ورا كل فرحة حزن مختفي متواري، رابط ينتظرنا. الحزن خبيث ومراوغ، بيعرف طريقه حتى وسط العتمة. الحزن يختار أصحابه بعناية، مثل الدجاج الجائع لا تفلت منه حبة قمح مرمية على الأرض. تكاد تشعر أن بعض البشر لا يحق لهم السعادة. لقد قضمت فرحتي. بعد ما خلصنا النزهة ووصلنا الشركة، قابلنا خبر صادم. مخازن الشركة، كل منتجات الشركة في الشهور الماضية، المنتجات المعدة للشحن سرقت.
الخسارة كانت كبيرة، ياريت كانت على كده، كانت هتبقى مقبولة. رعد كان هيتقبل الخسارة ويعيد بناء نفسه. لكن المشكلة كانت في الشرط الجزائي مع كل صفقة، واللي رعد مضطر يدفعه من جيبه الخاص. سمعنا الخبر على باب الشركة. كان فيه عربيات شرطة وزحمة وهيصة. رعد وضع إيده على دماغه واتسند عليه ووقع على الأرض. وصلت سيارة الإسعاف كئيبة كأنها سيارة نقل الموتى. خدنا رعد على المستشفى وهناك خضع للفحص في العناية المركزة.
كنت خايفة جداً ومتوقعة الأسوأ. مرعوبة أن رعد يكون أصيب بجلطة أو أي حاجة من اللي بنسمع بيها. فضلت قاعدة جنب رعد بعد ما كلمت والدتي وشرحت لها الظروف. والدتي جت قعدت معايا. ما كانش ممكن تسيبني وحدي في المستشفى. والدتي بتعاملني معاملة الأطفال.
رعد كان بيفوق شوية ويرجع يفقد وعيه. المرة الوحيدة اللي قدر يتكلم فيها، طلب مني أغادر المستشفى. "أنت الوحيدة اللي ممكن أعتمد عليها يا أسيل. تابعي التحقيقات واهتمي بالشركة في غيابي. مش عايز شركة بابا تنهار يا أسيل." "أنا كلمت محامي الشركة وعينتك المديرة لحد ما أرجع." ما كنتش فرحانة. أنا معرفش حاجة في إدارة الشركات. مهمة صعبة نزلت فوق دماغي. قلبي كان بيقولي خليكي معاه وعقلي كان بيطلب مني أتولى المسؤولية.
حين الاختيار، حين نضطر أن نختار بين ما يطلبه القلب والعقل، علينا أن نختار العقل دوماً. روحت على الشركة اللي كلها كانت حزينة. الحديقة، المكاتب، الطاولات، حتى الجدران كانت تسيل بؤس. بعض الموظفين كان عندهم لامبالاة. كان فاكرين طالما مدير الشركة مش موجود يقدروا يعملوا اللي عايزينه. كان فيه تسيب خطير واضطريت أبقى عنيفة وأتخذ قرارات تأديبية ترجع الضبط والربط.
دخلت مكتب رعد اللي كنت بتمنى أدخله قبل كده. لقيت الملفات اللي طلب مني أدرسها. ضابط المباحث وصل المكتب واطلعني على نتيجة التحقيقات المتوقعة إنهم موصلوش لأي حاجة. معرفش ليه سبت المكتب بعد ما ضابط الشرطة ما مشى ونزلت على مخازن الشركة. اتكلمت مع حراس المخازن. بعضهم كان مصاب لأن اللصوص ضربوهم وقيدوهم وغطوا وشوشهم. عاينت أبواب المخازن بدقة. ما فيش ولا باب كان مكسور. تحس إنها كلها اتفتحت بمفتاح. ما فيش أي أثر لعنف.
كمان ما كانش فيه ولا حاجة فاضلة جوه المخازن. تحس إن اللصوص كانوا مطمنين جداً ومش خايفين من أي حاجة. ولاحظت لفافات تبغ كتيرة مرمية على الأرض. اللصوص كانوا بيدخنوا بارتياحية. وقعدت أفكر إزاي حد جاي يسرق مكان يكون هادي للدرجة دي؟ جمعت عقب لفافات التبغ في كيس. ما كنتش عارفة الشرطة خدت بصمات ولا لأ. اتكلمت مع الحراس تاني كل واحد لوحده وقارنت بين أقوالهم.
بعد كده سجلت كل حاجة في دفتر وطلبتهم تاني في مكتبي كل واحد لوحده وواجهته بأقوال زميله اللي كنت بازيفها أحيان وأضيف عليها حاجات. أو أوجه اتهام لواحد فيهم على لسان واحد تاني. الكل كان بيستنكر ويقسم إنه كذب. إلا واحد فقط كان بيدافع عن نفسه ويتهم الآخرين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!