أسرع مراد إليها، حاملًا إياها بعد أن فقدت الوعي، ويدها تنزف الدماء بشدة. ما أربك مراد وجعله مضطربًا من منظر الدماء المتدفقة من يدها. فقام بجلب أحد الأقمشة التي كانت على الطاولة وربطه حول معصمها بشدة لكي يمنع تدفق الدماء. فهو السبب في تلك الحالة التي وصلت لها. لا يدري ماذا يفعل.
فنظر إلى يدها ثم أسرع بها متجهًا إلى خارج الغرفة بخطوات سريعة، غافلًا عن معتز وشيري الذي حل على ملامحهم الصدمة والذعر الشديد، وهو يحملها ناظرًا لوجهها الذي أصبح شاحبًا وجسدها الذي أصبح باردًا تحت يده. فأسرع خطواته ناحية الباب وقام بفتحه خارجًا منه مسرعًا ناحية سيارته. وما إن رآه رئيس الحرس الخاص به، الذي أسرع ناحيته، بينما هتف به مراد بعصبية ووجه مختنق: "روح افتح باب العربية بسرعة."
أسرع رئيس الحرس باضطراب إلى الباب يقوم بفتحه لرب عمله باحترام. بينما تحرك مراد وقام بإدخال ملك برفق وتمهل شديدين، ثم قام بربط الحزام حولها وقام بإغلاق الباب متجهًا إلى الأمام، صاعدًا سيارته وقادها بسرعة جنونية إلى المشفى الخاص به التي كانت لا تبعد عن قصره كثيرًا. نظر معتز إلى شيري الواقفة بشرود ووجوم وهتف بها: "ارتحتي أنتي كده؟ مبسوطة باللي عملتيه؟ انتبهت له شيري وإلى توبيخه لها وحدثته قائلة: "وأنا مالي؟
حد قالها تتطاول لسانها على مراد وهي عارفة إنه ما بيرحمش حد يحاول يغلط فيه؟ أحسن أهي أخذت جزاتها عشان تحرم بعد كده تتطاول على أسيادها." معتز بعصبية: "أنتي إيه يا شيخة؟ ما عندكيش قلب؟ ما فيش رحمة في قلبك؟ أنا مش عارف واقف بتكلم معاكي ليه، أنا رايح ليهم المستشفى أشوف البنت الغلبانة اللي أنتم مش راحمينها حصل ليها إيه." شيري بنزق: "وأنت بقى اللي قلبك طيب وعندك رحمة؟
مش أنت اللي كنت مع مراد خطوة بخطوة وكل خطة بيعملها وأنت بتنفذها له على طول؟ كان فين قلبك ساعتها وأنت ماشي وراه وبتنفذ له خططه اللي تخليه يوصل للبنت دي وينتقم منها؟ بص يا معتز إحنا فاهمين بعض كويس يا ريت ما نجرحش بعض عشان كلنا في المركب سوا."
نظر معتز لها فهي محقة في كلامها، فهو بالفعل قد ارتكب خطأ كبير في حق تلك الفتاة البريئة، ولكنه في كل مرة كان يشعر بضميره وهو يؤنبه في فعلته تلك، وشعور بالبغض والنفور من نفسه، ولكنه قد فات الأوان لكي يحيي ضميره. فتلك الفتاة حاولت أن تنهي حياتها رافضة تلك الحياة التي تجرحها وتهينها وتسقيها أشد أنواع العذاب. قرر معتز أن يخرج من تلك الغرفة الخانقة الحابسة للأنفاس، ملحقًا بصديقه الذي غادر إلى المشفى.
اتبعته شيري في صمت فهي تريد أن تعرف الحالة التي وصلت لها تلك الفتاة. *** أمام المشفى: ترجل مراد من السيارة مسرعًا بخطواته ناحية الباب الخلفي يقوم بفتحه لحمل ملك الراقدة في الخلف والتي أصبح جسدها ووجهها شديد الشحوب، مما جعل مراد يشعر بخفقات في صدره وانتابته حالة من الهلع. فخفض نفسه قليلًا لكي يستطيع حملها، وقد نجح في ذاك فحملها وعدل من حجابها الذي انزاح عنه وأظهر القليل من شعرها.
أسرع بخطواته بعد أن أحكم ذراعيه حولها متجهًا إلى الباب الرئيسة التي ما إن رأوه الحرس وعرفوا بهويته فهو مراد الطلخاوي صاحب هذا المشفى بالخارج، وقاموا مسرعين بفتح البوابة الخارجية. دخل مراد إلى المشفى وما إن دخل إلى الداخل حتى تجمهر حوله الكثير من الأطباء والمسعفين. هتف بهم مراد بصوت عالٍ وعصبية: "أنتوا لسه هتتفرجوا عليا؟ حد يجي يشوفها."
تحرك كبير الأطباء إلى مراد وقد قام أحد المسعفين بجلب التروللي وقام مراد بوضعها عليها، بينما حدثه كبير الأطباء باحترام: "ما تقلقش يا مراد بيه هنشوفها وإن شاء الله هتبقى كويسة." ثم أسرع المسعفون بقذف التروللي إلى داخل غرفة الطوارئ يليهم دخول كبير الأطباء وغلق الباب خلفهم. بينما أخذ مراد يرزع الأرض ذهابًا وإيابًا واضعًا يده في شعره يرجعه بعنف إلى الوراء وهو يتذكر حديثها المؤلم والموجع للقلب.
فهو شعر بذنبه ناحيتها، لم يكن يدري أن حين ينتقم منها سوف ينتقم من نفسه أولًا. شعور بالخوف والضياع حينما خُيِّلَ أنه من الممكن أن يفقدها إلى الأبد. هز مراد رأسه عدة مرات متتالية رافضًا فكرة أنه من الممكن فقدانها، فهو في بداية الأمر معها ووصلت لتلك الحالة، فما بالك بها حينما تعلم بباقي الخطط التي كان ينوي أن يفعلها معها. أخذت الأفكار تعصف برأسه وما زال على حالته القلقة. "مراد!
انتبه مراد إلى الصوت الآتي من خلفه، فكان صديقه معتز الذي يأتي ناحيته مسرعًا هاتفًا به. "حالتها عاملة إيه دلوقت؟ مراد مجيبًا: "لسه مش عارف، لسه داخلين بيها من شوية." ربت معتز على كتف صديقه مخففًا عنه. "ما تقلقش يا مراد، إن شاء الله هتكون كويسة." أومأ له مراد ولم يعقب، بينما هتفت شيري من وراء معتز: "آسفة يا مراد لو كنت السبب في إن إيدك تتمد عليها وتضربها."
نظر لها نظرة مطولة ولم يجيبها، فقد كان يتذكر جلستهم على الطاولة، فشيري السبب في كل هذا، هي من تسببت في قذف الطبق على ملك، ولكن لرحمة الله لم ينسكب عليها. أحس بالغضب يتصاعد مرة أخرى حينما صفعها، فهو أول مرة في حياته أن يصفع امرأة ولم تكن سوى زوجته التي نالتها منه على يده. قطع شرود مراد صوت فتح الباب يليه خروج كبير الأطباء وهو يزيح من على وجهه قناع الأطباء. أسرع مراد ناحيته يليه معتز وشيري.
"ها يا دكتور، حالتها عاملة إيه؟ الدكتور مجيبًا بعملية وهدوء: "ما أخبيش عليك يا مراد، حالتها الصحية ضعيفة جدًا، محتاجة تغذية ورعاية كويسة، لأنها نزفت كتير، وواضح إن حالتها النفسية سيئة جدًا اللي يخليها تفكر بالانتحار بالشكل دا. بس ما تقلقش، قدرنا نوقف النزيف ونعالج الموقف." مراد وكأنه قد انسكب عليه دلو بارد، فهتف بصوت متحشرج: "طب نقدر نشوفها دلوقتي؟ يعني هي كويسة؟ نقدر نخرج بيها إمتى؟ الطبيب مجيبًا:
"هي كويسة بس هتتنقل أوضة عادية وهنعلق ليها محلول وساعتها تقدروا تشوفوها، وتكون بس وممكن على بكرة الصبح تقدر تخرج. بس يا ريت تهتموا بحالتها النفسية والصحية كويس عشان ما يحصلش أي مضاعفات، ودا ما أتمناش إنه يحصل، واللي في الخير يقدمه ربنا." أومأ له مراد رأسه عدة مرات ثم غادر الطبيب مستأذنهم باحترام. بينما حمد الله مراد في نفسه كثيرًا، فقد خاف خسارتها أو أن يكون أصابها سوء، فهو لن يتحمل.
بعد برهة، خرج المسعفون بالترولي المحملة فيها ملك، انتبه مراد لهم ووزع نظره على ملك الممدة عليه. خطا مراد ورائهم وهم يتجهون بها إلى غرفة عادية ورائه كل من معتز الذي نظر لها بأسف وحزن، بينما شيري لم تهتم بها كثيرًا ولكن كانت نظراتها على مراد الذي كان الخوف بائنًا في عينيه ونظراته وتلهفه عليها. أخذت الأسئلة تدور في عقلها، فهل من الممكن أن يقع مراد في حب تلك الفتاة؟
ولكن لا مستحيل فهو تزوجها لكي ينتقم منها، أجابت شيري على نفسها بهذه الإجابة وحاولت إقناع نفسها بذلك، فهي لم تتحمل أن يحب مراد تلك الفتاة، فهي انتظرت الكثير والكثير من السنين لكي تعترف بحبها لمراد، فهي تحبه، لا ليس تحبه بل تعشقه. فهي تعلم أنه لم يكن ينشغل ويهتم بأمور الحب والعشق هذا بل كان منصب أفكاره واهتمامه في عمله وشغله وتلك الفتاة التي يريد الانتقام منها ويبحث عنها لسنوات، وذلك كان يجعلها بالسعادة فإنه حينما ينتهي من كل ذلك سيرى الحب والعشق التي تحبه له ويبادلها إياها. ولكن في الوقت هذا قد تبخرت كل أفكارها وأحلامها الوردية التي كانت تنسجها بانشغاله وخوفه على تلك الفتاة المسماة بملك، ولكن لم تسمح بأي شكل يكون أن يقع في حب تلك الفتاة.
*** ولج مراد الغرفة بعد أن انتهت الممرضات من شغلهن تاركين ملك بها، ناظرين لمراد باحترام، ولكنه كان نظره مسلطًا على تلك الملاك النائم على الفراش والمثبت في يدها تلك الإبرة المغروزة في يدها. حملق فيها مراد لفترة ثم خطا داخل الغرفة بخطوات مترقبة وما أن وقف أمام الفراش الخاص بها أخفض نفسه واضعًا قبلة مطولة على جبينها محدثًا إياها بهدوء: "آسف." ثم جلس على المقعد بجواره.
"مش عارف إزاي قدرت أعملها وأمد إيدي عليكي. آسف إني استقويت عليكي وخليتك خايفة وكارهة نفسك للدرجة دي، أنا ما حسيتش باللي كنت بعمله معاكي غير وإنتي بتروحي مني ومش عارف أعمل إيه، حسيت بضعف وخوف وضياع في إن ممكن تروحي مني." هدأ مراد قليلًا آخذًا نفسه:
"عارف إني جيت عليكي وما رحمتكيش ولا خليتك ترتاحي، غضبي وانتقامي كان عاميني إني أشوف ولا أحس بيكي، كنت هدبحك بإيدي في ليلة بتتمناها كل بنت، كنت هضيعك من غير ما أحس. ضحكت عليكي ولعبت لعبة طويلة عشان أتجوزك وأعمل اللي أنا عايزه، بس لقيت نفسي كل ما بشوف دموعك بضعف ومش بعمل حاجة غير إني بقسي عليكي أكتر. عارفة أول ما شوفتك حسيت بطيبتك وحنيتك وبراءتك وجمالك كل حاجة، بس كنت بكذب نفسي، كنت بشوف رغم كل الفرح اللي في عنيكي نبرة كنت عارف إن جواكي حزينة ومكسورة بس ما كنتش عارف سببه. عايزك تفوقي وصدقيني عمري ما هضايقك تاني، عمري ما هوجعك ولا هاجي عليكي أنا ندمان، وعارف إن ندمي جه في وقت غلط، جه في وقت كنت هتروحي مني فيه."
حبس مراد أنفاسه وقد تقاربت أن تسقط الدموع من عينيه، هرب مراد بأن أمسك بيدها بلطف واضعًا عليها قبلة رقيقة ثم خافضًا رأسه باتجاه يدها. *** في منزل الحاجة فاطمة. الحاجة فاطمة بقلق واضح للعيان للجارة إحسان: "لا أنا قلبي وجعني ومش مطمنة، حاسة ملك مش كويسة وهو مخبي عليا." الجارة إحسان بنفي:
"كفى الله الشر يا أختي، ما تقوليش كده، إنتي بس اللي بتوهمي نفسك بقلقك وخوفك دا، هي كويسة وبخير، وهتتصل بيكي، إنتي عارفة إن جوزها مش حاجة قليلة برضه وتلاقيه وراه مشاغله." الحاجة فاطمة بنفي: "مشاغل إيه دي؟ هما بقالهم مية سنة متجوزين؟ دا ما كملوش لسه أسبوعين على بعض." قطع حديثهم صوت طرقات على باب المنزل. الحاجة فاطمة بتساؤل: "ودا هيكون مين اللي جايلنا دلوقت؟ الجارة إحسان: "روحي افتحي الأول يا حاجة فاطمة وبعد كده نشوف."
خطت الحاجة فاطمة باتجاه الباب بعد أن أومأت لها وقامت بفتحه، وجدت أنها صديقة ملك سارة. سارة وهي ترمي نفسها في حضن الحاجة فاطمة: "ازيك يا خالتي، عاملة إيه؟ وحشاني أوي أوي." الحاجة فاطمة وهي تقوم باحتضانها هي الأخرى بحزن: "وإنتي يا سارة وحشاني أوي، عاملة إيه يا بنتي؟ ابتعدت عنها سارة ونظرت لها: "مالك يا خالتي زعلانة ليه؟ خفضت الحاجة فاطمة رأسها هاتفة لها: "ولا زعلانة ولا حاجة يا بنتي، تعالي ادخلي اقعدي."
عقدت سارة حاجبيها ثم قامت بغلق الباب خلفها ثم خطت خلف خالتها فاطمة فوجدتها جالسة مع جارتها، قامت بالترحيب بها ثم حبست سائلة خالتها: "إنتي زعلانة عشان ملك اتجوزت ومشيت صح يا خالتي؟ الحاجة فاطمة بنفي:
"أنا زعلانة آه عشان مشيت وسابتني وحاسة بوحدة بعدها بس فرحانة إني شوفتها عروسة وفي بيت جوزها. أنا بس عايزة أسمع صوتها، كل ما أتصل بيها موبايلها كان بيدي جرس وبعد كده اتقفل، فاتصلت برقم جوزها ورد عليا وقالي إنها كويسة وهيخليني أكلمها، وأفضل مستنية تتصل وفي الآخر ما تتصلش." أنصتت سارة لها وهتفت بها: "أنا كنت عندها انهارده يا خالتي في الفيلا." انشرحت ملامح الحاجة فاطمة وهتفت بسعادة متسائلة: "بجد يا سارة؟ روحتيلها؟
طب هي كويسة عاملة إيه؟ كلمتيها؟ سارة بتريس وهدوء: "اهدي يا خالتي اهدي، أنا روحتلها آه بس ما كنتش موجودة، الخدامة قالتلي إنها خرجت هي ومراد مع بعض." اعتل اليأس على ملامح الحاجة فاطمة وهتفت: "يعني ما شوفتيهاش؟ سارة بنفي: "لا، بس أنا قولت هروح أشوفها بكرة وقولت أجي أقولك عشان تيجي معايا." تهللت ملامح الحاجة فاطمة وأصبح على ملامحها السعادة: "خلاص ماشي، نروح لها الصبح، دانا هموت وأشوفها، وحشاني أوي ووحشني صوتها."
ابتسمت سارة لها وقالت: "وهي اكيد هتفرح أوي لما تشوفنا. أنا هقوم بقا يا خالتي عشان الوقت اتأخر وهعدي عليكي بكرة عشان نروح سوا." أومأت لها الحاجة فاطمة: "طب ما تخليكي يا بنتي قاعدة وباتي معايا ونروح سوا." سارة باعتذار: "صدقيني يا خالتي مش هينفع بس أنا هعدي عليكي بدري ما تقلقيش." ثم قامت ناهضة متجهة ناحية الباب بينما قامت الحاجة فاطمة بتوصيلها ناحية الباب وقامت بغلقه خلفها وعلى محياها ابتسامة واسعة مشرقة. الجارة إحسان:
"شوفتي أهي كويسة وبكرة هتشوفيها." الحاجة فاطمة: "مش هرتاح غير لما أشوفها." *** على الجانب الآخر بداخل المشفى. كان مراد ما زال خافضًا رأسه في يد ملك التي أخذت تئن بخفوت، لم يسمعه مراد في البداية ولكن مع تكرار أنينها رفع مراد رأسه ناحيتها هاتفًا باسمها لأول مرة بلهفة وفرح: "ملك! لم تأتيه إجابتها فقد كانت ما زالت مغلقة عينيها. قامت بفتحهما حينما قرر ندائه لها باسمها.
قامت بفتح عينيها بتمهل شديد فوقعت عينيها عليه وهو جالس أمامها، نظرت له نظرة مطولة وقد تجمعت الدموع في عينيها من جديد، فهو من فعل بها كل هذا. كانت تتمنى أن تنتهي حياتها حينما وضعت السكين في غرسها ولكنها ما زالت على قيد الحياة. نظر مراد إلى دموعها التي تنساب على وجهها هاتفًا لها بهدوء: "اهدي يا ملك."
وكأنها لم تستمع له فهي سوف تعود مجددًا له في منزله خادمة ولكنها لم تسمح بذلك مجددًا، فهي حقًا أرهقت وتعبت من كل ما يحصل لها. فخرجت من فاها كلمة لم يتخيل مراد أن تلفظ بها على الإطلاق. هتفت ملك به بصوت متحشرج باكٍ من أثر الدموع: "طلقني." ألجمت الصدمة مراد بما تتفوه به. "إيه؟ ملك وهي تحاول أن تظل ثابتة: "طلقني وارحمني بقا، أنا مش مستحملة كل الذل دا، ارحمني وطلقني وأنا هخرج من حياتك ومش هتشوف وشي تاني ثم...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!