهتفت بتوتر: "هاه." ابتسم زين وتأمل وجهها وملامحها الهادئة بدقة، وتعالت أنفاسه وجاهد الرغبة الملحة في تقبيلها. بينما هي أيضاً تأملته، ونست تماماً سبب وجودها هنا، استسلام وطمأنينة وأمان.

لحظات مرت عليهم في سكون من كلا الطرفين، انجذاب قوي كالمغناطيس يدفعهم لتخطي الحدود. أرخى زين يدها عنها ورفع يديه عالياً معلناً الاستسلام. قبضت وجهها قليلاً في دهشة ومحاولة استيعاب ماذا يريد بتلك الحركة. فانتبهت أنه أعطاها الحرية. أصابها الحرج ونهضت عنه ببطء ودارت على عقبيها إلى الغرفة. ولكن أمسك هو يدها وهتف بنبرة متحشرجة: "اقعدي، عايزك." جلست في هدوء وبدون أي اعتراض. مرر هو يده على شعره

بهدوء وهتف بجدية تامة: "عايزين بكرة نروح صالة اللورد اللي قولتلك عليها. حجزتلك في بيت من بيوت التجميل هنا. لو سمحتي، مش عايز أي غلطة، وزي ما فهمتك، ما تتكلميش نهائي." حركت رأسها بالإيجاب بصمت. *** الصعيد،،،، لم يتوارى عزام عن بذل أقصى جهده في معرفة هوية ذلك المجهول الذي أوسعه ضرباً وأخذ عروسته أمام ناظريه. بعدما التقط الكاميرا الخاصة بالكافتيريه وبالطريق أرقام سيارته وبعضاً من ملامحه التي أخفتها النظارة الشمسية.

ولكنه حفرت في مخيلته ولم ينساه أبداً. أرسل الأرقام إلى إدارة المرور ينتظر الإجابة. وقاد سيارته بعجل. كان الشرود هو رفيقه الدائم، لا يدري بمن هم حوله من البشر أو يرى أياً منهم. حتى ظهر له شبح امرأة أزاحها بالعربية من وجهه. فأوقف السيارة في سرعة وترجل عنها بقلق. وجثى على ركبتيه أمامها وهو يهدر بغضب: "يا وجعة سودة، أنتي طلعتي مني." أسدل الليل ستائره على الجميع، وأشرقت شمس ساطعة بكل ما تحمل من جديد.

في مساء اليوم التالي، خرجت فرحة من إحدى بيوت التزين الشهيرة ترتدي فستاناً فضي لامع بحمالات رقيقة. وخجلت هي من خروجها بهذا الشكل وارتدت شيئاً أتت به خصيصاً من تلك المعاونة الخاصة بالمتجر. ألا وهو وشاح مطرز بعناية ويتدلى منه خيوط لامعة. ارتدته ليبدو أنيقاً مع فستانها للغاية. كما أنها رفعت عنه شعرها وتدلى منه بعض الخصلات الناعمة على وجهها وعنقها.

فكل شيء فيها أصبح رائع الجمال يدل على مدى إتقان العاملات عملهم من حيث الميكب الهادئ، العيون المكحلة، وبعض المساحيق الهادئة التي جعلت منها اليوم في مخيلتها عروساً. وقع نظرها عليه وهي يغلق زر بدلته. رفع رأسه أثر سماع وطء أقدامها. فتسعت عيناه بإعجاب، إذ برزت أمامه كالمتوهجة نوراً أضاءت المكان فجأة. ابتلع ريقه في توتر. وازداد قلقه من اصطحابها معه إلى تلك الحفرة السحيقة.

وكاد قلبه يقفز من مكانه نحوها، إذ ازدادت جمالاً وأصبحت لا تقاوم. بينما تمشت ببطء نحو زين وتمنت من أعماق قلبها أن يعترف لها بالحب الذي تراه الآن في نظرته المعجبة. ودت لو تكون الآن على ذمة ذلك الوسيم الذي هو الآن لا يقل وسامة وجاذبية عنها. يرتدي بدلته سوداء ومصفف شعره بعناية إلى جانب عطره المميز الذي يترك أثراً في كل مكان. حذاءه اللامع كان هو أيضاً في عينها من أجمل رجال الأرض.

انتهت نظرات الإعجاب المتبادلة بينهم، ووقفت بوجهه في خجل. حاول الإمساك بالكلمات الهاربة، ولكن لا فائدة. ساد الصمت قليلاً. حتى قاطع زين الصمت وتحدث بنبرة تحذيرية وقلقة: "زي ما فهمتك يا فرحة، أوعك تتكلمي مع أي حد، وما تشربيش حاجة من اللي بيقدموها. امسكي الكاس بس، وتظاهري إنك بتشربي. لو الليلة دي ما عدتش علي خير، مش ممكن نخرج من هناك." ازدادت قلقاً

وهتفت بتوتر: "آآه،،، أنا خايفة، أنا عمري ما ظهرت قدام حد بالشكل ده ومكسوفة جدا." أمسك يدها بحنو وارتجفت هي ووزعت نظرها بين يده الممسكة بيدها وبين وجهه لتستكشف الأمرين. كان حقيقياً أم خيال. نظم أنفاسه المتصاعدة وبنبرة هادئة للغاية: "ما تخافيش، وأنتي معايا، انسي كل اللي حواليكي وما ترتبكيش. كل أما تحسي بقلق، اضغطي على إيدي جامد، ده هيساعدك في تخفيف التوتر، وإيدي هتفضل في إيدك، مش هسيبك أبداً."

اتسعت عيناها وكاد قلبها أن يقف. حدقت به جيداً لتتأكد من أنه لا يمزح. فكلماته الناعمة أثرت فيها بشكل غير طبيعي وأدهشتها لأبعد الحدود. ليحرك رأسه بابتسامة عذبة ويهتف: "يلا، يا فرحة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...