الفصل 27 | من 32 فصل

رواية أسيرة عشقه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شهد السيد

المشاهدات
20
كلمة
2,424
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

أوشكت الشمس على البزوغ وهو يجلس بالحديقة على طاولة كبيرة يضع عليها حاسوبه النقال وبعض الأوراق والقهوة وأعواد التبغ بالطبع. رجع ظهره للخلف يضع يده على رأسه بإرهاق. أشعل أحد أعواد التبغ وهو يدخنها بشرود يتخيلها أمامه تبتسم بإشراق كعادتها ورائحتها الدافئة والهادئة تنبعث منها عندما تكون بجواره. يتذكر أسوأ فترة بحياته قضاها عندما ذهبت في اكتئاب وروتينية. أضاء هاتفه معلنًا عن مكالمة من أخيه، أجاب قائلًا: "أتأخرت ليه."

ليهتف حسن بحرج وحذر كأنه مراهق تأخر في العودة للمنزل ويخاف من بطش والده: "راحت عليا نومة في الفندق ولما صحيت جيت." همهم حمزة بتفهم قائلًا: "قربت توصل." ليهتف حسن بمشاكسة: "نص ساعة وأكون عندك، عارف إني وحشتك، المهم أجهز كده عشان جايب لك مفاجأة." ليهتف حمزة بتهكم: "جايب لي قطة زي المرة اللي فاتت." ضحك حسن بشدة قائلًا: "يااه لسه فاكر تينا، عموماً مش قطة دي أحلى من ألف قطة، أنا بقولك عشان متنامش بس."

زفر حمزة بعدم ارتياح قائلًا: "مش مطمن لك، مستنيك." أغلق الهاتف يضعه على الطاولة، يعود لخياله الموجع قلبه، يهوي الألم بحبها صغيرة متعبة. ابتسم عندما تذكر عفويتها في الحديث وهي تطلب منه أشياء لا تطلبها سوى طفلة في الثالثة من عمرها: "حمزة اعمل لي قرنين"، "أكلني".

ضحك بيأس وهو يتذكر تلك المواقف، تنهد بألم يتمنى أن يذهب إليها يصفعها على حماقتها ويعنفها، وبعدها.. وبعدها يأخذها بحضنه، ينعم بوجودها بقربه، يعاتبها على خطئها، يتحدث عن مدى حبه لها لأيام وشهور.

وجد البوابة تفتح عندما صدح صوت بوق سيارة حسن. التفت بجلسته بانتظار قدوم حسن. فُتحت أبواب السيارة الأربعة، عقد جبينه باستغراب وتساؤل. لحظة رآها، لا يحلم هو ليس بنائم، هي تأتي وهو مستيقظ، ليس ككل مرة تأتي بأحلامه. هي ليست شبيهة لها، هي شذى من عشقها منذ الوهلة الأولى، لا لا يصدق، عادت مجددًا.

تشعر بأن قدميها ثبتت بالأرض عندما وقعت عيناها عليه، وكم اشتاقت لملامحه الحادة الهادئة، تشتاقه بشدة، تريد الركض نحوه والبكاء بحضنه. شعرت بيد تحتضنها، رفعت رأسها لتجد ريناد، تنظر لها بتشجيع. اقترب حسن أولًا وهو يحمل على ابتسم حسن باتساع قائلًا: "إيه رأيك في هديتي." نظر له حمزة بنظرة غريبة، لا يعلم حسن أهي عتاب، لوم، غضب. شعر بمدى خطئه بأنه لم يخبره، ليهتف برجاء: "نتكلم بعدين، بس استقبلهم كويس، متنساش دي أمانة هشام."

هشام، هل يتذكرون هشام الآن؟ أومأ بخفة ليبتسم حسن قائلًا: "مالكم يا جماعة واقفين بعيد ليه، تعالوا." أول من اقتربت كانت لبنى، مدت يدها قائلة: "عامل إيه يا حمزة." نظر لها بضيق شديد، هي من كانت السبب في عدم راحة قلبه وعقله لعام الآن، تتساءل عن حاله. تحمل يا حمزة لأجل هشام. رد بإيجاز شديد ووجهه هادئ: "كويس، حمد الله على سلامتكم."

أومأت لبنى تشعر بمدى الضيق في صوته، مهما أخفاه تعترف الآن أنها أخطأت. صافحته ريناد وجلست بجانب والدتها. حان دورها، هي الآن أمامه. مدت يدها وهي مخفضة بصرها، تشعر بالحرج لدرجة البكاء، تتمنى أن ترفع عيناها تراه عن قرب، تشبع شوقها منه. طالت المدة ولم يضع يده بيدها، تجمعت الدموع بعينيها، سحبت يدها ببطء لتتفاجئ وترفع عيناها عندما احتضن كف يده يدها. لمعة من البكاء تزين عينيها، جزء من الشوق يظهر بهما، والجزء الآخر ندم. لا حديث، لا كلام، لا حركة، ينظرون لبعضهم بصمت، الأعين تولت مهمة الحديث، الأعين تعاتب وتعبر عن مدى الشوق، العين تعبر عن صراخ العقل وفرحة القلب وارتجاف الجسد.

طالت المدة ليهتف حسن بعدما أطالوا النظر لبعضهم: "إحنا هنلعب صنم ولا إيه، اقعدوا زي بيتكم." سحب يده ببطء شديد، يريد البقاء أطول، يريد دوماً. جلس وهي قبالته، تخفض بصرها، تعبث بالسوار الذي بيدها. تفحصها بالخفى، بدأ من خصلاتها المرفوعة للأعلى على هيئة ذيل حصان، والتيشيرت الأبيض، والقميص الأسود المفتوح والذي يكشف عن ساعديها و.. لحظة، هذا قميصه..!!

ضحك باستخفاف، ترتدي قميصه، من أين أتت به. لكنه يشعر بالضيق كأن الاستيك المطاطي ملتف حول عنقه وليس شعرها، يحبه متطاير شغوف. نبهه عقله بابعاد عينه عنها، هو ليس بمشتاق، هو ليس بالعاشق الذي شعر بالهواء يملأ رئتيه حين رآها، هو ليس ذاك. تحدث حسن بابتسامة قائلًا: "منورنا يا جماعة." أومأت لبنى قائلة: "بنورك يا ابني، ممكن نتكلم لوحدنا شوية يا حمزة." أومأ حمزة ونهض يبتعد هو ولبنى عنهما. لتهتف شذى باندفاع وضيق، تمنع بكائها:

"حسن أنا عايزة أرجع." زفر حسن ببطء قائلًا: "شذى أهدي، هو ما قابلش وشك وحش أو اتكلم معاكي أصلاً." ضربت على الطاولة بنفاذ صبر وصوتها متحشرج من البكاء: "ماهو ده اللي مضايقني، أنا مش هقدر على معاملته دي، افهمني، عندي إنه يزعق ويتعصب ويكسر دماغي، بس ما يعاملنيش بجفاء." ليرد حسن بهدوء: "مسألة وقت يا شذى، انتِ حاولي تجري كلام معاه."

أرجعت ظهرها على المقعد تستند بوجهها على يدها، تضغط على شفتيها تمنع بكاءها رغم احمرار عينيها وأنفها ووجنتيها. بدأت الحديث قائلة: "أنا هتكلم معاك بصراحة، أنا بعدها عنك مش عشان انتوا مش مناسبين لبعض أو فرق السن أو التمثيلية الخايبة اللي عبير عملتها بتاعت الجواز العرفي، لأ، حمزة انتَ حياتك أكيد كل فترة هيطلع فيها مشاكل زي رائد ده. أنا شذى بالنسبالي بنتي، وما فيش أم مش بتخاف على بنتها." قاطعها بهدوء وعيناه يشوبهما البرود:

"مهما خفتي عليها، ما كنتيش هتخافي عليها قدي." تنهدت بندم قائلة: "كان لازم أبعدها، حتى لو غصب عنها، بس اللي ما عملتش حسابه وجعها، قولت فترة وهتعدي، بس لأ، ما عدتش. حاولت كتير أنسيها، بس ما كانش في فرصة إنها تسمعني، بقت بتتمرد ودخول وخروج على مزاجها، حتى الجامعة ما كانتش بتروح غير للامتحانات فقط، غير كده ف التصوير مع يوسف." نظرت له برجاء قائلة:

"حمزة أنا بعترف إني غلطت لما بعدتكم عن بعض، بس سامحني، أنا خلاص ما بقاش في عمري حاجة. أرجوك حافظ على شذى، احتويها زي الأول وسيطر على تمردها ده، هي هتسمع كلامك انتَ، هي بتحبك صدقني، مش حب مراهقة زي ما كنت فاكر، أو مجرد حست معاك بالاحتواء والأمان زي هشام الله يرحمه، بتحبك بجد. صوت عياطها بالليل كان بيقطع في قلبي، كانت بتقعد تتكلم مع نفسها كأنك سامعها."

شعر برغبة عارمة بالصراخ بوجه لبنى، هه، بعدتها عنه والآن تطلب من الاقتراب منها، لما من الأساس البعد والألم لكليهما؟ نظر لها بنظرة تشمل الكثير الكثير جداً، ليؤمي أخيرًا قائلًا: "هفكر وأقولك، تقدروا تطلعوا تستريحوا دلوقتي."

دقائق ودلف الجميع لغرفة، منهم من بالطابق السفلي ومنهم من بالأعلى. توقف هو وهي بالرواق، التفت برأسه ينظر لها ودلف لغرفته. ظلت تشاهده من الحائط الزجاجي بصمت، كطفل صغير يرى الحلوى ولا يتجرأ على أخذها، يريد قدومها له. تقدم من الحائط الزجاجي يسدل الستار الأسود لتنعدم الرؤية. تنهدت تمسح دمعة حارقة نزلت من عينيها وترجلت للأسفل، لا تريد الصعود. جلست على الأرجوحة الكبيرة تنظر للسماء بشرود. شعرت بشيء يلمس قدمها، نظرت للأسفل لتجد رعد. صرخت بفزع وهي تقف على الأرجوحة، هدأت أنفاسها وابتسمت، هي أصبحت لا تخشاه، يوسف قضى على خوفها من ناحية أي جرو. نزلت من على الأرجوحة تثني قدمها وهي تضع يدها على ظهره برفق وتمسد

عليه برقة قائلة بابتسامة: "وحشتني."

لاعبته قليلاً لينام بجانبها، تركته واستلقت على الأرجوحة تشاهد الشروق بابتسامة هادئة. نظرت للأسوار وهي تتلمسه ببطء، ثم الخاتم الفضي المزين ليدها، خاتم والدها العزيز. اختفت ابتسامتها تدريجياً وهي تمد يدها تخرج السلسال الرقيق المختفي أسفل ملابسها، معلق به خاتم زواجها. تنهدت بحرارة وهي تعيده أسفل ملابسها. كل هذا تحت أنظاره، يشاهدها من الأعلى باشتياق شديد. ارتدى حذاءه ونزل، فاليوم ذكرى وفاة هشام، يجب عليه الذهاب. فتح بوابة المنزل برفق وأغلقها، نظر لها وهي نائمة. قادته قدمه لها، وقف بجوارها يتفحص ملامحها بشوق شديد، مسد على خصلاتها برفق شديد. اقترب أكثر وهو شبه مغيب، اقترب حتى اختلطت أنفاسهم، ليفيق من دوامة اشتياقه عندما تحركت بنومها.

حمحم يهتف باسمها عدة مرات، لا مجيب. ربت على وجهها برفق يهتف باسمها مجددًا لتبعد يده بانزعاج قائلة بنعاس: "لسه نص ساعة على التصوير يا يوسف." يوسف؟ جنت هذه الفتاة بالطبع، من يوسف الذي يوقظها؟ هذا أشعلت فتيل الغيرة بداخله ليحرق جمود قلبه وهو يهتف بحدة وصوت عالٍ نسبيًا باسمها. فزعت تنظر حولها بفزع قائلة: "مش هسافر، مش هسافر." قبض على يده بغضب وحدة قائلًا: "النهاردة سنوية هشام، لو هتروحي."

وتركها وغادر، سرعان ما اعتلت الابتسامة وجهه، تلك الصغيرة المخادعة قائلة بهمس: "أما رجعتك حمزة القديم وجنتك مبقاش شذى." وركضت خلفه.

جلست يانهاك شديد على قبر والدها وكأن أعتاق الحياة سقطت بتلك اللحظة. تلمست القبر بيد مرتعشة والدموع بعينيها، تنظر للائحة المدون عليها اسمه، تنظر لها مطولًا كأنها تحكي له ما حدث منذ أن تركها. نقل بصره من عليها نحو اللائحة، ينظر لها مطولًا ينتظر منه الجواب عما بداخله، يسامحها أم لأ. حمزة، لا تكذب، أنت تعرف أنه أجلاً أم عاجلاً ستسامحها. وجد شهقاتها ترتفع ليهتف بهدوء: "كفاية كده، يلا."

لم تستمع له من الأساس، تبكي وحسب، تبكي عل وعسى تجد من يخفف عنها، لتبدأ بالحديث بهمس شديد معه وكأنه أمامها: "تعبت، محتاجة حد جنبي يطمني.. حتى انتَ مبقتش تجيلي في أحلامي، انتَ كمان زعلان مني."

شعرت بأحد يمسك يدها، التفتت بعينيها اللامعة من الدموع لتجده أمامها، وبدون سابق إنذار احتضنته. تريد الأمان، حتى لو كان عنوة، تريد حنانه، احتوائه، غضبه، تريد حمزة. تردد كثيرًا ليحسم أمره وهو يضمها باحتواء، وهو ينظر لقبر هشام كأنه يحدثه، قائل بداخله: "طفلة مراهقة وطايشة، غلطت وندمت، هربيها عشان تحرم تبعد، عشان تعرف أنها مهما تبعد مكانها هنا."

زفر طويلًا يبعدها، يمسح دموعها، يمسك يدها يسحبها للخارج بصمت. وجد هاتف يصدح بالسيارة، فتح الباب يلتقط الهاتف ليجده يضيء بصورة له مدون أسفلها "اشتقت إليك كثيرًا، ألم تحِن لعراكنا". منع ضحكاته من الصعود بصعوبة ليجدها تنتشل الهاتف من يده سريعًا بحرج تخبئه خلف ظهرها. هز رأسه بيأس وصعد خلف المقود وهي على المقعد المجاور عائدين للمنزل.

جلست في الحديقة تضع سماعة الأذن بأذنيها وتنظر للهاتف بحماس. ثوانٍ وصدح، أجابت سريعًا لتظهر صورة يوسف وهو يبتسم عبر شاشة الهاتف قائلًا بصوت مرتفع بسماعة الأذن الخاصة به: "وحشتيني والله." بادلته الابتسامة بحماس قائلة بسماعة الأذن الخاصة بها: "وانتَ كمان وحشتني جدًا، إيه أخبارك وأخبار الشغل."

دام الحديث ما بين المزاح والجدية لبعض الوقت وأغلقت معه عندما استمعت لضوضاء بالداخل. التفتت وهي تدندن بارتياح ليتقابل وجهها بوجهه حمزة، حيث لا يفصل بينهما سوى أنش واحد. بالداخل. كانت تدور المعركة بين حسن وريناد، لتهتف ريناد بصراخ وهي على وشك الجنون من حسن: "انتَ مجنون والله مجنون، هو حد عاقل يجيب المأذون ويقول هتجوزك دلوقتي." ليهتف حسن بتأكيد واستفزاز:

"آه يا ريناد وغصب عنك ودلوقتي، وأمك موافقة وعلوش حبيب بابا موافق، صح يا علي." أومأ علي بالإيجاب كثيرًا ليحمله حسن ويقبله بقوة قائلًا: "حبيب بابا يا ناس." أمسكت ميراكل بيد ياسر قائلة بملل: "المجانين دول هيخلصوا امتى، أنا قربت أولد." ضحك ياسر بخفوات قائلًا: "شدي حيلك يا أم حوحو." زمجرت باعتراض وحدة قائلة: "ياااسر." تصنع الخوف قائلًا: "بدلع بنتي، انتِ مالك انتِ." قاطعهم صراخ منه قائلة: "بس صدعت وربنا صدعت، فين حمزة؟

هاتوا لي حمززززه." ثوانٍ وتعالت ضحكات حسن قائلًا: "حمزة بيرتكب جناية في الجنينة دلوقتي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...