بعد مرور عدة أيام من وجود مراد وملك في شرم، ومراد لم يترك ملك فيهما، بل كان أغلب أوقاتهم يقضونها معًا، سواء خروجات أو سهرات. وعند عودتهم إلى الفيلا، يبدأ مراد سهرة من نوع آخر يبث فيها ملك شوقه ومدى حبه لها، جاعلًا إياها تحلق في السماء، شاعرة بالسعادة والفرح والأمان بجانبه.
توالت الأيام وارتباطهم ببعض يقوى وعلاقتهما تشتد، يقضون لحظاتهم الرومانسية بسعادة. أما في أوقات عمل مراد فيضطر تاركًا إياها إلى أن ينتهي من أعماله التي أتى من أجلها، غافلين عن تلك التي كانت تراقبهم وتتابع حركاتهم وأوقاتهم مع بعض بكره وبغض شديدين لهم، وكره لملك أصبح مضاعفًا لها.
وفي آخر يوم لهما في شرم، حيث أحب مراد أن يصطحب معتز وملك إلى أحد المطاعم الشهيرة المطلة على البحر ليقضوا فيه آخر أوقاتهم في شرم، ليستعدوا غدًا للرحيل بعد أن تمت الصفقة التي بينهم وبين الوفد الإسباني بنجاح. جلست ملك على المقعد المطل على البحر مباشرة، تنظر له بحب واستمتاع، فالبحر في المساء يصبح هادئًا وممتعًا. تابعها مراد وإلى شرودها وتأمله للبحر. سحب معتز الـ "menu" من على الطاولة بعد أن وجدهم في عالم آخر قائلًا بمرح:
"إحنا مش هناكل ولا إيه؟ ولا جايين تتأملوا البحر بس؟ رد مراد عليه بسخط قائلًا: "همك على بطنك أنت مش حاجة تانية." قال معتز ساخرًا: "يا عم البحر ده عايز العشاق والحبيبة يتأملوا، أما أنا سنجل بائس هسرح في إيه يعني؟ نظر مراد لملك: "ربنا يوعدك وتبقى من العشاق قريبًا، ما تقلقش." قال معتز بأمل رافعًا يده: "يا رب، ادعيلي أنت بس." قال مراد بمزح وسخرية:
"أنا مش بدعيلك، أنا بدعي إن أخلص منك وتتجوز بنت المحظوظة اللي أمها داعية عليها." قال معتز بنزق: "اتريق يا مراد اتريق، ما هو عشان خلاص وقعت ومحدش سمى عليك بتعمل معايا كده، بس ليك حق ملك برضه غير، والعة معاك أنت." انتبهت ملك إلى اسمها الذي يهتف به معتز، فأدارت رأسها باتجاههم قائلة بتساؤل: "عايز حاجة يا معتز؟ وضع مراد يده على يد ملك: "ما تشغليش بالك بيه يا شملق، ده واحد داخل فينا حسد، يا ريتنا ما قولنا ناخده معانا."
ضحكت ملك بهدوء عليه قائلة بأسف: "ليه بس يا مراد، هو معتز عمل إيه؟ رد مراد: "بيحسدنا يا حبيبتي." نفى معتز بإصبعه: "لا والله أبدًا ما حصل يا ملك، ده جوزك بيخم." ابتسمت ملك وكذلك مراد الذي هتف به بحنق: "أنت مش قولت جعان وعايز تاكل؟ اتفضل اختار بدل ما أنت عمال تتكلم."
أومأ له معتز بابتسامة وجذب الـ "menu" وكذلك مراد وملك الذي أشار لملك بأن تختار ما تريده من طعام. أخذ بعض الوقت في اختيارهم الطعام الذي سوف يتناولونه، إلى أن انتهوا وأشار معتز للنادل الذي أتى في غضون دقيقة يدون طلباتهم في النوت ثم يتحرك مستأذنًا لهم لكي يأتي لهم بما أرادوا. تأمل معتز المكان من حوله: "المكان رائع جدًا، الواحد هيفتقد الأيام دي والله وخصوصًا إن الشغل مش بيرحم." قال مراد بهدوء:
"مش هتكون آخر مرة، كل فترة نسحب نفسنا ونقضي كام يوم حلوين هنا، وملك كمان حبت شرم قوي، مش صح يا ملك؟ قالت ملك بتأكيد: "آه جميلة قوي فعلًا، أنا أول مرة أروح محافظة جديدة بس ما كنتش أتوقع إنها بالجمال ده." وضع مراد يده حول كتفي ملك: "ومش هتكون آخر مرة يا حبيبتي." ابتسمت ملك له بسعادة بادية على وجهها، تابع معتز نظراتهم لبعض داعيًا لهم بصلاح الحال ودوام السعادة بينهم.
بالخارج، ترجلت شيري من السيارة الخاصة بها وعلى وجهها ابتسامة شيطانية، فقد عقدت العزم على إنهاء كل شيء اليوم، فهي قد تحملت الكثير ولا تستطيع أن تتكوى أكثر من ذلك بتلك النار التي تتصاعد داخل صدرها وهما ينعمان بحياتهما مع بعض ويقضيان أوقاتهما في سعادة وفرح، أما هي فتشعر بالحسرة والكره والبغض لملك التي فازت بكل شيء دون أدنى مجهود منها، وهي خسرت كل شيء بعد كل ذلك التخطيط والمجهود التي بذلته.
خطت شيري إلى الداخل بخطوات امرأة ذات غرور وكبرياء تجعل كل من يلمحها يشعر بغرورها وكبريائها بخطواتها الرشيقة الواثقة. بالداخل، شرع مراد وملك ومعتز في تناول طعامهم في جو هادئ لطيف، لا يوجد ما يعكر صفو تلك الأمسية الرائعة غير صوت وقع خطوات رشيقة تدب في الأرض تصدر أصوات جعلت كل من في المطعم ينتبه لها وينظرون باتجاهها.
انتبه مراد إلى تلك الأصوات والهمهمات والهمسات الصادرة من الطاولات المجاورة. رفع مراد ومعتز نظرهما إلى الصوت الآتي، وما إن لبثوا وحل على وجوههم الصدمة والذهول ما إن علموا هويتها، فشيري آخر شخص توقعوا أن يأتي إليهم، بينما مراد تصاعد الغضب في عينيه حينما تذكر تحذير معتز له بشأنها خوفًا من ملك عليها، ولكن وجدها تبتسم لهم بذهول متحركة ناحيتهم.
رأتها ملك واعتلت ملامحها النفور والدهشة ودار في رأسها كيف لها أن تأتي إلى هذا المكان وكيف علمت بوجودهم فيه ومتى أتت إلى شرم من الأساس. قطع تساؤلاتهم صوت شيري متصنعة الرقة وهي تمد يدها إلى مراد ومعتز ترحب بهم: مدت شيري يدها إلى مراد قائلة محاولة احتضانه: "إزيك يا مراد عامل إيه؟ مفاجأة مش كده؟ بعد مراد نفسه عنه رفضًا لاحتضانها واكتفى بمد يده لها.
تابعت شيري بعد أن شعرت بنفور مراد ناحيتها وتوجهت ناحية معتز تصافح يده. مد معتز لها يده مرحبًا بها بتوتر: "إزيك يا شيري؟ جلست شيري على المقعد المجاور لمعتز، رامقة ملك بنظرة كره وضيق، متناسية إياها متعمدة عدم مصافحتها أو توجيه أي تحية لها. قرأت ملك أفكار شيري ناحيتها ولكنها قررت تجاهلها متابعة تناول طعامها بهدوء. أردف مراد سائلًا شيري بضيق بادٍ بعد أن تغاضت عن مصافحة زوجته ومحاولة التقليل من شأنها:
"أنت جيتي ليه يا شيري؟ قالت شيري مصطنعة الحزن وقد أدهشها سؤال مراد القاسي: "كده يا مراد بدل ما تقول حمد لله على السلامة، تقولي إيه اللي جابك؟ حاول معتز تلطيف الجو بعد أن وجد نظرات الغضب على وجه صديقه: "مراد مش قصده يا شيري، بس هو يعني... يقصد إن إحنا مسافرين بكرة، وكده وما كانش ليه لازم تيجي وخصوصًا إن إحنا خلصنا شغلنا." قالت شيري بكذب:
"أنا جاية عشان أستجم شوية وعارفة إنكم ماشيين بكرة بس قولت أجي أقضي معاكم يوم قبل ما تسافروا." أومأ لها معتز وعقب قائلًا: "تحبي تاكلي إيه؟ الـ menu قدامك تقدري تختاري اللي عايزاه." أومأت شيري موافقة وأخذت تختار ما تريده بهدوء بعد أن جعلت الجو مشحونًا ونظرات الترقب على وجوههم. بعد فترة، شيري معتدلة في جلستها هاتفة لملك بابتسامة خبيثة: "عاملة إيه يا ملك؟ بقيتي أحسن؟
لم تجب عليها ملك أو تعطِ لها أي اعتبار بل رمقتها بنظرة ضيق وعدم ترحيب بوجودها. أغضبت ملك شيري بتجاهلها لها وأرادت أن تنهض تسحبها من جوار مراد تلقيها بالخارج، ولكنها ألزمت نفسها بالهدوء لكي تحقق مبتغاها. أثناء جلوسهم، وجد مراد من يضع يده على كتفه مربتًا عليه هاتفة باسمه. التف مراد إلى ذلك الصوت ليس الغريب عليه، وجده صديقه منذ أيام الجامعة، فنهض مراد من على مقعده مرحبًا به، احتضنه صديقه هشام قائلًا باستيحاش:
"مراد وحشتني قوي والله، لما عرفت إنك موجود هنا قولت لازم أشوفك وأسلم عليك." احتضنه مراد إياها هو الآخر: "وأنت كمان وحشتني يا هشام، عاش من شافك يا عم، مختفي يعني." قال هشام بابتسامة: "ولا مختفي ولا حاجة، أنت اللي بقيت مهم ومحدش قادر يتلم عليك." ابتعد هشام عن مراد مرحبًا بمعتز هو الآخر، ناظرًا إلى الفتاتين على الطاولة موجهًا حديثه لمراد: "مش هتعرفنا يا مراد؟ أومأ مراد برأسه له قائلًا وهو يشير بيده ناحية ملك:
"دي ملك مراتي." وأشار إلى شيري: "ودي شيري بتشتغل معايا." أومأ له هشام مبتسمًا لهم بترحيب: "تشرفت بمعرفتكم." ابتسمت شيري له وكذلك ملك. هتف هشام لصديقه مراد: "بما إني حصلي الشرف وشوفتك النهار ده فأنا محظوظ ومستحيل أفوت الفرصة دي في طلب صغير." قال مراد بتعجب: "أمر يا عم وطلبك يتم." قال هشام بتلهف:
"بص يا سيدي أنا في دماغي مشروع وعايز أتممه بس فاضل حبة تفاصيل صغيرة والنهايات وتكون كل حاجة بيرفكت، فعشان كده عايز أسألك عليهم وخصوصًا إنك مهندس شاطر وتقدر تفيدني." أومأ له مراد بابتسامة واسعة مرحبًا بفكرته: "وأنا معاك واللي تعوزه، بس فين الورق؟ أشار هشام له: "بص يا سيدي أنا المنتجع بتاعي جنب الفندق بتاعك على طول، وأهو بالمرة تشوف ابني الصغير." قال مراد باندهاش: "أنت اتجوزت إمتى يا ابني؟ ده أنت كنت كاره الجواز."
ضحك هشام بصوت مسموع: "وقعت يا مراد على بوزي أول ما شوفت مراتي، ومن يوم ما شوفتها وأنا قولت لازم أتجوزها وحصل، وأديني مخلف ولد والتاني جاي في السكة." قال مراد بحب: "ربنا يسعدك يا هشام، أنت طيب وتستحق كل خير." أمسك هشام بيده: "حبيبي يا مراد، تعالَ بقى أما أوريك المشروع اللي رسمه." أومأ له مراد موافقًا ونظر إلى معتز وملك: "مش هتأخر أنا." أومأ له معتز بينما نظرت نظرة متوجسة خائفة. اقترب مراد منها هامسًا في أذنها:
"ما تقلقيش يا حبيبتي، دقايق وأكون عندك." حركت رأسها موافقة، تابعها هو وانطلق مع صديقه هشام بخطوات واثقة. تابعته ملك ومعتز إلى أن اختفى من أمامهم، أرجعت ملك نظرها إلى حيث البحر.
ابتسمت شيري ابتسامة خبيثة وفي بالها جرت كما يجب أن تكون، فقط معتز هو العقبة الوحيدة بالنسبة لها، فطرت في بالها فكرة خبيثة، فمدت يدها تمسك كوب العصير، وفي طريقها إليه صدمت بالزخرفة التي أمامها فانسكب بعض منه على معتز الجالس بجوارها، شهق معتز مضطربًا مما سكب عليه، بينما شيري جذبت بعض المناشف التي أمامها تقدمها له تجفف ما سكب عليه. ترددت اعتذاراتها الواهية له. اندهشت ملك مما حدث، وقدمت بعض المناشف له هي الأخرى.
تأفف معتز لما حدث، فهب واقفًا قائلًا: "أنا هروح الحمام أنظف الكارثة دي." قالت شيري بأسف مصطنع: "سوري يا معتز، مرة تانية صدقني ما قصدش." أومأ لها معتز، وتحرك ناحية المرحاض متأففًا بضيق، تاركًا شيري وملك بمفردهما. تابعت شيري اختفاء معتز من أمامها، وأدارت رأسها ناحية ملك الجالسة بتوتر، ونظرت لها بخبث قائلة: "ما كنتيش تحلمي طبعًا إنك تبقي موجودة في مكان زي دا، أو تتجوزي مراد وتعيشي في هنا وسعادة معاه."
أرجعت رأسها مكملة بخبث: "بس برافو، مراد لعب معاكي اللعبة صح، وإنتي يا حرام صدقتي، وصعبانة عليا كمان." لم تتفهم ملك عليها أو ماذا ترمي بكلامها، فعقدت حاجبيها متسائلة. ضحكت شيري عليها بشدة تشعر والي نظراتها، فأعقبت حديثها قائلة: "طب سيبك من دي ونخش على الأهم، إنتي تعرفي مراد اتجوزك ليه، أو عرف طريقة واحدة زيك إزاي؟ زاد انعقاد حاجبي ملك جاهلة ما تقصده، وأصبحت حالتها متوترة. أردفت شيري مكملة بهدوء:
"باين يا حرام إنك متعرفيش حاجة، بس أنا هقولك كل حاجة." نظرت لها نظرة ماكرة معقبة: "أصل إنتي صعبتي عليا، وهأرف بيكي وأقولك." "مراد عمره ما حبك ولا هيحبك، إنتي تعرفي إنه بيدور عليكي من زمان عشان ينتقم منك ومن أمك اللي كانت السبب في موت أمه؟
بعد ما أمك خطفت الراجل، اتجوزت أبوه، وخلت علاقته مع أم مراد زي الزفت. ساعتها مراد كره أمك كره محدش كره لحد، بس أما جه ينتقم منها كانت ماتت والموت رحمها منه. بس برضه حب ينتقم من أي حد له علاقة بأمك لحد ما عرف بوجودك وقرر إنه ينتقم منك، وفعلاً عمل خطة وقعتي فيها إنتي وخالتك وصدقتوه ووافقتي عليه. وبعد ما اتجوزك عارفة طبعًا كانت معاملته ليكي إزاي؟
كان عايز ينتقم منك ويعمل فيكي كل اللي أمك عملته في مامته زمان، بس ما كانش يعرف إنك مش هتستحملي وهتلجئي للانتحار. فحب يغير اللعبة، وأديكي عايشة دور الحب والعشق اللي معيشهولك، وأديكي عارفة بيعمل معاكي كده ليه؟ عشان ياخد مزاجه منك ويرضي نفسه وفي نفس الوقت يكون بينتقم منك بالبطء." رمت شيري لملك تلك الكلمات صفعة واحدة، مريحة صدرها شاعرًا بتحقيق مبتغاه بعد أن رأت تلك نظرات الانكسار والتحطيم على وجه ملك.
أما عن ملك، فقد شحب وجهها شحوب الموتى، جسدها بارد كقطعة الثلج، جف حلقها، لم تقدر على استيعاب حديث شيري. ما علاقة والدتها بمراد؟ أمها التي تركتها وهي في الخامسة من عمرها وانسحبت من حياتهم، تدفع الآن هي ثمن أفعالها لمجرد أنها ابنتها؟
أما عن مراد، فالآن وجدت إجابات لكل التساؤلات التي كانت تدور بخلدها، وأيقنت أنها نكرة ليس لها قيمة أو ذات أهمية لدى أحد. الكل ينتقم منها، الكل يجرحها، يهينها، يكسرها، يسحقها تحت رجله دون أن تفعل لهم شيئًا. هل تستحق كل ذلك الكره والبغض من حولها؟ لم تطلب الكثير في حياتها، بل أرادت حياة بسيطة دافئة تحيا بداخلها، هل ذلك كثير عليها؟
الآن شعرت بمدى ضآلتها وضعفها أمامهم. لم تستطع ولن تستطع أن تفعل لهم حتى بعد ما أساؤوا لها، ليس لديها السند أو الظهر الذي يحميها ويجلب لها حقها. وقعت في أيدي أشخاص لم تعرف الرحمة بابًا إلى طريقهم ولا الرأفة بأحد. لم تشعر ملك بالدموع التي تذرف من عينيها، ولا بتلك الشيطانة التي على وجهها ابتسامة متشفية بعد أن وجدت نتيجة كلامها يظهر على وجه ملك.
أرادت ملك أن تصرخ بصوت مرتفع، بأن تهرب من هذا المكان الذي يضيق صدرها، ولكنها غير قادرة على فعل واحد، فهي لم تعرف وجهتها أين تذهب وأين تتجه وهي في مدينة غير مدينتها. أخذت الدموع الحارقة تجري على وجنتيها، تشعر بالمهانة والذل لنفسها.
لمحت وجود مراد ومعتز يأتيان من على بعد، فكفكفت دموعها متناسية ألمها لفترة، ناظرة أمامها بوجه خالٍ من الحياة، متوعدة التخلص من كل تلك المآسي التي تتعرض لها، حتى لو كان هو التخلص من حياتها، فقد زهدت الحياة ويكفيها كل ما حدث لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!