في حديقة القصر. "حضرتك تجنن، الواحد بقاله سنين ما أكلش أكل حلو زي ده." معتز مؤكداً حديث صديقه: "عندك حق يا مراد، أكل الحاجة فاطمة طعمه حلو بشكل، أنا هقعد أسبوعين لقدام أهضم الأكل ده." الحاجة فاطمة بحب وسعادة: "بالهنا والشفا يا حبايبي، صحة وهنا. وليكم عليا نتجمع كل أسبوع مع بعض وأعملكم كل الأكل اللي عايزينه وبتحبوه، هو أنا يعني عندي أغلى منكم."
معتز بابتسامة واسعة: "إن شاء الله يا حاجة فاطمة، ربنا يديكي الصحة وطول العمر." مراد: "ربنا يخليكي يا حاجة فاطمة، بس خليها بعد الأسبوع الجاي لأن الأسبوع ده إحنا مسافرين شرم أنا وملك ومعتز." صرخت سارة بصوت عالٍ هاتفة: "واووووو انتوا رايحين شرم؟
تعجب مراد من صوت صراخ سارة، فهي كانت جالسة تتابعهم بصمت دون حديث يذكر. بينما معتز كتم صوت ضحكاته بصعوبة، فتلك المجنونة لا تكف عن جنونها الغير متوقع. بينما استغربت ملك من حديث مراد، فعن أي سفر يتحدث، فهو لم يخبرها به من قبل. ولكنها التفتت لصديقتها سارة التي صرخت بصوت عالٍ: "فيه إيه يا سارة مالك؟ سارة واضعة يدها على فمها تهتف بنبرة معتذرة: "معلش، أصل الحماسة خدتني لما قال إنكم رايحين شرم." مراد مردداً
لها: "لو عايزة تيجي معانا أنا معنديش مانع." هزت سارة رأسها عدة مرات قائلة: "لا، أنا بهزر بس، وأصلاً مش هينفع." الحاجة فاطمة: "معلش يا ابني، أصل سارة ليها طلعات غريبة محدش يتوقعها، وانتوا روحوا انبسطوا، اهو تقضوا شهر عسل حلو مع بعض، مش كده ولا إيه يا ملك؟ نظرت ملك لخالتها باندهاش ولم تجد كلمات لترد عليها. لمح مراد حالة التخبط التي عليها ملك، فأجاب بدلاً
عنها: "هو مش شهر عسل أوي لأننا هنخلص شغل برضو هناك، بس بعد كده هنسافر أنا وملك نقضي شهر العسل في أي بلد أجنبي تختارها ملك." شعرت الحاجة فاطمة بالسعادة والفخر من حديث مراد قائلة له: "ربنا يخليكم لبعض ومتتحرموش من بعض أبداً ويرزقكم الذرية الصالحة." مراد ناظراً لملك معقباً على حديثها: "آمين يا رب." بدأت ملك تسعل واضعة يدها على فمها، بينما مراد يتابعها بتسلية. الحاجة فاطمة وهي تربت على ظهرها: "سلامتك يا حبيبتي، مالك؟
لكِ كابحت ضيقها من هذا المراد، فهي تريد أن تتخلص منه وتخرج بعيداً عن حياته، ولكنه مُصر على أن يجعلها تخضع له. "مليش يا خالتي، بس شكلي شرقت." سارة وهي تحدث الحاجة فاطمة: "مش يلا يا خالتي ولا إيه؟ إحنا قاعدين بقالنا كتير." الحاجة فاطمة وهي تؤمي لها برأسها: "عندك حق يا سارة، يلا بينا." بينما هتفت ملك معترضة: "إيه اللي بتقوليه ده يا سارة؟
أنا خالتي وحشاني، والوقت عدى معاكم بسرعة أوي، خليكم قاعدين معايا، أنا بقالي كتير مشفتكمش." عقب مراد لملك: "خليكم قاعدين، لسه بدري، دانتوا منورنا." الحاجة وهي تنهض قائلة بنبرة معتذرة: "معلش يا ابني، تتعوض مرة تانية، بس لازم أروح عشان تحضروا حاجاتكم، خلاص انهارده الخميس يعني يدوب تجهزوا عشان تسافروا." "وإنتي يا ملك خلي بالك على نفسك وتبقي تستخدمي موبايلك وتكلميني." ملك ناهضة هي الأخرى: "ليه بس يا خالتي، خليكي معايا."
الحاجة فاطمة محتضنة إياها: "هبقى أجلك تاني حبيبتي وهكلمك كل يوم على الموبايل." ملك وهي تحتضنها هي الأخرى: "حاضر يا خالتي، زي ما تحبي." ثم قامت بتوديعها هي وسارة إلى حيث باب الفيلا. وبعد أن أغلق الباب، نظر مراد لمعتز: "تعالى ع المكتب نخلص الشغل اللي علينا عشان لما تسافر بالليل، وإحنا هنحصلك على بكرة." معتز متفهماً له ويشير برأسه موافقاً: "ماشي، وكمان عايز لما أخلص أروح على الشركة آخد الملفات وبعد كده أسافر."
أخذت ملك تتابع حديثهم في صمت، محاولة خلق فرصة لتحادثه، ولكن أعقب عليها قائلاً: "اطلعي فوق دلوقتي وبعد كده نتكلم." نظرت ملك له متأففة، ثم ضربت الأرض بقدمها، متجهة نحو الدرج صاعدة عليه. ابتسم مراد لحركاتها الطفولية، ثم أدار رأسه نحو معتز الذي كان ينظر له: "يلا ع المكتب." ثم خطوا داخل المكتب لكي ينهوا أعمالهم العالقة. ***
بعد أن صعدت ملك إلى الجناح الخاص بمراد، وزعت نظراتها على الجناح وأخذت تتأمله بإعجاب وانبهار شديد. فهو حجمه كحجم شقتها بأكملها، من أثاثه الأنيق الذي يدل على الرقي والفخامة، والتحف المتراصة في كل ركن، وتلك الأريكة العريضة مع الطاولة الصغيرة وبجوارها مقعدين، فكل شيء فيها أنيق. وتلك الشرفة الكبيرة التي تطل على الأشجار والورود المزروعة بروائحها الخلابة التي تخطف الأنفاس. وذاك المسبح الكبير الذي يوجد بالأسفل التي تراه لأول مرة منذ أن وطأت قدمها في ذلك القصر.
أخذت ملك تتأمل المكان وتدرس تفاصيله، ولكنه ما إن لبثت وتذكرت ما فعله بها ذلك المراد، وكم أهانها وتطاوله عليها بالكلام واليد، وأخيراً في المستشفى حينما غضب وأهانها مرة أخرى. جلست ملك على الأريكة، واضعة يدها محاولة في فمها تكمم شهقاتها،
محدثة نفسها: "يارب ساعدني إني أخلص منه، أنا مش عارفة هو ناوي لي على إيه، تعبت ومش عارف أتعامل مع تصرفاته الغريبة دي. أنا لولا دخولي المستشفى كان عمره ما هيحس ولا يتغير معايا، وكان هيفضل يعاملني كخدامة عنده. ودلوقتي عايزني أسافر معاه، وأنا مش عايزة غير إنه يطلقني ويسيبني في حالي أعيش مع خالتي ونعيش حياتنا الحلوة البسيطة اللي كنا عايشينها، وأروح جامعتي اللي مبقتش أروحها ولا أتابع أي حاجة فيها."
ثم نهضت واقفة وهي تكفكف دموعها وعاقدة العزم على ما أنوت عليه: "أنا لازم أنهي المهزلة اللي عايشة فيها دي، ويعرف إني مش عايزة أكمل معاه ولا أسافر معاه، ويطلقني وكل واحد يروح لحاله." *** في مكتب مراد، أرجع مراد ظهره على المقعد بعد أن انتهى من مراجعة الملفات. نظر معتز له وعلى محياه ترتسم علامات الحيرة والتساؤل. لمح مراد نظرات معتز، ثم أغمض عينيه هاتفا له: "اتفضل يا معتز، قول اللي عندك."
سأله معتز متحيراً: "مش عارف أسأل أقول إيه يا مراد، بس حالك ده ملخبطني ومش عارف هتعمل إيه." ضحك مراد عليه مجيباً: "تصدقني لو قولتك ولا أنا عارف مالي ولا إيه اللي بيجرالي.. أنا مش فاهم نفسي يا معتز." معتز مستوعباً الحالة التي عليها صديقه، ثم سأله مباشرة: "بتحبها؟
فتح مراد عينيه، فقد صدمه معتز بسؤاله، فرد عليه قائلاً: "مش عارف، بس كل اللي حاسه إني لما لقيتها بتغرس السكينة في إيدها ووقعت بين إيديا حسيت إن قلبي وقف ومش عارف أعمل إيه غير إني أحضنها وأجري بيها على المستشفى، حسيت نفسي بموت معاها وإن لو جرالها حاجة مش هعرف أسامح نفسي طول العمر."
معتز قائلاً: "يبقى وقعت في حبها يا مراد، وده اللي أنا كنت متوقعه وكنت عارف إنه هيحصل. على قد ما كنت معاك ووراك في فكرة انتقامك منها، بس كان عندي إحساس جوايا إن دي اللي هتخلي مراد بتاع زمان، أبو قلب طيب ومش بيحب الأذى لحد، إنه يرجع زي الأول. مكنتش عارف ساعتها إيه الطريقة اللي هتخليك ترجع زي الأول، بس دلوقتي عرفت إنك تحبها وتبقى خايف عليها." مراد مونباً
نفسه: "بس أنا ما كنتش عايز كده، ما كنتش عايز أحبها، ما كنتش عايز قلبي يحب، كنت قافل عليه ونجحت إني ما أخليش أي ست تدخل فيه، بس هي بسهولة دخلته من غير حتى ما أعرف. ما كنتش عايز أرجع زي الأول، ومعرفش أكمل طريقي انتقامي منها وأخد حق أمي منها، وظلم أمها اللي سببته لأمي والألم اللي عيشته بسببها." معتز قائلاً بهدوء: "وليه متقولش إن هي كمان ممكن تكون اتظلمت من أمها زي ما والدتك وأنت اتظلمت؟
لأن أكيد في الوقت اللي أمها اتجوزت أبوك فيه، كانت هي طفلة في الوقت ده ومتوعاش لحاجة غير إنها من غير أم. تنبه مراد إلى حديث صديقه وأخذ يصتنت لكل كلمة يتفوه بها، فهو محق في حديثه، فشئ كهذا لم يخطر ببال مراد على الإطلاق، فهي من الممكن أن تكون عانت نفس معاناته أو أكثر، فهي الطفلة الصغيرة التي تركتها والدتها وجعلت طفولتها مشردة وحيدة بدون أم، وهو جاء بعد ذلك ليكمل عليها ويقضي على إنسانيتها وينتقم منها على أشياء ليس لها علاقة بها من الأساس. فلو بالفعل صحيح كلام صديقه معتز له، فهو لم يستطع مسامحة نفسه على ما فعله بها على الإطلاق.
أخذت الأفكار تعصف برأس مراد وهو يتذكر حديثها عن والدها المتوفى والذي أوضح كم هي متعلقة به ومتشبثة به ومفتقدة بشدة وجوده في حياته. شرد مراد كثيراً، ولكنه أفاق على صوت صديقه معتز الذي يهز له يده أمام وجهه ويهتف به: "مراد يا ابني، رحت فين؟ مراد نافياً: "معاك يا ابني." معتز نافياً: "انت مش معايا خالص، على العموم إحنا تقريباً جهزنا ورتبنا كل حاجة. أنا دلوقتي هروح على الشركة وبعد كده هسافر، وأنت تيجي ورايا."
أومأ له مراد معقباً: "خلاص ماشي، وأنا هطلع أنام وأرتاح شوية لأن بقالي يومين ما نمتش." معتز وهو ينهض من على المقعد: "تمام، ماشي، اتفقنا. وإنت رتب ظروفك ودبر أمورك مع ملك وشوف هتعملوا إيه مع بعض الفترة الجاية." ثم توجه متحركاً نحو باب المكتب مغلقاً خلفه، بينما مراد وضع يده على وجهه محاولاً استجماع نفسه، ثم نهض متوجهاً نحو جناحه ليلقي إجابات من ملك على كل الأسئلة التي تدور بعقله ولم يجد لها إجابة. ***
كانت ملك شاردة تتابع الأشجار من الشرفة، ولم تنتبه إلى ولوج مراد العاصف إلى الجناح. وزع مراد نظراته على الجناح فلم يجد ملك به. تحرك بخطواته نحو المرحاض، ولكنه لمحها واقفة في الشرفة ناظرة أمامها بشرود. خطى نحوها وهتف باسمها عدة مرات. انتبهت له وأدارت رأسها ناحيته، بينما هو حدثها قائلاً: "عايزين نتكلم."
هزت رأسها ولم تعقب، بل خطت داخل الجناح جالسة على الأريكة، مستنصتة له، فهي تريد وبشدة أن ينهي زواجه منها، لذلك جلست مستنصتة لما يتفوه به. تابعه مراد بعينيه إلا أن وصلت إلى الأريكة وجلست عليها منتظرة حديثه. وجه لها سؤاله مباشرة دون أن يصبر: "عايزة أعرف علاقتك بوالدتك وهي فين في حياتك؟
ذهلت ملك بل صدمت بما يتفوه به، فهي لم تتخيل للحظة أن يسألها عن والدتها، لذلك رفعت رأسها له تنظر له مصدومة من سؤاله، ولم تدري أو تعرف بما تجيب عليه، فهو قد أدخلها إلى ذكريات لم تريد أن تذكرها أو تقر بها، لذلك قالت له بنشيج وصوت حاولت جعله حازماً: "وده يهمك في إيه؟ أظن ده شيء ميخصكش إنك تسألني فيه." تعجب مراد من ردها هذا، فحاول بث الهدوء في نفسه وألا يتعصب عليها، محدثاً: "إزاي يعني مليش علاقة؟
هو إنت مش مراتي واللي بتكلم عليها دي... " حاول أن يتلفظ بذلك اللقب، ولكنه خرج منه بصعوبة قائلاً: "اللي بسأل عليها دي تبقى حماتي." ملك بنفس الحزم: "وأنا قولتلك ميخصكش علاقتي بيها إيه.. ولو تحب تعرف، فمفيش علاقة تربطني بيها أصلاً عشان أقولها لك وأحكيها لك." بس مراد في وقفته، فها هي شكوكه تتحقق، لذلك جاهد بهدوء أن يسأل: "إزاي يعني اللي بتقوليه ده؟ إيه مفيش علاقة بينكم؟ هي دي مش والدتك اللي بتتكلمي عنها كده؟
ملك بصوت غاضب: "وإنت مالك؟ ملكش دعوة بحياتي فاهم، واسمعني بقى، أنا سفر مش هسافر معاك، أنا عايزة أطلق منك، مش عايزة أعيش معاك، وتبقى حياتي كلها خوف ورعب، وأبقى خايفة ناوي تعمل فيا إيه تاني بعد كده. ولو مفكر إنك لما تديني جرعة منوم زيادة عشان تعرف تجيبني لبيتك تاني، فأنا عندي مليون طريقة أهرب بيها منك." مراد ماسكاً كتفيها: "إنتي بتهربي ليه من السؤال؟ عايزة أعرف إنتي ليه مع خالتك مش مع أمك؟ ليه مش بتجيبي سيرتها؟
ليه، ليه؟ ملك بصوت غاضب: "وأنا مش هحكي لو هتموتني مش هحكي لك حاجة، عارف ليه؟ عشان أنا عارفة إني لو حكيت لك هتشمت فيا وتذلني، مش بعيد تعايرني كمان، بس بعينك إنك أخليك تعرف نقطة ضعفي."
صدم مراد من حديثها إلى هذا الحد خائف منه، خائف بأن يذلها على شيء ليس لها علاقة به، فرد عليها نافياً: "أنا مستحيل أعمل اللي إنتي بتقولي عليه ده، أنا عايز أعرف بس مش أكتر، ولو سؤالي وصلك إن عايز أعرف نقط ضعفك وأذلك، يبقى غلط وأنا هسكت ومش هسأل دلوقتي، ولما أكيد هيجي الوقت المناسب إنتي هتحكي من غير ما أسأل." ثم جذبها ناحيته محتضناً إياها في صدره. حاولت ملك إبعاد نفسها عنه: "وأنا مش عايزك تبعد عني."
مراد مشدداً في احتضانه لها هامساً بجوار أذنها: "وأنا مش هبعد ولا هسيبك، وعايزك تنسي كلمة طلاق من قاموسك، لأني مستحيل في يوم أطلقك، ولو على السفرية فأنتي هتسافري معايا، لأني مفيش حد يسيب مراته لوحدها ويسافر، وخصوصاً إنهم عرسان جدد، ولا إيه." ملك وقد تشنجت من همسه لها، فهي لم تعرف لماذا يعاملها كهذا، فهو في وقت سابق كان يعاملها كخادمة له، هل لأنه مستعر أن اسمه يرتبط باسم واحدة مثله، ولا مكانته؟
أو عشان صعبت عليه فبتشفق عليها، لما لقت إن مليش حد ولا ضهر يدافع عني ويواجهك؟ ثم أجهشت ببكاء مزق نياط قلبها. أخذ يربت على ظهرها بحنو ويهدئها: "متعيطيش، أنا آسف وغبي وصدقيني ندمان على كل حاجة عملتها معاكي، مكنتش في عقلي ساعتها وطلعت عليكي إنتي، صدقيني هعوضك عن كل يوم نزلت دموعك فيه بسببي، هعوضك عن حاجات كتير ضاعت منك، هكون لك الأب والأم والأخ والصاحب والزوج الصح اللي يقدرك ويبقى جانبك طول الوقت."
رفعت ملك رأسها من صدره وحدثته قائلة من بين دموعها: "وليه كل ده دلوقتي؟ رد عليها وهو يمسح بأنامله دموعها المتساقطة وينظر لها بحب ويهتف بطلاقة: "لأني بحبك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!