ستعانيه إذا عادت. لما هو القدر قاسٍ معها؟ لما هو يجرعها مرارة الأيام ولم يتيح لها فرصة واحدة كي تنعم بحياة هادئة؟ قاطع شرودها طرقات باب غرفتها المنتظمة. عدلت حجابها. "ادخل." غرغ فاها حينما انفتح الباب وولج أمامها عزام، وساورها القلق أثر قدومه في هذا الوقت. تنحنح عزام، وقضب حاجبيه، واقترب من زينات وجلس إلى جوارها بالكرسي. لم تخفِ زينات دهشتها من وجوده، وأيضًا صمته.
"ما جانيش نوم، قلت آجي أسألك لو عايزة حاجة أو ناقصك حاجة." لم تنطلي عليها محاولات اهتمامه، وبدا الأمر أعمق وأهم من ذلك، ولكنها تصنعت التصديق وهتفت بهدوء: "لا، الحمد لله. وأنا هينقصني إيه يعني؟ "بتك." هتف بها عزام وهو يرمقها بنظرات قاتمة. اتسعت عينها وبدا عليها التوتر، وتعلثمت وهي تجيبه: "آآآآ... طبعًا بتي... هو... أنا ليا غيرها؟ بينما هو تفحص رد فعلها باهتمام بالغ،
ثم هدر بجمود: "أنا مستعد أساعدك وأرجع لك بتك لو انتي عايزة." أمسكت ذراعه هي في لهفة وهتفت بتوسل: "ياريت... أنا في عرضك." التفت نحوها بجسده كاملاً، وأظلمت عينيه وتابع: "قوليلي بتك هربت مع مين؟ غرغ فاها واتسعت عينها وهتفت: "انت بتقول إيه؟ أجابها بإصرار: "بأقولك بتك هربت مع مين؟ مين الجدع اللي ركبت وياه؟ تحيرت عينها بين عينيه المظلمة وسألته: "وأنا أعرف منين؟ مش انت اللي شفتها؟ أمسك
بكتفيها وبدأ يحركها بعنف: "الجدع دا كان متفق وياها وجالها، وبتك سمعت كلامه وهربت وياه. قول لي أي حاجة تعرفيها عنه وأنا أجيب لك بتك لعنديك." أدمعت عينيها وشعرت بدوار خفيف. قد كان منذ قليل يبدو إليها مسالمًا يريد المساعدة. كيف تبدل إلى كل هذا الغضب والشراسة؟ دفعت يده عنها ودفنت وجهها في كفيها وهتفت بنحيب: "أنا ما أصدقش كل اللي بتقولوه دا. أنا بتي مربياها على إيدي، عمرها ما عملت حاجة غلط." لم يبالِ بنوبة بكائها،
بل ظل يرمقها بسخط: "لازم تكون استغفلتك." صرت أسنانها وكتمت غيظها وهدرت بإنفعال: "انتوا إيه؟ منكم لله. كلِّم يا ظالمة ربنا يكشف الحق من عنده ويرجع بنتي سالمة غانمة." "إن شاء الله." واندفع إلى خارج الغرفة في ضيق من فشله في محاولة استدراجها والحصول على معلومات عن ذلك المجهول الذي أغوى عروسته. *** في إيطاليا. طرق زين الباب الذي يفصل بينه وبين فرحة وهتف بهدوء: "فرحة، صحيتي؟ استمعت إلى صوته فانتفضت
من فراشها وأجابته بلهفة: "أيوه." ابتسم أثر سماع صوتها وتحدث بجدية: "يلا بقي يا فرحة قومي البسي عشان نخرج." ألقت نظرة سريعة على ملابسها المعلقة هناك ولونت فمها بامتعاض: "إمممم، هفكر." "قومي البسي، أحسن من الروب اللي انتي لابساها دا." اتسعت عينها وحدقت إلى ملابسها جيداً، ثم هتفت بخفوت: "يا ابن الـ... ، طيب يا زين." "بتقولي حاجة يا فرحة؟ أجابته بضيق مختصر: "لا." ابتعد عن الباب وهو يهدر: "اخلصي بدل ما أنزل وأسيبك."
رخى جسده إلى الكرسي وعقد أصابعه ووضعهم خلف رأسه، وبدأ يحدث نفسه: "أنا إيه خلاني جبتها؟ ليه يعني الإصرار دا كله؟ يمكن الوحدة؟ ويمكن الخوف؟ هتف مستنكرًا: "خوف إيه؟ وأنا أعرفها منين؟ طب ليه وقفت على الطريق لما شفتهم بيضربوها؟ معقول؟ لا لا، أوعك يا زين، إحنا ما ننفعش للعلاقات. أي علاقة هندخلها هنخسر وهنخسر الطرف التاني معانا، إلا الحب." خرجت فرحة أمام زين، والذي كان قد يأس من أنها سوف تفعلها.
ارتسمت ابتسامة مسلية على وجهه عندما شاهد مظهرها. وقد كانت ترتدي نظارة شمسية كبيرة والآيس كاب، واختفت معالم وجهها داخل الفراء البني الكثيف، لا يظهر سوى أنفها فقط. تساءل بمرح: "إيه؟ انتي بردانه للدرجادي؟ أجابته بصوت جاد: "لا، دا عشان التخفي." انفجر زين ضاحكًا: "تخفي؟ دا انتي كدا هتموتي قبل ما توصلي للباب." تابعت بجدية تامة: "إيش فاهمك انت؟ كدا أمان." نهض ووقف بوجهها وأمسك السحابة الخاصة
بالجاكت وهو يهتف بابتسامة: "طيب هجهز وأجيلك. كدا عشان ما تكمكميش." ابتسم فمها وتابعت خطواته وهو يتحرك نحو الغرفة. *** وقف أمامها زين، الحسن الطالة بمظهر ساحر جذاب جعل فمها يفرغ وكأنها شاب في الثانوية يريد أن يصفر لفتاة أعجبته. كان يقطر حسنًا من حلته السوداء وبنيته الأنيقة، وصدره العريض الذي يصف مدى قوته وصلابته، عيناه البندقيه وشعره البني اللامع سحرًا لا يمكن تجاهله. رفعت نظارتها السوداء وأسدلت عينيها.
ابتسم هو من إسبالها له. "هاااا، مش يلا؟ "يلا." هز زين فمه ضاحكًا وهتف بصوت محتد بعض الشيء: "يلا إيه؟ حددي." فاقت من شرودها، وتنحنحت في ارتباك. لوى فمه زين ضاحكًا، مغترًا بنفسه، ولفت انتباهها بأبسط الأشياء لديه، ثم رفع ساعده في تأهب أن تتعلق بيده. ولكنها سبقته دون أن تلتفت، كالبلهاء، كأنها لم تفهم. بينما هو وقف في حالة من الاندهاش وهتف بدهشة: "مجنونة دي ولا إيه؟ *** في المطعم.
كانت فرحة تتابع كل شيء بدقة في ذلك المطعم البسيط. تلتفت يمينًا ويسارًا. كان المكان هادئًا ولطيفًا. طقطق أصابعه ببعض ليأتيه النادل وتحدث إليه باللغة الإيطالية، وانحنى إليه بابتسامة وهو يهتف: "صباح الخير سيدي، ماذا تريد؟ أجابه زين بإتقان إلى اللغة وبثقة كبيرة: "صباح الخير عزيزي، أريد بيتزا اللحم ومشروب طازج." تابعت فرحة المشهد بصمت، بينما كان بداخلها سعادة لوجودها إلى جواره، ولم تخفِ ارتياحها له منذ علمت أنه ليس بمجرم.
أنهى النادل كتابة الطلب في نوتة صغيرة ثم دار على عقبيه لتنفيذ الأمر. بينما هتفت فرحة بتحفز شديد: "هااا... وهنعمل إيه دلوقتي؟ رفع بصره زين إليها بدهشة، وهدر ساخرًا: "وهنعمل إيه؟ اسمها هعمل إيه؟ خلعت نظارتها وتشنجت قسماتها وهدرت بضيق: "لا، أنا ماليش دعوة. انت جبتني من مصر لإيطاليا ليه؟ وما تقوليش عشان خايف على حياتك. حياتي تفرق إيه معاك؟ ما أنت قتلت كتير."
حاول أن يسيطر على غضبه وفقدانه أعصابه أمام صوتها العالي. تحدث من بين أسنانه وهو يحرك مقلتيه يمينًا ويسارًا: "ما تعليش صوتك، وما تفرجيش الناس علينا." اعتدلت في جلستها بحذر وهتفت بتوتر: "وبعدين انتي عايزة إيه؟ قولتيلي خديني بعيد عنهم، خدتك. وأما شفتيني تاني، خديني معاك بالله عليك. وأما خدتك وياي مش عاجبك؟ أعمل إيه؟ قلبتي دماغي." ابتلعت ريقها وزاغ بصرها بتوتر.
بينما استرسل هو محذرًا: "قولتي هتسمعي الكلام، يبقي تنفذي اللي أطلبه، وصوتك دا ما أسمعهوش." هتفت بصوت متقطع: "طيب يا كابتن، خليني مساعده ليك بدل ما أنا حاسة إني عالة عليك." اتسعت عيناه وهتف في دهشة: "كابتن؟ وضعت يدها على فمها بفزع لتكتم شهقاتها: "أوووه... أقصد يا حضرت الظابط." التفت حوله بريبة. "هششش، هتفضحنا، اسكتي." "يوه، بملل: "أما أقولك إيه؟ "قولي أي حاجة، بس بلاش حضرت الظابط دي."
أغمضت عينيها بمزحة: "وإني أكون المساعد بتاعك." ابتسم زين، ورفع حاجبه بتحدي: "بتلوي دراعي؟ هااا؟ حدقت خلفه وانتفضت مذعورة، وصعدت الكرسي وأخذت تصرخ برعب: "لا لا لا لا... اقترب منها زين بحذر ووضع يده على مسدسه من تحت الجاكت في حالة تأهب للأسوأ ليكون بالقرب منها، ويرى ما ترى. قالت وهي تضع يدها على فمها بصراخ حاد جعل الزبائن تلتف حولها بقلق، فقد كان صوت صراخها عاليًا وصاخبًا: "اقتله، اقتله أرجوك."
ظل زين يوزع نظره إليها وإلى ما تنظر بتوجس وهتف متسائلاً: "في إيه؟ مين اللي أقتله؟ ما فيش حد؟ أشارت بأصابع مرتعشة نحو طاولة جانبية وحرك بصره نحو ما تشير بقلق، على ما يبدو أمر هام. وهتفت بصوت متقطع فزع: "فــ ــ ــ ــأر... لطم جبهته بعنف بالغ والجم غضبه وهو يهتف من بين أسنانه: "الصبر يارب، هقتله." ترجته بصوت مبحوح: "اقتله أرجوك."
بدأت الهمهمات من حوله، في تساؤل الناس من حوله عن سبب هلعها إلى هذه الدرجة. تحدث لمن حوله بالإيطالية ليهدئ الهرج والمرج الذي حدث على فجأة: "اعتذر، لديها فوبيا من الجلوس صامتة! تحرك الناس من حوله وهم ينعتونهما بالجنون، أثر حالة التوتر الذي انتشر بسبب صراخها. بينما أمسك هو يدها وأنزلها من على الكرسي، وهدر بنبرة متعصبة: "أعمل فيكي إيه؟ تابعت بنفس نبرة الخوف: "اقتله، أرجوك." هدر بضيق بالغ
وقد بلغ الغضب لديه مبلغه: "أقتل إيه؟ دا جاله سكتة قلبية منك، حرام عليكي." أخرج بطريقة سريعة الحساب ووضعه على الطاولة وجذبها خلفه بعنف، وتمشى بجوارها بخطوة سريعة ولاحظت فرح سكوته. تحدثت بتوتر وقلق فملامحه جادة للغاية: "معلش، أصلي بخاف من الفيران." حرك فمه بسخرية تامة، وهتف دون أن ينظر إليها: "فيران؟ هو إحنا في بدروم بيتك؟ نظرت إلى وجهه في دهشة: "آه فار، هو أنا مش بشوف ولا إيه؟
أجابها بجمود: "دا هامستر بتاع صاحب المحل يا جاهل." جفلت عينيها لمحاولة الاستيعاب، لتهدر بتساؤل: "مش هو اسمه ماوس بالإنجليزي؟ نظر لها زين بجانب وجهه وهو يتابع السير، نظرة مستهترة: "دا لا هو فار ولا هو أرنب. نوع لذيذ وبيتربى عادي، واسترسل بمزحه: وممكن يتاكل." أشاحت بوجهها وعلامات الاستياء علت وجهها: "يعععع... هرجع." ابتسم زين ومن ثم قهقه عاليًا حتى توقف عن السير وانحنى إلى الأمام من كثرة الضحك.
وقفت معه فرحة، ونظرت له جيدًا لمحاولات استشاف أي أمر جعله منتشيًا إلى هذه الدرجة. وسألته باهتمام: "في إيه؟ بتضحك على إيه؟ تمالك نفسه وهدر وهو يحتفظ بابتسامته: "أصل أنا مش متخيل إنك عايزة تبقي المساعد بتاعي، وأما يجوا يعذبوكي عشان يعرفوا المعلومات يقولوا لك: اتكلمي أحسن هنحطك في أوضة الفيران، وتعترفي." وضعت يدها على وجهها، واحتقنت نبرتها وهتفت: "لا، يعملوا أي حاجة غير الفيران. أنا بترعب منها."
توقف زين عن الضحك ونظر لها بتعجب، وسألها: "نعم، بتقولي إيه؟ يعملوا أي حاجة؟ أزاحت يدها وقد تنبهت لما لفظته، وهتفت بتوتر: "لا، مش أي حاجة، أي حاجة. انت فهمت إيه؟ إلا (دي) والفيران وحاجة كمان، وبلاش الضرب." كشر زين عن أنيابه وهدر بسخرية: "نبقى نعملك أوبشن ساعتها، يا ما نذبحك وخلاص." وضيق عينه وقال في غضب: "عليا النعمة انتي ما تنفعي كومبارس حتى، انتي هتشليني." لوت فمها بضيق وهتفت بتذمر: "ليه كدا؟
كنت قربت أقنعك. منه لله الفار، يارب ينقرض." زين رفع حاجبيه في تعجب وشار بإصبعه نحوها: "بردوا فار؟ امشي يابت من قدامي." سبقته وهي تركل الأرض بقدميها كالاطفال وظلت تهمهم: "بت أنا مش بنت ومش بحب الفيران." تبعها زين مبتسمًا على تلك الطفلة المتمردة المجنونة التي ترفع ضغطه في ثانية وتضحكه دون أدنى مجهود منها بعفوية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!