في الحارة الشعبية المقيمة فيها ملك، وصلت سيارات مراد إلى مدخل الحارة. تابعت ملك الطريق وقد ظهر على ملامحها التعب والحزن والإجهاد، وما إن توقفت السيارة أمام منزلها، حركت يدها لتفتح باب السيارة ولكن أوقفتها يد مراد محدثًا إياها بهدوء: = ملك. تصلبت ملك في جلستها رافضة النظر إليه، مغلقة عينيها بقوة. مد مراد يده ناحيتها يدير رأسها ناحيته يرفع وجهها له قائلًا: = أنا نفذت اللي أنتِ عايزاه وجبتك عند خالتك. ملك بثبات:
= بس لسه مطلقتنيش. مراد بحزم وإجابة قاطعة: = الطلاق مش دلوقتي، يعدي فترة الأول وبعد كده أنفذه، مينفعش أسبب ليكي أذية أو تكوني موضع كلام ملوش لازمة. ملك بتحسر ونبرة موحية: = دلوقتي بقيت بتخاف على أذيتي من كلام الناس! مراد بعطف: = ملك متصعبيهاش عليا أنا مش مستحمل، أنا هسيب ليكي المدة اللي أنتِ عايزة تقعدي فيها عند خالتك وهبعتلك كل احتياجاتك اللي عايزاه. ملك رافضة: = وأنا مش عايزة حاجة منك، أنا أقدر أصرف على نفسي.
مراد متفهمًا: = عارف ومقدر إنك تقدري تعملي كل حاجة بس أنتِ مراتي وملزومة مني يعني مسؤولة مني واحتياجاتك دي من واجبي. لمح رفضها واعتراضها ولكنه أكمل بثبات: = مش عايزة جدال ومناقشة في الموضوع دا. لم تعقب ملك عليه وقامت بفتح باب السيارة مترجلة منها تحت نظرات مراد المتفحصة لها، الذي هتف قائلًا لنفسه:
= مستحيل أطلقك أو أفرط فيكي يا ملك، أنتِ بقيتِ روحي ومستحيل حد يستغني عن روحه، أنا مش عارف إزاي هقدر أستحمل إنك مش هتبقي معايا في البيت وهحاول أستحمل عشان خاطرك، أنا إني أفرط فيكي دي مستحيلة وصعبة أوي. ترجلت ملك من السيارة صاعدة إلى شقتها، تقدم منها الحارس ممسكًا بالحقائب الخاصة بملك، صاعدًا البناية. طرقت ملك عدة طرقات على باب منزلها منتظرة فتح خالتها الباب لها، ومن خلفها الحارس ممسكًا بالحقائب الخاصة بملك.
فتحت الحاجة فاطمة الباب وما إن رأت من الطارق قالت بتلهف وحب وتعالى وجهها ابتسامة واسعة مرددة وهي تفتح ذراعيها لملك تستقبلها في أحضانها: = ملك حبيبتي إيه المفاجأة الحلوة دي! وحشاني أوي يا ملك يا حبيبتي. ارتمت ملك في أحضان خالتها مغلقة عينيها بتعب محاولة إرجاع بعض الدفء والأمان من حضنها تستمتع بحضن خالتها، شاعرة ببعض الراحة. ابتعدت ملك عن حضن خالتها محاولة الحديث لها: = حبيت أعملك مفاجأة. الحاجة فاطمة:
= أحلى مفاجأة يا بنتي، دا أنا هموت عليكي وأشوفك وترجعي تقعدي معايا زي زمان. ملك وهي تتحرك داخل الشقة: = وأنا جاية أقعد معاكي أهو. ثم هتفت للحارس للدخول، فخطا داخل الشقة واضعًا الحقائب، متحركًا بعد ذلك إلى الأسفل. عقدت الحاجة فاطمة حاجبيها قائلة بقلق: = إيه يا ملك الشنط دي؟ هو في حاجة حصلت بينك وبين مراد؟ أنتِوا متخانقين؟ اختلقت ملك ابتسامة كاذبة لطمأنة خالتها:
= لا مفيش حاجة بس مراد عنده سفرية شغل بره مصر وأنا مش هقدر أروح معاه فقلت أحسن أقعد معاكي لحد ما يجي. تفهمت خالتها عليها ولكن انتابها القلق والشكوك فحاولت مسايرة الأمور: = ماشي يا ملوكة، ربنا يبعد عنكم المشاكل والخناقات. ملك بمرح: = ها يا خالتي عاملة أكل إيه انهارده؟ دا أنا هموت من الجوع. خالتها بابتسامة: = أعملك الحلو كله يا ملك، دا أنا انهارده هعملك أكلة تاكلي صوابعك وراها. ابتسمت ملك قائلة: = وآدي صوابعي أهيه...
أنا هدخل آخد شاور وألبس ونقعد في المطبخ زي زمان نحكي ونتكلم مع بعض. الحاجة فاطمة: = ماشي يا حبيبتي وأنا هروح أكمل بقية الأكل وبالليل نبقى نكلم سارة تيجي تقعد معانا. ملك موافقة: = خلاص ماشي أنا هكلمها وأهو بالمرة عايزة أقولها إننا نروح الجامعة مع بعض لأني بقالي كتير أوي مرحتش. أومأت لها الحاجة فاطمة ثم تحركت إلى داخل المطبخ تكمل تحضير الطعام، وخطت ملك إلى داخل غرفتها ساحبة الحقائب خلفها مختفية داخل غرفتها.
رفض مراد بأن يذهب إلى فيلته، مقررًا الذهاب إلى شركته لمتابعة أعماله، محاولًا تشتيت أفكاره وإشغال رأسه بالأعمال، فهو غير مستوعب إلى الآن كل ما فعله بملك وكيف ظلمها وانتقم منها بهذه الطريقة، لم يشعر بهول ما فعله إلا عندما وجدها منهارة أمامه ضائعة بهذا الشكل، واعترافها له بما عانته من أمها وكيف ظلمتها أمها، فيصبح اعترافها هذا كصفعة مدوية له تخبره بأن يكف عن ظلمها والافتراء عليها، فهي لا تستحق هذا كله منه، عليه الآن
تعويض ملاكه الصغيرة وجعلها سعيدة حتى لو كان ذلك البعد عنه لفترة، ولكنه لم يتركها مهما حدث يريدها تشعر بالراحة وتريح نفسيتها ولم يكن ذلك سوى بوجودها مع خالتها. قام الحارس بفتح باب السيارة لرب عمله فترجل مراد من السيارة باديًا على وجهه علامات الإرهاق، فخطا بخطوات واثقة إلى الداخل مرتديًا نظارته السوداء غير مهتم بكل تلك الأعين التي تتابعه بانبهار وإعجاب شديدين أو تلك الهمسات الآتية منهم.
وصل مراد إلى الطابق الذي يوجد به مكتبه، خاطفًا نظرة إلى السكرتيرة التي هبت واقفة تدلي احترامها وسلامها له بتوتر. هتف مراد بها متجاهلًا توترها: = بعد 10 دقايق من دلوقتي وتكوني في مكتبي. هزت السكرتيرة رأسها له عدة مرات قائلة: = حاضر يا مراد بيه. انسحب مراد بعد ذلك إلى مكتبه غالِقًا الباب خلفه. على الجانب الآخر، كان يجلس الرجال الثلاثة مرتدين بدلًا سوداء اللون. هتف الرجل الأول قائلًا بضجر:
= إحنا بقالنا أكتر من أسبوع هنا ومفيش أي نتيجة ولا قابلنا مراد ولا حتى شوفناه. هتف الرجل الثاني معقبًا: = ما أنت عارف إن جينا واتفاجئنا من السكرتيرة بتاعته إنه مسافر، واللي أكد لينا الخبر إنه فعلًا كان مسافر وصوره كانت في الصحف والمجلات. أعقب ثالثهم وهو المحامي قائلًا: = إحنا هنقابل مراد انهارده. هتف الأول بسخرية قائلًا: = ودا إزاي بقى وهو مسافر! أعقب المحامي ردًا عليه:
= هو ميعاده يوصل انهارده لأن شغله انتهى في شرم وإحنا دلوقتي هنتحرك ونروح ليه الشركة ونتكلم معاه وننهي الموضوع دا. الرجل الأول بنفاذ صبر: = وحتى لو مقتنعش بكلامنا أو حتى رفض يقابلنا فأنا هسافر لأني مش مستعد أقعد هنا كتير. الرجل الثاني: = أنت بتعقدها ليه؟ أكيد هو زي مراد دا اللي يعرف إن الموضوع خاص بوالده أكيد هيوافق يقابلنا، إحنا مش هنكسب حاجة لما نقوله إحنا هنقول وصية أبوه ونتكلم عن ورثه يعني هو المستفيد مش إحنا.
المحامي مؤيدًا رأيه: = وأنا رأيي من رأيك برضه هو المستفيد من إحنا وأحسن فرصة لينا إن نروح ليه شركته انهارده. أومأ له كلا الرجلين منتوين الذهاب إلى مراد اليوم. في منزل ملك، كانت ملك قد انتهت من أخذ الشاور مرتدية بيجامتها البيضاء، تاركة شعرها على ظهرها، خارجة من غرفتها متجهة ناحية المطبخ الذي توجد بداخله خالتها ممسكة بهاتفها. كانت الحاجة فاطمة قد انتهت من تحضير أغلب الطعام، وجدت ملك تلج إليها المطبخ قائلة باستمتاع:
= يا سلام يا سلام على الروايح الحلوة وريحة الأكل اللي يجنن. ضحكت الحاجة فاطمة عليها مرددة: = ولسه لما تدوقي طعمه يا ملوكة هيعجبك أكتر. ملك بتأكيد: = طبعًا هيعجبني طالما من إيديكي الحلوة دي. ضحكت الحاجة فاطمة على كلام ملك هاتفًا: = اتصلي بسارة شوفيها فين البت دي عشان عايزاها في موضوع مهم أوي. عقدت ملك حاجبيها قائلة باستفسار: = موضوع إيه دا يا خالتي؟ الحاجة فاطمة مجيبة: = اتصلي بيها بس ولما تيجي هقولكم عليه. ملك بقلق:
= قلقتيني يا خالتي. الحاجة فاطمة وهي تمسح بيدها بالمنشفة الصغيرة: = مش عايزاكي تقلقي يا حبيبة خالتك، دا موضوع حلو أوي هنتكلم فيه لما تيجي سارة. اتصلي أنتِ بس. أومأت لها ملك وقامت بالضغط على هاتفها عدة مرات مهاتفة صديقتها سارة. بعد فترة أجابت عليها صديقتها قائلة بتلهف: = ملك مرة واحدة بتتصل بيا؟ العروسة اللي عريس أخدها مين ومش عارفة أعطر فيها. ملك مبتسمة على حديث صديقتها: = إزيك يا سارة عاملة إيه وحشاني. سارة بحب:
= الحمد لله يا ملك أنتِ عاملة إيه وحشاني أكتر. ملك برقة: = وأنتِ كمان، عندي ليكي مفاجأة، أنا جيت عند خالتي وقاعدة معاها. سارة بغير تصديق: = بجد يا ملك جيتي إمتى؟ ملك مجيبة: = لسه واصلة من شوية، بصي يا ستي المهم عايزكي تيجي انهارده نقعد مع بعض عشان وحشاني وتجيبيلي معاكي المحاضرات عشان هبدأ أروح معاكي الكلية اللي سايباها دي، وعشان خالتي عايزكي في موضوع مهم ومش راضية تقولي عليه. سارة محاولة استيعاب حديث صديقتها:
= إيه دا كله أنا مش عارفة أبدأ أسألك إيه ولا إيه؟ ثم قالت بتوتر مرددة: = أقفلي يا ملك عقبال ما أجيلكم وأعرف موضوع خالتي فاطمة دا وأعرف إيه حكايتك أنتِ كمان. ضحكت ملك عليها بشدة قائلة بمزح: = عارفة إني فضولك هيقتلك عشان كده قلتلك كله وراء بعضه عشان مدكيش فرصة للتفكير، يلا يا سوسو مستنياكي. سارة بوعد لملك: = ماشي يا ست ملك أنا هوريكي لما أجي سلام. ضحكت ملك على صديقتها المجنونة محدثة خالتها:
= المجنونة دي مش هتتغير أبدًا. الحاجة فاطمة وهي تضع أطباق الطعام على طاولة المطبخ بعد انتهائها من تحضيره: = أنتِ هتقوليلي عليها. محدثة نفسها سرًا: = أنا معرفش معتز عجبه إيه في المجنونة دي. هاتفة لملك بعد ذلك: = يلا يا ملك ناكل أنا حضرت الأكل. أومأت لها موافقة متحركة ناحية طاولة الطعام جالسة عليها يتناولون الطعام هي وخالتها. بداخل الشركة،
كان يجلس مراد خلف مقعده الوثير بداخل المكتب يراجع بعض الأوراق، سامحًا للسكرتيرة بالدلوف إلى المكتب. دلفت السكرتيرة إلى المكتب مسلمة لمراد بعض الملفات قائلة له: = مراد بيه الملفات دي محتاجة توقيع حضرتك عليها. وفي ناس سألت على حضرتك وكانوا طالبين يقابلوا حضرتك. انتبه مراد إلى كلماتها بعد أن كان يمسك بالأوراق التي أمامه عاقدًا حاجبيه. = ناس.. ناس مين دول؟ السكرتيرة بنفي:
= معرفش بس هما تلت رجالة ولما طلبوا مني قولت لهم إن حضرتك مسافر، وهما قالوا هيجوا بعد كده. مراد مصمتًا إلى حديثها وأردف: = خلاص تقدري تتفضلي. السكرتيرة بتساؤل: = طب لو جم تاني أدخلهم ولا لأ؟ مراد مرددًا: = لما يجوا تاني خبريني ودخليهم. السكرتيرة باحترام: = تمام يا مراد بيه. وتحركت بعد ذلك إلى خارج المكتب مغلقة الباب خلفها. لم يعطِ مراد للأمر أهمية، وأرجع نفسه يتابع الأعمال… في منتصف اليوم،
كانت قد انتهت ملك وخالتها من تناول طعامهم، وأخذوا يتابعون أحد الأفلام على التلفاز، هتفت الحاجة فاطمة سائلة ملك: = مبسوطة مع مراد يا ملك؟ انتبهت ملك إلى خالتها متلعثمة في الرد عليها، فهي قد انتوت بعدم الإفصاح عن أي شيء حدث بينها وبين مراد، متخذة في عقلها أنها حياتها معه يجب ألا يعرف عنها أحد أو يعرف شيئًا عن مشاكلها، لذلك ردت عليها قائلة: = أه يا خالتي. انشرحت ملامح خالتها مردفة: = ربنا يسعدكم يا بنتي، بس هو سافر فين؟
تلعثمت ملك وأصبحت متوترة لا تجد إجابة للرد عليها، ولكن أنقذها صوت الطرقات الآتية من الباب فنهضت قائلة بتلعثم: = دي أكيد سارة، هروح أفتح لها. أومأت لها خالتها وأكملت متابعة الفيلم. فتحت ملك الباب إلى صديقتها، اللتان ما إن رأتا بعضهما ارتمتا في أحضان بعض بحب وألفة بينهم. توجهوا بعد ذلك إلى الصالة التي تجلس فيها خالتها. رحبت الحاجة فاطمة بسارة قائلة: = تعالي يا سارة نورتي. سارة محتضنة إياها تقبلها: = حبيبتي يا خالتي.
ثم جلست بجوارهم تعطي لملك: = خدي يا ملك دي المحاضرات كلها وبعتلك الريكورد بتاعهم، عشان تفهمي منهم أكتر. ملك وهي تتناولهم منها قائلة بحب: = شكرًا يا سارة تعبتك معايا. سارة بحب: = ولا تعب ولا حاجة، وإيه يا سبب إنك هتيجي معايا كل يوم المحاضرات دي؟ ملك بنبرة حاولت جعلها صادقة: = ولا حاجة يا ستي، مراد مسافر لفترة بره مصر لشغل وأنا مينفعش أسافر معاه. حملقت سارة بها مرددة بذهول: = وأنتِ مش هينفع تسافري معاه ليه؟ أنتِ حامل؟
ملك موبخة إياها مصدومة من حديثها: = حامل إيه يا مجنونة أنتِ؟ هو رايح في شغل وأنا مش هيبقى ليا لازمة. ضحكت سارة على نفسها مستوعبة ما تفوهت به: = آه فهمت، بس بلاش ضرب. ملك بنزق: = ما أنتِ اللي مخك تخين. ضحكت الحاجة فاطمة عليهم وأعطتهم إحدى الفطائر يتناولوها قائلة لسارة: = ركزي معايا عشان عايزكي في موضوع مهم. انتقلت سارة وصبت تركيزها لخالتها قائلة لها: = اتفضلي يا خالتي أنا معاكي خير إن شاء الله. الحاجة فاطمة بهدوء:
= هيبقى خير إن شاء الله، أنا كنت عايزكي أبلغك إن جايلك عريس. استغربت سارة وكذلك ملك التي أردفت معقبة: = عريس مين نعرفه؟ بينما سارة ردت قائلة: = عريس إيه أنا مش بفكر في الجواز دلوقت. ابتسمت الحاجة فاطمة بخبث معقبة: = مش لما تعرفي هو مين الأول؟ = مين!! قالتها الفتاتان بنفس واحد، تشدقت الحاجة فاطمة وأردفت مكملة: = الباشمهندس معتز صاحب مراد جوز ملك. سارة بصدمة: = إيه الكلام ده بجد؟! الحاجة فاطمة بجدية:
= أيوه بجد، أنا ههزر؟ هو اتصل بيا كلمني وقالي إنه عايز يتجوزك ويقدم خطوة في حياته، ولو عرف موافقتك هيروح لأهلك ويتقدملك رسمي. تخصبت وجنتا سارة وأصبحت مصدومة وعينها تشع بالسعادة قائلة بتلعثم: = بس! الحاجة فاطمة بنبرة قاطعة: = ولا بس ومبسش! الرد باين في عنيكي بس لازم أسمعها منك الأول عشان أقدر أرد على الراجل اللي طلب مني كلمة. ملك وهي تحتضن سارة قائلة بفرحة: = هشوفك عروسة قريب ولا إيه؟ سارة بتلعثم:
= مش عارفة يا ملك بس! ثم هتفت ضاحكة: = شكلها كده. ملك بطمأنينة: = مش عايزكي تقلقي، معتز شاب ممتاز ومحترم وأنتِ تستحقي واحد زيه يا سارة. أمسكت سارة بيد ملك المحتضنة لها وأصبح وجهها متورداً قائلة في نفسها: = إنها تمنت هذا كثيرًا بينها وبين نفسها، وكانت في كل يوم تتخيل وجودها معه وأصبح يشغل تفكيرها، ولكنها حاولت تناسيه وأن لا تعيش في أوهام كتلك لن تصير، ولكنه أصبح حقيقي الآن فتريد أن تصرخ بعلو صوتها تردد موافقة.
الحاجة فاطمة قاطعة استرسال أفكارها قائلة: = هاا قولتي إيه؟ ولا أسيبك يومين تفكري؟ بس من عنيكي دي بتقول حاجة تانية. ملك مؤنبة خالتها بلطف: = متكسفهاش بقى يا خالتي. الحاجة فاطمة بخداع: = خلاص أنا هتصل بيه أقوله إنها مش موافقة. هتفت سارة بصراخ نافية: = لا موافقة.. موافقة. ضحكت الحاجة فاطمة قائلة: = أيوه كده... ثم أخذ ثلاثيتهم يضحكون بشدة.
توالت الأيام التالية بين سعادة وفرح، وكانت ذلك من نصيب سارة ومعتز الذي سعد كثيرًا وأصبح يطير من الفرحة حينما علم بموافقة سارة له، وقد حدد ميعادًا للذهاب إلى أهلها ليكملوا الموضوع بشكل رسمي، قائلًا لصديق عمره وصاحبه المفضل الذي يشاركه كل شيء، مراد الذي فرح له بشدة متمنيًا له السعادة ووعده أنه سيكون معه في كل خطوة يخطوها، غير متناسي لحزنه في بعد ملك عنه، فقد اشتاق لها كثيرًا، استوحش رؤيتها ابتسامتها كلامها، شاعرًا أنه
أصبح وحيدًا من جديد بلا حياة، وأصبح لا يبيت في قصره قاطعًا على نفسه بأن لا يدخله إلا بوجودها معه فيه، غير متخيلًا وجوده فيه بدونها، ففضل إقامته في إحدى فنادقه القريبة من الفرع الرئيسي للشركة أو المبيت في شركته، وقد أهلك نفسه في الأعمال محاولًا تناسي ما جرى بينه وبين تلك الرجال الذين قابلوه وأخبروه عن كل الحقائق والأسرار التي جعلته يبغض نفسه أكثر وأكثر، وجعلت شعوره بالذنب تجاه ملك يزداد أكثر من ذي قبل، والتي رفضت أن
تراه وأخبرته برسالة تليفونية حجتها الواهية بسفره إلى الخارج، تخبره أنها لم تخبر خالتها أو صديقتها بما حدث بينهم، تخبره أيضًا بذهابها مرة أخرى إلى جامعتها تكمل دراستها التي تناستها كثيرًا.
لم تختلف حالة ملك كثيرًا عن حالة مراد، فقد كانت تحاول إظهار أنها بخير أمام خالتها وصديقتها التي أصبحت ترمقها بنظرات متسائلة، وفي الليل تجلس في غرفتها باكية حزينة على نفسها وإلى الحالة التي وصلت لها، فهي تشتاقه فقد استوحشها كثيرًا، تريد حضنه الدافئ الذي يعد بيتها على الرغم من كل ما فعله بها، فهي تريده، تريد قربه، تريد أن تحيا حياة سعيدة معه، لا أن تظل تتابعه على صفحات المجلات والمواقع، فقد كانت تشعر بالسعادة والفخر حينما ترى إنجازاته ونجاحاته التي يحققها، ولكنها من أرادت ذلك، شاعرة بأنها سوف ترتاح بالبعد عنه، ولكنها كانت تنكوي من بعدها عنه، وكان ليس عقابًا له وحده بل كان عقابًا لها هي أيضًا.
بعد مرور شهر من كل تلك الأحداث، كانت تقف ملك مع صديقتها سارة في الجامعة وقد ظهر على وجهها الإعياء وأصبحت ملامحها باهتة شاحبة حزينة. أمسكتها سارة بقوة من ذراعها ناظرة إلى ملامحها الشاحبة: = مالك يا ملك شكلك تعبانة مش كويسة خالص ومصرة منروحش الدكتور. ملك متحركة ببطء متجهة إلى بوابة الجامعة مستندة على ذراع سارة: = مفيش لزوم لدكتور يا سارة، دول شوية برد في معدتي وهروح أخد دواء ليه مش حكاية يعني.
أمسكتها سارة ممتعضة الوجه، فصديقتها عنيدة ولم تصغِ لها أو لحديثها. وما إن تحركت الفتاتان إلى الخارج ووصلتا إلى بوابة الجامعة، وشعرت ملك بالإعياء يزداد عليها وأصبحت الرؤية لها ضبابية، شاعرة بدوخة قوية تنتابها فخف جسدها وأصبحت قدماها هائمتين منسحبة إلى دنيا أخرى.
صرخت سارة بعلو صوتها حينما وجدت صديقتها فاقدة للوعي، وقبل أن تسقط بها إلى الأرض، كانت يد قوية حائل لملك حاملًا إياها قبل أن تسقط على الأرضية، حاملًا إياها بين ذراعيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!