وضعها برفق شديد كأنها قطعة زجاج يخاف من كسرها أو جوهرة غالية يخاف أن تتعرض للخدش. دثرها جيداً وقبل جبهتها وأشعل نور خافت جوارها وغادر الغرفة. أغلق الباب خلفه، يقف بالرواق وضغط بضع لمسات على الهاتف ووضعه على أذنه بانتظار الإجابة. ثوانٍ واتته، ليهتف بجمود: "إيه الأخبار عندك؟ ليرد الطرف الآخر قائلاً باحترام: "زي ما حضرتك أمرت نفذت كأني حضرتك والمناقصة رسيت علينا ووقعت على العقود ومنتظر المحاسب يخلص ونرجع." ليهتف بشك:
"حد حس بحاجة أو حس إن انتَ مش أنا.. أوووعي يا ياسر، انتَ عارف إن الاجتماع ده سري لأبعد الحدود وبيضم رجال أعمال كبار في مصر والشرق الأوسط كله." ليهتف ياسر بثقة كبيرة: "اطمن والله يا حمزة بيه، مفيش أي حد شك مجرد شك بسيط إني مش حضرتك." ليتنهد براحة قائلاً: "طيب خلص إجراءات العقود ورجعوا." أغلق، يخرج للردهة ليجد منه جالسة على الأريكة تضم قدمها لصدرها تستند على ظهر الأريكة ودموعها منسابة بشرود.
زفر بتمهل وهو يرى ثقل شديد على صدره، وتقدم يجلس جوارها يمسح دموعها برفق قائلاً بصوت حنون يبث الاطمئنان لها كأنه والدها وهي طفلته: "مش قولنا كفاية عياط عشان انتِ مش ضعيفة." ارتمت بأحضانه تتعلق به كالغريق الذي وجد طوق نجاته وشهقاتها تعلو: "غصب عني ياحمزة، اللي شوفته مكنش هين." مسد على خصلاتها يحثها على الإكمال علها تستريح. لتحاول إخراج صوتها رغم شهقاتها المتلاحقة:
"أول مرة أحس إني خايفة وإني من غير أمان، أنا مليش حد غيرك، تقسي عليا لما أغلط وترجع تحن تاني، انتَ ليا كل حاجة، أخ وأم ودنيتي كلها، أنا فتحت عيني عليك، بابا كان مات وأمي جت رمتني أنا وحسن ليكم ومشيت.. لما ضربني بالقلم حسيت بكسرة رهيبة، بذل كبير، أول مرة حد يمد إيده عليا.. وعشان أقوله على مكان خزنتك لمسني غصب عني، أنا اتهنت أوي، أووعي تسبني تاني." وعلت شهقاتها مجدداً.
أغمض عينيه بقوة يجمح دموعه من الانسياب وداخله بركان على وشك الانفجار وصدره يكاد يفتك من كثرة غضبه، وكأن الغضب يسري في عروقه بدل الدماء. رفع وجهها بحزم يمسح دموعها قائلاً: "مش عاوزك تخافي، طول ما أنا عايش فاهمة، حقك هيجي، وحياتك عندي ليجي." ابتسمت من وسط دموعها تؤمي بالإيجاب. وبأحد الأركان نزلت دمعة ساخنة من عينه، كان يتمنى حنان شقيقه مثلها واحتماءها به مثله.
مسحها بتصميم، يشدد على الحقائب التي بيده ويتجه نحوهم، يضعها على الطاولة الصغيرة قائلاً بحرج: "معلش البيت مكركب وكده عشان الشغالة بقالها أسبوع مجتش." نهض حمزة قائلاً بهدوء جامد: "عادي.. خليك معاهم وأنا ساعتين وراجع." أومأ حسن ويجلس جوار منه يفتح الحقائب. ليغادر حمزة المنزل وقد اعتلت وجهه نظرة شرسة مميتة. *** يدور بقلق وتوتر بالخارج أمام غرفتها، لا يعلم أكانت على قيد الحياة أم غادرتها.
وجد الممرضة تخرج راكضة ليمسك يدها قائلاً: "هيا لسه عايشة؟ أومأت قائلة: "آه الحمد لله، بس محتاجين نقل دم ومش لاقيين حالياً." لتهتف وعد باستفسار: "هيا فصيلتها إيه؟ لتهتف الممرضة بعينه الدماء الخاصة بها، لتصيح وعد قائلة: "أنا فصيلة دمي زيها." لتهتف الممرضة بلهفة: "بجد؟ طيب حضرتك حامل عندك سكر أنيميا أو أي أمراض تانية؟ لتهتف وعد بحزن وهي تشعر بغصة مؤلمة تقف بحلقها: "عندي السكر." لتهتف الممرضة بأسف: "مينفعش للأسف."
لتقاطعها وعد وهي تشير نحو رائد الذي يتحدث بالهاتف: "أخويا.. أخويا نفس الفصيلة، ثواني." وأسرت نحو. وبعد دقائق اتجهوا نحوها وعلامات الامتعاض تعلو وجهه. لتهتف وعد: "اتفضلي حضرتك تقدري تاخدي منه الدم ومعندوش أي أمراض." اختفوا داخل أحد الغرف. وبعد نصف ساعة خرج وهو يعدل أكمام قميصه. لتمد وعد يدها بعصير له قائلة: "اقعد استريح واشرب ده." نظر لها باستخفاف قائلاً: "هو أنا كنت بولد استريح من إيه؟ اشربيه انتِ أنا مش عاوز."
هزت رأسها بيأس وجلست بصمت تراقب خروج الطبيب. *** صف سيارته بعشوائية وترجل منها ودخل ليجد صوت تأوهات متألمة تخرج من أحد الأركان. توجهه نحوها ليجد الرجل مكبلين بالمقاعد ورجاله يسددون لهم اللكمات. توقفوا عندما رأوه. ليخلع سترته ليأخذها الحارس وشمر عن ساعديه وفتح أول أزرار القميص ووقف أمامهم بصمت مخيف يضع يديه بجيوب بنطاله. خرج صوته هادئ كهدوء ما قبل العاصفة: "اللعب معايا وحش ونهايته وحشة ومصيركم أوحش.. فكوهم كلهم."
نظر له الحارس كأنه تنين مجنح قائلاً بعدم استيعاب: "دول تمانية يا باشا نفك التمانية." نظر له ببرود صقيعي قائلاً: "بسرعة عشان مخلكش من ضمنهم ويبقوا تسعة." أسرع يقف قيودهم لينهضوا. لينزع ساعة معصمه يلقيها أرضاً قائلاً بلمعة تحدي وانتقام شرسة غلفت عينيه: "محدش فيكم يقرب." وتقدم نحوهم لتبدأ المعركة الساحقة. ظل ثلاثة والباقي مسطحين أرضاً يصرخون من كسور عظامهم. هجم على واحد من الثلاثة. لقترب الاثنين من خلفه وواحد منهم قيده.
ليرى حارسه يتقدم ليناظره بحدة قائلاً: "مكااانك." زفر ببطء يحني رأسه ويرفعها بقوة لتصتدم بأنف الآخر ليصرخ بألم. ليلفت له يمسكه من تلابيت قميصه وبيده الأخرى يسدد له لكمات متلاحقة. سقط أرضاً. ليلفت بعين حادة شرسة للآخر. وقد تيقن أنه رئيسهم هو من مد يده على شقيقته إذا. التحم معه بمعركة دامية وكان الفوز له. ليلوي ذراع الآخر للخلف بقوة ثم الأعلى لتتسابق أصوات طرقعة عظامه مع صرخاته.
أمسكه يديره نحوه يصدم رأسه برأس الآخر لتخور قواه ساقطاً أرضاً. وقف يلهث بعنف وصدره يعلو ويهبط. نظر نحو الأخير ليجده قائلاً برجاء وهو يقترب بخوف: "أبوس إيدك يابيه أنا عندي عيال، اللي عاوزه مني هعمله بس متعملش فيا زيهم." نظر لرجاله وهو يأخذ سترته وساعته يده مغادراً: "محدش يقربله، خلوهم لحد الصبح مرميين كده لحد ما أشوف هعمل فيهم إيه." صعد لسيارته يعود للقصر ليجد التجهيزات على قدم وساق. وقف يحادث أحدهم ليرد عليه قائلاً:
"زي ما حضرتك أمرت يا باشا، البوابة اتغيرت والحرس زادوا والمصابين ف المستشفى وطلع لكل بيت واحد فيهم تعويض وفلوس عشان يصرفوا منها والشغالين رجعوا والنظام الأمني اتغير." أومأ بهدوء ورضا وصعد لغرفته. أخذ حمام بارد وأبدل ملابسه وأخذ ملابس لهم ورحل لمنزل حسن. دق الباب ليفتح له فريد. دخل للداخل لتلتقط أذنيه صوت ضحكات منه تملأ الأرجاء. دخل ليجد حسن يلقي عليهم الدعابات وهو يمد يده بالطعام نحو شذي. هتفت منه باسمه.
لترفع شذي عينيها نحوه وتسرع تلقي نفسها بأحضانه تطوق خصره. ربت على رأسها ومد يده بحقيبة لشقيقته قائلاً: "غيري البتاع المقطوع ده وانزلي مستنيكي تحت." أومأت وهيا تأخذ الحقيبة وتدلف للغرفة. التفت حمزة وهو يحاوط كتفي شذي ليغادروا. ليصيح حسن باسمه ويقف أمام شذي مبتسماً وهو يمد يده: "مش تسلمي عليا قبل ما تمشي." ابتسمت ببهوت تصافحه. ربت حمزة على كتفه قائلاً: "خلي بالك من نفسك." أومأ حسن بابتسامة خفيفة.
ليغادر حمزة للأسفل ومعه شذي. خرجت منه من الغرفة بحثت عنه لتجده يقف أمام باب المنزل. أقتربت بابتسامة هادئة تقبل وجنته وتحتضنه قائلة: "خلي بالك من نفسك يا حسن وابقي تعالا، حمزه أكيد سامحك." ربت على ظهرها قائلاً: "ربنا يسهل، خلي بالك من نفسك انتِ أهم حاجة وأنا من وقت للتاني هتصل بيكي أطمن عليكي." ابتسمت ولحقت بحمزة. ليتنهد حسن وهو يغلق الباب خلفهم. *** جلست أمامه ليهتف بهدوء:
"هشام الله يرحمه طلب مني اتجوزك قبل ما يموت بأسبوع عشان احميكي، أنا رفضت في الأول بس مع إلحاحه وإنه خايف عليكي وافقت.. وبعدين أما تتمي السن القانوني وتقدري تستلمي ورثك، هقطع الورقة دي وتقدري تشوفي حياتك بعدها." وكأن أحد سكب عليها دلو ماء بارد بأول شهر يناير. نظرت له بضياع وهيا تقف قائلة بصوت منخفض غير مستوعبة: "جوزني ليك.. وأنا فين... فين موافقتي؟ فكرتوا في مستقبلي؟ عارف يعني إيه عندي 18 سنة ومتجوزة."
صرخت بانهيار غاضب: "رد عليا، فكرتوا فيا ولا ف مشاعري؟ لما أعرف ليه كده ليه بتعملوا فيا كده.. طيب هو خايف عليا، انتَ فين عقلك؟ ليه رفضتش؟ لييه؟ أنا بكرهكوا، بكرهكوووووا." صرخت بأعلى صوتها وهي تشعر بكل شيء ينهار حولها. وحمزة يشعر بأن الحياة أصبحت سوداء فجأة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!