شهق بفزع عندما سقط على رأسه دلو ماء بارد. هز رأسه بعنف، يتنفس بسرعة شديدة، وينظر لحسن بشراسة وهو يحاول فك قيد يده. "فكني ياحسن، فكني بقولك." جلس حسن على المقعد بالعكس، حيث أصبح ظهر المقعد أمام صدره، وقائل باشمئزاز: "انت مريض، عندك مرض اسمه الشك والحقد من اللي حواليك. وصلت بيك الحقارة تحاول تقتلنا، مكفكش اللي حصل زمان." صرخ رائد بانفعال وهو يتحرك بعشوائية وعنف:
"مش هستريح غير لما حد فيكم يقتل التاني. انتوا الاتنين خاينين." ابتسم حسن باستفزاز، قائل: "وانت مريض يا فريد." دخل فريد وهو يسحب هنادي ليدفعها لتسقط أرضًا بجوار رائد مكبلة اليدين. ليبتسم حسن بتسلية، قائل: "يلا، مين هيحكي الأول عشان يمشي قبل التاني." لم ينطق أحدهم. لينظر حسن لهنادي، قائل: "هنادي حبيبتي، هتحكي الأول. يلا، دفعلك كام بقا عشان تخونيني وتتأمري معاه علينا؟
يلا اتكلمي انتِ بدل ما أخليكي تتكلمي بأسلوب مش هيعجبك نهائي، خصوصًا أن الرجالة اللي بره دي نفسهم يشوفوا نمرة من بتوعك فاكرهم." نظرت له هنادي بخوف، لترفع نظرها لرائد باستسلام، وتنظُر لحسن، قائلة: "هحكي ياحسن." *** ابتعلت لعابها بوجل وهي تنظر لحمزة الصامت. لتمسك يده، تشدد عليها، وتنظر له برجاء. سحب يده ونهض، يهتف بهدوء شديد: "حضرتك منتظرة مني إيه مثلاً؟ منتظرة أقولها انتِ طالق يا شذي، ويلا روحي مع عمتو ولا إيه؟
لتهتف لبنى بتأكيد: "أيوه، أنا مش هسيبها هنا دقيقة واحدة. دي كانت هتموت بسببك، كنت هتعوضني عنها إزاي؟ أمسكت ريناد يد والدتها، تهتف بهمس: "ماما أهدي، مينفعش كده. خلينا نفهم." نظرت لها والدتها باستنكار، بينما اندفع الصغير نحو شذي التي اعتدلت بصعوبة، تحتضنه، قائلة: "وحشتني يا كوكي." صمت الجميع عندما ارتفع صوت الضجيج بالخارج.
خرج حمزة ليجد العديد من الصحافيين يحاولون الدخول للمشفى، ويقف ياسر وبعض الحرس يمنعونهم. صعد ياسر لحمزة. دق الباب ليخرج له حمزة. ليهتف ياسر: "عرفوا باللي حصل وجايين يعملوا حوار مع حضرتك عشان عاوزين معلومات." ليهتف حمزة برفض هادئ: "متخليش حد يدخل ولا ياخد صور أو ياخد كلمة من الحرس. وجهز العربية عشان توصل أهل شذي القصر، هنزلهم من باب الطوارئ." أومأ ياسر وغادر للأسفل. ودخل حمزة للغرفة، قائل:
"ياسر مستني تحت قدام باب الطوارئ وانتوا نازلين. لو حد من الصحافة قابلكم، متقولوش حاجة." لتهتف لبنى باعتراض: "أنا مش همشي، أنا هبات مع بنت أخويا." نظر حمزة لشذي بنفاد صبر. لتهتف شذي سريعاً: "حمزة هيبات معايا ياعمتو. روحي انتِ عشان متتعبيش." نظرت لها لبنى بامتعاض وعدم رضا، قائلة: "انتِ وشك أصفر كده ليه؟ هما مش بيأكلوكي ولا إيه؟ انتَ إزاي متأكلهاش؟ مش خارجة من جراحة ولا نسيت؟ ليهتف حمزة بحدة ونفاذ صبر:
"لما المحلول يخلص هاكلها، مش ناسي ولا حاجة." وقف علي على المقعد، ينحني يقبل شذي ويحتضنها، قائل: "أنا مش همشي غير ما تخرجيني عند المايه زي ما... ما قولتلي." رتبت شذي على رأسه وقبلته، قائلة: "من عنيا يا كوكي. يلا تشاو." لوح لها وغادر مع ريناد ولبني. أقترب حمزة يعدل الوسادة خلفها. لتلمح شذي دماء متجلطة على يده. امسكتها لتجد جرح بكفه من الداخل. لتنظر له بعتاب. سحب يده، قائل: "مخدتش بالي منه."
تركت يده واشاحت بوجهها للجانب الآخر. وجدوا الباب يطرق. ليفتح حمزة ليقبض على الباب بغضب ووحدة عندما وجد وليد ونديم ومريهان. رأتهم شذي لتبتسم، قائلة: "ادخلوا، واقفين ليه." دخلت مريهان، وبعدها نديم وهو يسند وليد. جلس وليد على الأريكة يمدد قدمه بالأرض، قائل ببسمة أخوية: "ألف سلامة عليكي، إن شاء الله تقومي بالسلامة." تناست وجود حمزة، بل تناست حمزة من الأساس، قائلة بتلقائية:
"الله يسلمك يا ليدو. ألف سلامة عليك أنت كمان، كنت عاوزة أجيلك والله النهارده بس شوف حكمت ربنا. جيتلك مضروبة بالرصاص، مهونتش عليا تقعد لوحدك في المستشفى، جيت أونسك." ضحك وليد، قائل: "محسساني جاية دريم بارك دي مستشفى ياماما، مش ملاهي. والله دخلتي كلية إيه؟ ابتسمت بفخر، قائلة: "معاكِ الإعلامية شذي هشام يا بني." هتف نديم وهو يشير لوليد نحو شذي: "محسساني بتقولي معاك اللوا فخري درغام." نظرت له شذي بضيق، قائلة:
"جتك نيلة في أسمائك، فخري ودرغام." تقدم نديم منها، يضع حقيبة مملوءة بالحلويات بجانبها، قائل: "أحلى شوكولاتة لأحلى آنسة شذي." أطلق وليد صفير، قائل بتنبيه: "مدام يا بابا." "مدام؟ هل أحدكم يتذكر حمزة؟ حمزة التي ثارت البراكين بداخلها وعلى وشك تدمير المشفى، يقسم لو أطلق العنان لغضبه سيقتل هذا النديم. بحق عيناه أصبحت قاتمة، عروقه بارزة، ينظر نحوها بهدوء يخفي خلفه بركان ثائر، تغلي النيران بداخل عروقه.
عضت شذي على شفتيها بوجل وخوف من القادم. بعد مغادرتهم، لتبعد الحقيبة، قائلة بتوتر: "الدكتور قال مينفعش يا نديم. اديهم لمريهان، أنا مش عاوزة. شكراً، شكراً." نهض وليد بصعوبة، قائل بابتسامة بسيطة لحمزة: "ممكن كلمتين على انفراد يا أستاذ حمزة." دقيقة واختفى الاثنان داخل الشرفة. لتهتف مريهان بضيق مصطنع:
"جوزك ده عصبي أوي، مش عارفة انتِ مستحملاه إزاي. ده رفض نهائي إن نديم يتبرعلك بالدم، ورفض إنه يدخل يشوفك، كان هيضربه تقريباً. وشكله مدايق من وجودنا وهي تتخانق معاكي لما نمشي." لتهتف شذي بهدوء شديد مستفز، وهي تفهم مغزى حديثها: "حمزة بيغير عليا من الهوا يا ماري، بيغير جداً. وبعدين هو عصبي مع كل الناس إلا معايا، ومش بيحب يزعلني نهائي." نفخت مريهان بغيرة وضيق، قائلة: "ربنا يخليكم لبعض." خرج وليد، قائل:
"يلا يا جماعة، نسيب شذي تستريح بقا." نهض الجميع وودعوها من بعيد، عدا نديم الذي اقترب، قائل وهو يمد يده: "سلام." نظرت شذي لحمزة بنظرة خاطفة، قائلة: "متوضية وإيدي وجعاني." مد يده ينوي بعثرة خصلاتها، ليسمع صوت تهشم عظامه عندما وجد يد حمزة الأقرب تضغط على يده، قائل بابتسامة مخيفة: "نو تاتش." ظهر الألم جلياً على وجه نديم وسحب يده وغادر سريعاً.
صمت يحتل الغرفة، لا يستمع سوى صوت أنفاس حمزة المتلاحقة. دخل المرحاض يغلق الباب بحده. انتفضت على أثرها شذي تدعي الله بمرور هذه الليلة بهدوء وسلام. خرج بعد وقت قصير بعدما أبدل ملابسه، ودخل الشرفة دون أن يتحدث معها. ظلت بانتظاره دون جدوى. ونهضت رغم ألمها وصعوبة حركتها لتجده يعطيها ظهره. وقفت بجواره لتجد عدد مهول من أعواد التبغ موضوع بالمنفضة. أمسك واحد آخر ينوي إشعاله، لتمسكه تقذفه من الشرفة، قائلة:
"كل ده غلط عليك وعلى... ضغط على أسنانه، يهتف بتحذير: "ادخلي جوه." لتهتف بعناد: "مش د... صرخ بغضب كبحه لمدة طويلة: "قولت جوووه." ترقرقت الدموع بعينيها وتوجهت للدخول. جلست على الفراش تبكي بصوت عالٍ. ضرب حمزة السور الحديدي عدة مرات حتى تجمعت الدماء بيده، ليشعر بتخدّر تام بها. جلس يحاول تهدئة غضبه وتخفيف الضوضاء بداخل عقله. ولكن صوت بكائها يزيد هذا. دقائق وهدأ تماماً عندما هدأت بكائها. لتهتف باسمه. لا إجابة.
أعادت الكرة كثيراً، ليدخل ويضع حقيبة الطعام أمامها، ويتوجه للدخول. لتهتف ببراءة مقصودة تستعطف قلبه: "الرصاصة في إيدي اليمين وحرام أكل بالشمال... أكلني." *** تأكد من استغراقها بالنوم، ليغادر الغرفة بعدما أوصد الباب عليها وأغلق الشرفة، وترك حارساً لزيادة الأمان. صعد لسيارته وتوجه لمكان تواجد حسن ورائد. دخل الجراج ليجد حسن جالس على المقعد وبجواره فريد وياسر يتحدث بالهاتف. وجد بلوزة هنادي مشقوقة بشكل مزر. لينظر لفريد،
قائل: "هاتلها حاجة تغطي جسمها." ليبتسم فريد باستهزاء: "دي رقاصة يابيه، يعني متعودة تعري جسمها." ليهتف حسن بحده: "اللي يقولك عليه تنفذه من غير نقاش." جلس حمزة أمامه، قائل: "حد فيهم اتكلم؟ أشار حسن لهنادي، قائل: "خافت على نفسها واتكلمت. فاضل البيه." نهض حمزة ينزع سترته، قائل: "حد يفكه." فك فريد قيد رائد ووقف جوار حسن الذي ابتعد بالمقعد قليلاً بانتظار بدء العرض الدامي.
ومن الجولة الأولى، رقد رائد أرضاً يصرخ من ألم جسده. انحنى حمزة فوقه يسدد له لكمات ويهتف سبب كل لكمة منهم، قائل: "دي عشان طلعت وسخ ووقعت بيني وبين أخويا. ودي عشان البت الغلبانة اللي كنت خاطفها وبتعذبها. ودي عشان حاولت تقتل حد فينا." زفر بقوة، يحمله يوقفه عنوة ليبدأ بالهجوم عليه مرة أخرى، قائل: "ودول بحق كل نقطة دم نزلت من مراتي وكل ذرة خوف قضيتها عليها." أسرع ياسر يبعده عن رائد الذي فقد الوعي تماماً.
استند حمزة بكفيه على ركبتيه يلهث بشدة من فرط غضبه الذي أخرجه برائد. ليهتف حسن بمرح وهو يصفق: "برافو، حصلت على الحزام الذهبي بكسر الجماجم. ده تقريباً مات، مش فقد الوعي. كده مش هيتكلم." جلس حمزة، قائل: "مش مهم يتكلم، أنا عارف كل حاجة. ابعت بلغ إن الحرس مسكوه وتخليهم يكثفوا الحراسة عليه لحد ساعة النطق بالحكم." لينظر له حسن باهتمام: "عرفت إزاي إنه وقع بيني وبينك ووقع بينا ليه أصلاً؟ نظر له حمزة بهدوء:
"ترنيم زميلتك بتاعت أيام الكلية تبقى مراته حالياً، ووقع بينا عشان جدك يتطردك وترنيم مترضاش تتجوزك. ف هو يتجوزها، وبعد ما اتجوزها من كتر مرض الشك اللي جواه شك أنها بتخونه مع جوز أخته. وعد قتل جوز أخته، رجع عشان يقتلها. كانت هي ساعتها هربت وجيالي. عرف إنها جيالي لما قرر وعد، فشك إنها بتخونه معايا أنا كمان، ومن هنا بقا يوقع بينا زيادة ويحاول ينتقم من ناحية تانية وهي بأنه يخلي هنادي توقعني عشان تربطني بعيل أو عشان يفضحني، وفي الحالتين فشل. فمكنش قدامه غيرك."
نظر حسن لرائد الممدد، قائل باستحقار: "يعني هيتعدم؟ أومأ حمزة بتأكيد، قائل: "أكيد، ده قتل واحد ملوش ذنب وحاول قتلنا وضرب شذي بالنار، يعني معدوم معدوم. عملت إيه في مراته وأخته؟ أرجع حسن ظهره للخلف، قائل: "رجعتهم تاني لخالته في الريف. يعني أنا كده أخدت العفو وعاد ليا لقب الشاذلي ولا لسه مغضوب عليا عشان الابن العاق؟ أمسك سترته مغادراً، قائل: "غفرنالك ياعم العاق." ليصيح حسن بابتسامة مرحة: "أخويا حبيبي."
تنفس براحة وهو يشعر بالهواء يدخل لرئتيه نقياً. *** وقف بأناقة شديدة ووقار كبير بقاعة أفراح فخمة خاصة بحفل زفاف ابنته الصغيرة وشقيقته منه. نزلت منه من أعلى الدرج تتعلق بذراع حسن الذي سيقوم بتسليمها لزوجها. وقف حسن يصافح ماهر ويوصيه عليها، وهو يشير نحو حمزة ثم على رقبته بمعنى"هنقتلك". ضحك ماهر وهو يقبل رأس منه ويتجهون لمنتصف القاعة لبدء الرقصة الأولى.
نظر نحو الباب بانتظار دخولها، ولاكن خابت آماله عندما دخل ياسر وحيداً. اقترب منه يهمس ببضع كلمات بأذنه جعلت العالم يضيق ويظلم، جعلت منه منذ هذه اللحظة حمزة آخر. *** ارتفع صوت مكبر الصوت هاتفاً: "على الركاب المسافرين لإيطاليا التوجه نحو الطائرة." أمسكت الحقيبة تسحبها خلفها وتنظر خلفها ببكاء، تريده، لا تريد الذهاب. قبضت لبنى على يدها تسحبها للتحرك، وتعبيرات وجهها صلبة جامدة.
شهقت ولفظت اسمه بتمني مجيئه. لفظته للمرة الأخيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!