فعل ما طلبت. أطلق رصاصته على قلبها مباشرة. تطلع إليها بعتاب للحظات، لا يصدق أنه بالفعل فعلها. هز رأسه نفياً بألم. اتجه ناحيتها يأخذ سلاحه من يدها التي ارتخت بجانبها بذهول. سحبه من يدها ببرود. رغم كل شيء، ستبقى معشوقته التي يخشى عليها حتى من نفسه. رحل لتتهاوى هي أرضاً، تهز رأسها نفياً بعنف. عيناها جاحظتان بذهول: هل بالفعل أطلقها؟ لما الحزن الآن؟ ألم يكن هذا مطلبها التي سعت له بشراسة؟
ألم تهدده بإنهاء حياتها، وهي على يقين أنه يفعل أي شيء من أجل فقط أن تكون بخير؟ ضمت ركبتيها لصدرها، تتحرك للأمام وللخلف، تنوح ببكاء مرير. *** ما زال لا يصدق أنه بالفعل طلقها. هو من انتظرها طوال تلك الأعوام، كيف تشك في حبه بتلك الطريقة؟ تساومه بحياتها لأنها تعلم أنها أغلى ما يملك. كان فقط يريد فرصة يخبرها بحقيقة الأمر، ولكنها من اختارت. سيعمل بدقة على جعلها تترجح نتيجة اختيارها.
اتجه ناحية الحديقة، يصرخ على سائق سيارته. فجاءه مهرولا: أفندم يا باشا. خالد بحزم: توصل الهانم لحد بيت جاسم الشريف أول ما تنزل. السائق سريعا: حاضر يا باشا. ألقى نظرة خاطفة ناحية نافذة الغرفة، ليتحرك متجهاً إلى مكتبه. لملمت شتات نفسها بعد دقائق. ساعات... الوقت لم يعد يهم. ذلك اليوم التي عملت على جعله أسعد يوم في حياتهما، لينقلب السحر على الساحر. تحركت ببطء، تترنح في سيرها، تحاول الاستناد على الحوائط وقطع الأثاث.
ألقت نظرة شاملة على الغرفة، لتنهمر دموعها ألماً. خرجت، تتحرك بثقل، ما زالت تستند على كل ما يقابلها. تنظر إلى أرجاء البيت، تنساب دموعها ألماً، حزناً، ندماً على شيء مجهول لا تعرف سببه. خسارة، تشعر في تلك اللحظة بأنها خسرت كل ما تملك. خرجت إلى الحديقة، لتجد السائق ينتظرها بجانب سيارته. هتف سريعا ما أن رآها: اتفضلي يا هانم، خالد باشا أمرني أوصل حضرتك لحد بيت والد حضرتك. هزت رأسها إيجاباً بخواء.
تحركت صوب السيارة، كادت أن تسقط، لينتفض جسده فزعاً. يقف خلف ستارة مكتبه، ينظر لروحه وهي ترحل عنه. قبض على يده حتى ابيضت مفاصله، يجاهد تلك الرغبة الملحة التي تدفعه إلى الذهاب إليها ومنعها من الرحيل، حتى لو كان رغماً عنها. راقبها وهي تستقل سيارته لترحل بعيداً. انسابت دموع قلبه قهراً، لتبقى دموع عينيه جامدة كالجليد، لا حياة فيها. *** على صعيد آخر، وصلت إلى بيت والدها.
طوال الطريق لم تفعل شيئاً سوى البكاء واحتضان حقيبتها بقوة. تعرفون لماذا؟ بسبب ذلك الدفتر الذي وضعته فيها، ذكرى أخيرة منه. ليتها لم تعود، ليتها بقيت فقط على ذكرياته القديمة. دخلت إلى المنزل، لتجد والدها أمامها. جاسم مبتسماً بسعادة: لوليتا حبيبتي، وحشتيني. عقد جبينه بقلق عندما رأى حالتها: مالك يا حبيبتي؟ انتي معيطة ولا إيه؟ نظرت له بألم، تتسابق الدموع في الهطول من عينيها.
وضعت يدها على فمها تكبح شهقاتها، لتفر إلى غرفتها قبل أن تفر عائدة إليها. غلقت بابها بالمفتاح وارتمت على الفراش تنوح حبها المقتول. هرول جاسم خلفها، يدق على الباب يهتف بقلق: مالك يا لينا يا بنتي؟ مالك؟ إيه؟ طب افتحي الباب، طب قوليلي أي حاجة، طمنيني عليكي. خرجت لبنى من غرفتها على صوت صراخ جاسم تسأله ببرود: بتزعق ليه؟ جاسم سريعا بقلق: لينا جت وعمالة تعيط ودخلت أوضتها وقفتل على نفسها الباب.
عقدت جبينها باستفهام، لتتقدم ناحية غرفتها تدق الباب بقوة تهتف برفق: بسكوتة، افتحي يا حبيبتي، لينا حبيبتي، طب افتحي. لم يحصل أي منهما على رد، ليخرج جاسم هاتفه سريعا يتصل به. جاسم بلهفة: أيوه يا خالد، إيه اللي حصل؟ لينا ماله؟ برد ببرود: أنا طلقت لينا يا جاسم. شخص جاسم عينيه بدهشة: طلقتها؟ يعني إيه طلقتها؟ وطلقتها ليه؟ ابتسم بتهكم: صدقني ما يهمكش تعرف السبب.
جاسم غاضباً: صدقني يا خالد، لو طلعت آذيت البنت، ما حدش هينجدك من تحت إيدي. ضحك بتهكم: بنتك أكبر أذى في حياتي. جاسم بهدوء نوعاً ما: طب تعالا ونتفاهم. خالد ضاحكاً بسخرية: ما بقاش في حاجة نتفاهم فيها. بنتك اختارت، تتحمل بقى نتيجة اختيارها. بكرة الصبح هيبقي عندك شيك بالمؤخر، سلام يا عمي. لبنى بقلق: الكلام ده صحيح؟ خالد طلق لينا؟ هز جاسم رأسه إيجاباً بضياع. لتهدر بقلق: ليه؟ جاسم بشرود: ما أعرفش.
كانت تقف خلف باب غرفتها، تنساب دموعها ألماً على صغيرتها. أمسكت هاتفها سريعا تتصل به. فريدة باكية: الحكاية شكلها اتكشفت يا محمد. خالد طلق لينا. محمد صارخاً بذهول: انتي بتقولي إيه؟ طب أنا هتصرف. *** وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي. "امرؤ القيس" أمواج من الأحزان ضربت ساحل حبهم الهادئ لتفرق شتاتهم. جلست على فراشها ضامة ركبتيها لصدرها، تحتضنهما بذراعيها وهي ودموعها فقط.
ابتسمت بسعادة عندما رأته يجلس بجانبها يسرح شعرها بيديه كما يفعل دائما، هاتفا بحنان: مش قولتلك ما تعيطيش، دموعك دي غالية عليا أوي. هتف بسعادة: خالد. بحثت عنه هنا وهناك، كان فقط طيفاً سراباً. هي من جعلته كذلك. فتحت دولابها الصغير تتناول بعض الأقراص المنومة. بتلك الطريقة ستجن إن لم يهدأ عقلها قليلاً. *** على صعيد آخر، كان جالساً في ذلك الكوخ الصغير ينظر إلى المئات من صورها معلقة على الحائط.
قلبه عاد متحجراً قاسياً ضائعاً. أنسب ما يقال عنه أنه صخر يبكي. لمس صورتها بأصابعه، لتنساب دمعة خائنة من عينيه. مسحها سريعا بعنف، ضم صورتها لصدره، غمض عينيه بألم. لو استطاع لنزع حبها من قلبه. هو أكبر كاذب. لولا كبريائه لذهب ونزعها من بيت والدها ليأسرها داخل قلبه للأبد. *** في صباح اليوم التالي، وجد من يوقظه بعنف. فتح عينيه سريعا ليجده واقفاً أمامه. عقد جبينه باستفهام: محمد، إنت بتعمل إيه هنا؟
هتف سريعا: ما عرفتش أجيلك امبارح عشان كنت في مأمورية. قوم بسرعة لازم نروح للينا. هتف ببرود: أنا مش هروح لحد. صاح فيه بحدة: مش وقت عند يا خالد. لا أنت ولا لينا فاهمين حاجة. رمقه بشك، ليهتف بحذر: يعني إيه؟ زفر بضيق: لينا حياتها مش في خطر. الجوابات اللي كانت بتروح لجاسم أنا اللي كنت ببعتها، وفريدة هي اللي كانت بتحطهاله وسط الورق. شخص عينيه بذهول، لا يصدق ما تسمعه أذنيه. ليهدر بصدمة: أنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.
محمد بهدوء: هفهمك. قبل ما لينا توصل بأسبوع، كنت في المطار بستقبل واحد قريبي. شفت اسمها بالصدفة في قائمة الركاب على الطيارة اللي جاية بعد أسبوع. لو كنت قلتلك الخبر ده كنت هتستناهم أول ما تخرج من المطار وتخطفها. أنا عارفك مجنون. ما كانش قدامي غير إني أتصل بفريدة. أنا عارف إن فريدة بتحبك على عكس جاسم.
اتفقت معاها إننا نوهم جاسم إن لينا حياتها في خطر، وإني أكتب رسائل التهديد وهي تحطها وسط الورق. من باب إن آخر واحدة ممكن جاسم يشك فيها هي فريدة. وبعدها اتفقت مع اللوا رفعت عشان يقترح عليك موضوع لعبة التأمين، عشان جاسم يصدق إن فعلاً لينا حياتها في خطر. كل حاجة كانت ماشية مظبوط.
من ساعة ما لينا ما رجعت من بره، سواق التاكسي اللي وصلها الفيلا تبعك. كل حاجة تمام. جاسم صدق واقتنع، وأنت مشيت على الخطة زي ما أنا رتبت واتجوزت لينا. فاكر يوم العملية اللي إنت اتصبت فيها وروحنا نتغدى؟ كنت عارف إن لينا وأصحابها في المطعم ده. أنا اللي قلت ليوسف إنه يطلب منك إننا نروح نتغدى.
ولما لقيت جاسم مقيد علاقتك بيها، اتفقت مع الدكتور بتاعه إنه يقوله إنه تعبان وعنده مرض خطير في القلب ولازم يسافر. وطبعاً مش هيقدر يسيب لينا لوحدها، فكان طبيعي يسيبها معاك عشان تعرف تقنعها بحبك ليها. حتى شاكر لما هرب، ما كانش سايب أي حاجة. الورقة اللي إنت قريتها أنا اللي كاتبها لما عنايات وصلتلي إنكم كنتوا متخانقين.
أنا عملت كل ده عشانك. كل حاجة كانت ماشية زي ما أنا مخطط لها. الحاجة الوحيدة اللي ما كنتش عامل حسابها إن لينا تشوف الملف. قوم بسرعة، لازم نلحقها. ظلت عينيه شاخصة بذهول، ليه ضحك بهستيريا. خالد ضاحكاً: ده أنت طلعت رئيس عصابة بقى يا محمد. اندفع ناحيته يجذبه من تلابيب ملابسه بعنف صارخاً: أنت إزاي تعمل كده؟ إزاي ما تقوليش؟ كنت بتلعب بيا وبيهام؟ محمد: أنا عملت كل ده عشانك. إنت ليك دين في رقبتي، كان لازم أوفيه.
لكمه بعنف يصرخ بحدة: قدامي نروحها، ومن الساعة دي تنسى تماماً إننا كنا في يوم أصحاب. ما كاد يتحرك خطوة واحدة حتى وجد هاتفه يرن برقم فريدة. التقطه يرد بسخرية: أهلاً أهلاً بالرأس الكبيرة. فريدة باكية: خالد، مش وقت تريقة. وحياة أبوس إيدك، لينا سافرت. دخلت أوضتها لقيتها لمّت هدومها وسايبة ورقة بتقول إنها مش هتقدر تعيش من غيرك وإنها لازم تبعد. ألحقها يا ابني، أبوس إيدك. خرج يركض كالمجنون إلى سيارته، قادها بجنون إلى المطار.
وعندما وصل، استخدم علاقاته ليستطيع الدخول، ولكن للأسف وصل متأخراً. لحظات فقط فصلت بينه وبين رحيل الطائرة. نظر لتلك الطائرة وهي تبتعد، ليضحك بهستيريا. انسابت دموعه مع ضحكاته الذبيحة. اتجه إلى سيارته، تلك المرة يعرف وجهته تحديداً. *** سقطت على الفراش، تمسك تضع يدها على وجنتها تبكي. صفعها عندما أخبرته بما فعل. جاسم صارخاً بعنف: بتقرطسيني يا فريدة؟ بتضحكي عليا؟
فريدة باكية: أنت السبب. كنت عارف بنتك بتحبه قد إيه، ومع ذلك بعدتها عنه. أنت السبب في عذابهم هما الاتنين. أنا عملت اللي يفرح بنتي ويسعد قلبها. جاسم صارخاً: أنا مش مصدق إن كل ده يطلع منك انتي. فريدة صارخة ببكاء: لأ، صدق. أنا ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا عشان خاطر بنتي. يضحك بسخرية: ودلوقتي بنتك بقت سعيدة؟ ولا هي فين بنتك أصلاً؟ لينا لو رجعت أمريكا، إياد مش هيسيبها. فريدة بخوف: يعني إيه؟ أنا عايزة بنتي. هاتلي بنتي.
ينظر لها بعتاب، ضيق، غضب، ليتركها ويخرج من الغرفة. *** في فيلا محمود السويس. نزل عمر يهتف سريعا: بابا، الحق يا بابا. محمود: في إيه يا عمر؟ عمر: خالد طلق لينا. محمود بضيق: بطل هزار يا عمر. عمر سريعا: والله العظيم ما بهزر. محمد لسه مكلمني وبيقولي لو عرفت أي حاجة معلومة عنه يبلغاله. زينب بحسرة: حسرة قلبي عليك يا ابني. هتلاقي قلبه متقطع يا عيني. محمود بصدمة: أنا مش فاهم حاجة. طب طلقها ليه؟ وراح فين؟ ***
جثى على ركبتيه أمام قبر ابنته. وقع ذلك القناع الذي كان يرتديه، لتنهار دموعه، يبكي وتتعالى شهقاته. خالد باكياً: ليه؟ ليه يا سما بيحصل فيا كده؟ ليه؟ بابا مش وحش أوي كده؟ طب ليه بيحصلي كل ده؟ يااااارب أنا تعبت أوووووي. يااااارب ريحني بقى يااااااارب. أخفى وجهه بين كفيه، يجهش في بكاء مرير. *** لا تعرف لما فعلت ذلك. هب، فقط أرادت الهروب. قلبها على شفا أن يعود راكضاً إليه، لتلقي بنفسها بين ذراعيه، ترجوه أن يسجنها داخل قلبه.
ولكن سحقاً لعقلها الذي يصر أنه كاذب مخادع، لا يستحق حبها له. فاختارت أن تهرب. رأته أسلم حل لها من لعنة حبه التي تسري في عروقه كالادمان. ضمت ثيابها سريعا، وبالطبع لم تنس أن تأخذ ذلك الدفتر معها. خرجت من منزل والدها، تستقل أول سيارة أجرة رأتها ذاهبة إلى المطار. إلى المطار، واستقلت الطائرة بها، جسد فقط بلا روح. استفاقت على يد وضعت على كتفها، فأدركت أنها كانت تبكي دون أن تشعر. المضيفة: حضرتك كويسة؟
هزت رأسها إيجاباً، تمسح دموع عينيها. المضيفة: من فضلك اربطي حزام الأمان. هزت رأسها إيجاباً. ابتسمت ساخرة وهي تمسك ذلك الحزام، وكأن تلك الفترة التي مضت، تلك اللحظات التي عقد بها حزام الأمان، ابتدأت بفتحه عند وصولها وانتهت بإغلاقه عند رحيلها. ولكن شتان ما جاءت به وما ترحل وهي عليه. *** دخل إلى تلك الشقة منهكاً بعد ساعات قضاها في البكاء. قرر الابتعاد عن الجميع. تلك الشقة الصغيرة لا يعرف بها أحد.
تهاوى على أول أريكة قابلتها. خرج هاتفه من جيبه، فوجد الكثير والكثير من المكالمات من والده ووالدته وإخوته ومحمد ورفعت وجاسم وفريدة. نظر إلى الهاتف بسخرية. وجده يرن مرة أخرى برقم ياسمين. تجاهله لتبعث له برسالة: (ارجوك يا خالد رد، أنا تعبانة أوي ومحتاجاك) ما بها هي الأخرى؟ ألا يكفيه ما هو فيه؟ التقط هاتفه يتصل بها، وجدها ترد سريعا. ياسمين بلهفة: خالد، أنت كويس يا خالد؟ رد باقتضاب: كويس. انتي مالك فيكي إيه؟
ياسمين سريعا: أنا كويسة. أنا قولت كده عشان ترد عليا. لحقت لينا؟ خالد: لا، لينا سافرت. ياسمين بصدمة: سافرت؟ يعني إيه سافرت؟ خالد ساخراً: يعني سافرت. أشرحهالك إزاي دي؟ ياسمين: طب أنت فين يا خالد؟ رد بألم: في جهنم. ياسمين باكية: خالد، أرجوك قولي إنت فين وأنا والله مش هقول لحد. تنهد بضيق: أنا في شقة الزمالك. ياسمين: طب أنت كويس؟ خالد باقتضاب: أه. سلام بقى.
أغلق الخط ووضع رأسه بين يديه، يكاد يصرخ ألماً. قلبه لا يحتمل. قلبه تشتاق نفسه إليها بجنون. ضحكاتها الصافية لا تفارق أذنيه. ابتسامتها الواسعة منطبعة أمام عينيه. بقي على هذا الحال لمدة طويلة، إلى أن سمع صوت دقات على الباب. تقوس جانب فمه بابتسامة ساخرة، بالتأكيد هي. قام من مكانه، يتحرك ببطء، فتح الباب، فوجدها أمامه. خالد ساخراً: كنت عارف إنك هتعملي كده. ياسمين بحزن: ما ينفعش أسيبك.
خالد بضيق: انتي مش قولتي إنك مش هتقولي لحد؟ ياسمين سريعا: والله ما قلت لحد. أشار خلفها، التفت لتري عمر يقف خلفها يحمل حقيبة صغيرة. اتسعت عينيها بدهشة: عمر؟ إنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفتي إن أنا هنا إزاي؟ هتف باقتضاب: ادخلوا، مش هنتكلم على السلم. دخل عمر وياسمين، ليغلق الباب خلفهم. عمر: سمعتك بالصدفة وإنتي بتكلمي خالد، وبعدين لقيتك بتتسللي برة الفيلا براحة. عرفت إنك هتروحيله، فلميت هدومي بسرعة وجيت وراكي.
خالد: أنا نازل أجيبلكوا أكل. عايزين حاجة معينة؟ ياسمين: بيتزا. تبدل المشهد أمامه ويرى لينا تصيح بحماس: بيتزا! عايزة بيتزا! خالد مبتسماً: حاضر يا حبيبتي. فاق على يد عمر على كتفه، فتبدل المشهد لتقف ياسمين مكان لينا وهي تقول: ياسمين برفق: أي حاجة يا حبيبي. هز رأسه إيجاباً، يكبح دموع عينيه، ليخرج من الشقة سريعا. أما عند محمود وزينب. زينب باكية: خالد، راح فين يا محمود؟ محمود: معرفش يا زينب، معرفش. نزلت الخادمة من أعلى.
عنايات: عمر بيه وياسمين هانم مش في أوضهم. محمود غاضباً: يعني إيه؟ اختفوا هما كمان. أمسك محمود هاتفه واتصل بياسمين. محمود غاضباً: أيوه يا هانم، إنتي فين؟ ياسمين: أنا عند خالد يا بابا. محمود بلهفة: خالد؟ إنتي عارفة خالد فين؟ ياسمين: أه يا بابا، وعمر كمان معايا. محمود: طب إنتوا فين؟ ياسمين: ما قدرتش، هو حلفني ما أقولش لحد. تنهد محمود بألم: طب هو كويس؟ ياسمين بحزن: بيمثل إنه كويس. محمود: خلي بالكوا منه يا بنتي.
ياسمين: حاضر يا بابا، ما تقلقش. عاد بعد قليل وهو يحمل الطعام. دخل إلى البيت وأعطاه لياسمين، فجهزت الطاولة ووضعت الطعام عليها. ياسمين: يلا يا خالد عشان تاكل. ابتسم ابتسامة صغيرة مصطنعة: معلش يا حبيبتي، مش جعان. اتجهت صوبه تجذب يدها خلفه. ياسمين بمرح: لا، انسي، إنت هتاكل يعني هتاكل. جلس على الطاولة ينظر أمام بشرود. فاق منه حين ربطت على يده. ياسمين بحنان: كل يا خالد. أمسك معلقته قربها من فمه، ليتبدل المشهد أمامه.
لينا ضاحكة: لازم تاكل. إنت عايز العضلات دي كلها تروح؟ لا يا أخويا، أنا عايزة جوزي زي ريشي هروشان. ابتسم ابتسامة واسعة. خالد: حاضر يا حبيبتي. فاق هذه المرة على صوت ياسمين تهتف بقلق، لتختفي لينا من أمامه وتظهر ياسمين. ياسمين: خالد، مالك يا خالد؟ فرت دمعة هاربة من عينيه، مسحها سريعا قبل أن يلاحظه أحد. خالد: إنت شبعت؟ عن إذنكم. وتركهم ودخل إلى غرفته سريعا. *** وصلت طائرتها إلى وجهتها. هي ليست حمقاء لتعود للنيران بقدميها.
لذلك اتجهت إلى تركيا، ستذهب إلى جدتها. استقلت سيارة أجرة متجهة إلى بيت جدتها في تلك المزرعة الريفية الصغيرة. وقفت السيارة، ترجلت منها، ليداعب النسيم العليل صفحة وجهها برفق. حاسبت السائق، لتخطو داخل المزرعة. وجدت جدتها تقف كعادتها تسقي أزهار عباد الشمس المفضلة لها. اتسعت ابتسامة جاكلين ما أن رأتها، لتفتح ذراعيها لها بحنان. ألقت حقيبتها، تهرول إلى حضن جدتها تجهش في البكاء. ربتت جاكلين على رأسها بحنان: ما بها صغيرتي؟
لينا باكية: إنه لا يحبني. جاكلين، كان فقط يخدعني لأجل عمله. أنا أعشقه. جاكلين: أخذتها جدتها إلى منزلها الريفي الصغير، أجلستها على الأريكة. أحضرت لها كوباً من الماء. جاكلين بحنان: اشربي صغيرتي واهدي قليلاً. أنا لا أفهم منكِ شيئاً. أخذت بعض الرشفات من الكوب، لتسمح جدتها دموعها بحنان: أخبريني ما حدث، ولكن دون بكاء. بدأت تقص عليها كل شيء منذ أن عادت، للي أن رأت الملف. جاكلين بضيق: ولماذا لم تستمعي له؟
لينا باكية: لا أعرف. جاكلين، رفض عقلي ذلك. أنا أحتاجه. جاكلين، سأموت دونه. جاكلين بحنان: لا تقولي ذلك عزيزي. سيصبح كل شيء بأفضل حال. هزت رأسها نفياً، تهتف باكية: لا، أعتقد ذلك. لقد أخبرني أنه لن يقبلني. لقد أصبح يكرهني. أنا أكرهه وأعشقه. ماذا أفعل؟ جدتي، أرجوكي أخبريني. أنا أحترق دونه. جاكلين بحنان: تذهبين للنوم، وغداً نتحدث. هيا عزيزتي، لابد أنكِ متعبة للغاية من السفر. اصطحبت جاكلين لينا إلى إحدى الغرف.
نظرت إلى جدتها وهي تدثرها بالغطاء، تهتف باكية: دائماً ما كان يفعل ذلك. كان يستيقظ ليلاً حتى يتأكد أني لم ألقي بالغطاء بعيداً. مسحت جدتها على شعرها بحنان: سيعود صغيرتي، إنه يعشقك. لينا باكية: لن يعود. هو من أخبرني بذلك. جاكلين بحنان: بالتأكيد كان يمزح معكِ. نامي صغيرتي، صباحاً سيصبح كل شيء على ما يرام. *** نظر عمر إلى ياسمين يهتف بحزن: أنا مش قادر أشوفه بالحالة دي. عصبيته وزعيقه أحسن بكتير من حزنه.
ياسمين بحزن: هنعمل إيه يعني يا عمر؟ لينا سافرت. عمر بجد: هنعمل أي حاجة. أنا مش هسيبه كده. ياسمين: معاك. عمر: هكلم محمد ونشوف هنعمل إيه. دخل غرفته واغتسل وبدل ملابسه. تمدد على فراشه، تنساب الدموع من عينيه رغماً عنه. نزعوا قلبه من مكانه. سيظل ينبض بعشقه لها. يا ليتك يا قلبي لم تعشقها حد الجنون. كيف لي أن أتخلص من لعنة حبك؟ كيف أحرر نفسي من أسر عينيك؟ يا راحميني يا من ملكتي فؤادي. دق باب غرفته، فمسح دموعه سريعا.
خالد: ادخل. دخلت ياسمين إلى الغرفة. خالد: خير يا ياسمين. ياسمين مبتسمة بخجل: أصل بصراحة خايفة أنام لوحدي في الشقة دي. ابتعد إلى أحد جانبي الفراش. خالد: تعالي. ذهبت ياسمين ونامت بجانبه. ياسمين: خالد. خالد: اممم. ياسمين: إنت كويس؟ خالد: آه، نامي يا ياسمين. بعد دقائق، دق الباب مرة أخرى ودخل عمر. ابتسم ساخراً: خير يا عمر، خايف تنام لوحدك إنت كمان؟ عمر مبتسما ببلاهة: بصراحة أه. الأوضة بتاعتي فيها أصوات غريبة.
ابتسم بسخرية: عندك السرير واسع. عمر: لا، خليك بيني أنا وياسمين. خالد ساخراً: ليه؟ هبقى محرم بينك إنت وأختك؟ نام خالد في منتصف الفراش، وعلى جانبيه عمر وياسمين. عمر: خالد. خالد: نعم. عمر مبتسما ببلاهة: احكيلي حدوتة. ياسمين: أه، وأنا كمان عايزة حدوتة. خالد بضيق: نايم جنب عيال في عيال ابتدائي أنا. ياسمين بإلحاح: عشان خاطري يا لوديان. انكمش وجهه بغضب في لحظة. خالد غاضباً: ما تقوليش الكلمة دي تاني. ياسمين بخوف: حاضر، حاضر.
خالد بحنان: معلش يا ياسمين، ما تزعليش. تحبي حدوتة إيه يا ستي؟ ياسمين: ست الحسن والجمال. خالد: ماشي يا حبيبتي. ياسمين: خالد، هو أنا ينفع أنام في حضنك؟ فرد أحد ذراعيه، فنامت ياسمين عليه. عمر بغيظ طفولي: اشمعنا ياسمين؟ أنا كمان عايز أنام في حضنك. ابتسم بألم، ليفرد ذراعه الآخر، فنام عمر عليه. شعر أنه والد هذين الطفلين الكبيرين. بدأ يقص الحكاية، إلى أن تعب ونام هو. مرت أيام كثيرة حزينة على الجميع.
خالد يحبس نفسه في صومعة حزنه. رسم الحزن خطوطه بحرفية على وجهه، فبدأ أكبر من عمره لأعوام. لا يتكلم مع أحد إلا قليلاً جداً. قطع كلامه نهائياً مع محمد صديقه. يصر ياسمين وعمر يومياً أن يناما في غرفته وأن يحكي لهما أحد الحكايا حتى يشغلاه عن الحزن ليلاً. أما عند لينا، هو يوم واحد يتكرر. تستيقظ صباحاً على صوت جدتها الحنون التي لم تفارقه لو للحظة واحدة.
حتى أنها أصبحت تنام بجانبها ليلاً عندما شعرت بها تبكي ليلاً تنادي عليه في أحلامها. أصبح البعيد كالحلم بالنسبة لها. إلى أن جاء ذلك اليوم. بالكاد وصل من عمله، حتى وجد هاتفه يرن برقم غريب. المتصلة: السلام عليكم. خالد: وعليكم السلام، مين معايا؟ المتصلة: احم، مش حضرتك العقيد خالد محمود السويسي؟ خالد بهدوء: أيوه، إنتي مين؟ المتصلة: احم، أنا تالا يا أفندم، اللي حضرتك أنقذتها من حوالي شهر من الحرامي. افتكرتني؟
هز رأسه إيجاباً: آه تمام، خير حضرتك؟ تالا: أنا استنيت حضرتك كتير تيجي تاخد الجاكت بتاعك، بس واضح إن حضرتك نسيته. وبصراحة أنا كنت مكسوفة أكلم حضرتك. خالد بغموض: ماشي يا آنسة تالا، أنا هاجي أخده بكرة الساعة 8. تالا: تشرف حضرتك. خالد: مع السلامة. أغلق الخط ليتنهد بحزن. خالد في نفسه: لازم أنساها. في اليوم التالي، وقرب الساعة الثامنة، أخيراً اتصل جاسم بلينا، فوجد الهاتف مفتوحاً. لينا باكية: إزيك يا بابا، وحشتني.
جاسم غاضباً: إنتي إزاي تسافري من غير ما تقوليلي؟ إزاي تسافري أصلاً؟ لينا: خليني بعيد أحسن ليا ولكل. جاسم غاضباً: وإنتي شايفة إنك كده هتبقي كويسة؟ قدامك تلت أيام بالكتير وترجعي مصر تاني، ولو ما جتيش لهكون بنتي ولا أعرفك، وهموت وأنا غضبان عليكي. لينا سريعا: بعد الشر عليك يا بابا، بس... جاسم مقاطعاً: اللي عندي قلته يا بنت الشريف، سلام. أغلق الخط دون أن يسمع ردها. في شقة خالد.
وقف يتأنق أمام مرآة غرفته، يسرح شعره ويهذب لحيته التي غزتها تلك الشعيرات البيضاء بسبب حزنه. وضع عطره المميز، ارتدي ساعته الفضية الثمينة. لتدخل ياسمين تصفر بإعجاب: إيه يا عم الحلاوة دي؟ رايح فين كده؟ التقط هاتفه ومفاتيحه قائلاً باقتضاب وهو يرحل: خالد: رايح أخطب!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!