تفحصت وجه جيدا وهتفت: -هما مين دول؟ أشرار؟ ابتسم زين وهتف بمرح طفولي: -أوي أوي يا فروحة. اعتلت وجهها الحيرة وهتفت بضجر: -يعني أنت مش من الأشرار؟ أطلق زين ضحكات عالية لم يستطع إيقافها. هدرت هي بتصميم طفولي: -أنا عايزة أعرف أنا بسمع كلام مين؟ عايزة أعرف أنت مين؟ صقر ولا زين ولا جو ولا الشبح؟ سكت عن الضحك زين فجأة ونطق بجدية: -حاضر يا فرح هقولك. رفع ساعده في وجهها مشيراً نحو الساعة التي تحيط معصمه. -تابعته بتردد ودهشة:
-بيجروا وراك عشان دي؟ أطلق ضحكة صغيرة ساخرة. وفجأة تحولت نبرته إلى الجدية التامة: -اوعديني الأول إني اللي هقوله دلوقتي مش هتنطقي بيه لحد ولو تحت أي ضغط. اللي هقوله دلوقتي معلومات مهمة وخطيرة وصعب تخرج من بينا. واعرفي إني لو قلتلك إن حياتك بقت في خطر ولا تقل أهمية عن حياتي. ثم أردف متسائلاً: -عندك القدرة على تحمل عواقب اللي هقوله؟ ابتلعت ريقها في توتر وهتفت بتوجس: -أيوه. -أنت متأكدة؟ قالها جاد. أجابته بإصرار:
-أيوه هقدر أحافظ على السر زيك. ضغط على زر الساعة الجانبي، ومن ثم تبدلت الساعة وانفتحت قافزة منها شيء صغير مستدير يشبه أفلام الصور. كانت فرح تحدق كالبلهاء وهتفت بدهشة: -إيه دا؟ أمسكه بيده وهتف بجدية تامة: -ده ميكروفيلم مهم جداً عليه حاجات تخص نقطة مهمة في جهاز المخابرات الخارجي، وكلهم محتاجينه ومستعدين يعملوا المستحيل عشان يوصلوا له. مازالت فرح تحدق وفمها فاغر: -طيب ما تديه للبوليس. حدق في عمق عينيه وهتف بهدوء:
-طيب ما هو أنا البوليس. عندئذ عقد حاجبيها بدهشة: -إزاي؟ تقدم نحوها وحك أنفه بطرف إصبعه، تحدث بنبرة حذرة: -أنا ظابط مخابرات يا فرحة، واحد مهم جداً عشان أكون مسؤول عن حاجة زي دي. مهمتي محددة هي التلاعب برجالتهم بتوع المخابرات وتسليمهم للسلطات المعنية، ودي حاجة صعبة جداً خصوصاً إني لوحدي ومافيش أي دعم من فرقتي. أنا لوحدي.
كان نصب عينيها شيء واحد يسعدها، هو أنه ليس مجرم، بل حامي الأرض في نظرتها، هو بطل خارق سقط إلى عالمها ليحقق ما عجزت عنه أحلامها. عادت لرشدها وأخيراً نطقت: -يعني أنت مش مجرم؟ هتف بالإيجاب: -لا يا ستي. أنا نبهت عليكي والحقيقة دي بيني وبينك والمفروض إن مكان الميكروفيلم ده ماحدش يعرفه غير أنا وإنتي. هويتي الحقيقية ماحدش يعرفها غير أنا وإنتي. أمسك يدها فجأة: -أنا وثقت فيكي، ما تخيبيش ظني أرجوكي. أجابته وهي تنظر إلى عينيه:
-ما تقلقش، ماحدش هيعرف حاجة. بس أنا عايزة أعرف أنت إيه اسمك الحقيقي. لوى فمه وعقد حاجبيه: -زين. أجابته بتعجب: -وفين التمويه في كدا؟ تفحصها بدهشة وهتف: -تمويه إيه؟ ما أنا قولتلك كل حاجة. ثم أشار بإصبعه نحو رأسها: -يا أم مخ ذكي. أزاحت يده وهدرت بجدية: -لا أقصد، ليه اسمك زين؟ وهما عارفين إنك زين؟ جلس إلى الأريكة وتمطى بذراعيه: -اسمي ليهم صقر، مرتزق مجرد مرتزق، زي ما قولتلك ماحدش يعرف إني ظابط مخابرات. تساءلت بحيرة:
-طيب ليه قولت اسمك الحقيقي؟ ما قولتش اسمك الحركي؟ حرك كتفه بخفة: -ما أعرفش، كان تهور مني، زي ما كان تهور إني أوقف العربية وأنقذك. اخفت شبح الابتسامة عن وجهها وسألت باصطناع اهتمام: -ومين سرور ده؟ أجابها بجدية: -ده ظابط برده بس مش مصري. واسترسل بمرح: -ده يبقى من الأشرار. ضحكت بعفوية على طريقته وقالت دون وعي: -الراجل ده كان بيقولي إني نسخة صغيرة منك وإن ريحتي كلها أنت. ما كانش يعرف إن القميص بتاعك باين.
انفجر زين ضاحكاً من حديثها عن قميصه للمرة الثانية، بعد أن أول ما رأته هناك اشتكت له إنهم سلبوه منها. كالأطفال تحرك نحو غرفته، فتحركت من ورائه. وظلت تحادثه بفضول كبير: -جينا إزاي؟ حرك رأسه بفراغ صبر: -الطيارة. سألته بمرح: -أنت عندك طيارة؟ زين باختصار: -لأ. تساءلت في حيرة: -إزاي جيت هنا من غير باسبور ولا فيزا؟ التفت نحوها وهو يقهقه عالياً: -هههههههههههه، أنت هتجننيني! يا بنتي هاربانين، هاربانين مش جايين فسحة.
ثم استطرد قائلاً: -ولا أقولك تعالى أفسحك، يلا اهو ناخد ثواب عشان ربنا يكرمنا في العملية اللي داخلين عليها. فرحة قفزت في الهواء بمرح طفولي: -ياس! ياس! جعلت زين ينظر لها بشغف حقيقي لتلك المتمردة المجنونة. توقفت عندما لاحظت ثبات نظرة إليها وارتبكت، بينما هو شعر بملاحظتها فتنحنح قائلاً: -أنا سيبلك هدوم جوة في الدولاب، ادخلي جهزي ويلا بينا. أجابته بسعادة: -حاضر. اتسع فمه بابتسامة وهتف ساخراً:
-ما بسمعش حاضر دي غير في الخروج، غير كدا لأ. ههههههههههه. لم تجبه وولجت إلى غرفتها بسعادة أنستها لما هي هنا. دقائق نعم زين بالهدوء من أسئلتها التي لا تنتهي من وقت ما علمت أنهم مشتركان في نفس السر. تمطى بجسده في ارتياح على تلك الأريكة الجلدية وأغمض عينيه بارتياح من تلك الطفلة المشاغبة. لدقائق لا، قفزت أمامه مجدداً بوجه محتد ومحتقن وهتفت بضيق وبنبرة غاضبة أفزعته: -إيه اللبس اللي أنت جايبه دا؟
اعتدل زين في نومته بفزع، ثم أغمض عينيه وهو يحك جبينه بيده بعد استيعابه سبب غضبها عندما تذكر أنه أتى لها ببنطال جينز وبلوفر صوف وجاكت ذو فراء. هاتف بنبرة هادئة: -أمم، ما عجبكيش؟ وضعت يدها في خصرها بتحدي وأجابته بتعنت: -أنا ما بلبسش الحاجات دي، بلبس جيب وعبايات وطرح، ولا نسيت؟ أجفل زين وتنهد بضيق وحاول كبح غضبه قدر المستطاع: -فرح لازم تتعودي تلبسي كدا الفترة دي، وإذا كان على الطرحة حطي مكانها آيس كاب.
بينما هي احتدت وهتفت بغضب: -يا سلام، وما البسش ليه اللي أنا عايزاه؟ وضع زين رأسه بين كفيه وبدأ بتمرير يده على شعره بضيق وهتف من بين أسنانه: -عشان زي ما قولتلك إحنا مش في رحلة ومطلوب مننا التخفي، البعد تماماً عن أي مشاكل تانية ممكن تكشف هويتنا أو ديانتنا أو حتى أصولنا. والبسي اللي جبتهولك ده المناسب عشان لو حبينا نجري أو نهرب ما يبقاش في حاجة تعيقنا. وبدأ شرحه هادئ وسلس إلى فرحة، بينما احتدت نبرته، فجأة ونهض
من أمامها بخفة وهدر بضيق: -جلي، مش عايزة أفضي قاعدة هنا وما تخرجيش. استني الأيادي الطايلة لما توصلك وساعتها أبقى اتلخمي وأنتي بتعدلي الطرحة وما بين ضغط الزناد. تحركت من أمامه بضيق ولم تبدي رفضها من عدمه. زفر زين بقوة حتى كاد ينفجر، فهو آخر ما يريده هذا ولكن مضطر لسلامتها. أسدل الليل ستائره في سكون على كل الأطراف، فبرغم السكون كان الجميع في حالة من الأرق والتفكير في القادم والمجهول.
في إيطاليا، حاولت فرحة النوم بكل الطرق ودارت في فراشها عدة مرات وعدلت وضعها بعشوائية ولكن لا أمل، وعلى زفيرها الضيق خرج زين وتحرك في شوارع إيطاليا وهو يدس يده في جيبه في شرود تام وتوتر فيما فعله، فقد انعدمت رؤيته وقدرته المعهودة أمام تلك الطفلة المجنونة التي قلبت حياته رأساً على عقب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!