تحميل رواية «اسيرة انتقامه» PDF
بقلم خلود محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الشخصيات ملك عبد الحميد، بطلة روايتنا: صاحبة ال 20 عامًا، متوسطة الطول، ذو جسد متناسق وعيون بلون السماء الصافية وشعر كستنائي طويل. محجبة، تتميز بالطيبه والبراءة، في السنة الثالثة لها في كلية الصيدلة، وتحب خالتها فاطمة كثيرًا وتعتبرها أمها، وذلك بعد ترك والدتها لها. سارة: وهي صديقة ملك المقربة وتعتبرها أختها، وقد تعارفا عندما دخلا الجامعة سويًا. تتميز سارة بعيونها البنية وشعرها البني القصير تزينه بحجابها وبشرتها الحنطية، كما تتميز أيضًا بضآلة حجمها وجسدها الرفيع. مجنونة ومشاغبة، وأهم ما يميزها خف...
رواية اسيرة انتقامه الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم خلود محمد
بعد مرور عدة أيام من وجود مراد وملك في شرم، ومراد لم يترك ملك فيهما، بل كان أغلب أوقاتهم يقضونها معًا، سواء خروجات أو سهرات. وعند عودتهم إلى الفيلا، يبدأ مراد سهرة من نوع آخر يبث فيها ملك شوقه ومدى حبه لها، جاعلًا إياها تحلق في السماء، شاعرة بالسعادة والفرح والأمان بجانبه.
توالت الأيام وارتباطهم ببعض يقوى وعلاقتهما تشتد، يقضون لحظاتهم الرومانسية بسعادة. أما في أوقات عمل مراد فيضطر تاركًا إياها إلى أن ينتهي من أعماله التي أتى من أجلها، غافلين عن تلك التي كانت تراقبهم وتتابع حركاتهم وأوقاتهم مع بعض بكره وبغض شديدين لهم، وكره لملك أصبح مضاعفًا لها.
وفي آخر يوم لهما في شرم، حيث أحب مراد أن يصطحب معتز وملك إلى أحد المطاعم الشهيرة المطلة على البحر ليقضوا فيه آخر أوقاتهم في شرم، ليستعدوا غدًا للرحيل بعد أن تمت الصفقة التي بينهم وبين الوفد الإسباني بنجاح.
جلست ملك على المقعد المطل على البحر مباشرة، تنظر له بحب واستمتاع، فالبحر في المساء يصبح هادئًا وممتعًا. تابعها مراد وإلى شرودها وتأمله للبحر.
سحب معتز الـ "menu" من على الطاولة بعد أن وجدهم في عالم آخر قائلًا بمرح:
"إحنا مش هناكل ولا إيه؟ ولا جايين تتأملوا البحر بس؟"
رد مراد عليه بسخط قائلًا:
"همك على بطنك أنت مش حاجة تانية."
قال معتز ساخرًا:
"يا عم البحر ده عايز العشاق والحبيبة يتأملوا، أما أنا سنجل بائس هسرح في إيه يعني؟"
نظر مراد لملك:
"ربنا يوعدك وتبقى من العشاق قريبًا، ما تقلقش."
قال معتز بأمل رافعًا يده:
"يا رب، ادعيلي أنت بس."
قال مراد بمزح وسخرية:
"أنا مش بدعيلك، أنا بدعي إن أخلص منك وتتجوز بنت المحظوظة اللي أمها داعية عليها."
قال معتز بنزق:
"اتريق يا مراد اتريق، ما هو عشان خلاص وقعت ومحدش سمى عليك بتعمل معايا كده، بس ليك حق ملك برضه غير، والعة معاك أنت."
انتبهت ملك إلى اسمها الذي يهتف به معتز، فأدارت رأسها باتجاههم قائلة بتساؤل:
"عايز حاجة يا معتز؟"
وضع مراد يده على يد ملك:
"ما تشغليش بالك بيه يا شملق، ده واحد داخل فينا حسد، يا ريتنا ما قولنا ناخده معانا."
ضحكت ملك بهدوء عليه قائلة بأسف:
"ليه بس يا مراد، هو معتز عمل إيه؟"
رد مراد:
"بيحسدنا يا حبيبتي."
نفى معتز بإصبعه:
"لا والله أبدًا ما حصل يا ملك، ده جوزك بيخم."
ابتسمت ملك وكذلك مراد الذي هتف به بحنق:
"أنت مش قولت جعان وعايز تاكل؟ اتفضل اختار بدل ما أنت عمال تتكلم."
أومأ له معتز بابتسامة وجذب الـ "menu" وكذلك مراد وملك الذي أشار لملك بأن تختار ما تريده من طعام. أخذ بعض الوقت في اختيارهم الطعام الذي سوف يتناولونه، إلى أن انتهوا وأشار معتز للنادل الذي أتى في غضون دقيقة يدون طلباتهم في النوت ثم يتحرك مستأذنًا لهم لكي يأتي لهم بما أرادوا.
تأمل معتز المكان من حوله:
"المكان رائع جدًا، الواحد هيفتقد الأيام دي والله وخصوصًا إن الشغل مش بيرحم."
قال مراد بهدوء:
"مش هتكون آخر مرة، كل فترة نسحب نفسنا ونقضي كام يوم حلوين هنا، وملك كمان حبت شرم قوي، مش صح يا ملك؟"
قالت ملك بتأكيد:
"آه جميلة قوي فعلًا، أنا أول مرة أروح محافظة جديدة بس ما كنتش أتوقع إنها بالجمال ده."
وضع مراد يده حول كتفي ملك:
"ومش هتكون آخر مرة يا حبيبتي."
ابتسمت ملك له بسعادة بادية على وجهها، تابع معتز نظراتهم لبعض داعيًا لهم بصلاح الحال ودوام السعادة بينهم.
بالخارج، ترجلت شيري من السيارة الخاصة بها وعلى وجهها ابتسامة شيطانية، فقد عقدت العزم على إنهاء كل شيء اليوم، فهي قد تحملت الكثير ولا تستطيع أن تتكوى أكثر من ذلك بتلك النار التي تتصاعد داخل صدرها وهما ينعمان بحياتهما مع بعض ويقضيان أوقاتهما في سعادة وفرح، أما هي فتشعر بالحسرة والكره والبغض لملك التي فازت بكل شيء دون أدنى مجهود منها، وهي خسرت كل شيء بعد كل ذلك التخطيط والمجهود التي بذلته.
خطت شيري إلى الداخل بخطوات امرأة ذات غرور وكبرياء تجعل كل من يلمحها يشعر بغرورها وكبريائها بخطواتها الرشيقة الواثقة.
بالداخل، شرع مراد وملك ومعتز في تناول طعامهم في جو هادئ لطيف، لا يوجد ما يعكر صفو تلك الأمسية الرائعة غير صوت وقع خطوات رشيقة تدب في الأرض تصدر أصوات جعلت كل من في المطعم ينتبه لها وينظرون باتجاهها.
انتبه مراد إلى تلك الأصوات والهمهمات والهمسات الصادرة من الطاولات المجاورة. رفع مراد ومعتز نظرهما إلى الصوت الآتي، وما إن لبثوا وحل على وجوههم الصدمة والذهول ما إن علموا هويتها، فشيري آخر شخص توقعوا أن يأتي إليهم، بينما مراد تصاعد الغضب في عينيه حينما تذكر تحذير معتز له بشأنها خوفًا من ملك عليها، ولكن وجدها تبتسم لهم بذهول متحركة ناحيتهم.
رأتها ملك واعتلت ملامحها النفور والدهشة ودار في رأسها كيف لها أن تأتي إلى هذا المكان وكيف علمت بوجودهم فيه ومتى أتت إلى شرم من الأساس.
قطع تساؤلاتهم صوت شيري متصنعة الرقة وهي تمد يدها إلى مراد ومعتز ترحب بهم:
مدت شيري يدها إلى مراد قائلة محاولة احتضانه:
"إزيك يا مراد عامل إيه؟ مفاجأة مش كده؟"
بعد مراد نفسه عنه رفضًا لاحتضانها واكتفى بمد يده لها.
تابعت شيري بعد أن شعرت بنفور مراد ناحيتها وتوجهت ناحية معتز تصافح يده. مد معتز لها يده مرحبًا بها بتوتر:
"إزيك يا شيري؟"
جلست شيري على المقعد المجاور لمعتز، رامقة ملك بنظرة كره وضيق، متناسية إياها متعمدة عدم مصافحتها أو توجيه أي تحية لها. قرأت ملك أفكار شيري ناحيتها ولكنها قررت تجاهلها متابعة تناول طعامها بهدوء.
أردف مراد سائلًا شيري بضيق بادٍ بعد أن تغاضت عن مصافحة زوجته ومحاولة التقليل من شأنها:
"أنت جيتي ليه يا شيري؟"
قالت شيري مصطنعة الحزن وقد أدهشها سؤال مراد القاسي:
"كده يا مراد بدل ما تقول حمد لله على السلامة، تقولي إيه اللي جابك؟"
حاول معتز تلطيف الجو بعد أن وجد نظرات الغضب على وجه صديقه:
"مراد مش قصده يا شيري، بس هو يعني... يقصد إن إحنا مسافرين بكرة، وكده وما كانش ليه لازم تيجي وخصوصًا إن إحنا خلصنا شغلنا."
قالت شيري بكذب:
"أنا جاية عشان أستجم شوية وعارفة إنكم ماشيين بكرة بس قولت أجي أقضي معاكم يوم قبل ما تسافروا."
أومأ لها معتز وعقب قائلًا:
"تحبي تاكلي إيه؟ الـ menu قدامك تقدري تختاري اللي عايزاه."
أومأت شيري موافقة وأخذت تختار ما تريده بهدوء بعد أن جعلت الجو مشحونًا ونظرات الترقب على وجوههم.
بعد فترة، شيري معتدلة في جلستها هاتفة لملك بابتسامة خبيثة:
"عاملة إيه يا ملك؟ بقيتي أحسن؟"
لم تجب عليها ملك أو تعطِ لها أي اعتبار بل رمقتها بنظرة ضيق وعدم ترحيب بوجودها. أغضبت ملك شيري بتجاهلها لها وأرادت أن تنهض تسحبها من جوار مراد تلقيها بالخارج، ولكنها ألزمت نفسها بالهدوء لكي تحقق مبتغاها.
أثناء جلوسهم، وجد مراد من يضع يده على كتفه مربتًا عليه هاتفة باسمه. التف مراد إلى ذلك الصوت ليس الغريب عليه، وجده صديقه منذ أيام الجامعة، فنهض مراد من على مقعده مرحبًا به، احتضنه صديقه هشام قائلًا باستيحاش:
"مراد وحشتني قوي والله، لما عرفت إنك موجود هنا قولت لازم أشوفك وأسلم عليك."
احتضنه مراد إياها هو الآخر:
"وأنت كمان وحشتني يا هشام، عاش من شافك يا عم، مختفي يعني."
قال هشام بابتسامة:
"ولا مختفي ولا حاجة، أنت اللي بقيت مهم ومحدش قادر يتلم عليك."
ابتعد هشام عن مراد مرحبًا بمعتز هو الآخر، ناظرًا إلى الفتاتين على الطاولة موجهًا حديثه لمراد:
"مش هتعرفنا يا مراد؟"
أومأ مراد برأسه له قائلًا وهو يشير بيده ناحية ملك:
"دي ملك مراتي."
وأشار إلى شيري:
"ودي شيري بتشتغل معايا."
أومأ له هشام مبتسمًا لهم بترحيب:
"تشرفت بمعرفتكم."
ابتسمت شيري له وكذلك ملك. هتف هشام لصديقه مراد:
"بما إني حصلي الشرف وشوفتك النهار ده فأنا محظوظ ومستحيل أفوت الفرصة دي في طلب صغير."
قال مراد بتعجب:
"أمر يا عم وطلبك يتم."
قال هشام بتلهف:
"بص يا سيدي أنا في دماغي مشروع وعايز أتممه بس فاضل حبة تفاصيل صغيرة والنهايات وتكون كل حاجة بيرفكت، فعشان كده عايز أسألك عليهم وخصوصًا إنك مهندس شاطر وتقدر تفيدني."
أومأ له مراد بابتسامة واسعة مرحبًا بفكرته:
"وأنا معاك واللي تعوزه، بس فين الورق؟"
أشار هشام له:
"بص يا سيدي أنا المنتجع بتاعي جنب الفندق بتاعك على طول، وأهو بالمرة تشوف ابني الصغير."
قال مراد باندهاش:
"أنت اتجوزت إمتى يا ابني؟ ده أنت كنت كاره الجواز."
ضحك هشام بصوت مسموع:
"وقعت يا مراد على بوزي أول ما شوفت مراتي، ومن يوم ما شوفتها وأنا قولت لازم أتجوزها وحصل، وأديني مخلف ولد والتاني جاي في السكة."
قال مراد بحب:
"ربنا يسعدك يا هشام، أنت طيب وتستحق كل خير."
أمسك هشام بيده:
"حبيبي يا مراد، تعالَ بقى أما أوريك المشروع اللي رسمه."
أومأ له مراد موافقًا ونظر إلى معتز وملك:
"مش هتأخر أنا."
أومأ له معتز بينما نظرت نظرة متوجسة خائفة. اقترب مراد منها هامسًا في أذنها:
"ما تقلقيش يا حبيبتي، دقايق وأكون عندك."
حركت رأسها موافقة، تابعها هو وانطلق مع صديقه هشام بخطوات واثقة. تابعته ملك ومعتز إلى أن اختفى من أمامهم، أرجعت ملك نظرها إلى حيث البحر.
ابتسمت شيري ابتسامة خبيثة وفي بالها جرت كما يجب أن تكون، فقط معتز هو العقبة الوحيدة بالنسبة لها، فطرت في بالها فكرة خبيثة، فمدت يدها تمسك كوب العصير، وفي طريقها إليه صدمت بالزخرفة التي أمامها فانسكب بعض منه على معتز الجالس بجوارها، شهق معتز مضطربًا مما سكب عليه، بينما شيري جذبت بعض المناشف التي أمامها تقدمها له تجفف ما سكب عليه.
ترددت اعتذاراتها الواهية له.
اندهشت ملك مما حدث، وقدمت بعض المناشف له هي الأخرى.
تأفف معتز لما حدث، فهب واقفًا قائلًا:
"أنا هروح الحمام أنظف الكارثة دي."
قالت شيري بأسف مصطنع:
"سوري يا معتز، مرة تانية صدقني ما قصدش."
أومأ لها معتز، وتحرك ناحية المرحاض متأففًا بضيق، تاركًا شيري وملك بمفردهما.
تابعت شيري اختفاء معتز من أمامها، وأدارت رأسها ناحية ملك الجالسة بتوتر، ونظرت لها بخبث قائلة:
"ما كنتيش تحلمي طبعًا إنك تبقي موجودة في مكان زي دا، أو تتجوزي مراد وتعيشي في هنا وسعادة معاه."
أرجعت رأسها مكملة بخبث:
"بس برافو، مراد لعب معاكي اللعبة صح، وإنتي يا حرام صدقتي، وصعبانة عليا كمان."
لم تتفهم ملك عليها أو ماذا ترمي بكلامها، فعقدت حاجبيها متسائلة.
ضحكت شيري عليها بشدة تشعر والي نظراتها، فأعقبت حديثها قائلة:
"طب سيبك من دي ونخش على الأهم، إنتي تعرفي مراد اتجوزك ليه، أو عرف طريقة واحدة زيك إزاي؟"
زاد انعقاد حاجبي ملك جاهلة ما تقصده، وأصبحت حالتها متوترة.
أردفت شيري مكملة بهدوء:
"باين يا حرام إنك متعرفيش حاجة، بس أنا هقولك كل حاجة."
ثم نظرت لها نظرة ماكرة معقبة:
"أصل إنتي صعبتي عليا، وهأرف بيكي وأقولك."
"مراد عمره ما حبك ولا هيحبك، إنتي تعرفي إنه بيدور عليكي من زمان عشان ينتقم منك ومن أمك اللي كانت السبب في موت أمه؟ بعد ما أمك خطفت الراجل، اتجوزت أبوه، وخلت علاقته مع أم مراد زي الزفت. ساعتها مراد كره أمك كره محدش كره لحد، بس أما جه ينتقم منها كانت ماتت والموت رحمها منه. بس برضه حب ينتقم من أي حد له علاقة بأمك لحد ما عرف بوجودك وقرر إنه ينتقم منك، وفعلاً عمل خطة وقعتي فيها إنتي وخالتك وصدقتوه ووافقتي عليه. وبعد ما اتجوزك عارفة طبعًا كانت معاملته ليكي إزاي؟ كان عايز ينتقم منك ويعمل فيكي كل اللي أمك عملته في مامته زمان، بس ما كانش يعرف إنك مش هتستحملي وهتلجئي للانتحار. فحب يغير اللعبة، وأديكي عايشة دور الحب والعشق اللي معيشهولك، وأديكي عارفة بيعمل معاكي كده ليه؟ عشان ياخد مزاجه منك ويرضي نفسه وفي نفس الوقت يكون بينتقم منك بالبطء."
رمت شيري لملك تلك الكلمات صفعة واحدة، مريحة صدرها شاعرًا بتحقيق مبتغاه بعد أن رأت تلك نظرات الانكسار والتحطيم على وجه ملك.
أما عن ملك، فقد شحب وجهها شحوب الموتى، جسدها بارد كقطعة الثلج، جف حلقها، لم تقدر على استيعاب حديث شيري. ما علاقة والدتها بمراد؟ أمها التي تركتها وهي في الخامسة من عمرها وانسحبت من حياتهم، تدفع الآن هي ثمن أفعالها لمجرد أنها ابنتها؟ أما عن مراد، فالآن وجدت إجابات لكل التساؤلات التي كانت تدور بخلدها، وأيقنت أنها نكرة ليس لها قيمة أو ذات أهمية لدى أحد. الكل ينتقم منها، الكل يجرحها، يهينها، يكسرها، يسحقها تحت رجله دون أن تفعل لهم شيئًا. هل تستحق كل ذلك الكره والبغض من حولها؟ لم تطلب الكثير في حياتها، بل أرادت حياة بسيطة دافئة تحيا بداخلها، هل ذلك كثير عليها؟ الآن شعرت بمدى ضآلتها وضعفها أمامهم. لم تستطع ولن تستطع أن تفعل لهم حتى بعد ما أساؤوا لها، ليس لديها السند أو الظهر الذي يحميها ويجلب لها حقها. وقعت في أيدي أشخاص لم تعرف الرحمة بابًا إلى طريقهم ولا الرأفة بأحد. لم تشعر ملك بالدموع التي تذرف من عينيها، ولا بتلك الشيطانة التي على وجهها ابتسامة متشفية بعد أن وجدت نتيجة كلامها يظهر على وجه ملك.
أرادت ملك أن تصرخ بصوت مرتفع، بأن تهرب من هذا المكان الذي يضيق صدرها، ولكنها غير قادرة على فعل واحد، فهي لم تعرف وجهتها أين تذهب وأين تتجه وهي في مدينة غير مدينتها.
أخذت الدموع الحارقة تجري على وجنتيها، تشعر بالمهانة والذل لنفسها.
لمحت وجود مراد ومعتز يأتيان من على بعد، فكفكفت دموعها متناسية ألمها لفترة، ناظرة أمامها بوجه خالٍ من الحياة، متوعدة التخلص من كل تلك المآسي التي تتعرض لها، حتى لو كان هو التخلص من حياتها، فقد زهدت الحياة ويكفيها كل ما حدث لها.
رواية اسيرة انتقامه الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم خلود محمد
اقترب مراد ومعتز من الطاولة التي يجلس عليها كلٌّ من ملك وشيري.
يسخر مراد ضاحكًا على معتز الذي أصبحت ملابسه متسخة، بالإضافة إلى الماء التي عليها بفعل ذلك العصير الملعون الذي سكبته عليه شيري.
تابعتهم شيري وهما قادمان على الطاولة، ثم أدارت رأسها رامقة تلك الجالسة بانكسار على الطاولة، تستمتع بملامحها التي كساها الحزن والتعب.
جلس مراد على الطاولة بجوار ملك، وكذلك معتز الذي جلس بالقرب من مراد مبتعدًا بمقعده عن شيري، فقد أصبح لا يطيقها ووصل غضبه ذروته معها بسبب أفعالها اللا آدمية.
حدث مراد ملك قائلًا بحب:
اتاخرت عليكي.
أغمضت ملك عينيها عند سماعها صوته بمرارة، محاولة حبس دموعها التي أوشكت على السقوط، تهز رأسها له بالنفي مكتفية بذلك الرد.
تعجب مراد من حالة ملك وازداد قلقه عليها حينما وجد ملامح وجهها شاحبة ويدها كالثلج، فحدثها بقلق وخوف ظهر في نبرته:
ملك، أنتِ تعبانة؟ فيكي حاجة وجعاكي؟ ملك ردي عليا.
فتحت ملك عينيها ناظرة له قائلة بنبرة متحشرجة:
عايزة أمشي من هنا.
مراد بلهفة وسرعة:
حاضر يا حبيبتي، زي ما تحبي، يلا بينا.
ثم نهض من مقعده ممسكًا بيدها الباردة، فهتف بها بعد أن شعر ببرودة يدها:
تحبي نروح لدكتور ولا حاجة؟
هزت ملك رأسها بالنفي مجيبة بتعب:
لا أنا كويسة.
أومأ لها مراد غير مطمئن على حالتها، فهو قد تركها بخير، ماذا حدث لها في غيابه؟ فلم يغب عنها كثيرًا. أراد تأجيل ذلك حاليًا إلى حين عودتهم إلى الفيلا.
تابعت شيري ما يفعله مراد مع ملك بتسلية واستمتاع شديد، ولكنها شعرت بالغيرة من تعامل مراد بكل هذه الرقة معها وخوفه عليها. بينما معتز نظر إلى شيري المبتسمة باستمتاع بتوجس خفي، رامقًا نظره بعد ذلك إلى ملك الشاحبة الحزينة ومراد القلق عليها. لم يشعر بالارتياح ناحيتها، وخصوصًا وجودها فجأة إلى شرم، فهو أكثر شخص متفهم لشيري وعالم بنواياها الخبيثة وأفعالها تلك.
تحرك مراد بملك إلى الخارج ممسكًا بيدها، تتحرك معه بخطوات متمهلة بعد أن أخبر معتز بخروجهم، والذي وافقه الرأي قائلًا بأنه سينهي الحساب ويلحق به مغادرًا هو الآخر.
بعد فترة ليست بالقليلة.
وصل مراد إلى فيلته، ترجل من السيارة قبل أن يفتح له الحارس باب السيارة، يقوم بفتح الباب الخاص بملك، يمسك بيدها يتوجه بها ناحية باب الفيلا الداخلي.
بعد دقائق.
كانت ملك ومراد بداخل جناحهم الخاص، أجلس مراد ملك على الأريكة محدثًا إياها بتساؤل:
مالك يا ملك؟ شايفك مش كويسة، في حاجة تعباكي أو حصل حاجة ضايقتك يا حبيبتي هناك؟
ملك بصوت منخفض وهي تنهض معه على الأريكة:
مفيش حاجة، أنا كويسة.
مراد محاولًا إمساكها، ناظرًا داخل عينيها محاولًا استكشاف ما بهما:
تحبي أساعدك؟
ملك وهي تزيح يده الممسكة بذراعها:
مش محتاجة مساعدة منك، قولتلك أنا كويسة.
قالتها بنبرة مرتفعة نسبيًا.
بينما مراد رمقها بذهول من طريقتها، فترك يدها، فتحركت ملك بخطواتها بداخل غرفة الملابس مختفية تبدل ملابسها تحت نظرات مراد المتسائلة المندهشة من حالتها المتغيرة ولم يعرف لها سببًا.
خرجت ملك من غرفة الملابس مرتدية بيجامة من اللون البينك الهادئ عليها بعض الرسومات الكرتونية، عاقصة شعرها على هيئة كعكة صغيرة. لمحت بعينيها جلوس مراد على الأريكة بملابسه عليه، لم تعطِ له اهتمامًا والتفت متجهة ناحية الفراش تتسطح عليه بهدوء، غافلة عن ذلك الجالس ينكوي بما تفعله ورأسه ستشل لمعرفة ما بها وما يدور بخلدها. استشاط غضبًا من تجاهلها له، فنهض من على الأريكة بعصبية متجها ناحية غرفة الملابس آخذًا ملابسه منها، متجهًا بعد ذلك إلى المرحاض لكي يأخذ دُشًا باردًا يهدئ به نفسه.
ارتخت ملامح ملك بعد دخوله إلى المرحاض، ولم تمنع نفسها من تساقط بعض الدموع من عينيها التي انقلبت بعد ذلك إلى شهقات عالية، لم تعلم كم مر عليها وهي على هذه الحالة إلا أن استمعت إلى صوت توقف الماء بالداخل فأسرعت تجفف دمعاتها المتساقطة مغلقة عينيها بشدة، رافعة الشرشف إلى أعلى رأسها مخفية وجهها تحته.
خرج مراد من المرحاض يجفف بالمنشفة الصغيرة شعره، مرتديًا شورت أسود مكتفيًا به.
وزع مراد نظره إلى ملك فوجدها نائمة على الفراش مغطاة نفسها بالشرشف وواصلاً إلى وجهها مخفي تحت ذلك الشرشف. زفر مراد بضيق متأففًا من الحالة التي وصلا إليها، فألقى بالمنشفة على الأريكة متجهًا ناحية الفراش راميًا نفسه عليه، مُلقيًا نظرة عليها. بينما أخذت ملك تحاول أن تهدأ من رجفتها التي أصابتها والدموع التي تتساقط من عينيها. حاول مراد الاقتراب منها واحتضانها وطمأنتها فهو يشعر بها ولكن لا يدري ما السبب. لذلك زفر بتأفف يتابعها ولم يرمش له جفن. سقطت ملك بعد فترة ليست بالقصيرة إلى نوم قلق متعب، وما إن شعر مراد بانتظام أنفاسها فجذبها ناحيته محتضنًا إياها رافعًا ذلك الشرشف البغيض الذي يمنعه من رؤية وجهها الجميل، وما إن أزاحه حتى اصطدم بتلك الدموع المغرقة وجهها، أخذ يزيحها من على وجهها بأنامله شاعرًا بنغزة قوية تضرب في صدره من دموعها، شاعرًا بالحزن عليها فهو لا يحب أن يرى دموعها فقد أصبحت دموعها تمثل بالنسبة له نقطة ضعفه.
في صباح يوم جديد.
استيقظت ملك من نوم مرهق قلق، شاعرة بتعب يسكن أنحاء جسدها. حاولت أن تتحرك من على الفراش ولكن وجدت نفسها محاصرة بذراع مراد الملتفة حولها بإحكام ورأسها موضوعة على صدره. صدمت ملك وتوسعت عينيها تحدث نفسها بأنها لم تنم كهذا فكيف أصبحت تتوسد صدره وقابعة في حضنه. حاولت ملك فك حصار ذراعيه عنها متملصة منه.
فتح مراد عينيه مستيقظًا هو الآخر حينما شعر بحركتها وتملصها منه، فباعد ذراعيه عنها ناظرًا لها قائلًا بحب:
صباح الخير.
لم تجب عليه ملك بل حملقت في عينيه وقد ارتسم فيهما الانكسار والضعف، قرأهم مراد على الفور فحدثها بتلهف ورقة:
مالك يا ملك؟ احكي إيه اللي حصل؟ متتعبيش قلبي يا ملك.
ترقرقت الدموع في عينيها شاعرة بالحزن والحسرة على حالها.
رفع مراد أنامله يزيح تلك الدمعات المتساقطة من عينيها قائلًا بحزن على حالتها:
دموع.. دموع ليه يا ملك؟ احكي يا حبيبتي، فضفضلي احكيلي مالك، بس بلاش الحالة دي، مش هقدر أشوفك بالحالة دي صدقيني بتقطع من جوه.
استشعرت ملك صدق حديثه ولهفته عليها ولكن أبعدتهم عن تفكيرها، فأردفت بتحشرج ودموعها تتساقط:
ليه.. ليه عملت فيا كده ليه؟!
جحظت عينا مراد بشدة بما تتفوه به غير مستوعب ما تتفوه به، فسألها مصدومًا:
عملت فيكي إيه يا ملك؟ أنا مش فاهم حاجة.
استشعرت ملك بأنه يتلاعب بها من جديد وأنها لعبة جديدة يفتعلها معها، فابتعدت عنه ناهضة من على الفراش:
متعملش نفسك مش عارف، أنا عرفت كل حاجة خلاص، عرفت لعبتك الجديدة.
مراد وقد نهض هو الآخر هاتفًا بعصبية:
أنا مش فاهم حاجة من اللي بتتكلمي عليه ده، لعبة إيه وهبل إيه؟ ما تحكي!
لم تشعر ملك بنفسها سوى وهي تقذف إليه كلامها قائلة بنشيج وعصبية:
عرفت لعبتك عشان توقعني وتقنعني إني أتجوزك عشان تنتقم مني في أمي اللي اتجوزت باباك، ولما مقدرتش تاخد حقك منها لما ماتت، قررت تنتقم منها في بنتها اللي مرحمتهاش لحظة ولو فكرت مجرد تفكير إنها اتأذت قد إيه في حياتها بسبب أمها.
ثم صمتت لحظة مكملة:
دخلت عليا أنا وخالتي بالحنية والشهامة، بس طلعت بتستغفلنا عشان توقعنا في مصيدتك، لحد ما وقعت ووافقت واتجوزتني، ولقيت معاملتك اتغيرت معايا 180 درجة، بقيت قاسي ومتوحش مبتحس ولا بترحم، كنت عايز تدبحني في ليلة كل بنت بتحلم بيها إنها تكون أسعد ليلة في حياتها، خليتها أتعس ليلة في حياتي. كنت بتذلني وتهيني وتضربني وأنا مش عارفة بتعمل فيا كده ليه.. ولا إيه سببه.
أردفت وهي تتحرك بتوتر في أنحاء الغرفة:
بقيت أسأل نفسي زعلتك في إيه؟ عملت إيه ضايقك عشان تعمل فيا كده؟ ملقتش منك غير الذل والتعب، وآخرهم إنك كنت مخليني خدامة وتضربني عشان واحدة حقيرة زي شيري.. وبعد ده كله برضه تضحك عليا بكلمتين حلوين ومعاملة كويسة وحبة آسف ووعود إنك بتحبني وعايزني. وأنا زي الهبلة أقع في الفخ من جديد وأحاول أفتح صفحة جديدة معاك وأصدق كلامك وأسلمك نفسي وأبدأ معاك من جديد، بس واضح إنك كنت عايز تسلي نفسك ومزاجك بيا وترضي نفسك، وأهو في نفس الوقت تكون بتحقق انتقامك مني تاني وأنا زي الهبلة بديك وأسلمك كل حاجة عايزها.
قالت كلماتها الأخيرة بصراخ مرتفع وصوت أصبح مبحوحًا، تسقط على ركبتيها قائلة بصوت يقطع نياط القلب تذرف الدموع بقوة:
طب أنا إيه ذنبي؟ إيه ذنبي إني أتحمل ذنب معملتوش؟ إيه ذنبي إني أشيل ذنب أمي؟ أمي اللي سابتني وأنا عندي 4 سنين، سابتني أنا وأبويا لوحدنا وهددته إنه يطلقها بدل ما تخلعه، مفكرتش لحظة فيا وأنا ببوس إيدها وماسكة فيها أقولها متسبنيش وتمشي بس.. بس هنت عليها وسابتني، سابتنا وبقينا لوحدنا مكنش ليا حد غير أبويا اللي راعاني وكبرني وعلمني، بس برضه كنت بحس باليتم، كنت بحسد صحابي إنهم عندهم أم وأنا لا، كان نفسي أجرب إحساس حضن الأم وحبها ليا بس عمري ما حسيته ولا هحسه، طول عمري وأنا وحيدة محدش كان بيحس بيا غير أبويا، بس هو برضه مشي وسابني.. سابني لوحدي.. وأنت جيت كملت عليا من غير ولا ذنب عملته في حقك حتى، كنت بدعي ربنا إنه يعوضني وصدقت ده لما لقيتك عايزني، قولت هتبقى ليا الأب والأخ مش هحس بالخوف بعد كده، لقيتك بتعيشني في رعب، كنت بحاول أبين إني قوية قدامك، بس معرفتش، كنت بترعب منك بخاف إنك تدبحني تاني أو تضربني جامد وملقيش حد يدافع عني أو يحميني.
طب أبقى قوية إزاي وأنا طول عمري عايشة في خوف.
وقف مراد بجسد متخشب وعيون لامعة بالدموع ضاغطًا على أسنانه.
قابضًا على يده بقوة حتى ابيضّت مفاصله، يريد سكينًا حادًا يقتل به نفسه. يشعر بضربات قوية تحطم صدره وسكينًا يُغرس في قلبه. لم يعرف أنه بكل هذا السوء والظلم، أنه أصبح قاسيًا وظالمًا، وعلى من؟ على زوجته التي عانت الويلات من والدتها، أو الأصح فقد عانت أكثر بكثير مما هو عاناه. فكيف لطفلة هكذا تعيش كل هذا الظلم والقسوة والجفاء من والدتها؟ وجاء هو بعد ذلك يكمل عليها.
أخذت دموع مراد تجري على وجهها، شاعرًا بالكره والبغض تجاه نفسه. نزل مراد بجسده لملك الجالسة على الأرض تشهق بصوت مرتفع وتذرف الدموع بلا توقف. حاول الإمساك بكتفيها لتهدئتها. ابتعدت ملك عنه رافضة إمساكه لها، تتوسله بأعين دامعة:
"ارحمني وابعد عني بقى. خلاص مش هقدر أستحمل ظلم تاني. كفاية أوي لحد كده. طلقني وسيبني أرجع بيتي، وأوعدك إنك عمرك ما هتشوف وشي تاني."
رفعت ملك نظرها له هاتفة:
"أنت مش قولت إنك هترميني في الشارع لما تحقق اللي عايزه؟ أهو أنت حققت كل انتقامك وأخذت اللي عايزه مني ورضيت نفسك. يعني خلاص اتدمرت على الآخر، وحتى فرصة إني ممكن أعيش من غير خوف ورعب طلعت مستحيل تحصل وهضطر أواجه كل حاجة بعد كده لوحدي تحت مسمى جديد ليا: مطلقة."
لم يتحمل مراد كل هذا الكلام الجارح التي تجرح به نفسها. جذبها ناحيته بقوة محتضنًا إياها بقوة، مسقطًا كل محاولاتها المستميتة في الابتعاد عنه. مرددًا آسف لها بشهقات متعالية ودموع ندم، ولكن ليست منها بل منه هو، مرددًا بلسانه:
"آسف... آسف أنا كلب ما أسواش. ما أستحقش ملاك زيك. أنا أقذر من إنك تعرفي واحد زيي أو تعيشي معاه. أنتِ ملاك مينفعش تعيش مع واحد مجرم، واحد قاسي وظالم طلع عقده عليكي. آسف... آسف يا ملك لو قعدت عمري وحياتي كلها أتأسفلك مش هيبقى كفاية."
ثم أخذ يشهق بصوت مرتفع باكيًا بندم وحزن على ما فعله بتلك الطفلة البريئة التي لا حول لها ولا قوة، تلك الملاك التي لم تطلب الكثير، تريد فقط بعض الدفء والطمأنينة وعدم الخوف. هل ذلك كثير عليها؟ لا... فهي تستحق الدنيا وما فيها، تستحق أن تعيش سعيدة، تعيش حياة هادئة من غير خوف أو قلق من حياتها، وهذا الذي سيحاول جاهدًا على فعله حتى لو أخذ سنين طويلة من عمره حتى يرجع لها ابتسامتها التي تخطف عقله ويجعلها تعيش من غير خوف ودفء. سيبدأ معها من جديد، ولكن عليه الآن أن يسايرها حتى لا تضيع منه للأبد. لا بد أن يفكر بعمق وحنكة حتى يجعلها تشعر بالطمأنينة والدفء من جديد. فتعاهد على نفسه بأن لا يتسبب في أذيتها لأي سبب كان.
لذلك هتف لها قائلًا محاولًا استجماع شتات نفسه، مرددًا بصعوبة:
"هعملك كل اللي أنتِ عايزاه يا ملك. هنفذلك كل اللي يريحك."
ملك مبتعدة عنه هاتفة بصوت متحشرج ووجه مليء بالدموع:
"طلقني ورجعني بيت خالتي، مش عايزة أرجع على فيلتك."
تحامل مراد على نفسه بشدة قائلًا لها بصعوبة محاولًا أخذ نفسه:
"حاضر يا ملك هنفذ اللي قولتي عليه... ودلوقتي يلا عشان نجهز عشان نرجع القاهرة."
على الجانب الآخر، في الفندق الذي يقيم فيه معتز، استعد معتز وجهز حقائبه، فاليوم يجب عليه أن يتواجد في القاهرة، وخصوصًا بعد انتهائه هو ومراد من إتمام صفقتهم، وعليه الآن الذهاب إلى القاهرة لمهمته الثانية وهي إقناع سارة بالزواج منه، فإنه أصبح على أحر من الجمر من معرفة رأيها وموافقتها عليه، فقد أصبحت كالهاجس في عقله وقلبه لا يكف عن التفكير عنها والتخطيط لما هو مقبل معها.
ابتسم معتز ابتسامة واسعة متخيلًا أحلامه حقيقة ويعيشها كواقع ملموس. قطع خلوته وتفكيره مع نفسه صوت رنين هاتفه، فزفر بضيق وغضب من ذلك البغيض الذي يهاتفه، والتي لم تكن سوى شيري. تذمر معتز مقررًا عدم الرد عليها، ولكن قررت فعلتها مرة أخرى فاضطر آسفًا بالرد عليها.
فأجاب بضيق قائلًا:
"ألو يا شيري في حاجة؟"
شيري واضعة قدمًا فوق الأخرى تهز رجليها تتلاعب في خصلات شعرها شاعرة بالسعادة:
"صباح الخير يا معتز."
معتز بضيق من برودها:
"خير يا شيري في حاجة؟"
شيري على نفس برودها متصنعة الحزن:
"في إيه يا معتز؟ أنا اتصلت أطمّن عليك وأعرف هتسافر أمتى."
معتز بنفاد صبر:
"أنا مش فاضي يا شيري، أنا بجهز الشنط عشان مسافر النهاردة وأنتِ عارفة ده كويس."
شيري بأسف مصطنع:
"سوري يا معتز، واضح إني أزعجتك بس كنت عايزة أطمّن على مراد وموبايله مقفول."
معتز محافظًا على هدوئه:
"ما أعرفش يا شيري، تقدري تتصلي بيه لما يفتح موبايله."
شيري بنزق:
"خلاص يا معتز ماشي سلام."
أغلق معها الهاتف بتذمر وأكمل تجهيز حقائبه، بينما اتكأت شيري على مرفقها يعتلي ملامحها ابتسامة خبيثة مرددة:
"وبكده أكون بعدت ملك عن طريق مراد وبنفسها كمان. أنا بقى أكمل الدور."
ثم رنت ضحكتها عاليًا.
رواية اسيرة انتقامه الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم خلود محمد
في الحارة الشعبية المقيمة فيها ملك، وصلت سيارات مراد إلى مدخل الحارة. تابعت ملك الطريق وقد ظهر على ملامحها التعب والحزن والإجهاد، وما إن توقفت السيارة أمام منزلها، حركت يدها لتفتح باب السيارة ولكن أوقفتها يد مراد محدثًا إياها بهدوء:
= ملك.
تصلبت ملك في جلستها رافضة النظر إليه، مغلقة عينيها بقوة. مد مراد يده ناحيتها يدير رأسها ناحيته يرفع وجهها له قائلًا:
= أنا نفذت اللي أنتِ عايزاه وجبتك عند خالتك.
ملك بثبات:
= بس لسه مطلقتنيش.
مراد بحزم وإجابة قاطعة:
= الطلاق مش دلوقتي، يعدي فترة الأول وبعد كده أنفذه، مينفعش أسبب ليكي أذية أو تكوني موضع كلام ملوش لازمة.
ملك بتحسر ونبرة موحية:
= دلوقتي بقيت بتخاف على أذيتي من كلام الناس!
مراد بعطف:
= ملك متصعبيهاش عليا أنا مش مستحمل، أنا هسيب ليكي المدة اللي أنتِ عايزة تقعدي فيها عند خالتك وهبعتلك كل احتياجاتك اللي عايزاه.
ملك رافضة:
= وأنا مش عايزة حاجة منك، أنا أقدر أصرف على نفسي.
مراد متفهمًا:
= عارف ومقدر إنك تقدري تعملي كل حاجة بس أنتِ مراتي وملزومة مني يعني مسؤولة مني واحتياجاتك دي من واجبي.
لمح رفضها واعتراضها ولكنه أكمل بثبات:
= مش عايزة جدال ومناقشة في الموضوع دا.
لم تعقب ملك عليه وقامت بفتح باب السيارة مترجلة منها تحت نظرات مراد المتفحصة لها، الذي هتف قائلًا لنفسه:
= مستحيل أطلقك أو أفرط فيكي يا ملك، أنتِ بقيتِ روحي ومستحيل حد يستغني عن روحه، أنا مش عارف إزاي هقدر أستحمل إنك مش هتبقي معايا في البيت وهحاول أستحمل عشان خاطرك، أنا إني أفرط فيكي دي مستحيلة وصعبة أوي.
ترجلت ملك من السيارة صاعدة إلى شقتها، تقدم منها الحارس ممسكًا بالحقائب الخاصة بملك، صاعدًا البناية.
طرقت ملك عدة طرقات على باب منزلها منتظرة فتح خالتها الباب لها، ومن خلفها الحارس ممسكًا بالحقائب الخاصة بملك.
فتحت الحاجة فاطمة الباب وما إن رأت من الطارق قالت بتلهف وحب وتعالى وجهها ابتسامة واسعة مرددة وهي تفتح ذراعيها لملك تستقبلها في أحضانها:
= ملك حبيبتي إيه المفاجأة الحلوة دي! وحشاني أوي يا ملك يا حبيبتي.
ارتمت ملك في أحضان خالتها مغلقة عينيها بتعب محاولة إرجاع بعض الدفء والأمان من حضنها تستمتع بحضن خالتها، شاعرة ببعض الراحة.
ابتعدت ملك عن حضن خالتها محاولة الحديث لها:
= حبيت أعملك مفاجأة.
الحاجة فاطمة:
= أحلى مفاجأة يا بنتي، دا أنا هموت عليكي وأشوفك وترجعي تقعدي معايا زي زمان.
ملك وهي تتحرك داخل الشقة:
= وأنا جاية أقعد معاكي أهو.
ثم هتفت للحارس للدخول، فخطا داخل الشقة واضعًا الحقائب، متحركًا بعد ذلك إلى الأسفل.
عقدت الحاجة فاطمة حاجبيها قائلة بقلق:
= إيه يا ملك الشنط دي؟ هو في حاجة حصلت بينك وبين مراد؟ أنتِوا متخانقين؟
اختلقت ملك ابتسامة كاذبة لطمأنة خالتها:
= لا مفيش حاجة بس مراد عنده سفرية شغل بره مصر وأنا مش هقدر أروح معاه فقلت أحسن أقعد معاكي لحد ما يجي.
تفهمت خالتها عليها ولكن انتابها القلق والشكوك فحاولت مسايرة الأمور:
= ماشي يا ملوكة، ربنا يبعد عنكم المشاكل والخناقات.
ملك بمرح:
= ها يا خالتي عاملة أكل إيه انهارده؟ دا أنا هموت من الجوع.
خالتها بابتسامة:
= أعملك الحلو كله يا ملك، دا أنا انهارده هعملك أكلة تاكلي صوابعك وراها.
ابتسمت ملك قائلة:
= وآدي صوابعي أهيه... أنا هدخل آخد شاور وألبس ونقعد في المطبخ زي زمان نحكي ونتكلم مع بعض.
الحاجة فاطمة:
= ماشي يا حبيبتي وأنا هروح أكمل بقية الأكل وبالليل نبقى نكلم سارة تيجي تقعد معانا.
ملك موافقة:
= خلاص ماشي أنا هكلمها وأهو بالمرة عايزة أقولها إننا نروح الجامعة مع بعض لأني بقالي كتير أوي مرحتش.
أومأت لها الحاجة فاطمة ثم تحركت إلى داخل المطبخ تكمل تحضير الطعام، وخطت ملك إلى داخل غرفتها ساحبة الحقائب خلفها مختفية داخل غرفتها.
رفض مراد بأن يذهب إلى فيلته، مقررًا الذهاب إلى شركته لمتابعة أعماله، محاولًا تشتيت أفكاره وإشغال رأسه بالأعمال، فهو غير مستوعب إلى الآن كل ما فعله بملك وكيف ظلمها وانتقم منها بهذه الطريقة، لم يشعر بهول ما فعله إلا عندما وجدها منهارة أمامه ضائعة بهذا الشكل، واعترافها له بما عانته من أمها وكيف ظلمتها أمها، فيصبح اعترافها هذا كصفعة مدوية له تخبره بأن يكف عن ظلمها والافتراء عليها، فهي لا تستحق هذا كله منه، عليه الآن تعويض ملاكه الصغيرة وجعلها سعيدة حتى لو كان ذلك البعد عنه لفترة، ولكنه لم يتركها مهما حدث يريدها تشعر بالراحة وتريح نفسيتها ولم يكن ذلك سوى بوجودها مع خالتها. قام الحارس بفتح باب السيارة لرب عمله فترجل مراد من السيارة باديًا على وجهه علامات الإرهاق، فخطا بخطوات واثقة إلى الداخل مرتديًا نظارته السوداء غير مهتم بكل تلك الأعين التي تتابعه بانبهار وإعجاب شديدين أو تلك الهمسات الآتية منهم.
وصل مراد إلى الطابق الذي يوجد به مكتبه، خاطفًا نظرة إلى السكرتيرة التي هبت واقفة تدلي احترامها وسلامها له بتوتر.
هتف مراد بها متجاهلًا توترها:
= بعد 10 دقايق من دلوقتي وتكوني في مكتبي.
هزت السكرتيرة رأسها له عدة مرات قائلة:
= حاضر يا مراد بيه.
انسحب مراد بعد ذلك إلى مكتبه غالِقًا الباب خلفه.
على الجانب الآخر،
كان يجلس الرجال الثلاثة مرتدين بدلًا سوداء اللون.
هتف الرجل الأول قائلًا بضجر:
= إحنا بقالنا أكتر من أسبوع هنا ومفيش أي نتيجة ولا قابلنا مراد ولا حتى شوفناه.
هتف الرجل الثاني معقبًا:
= ما أنت عارف إن جينا واتفاجئنا من السكرتيرة بتاعته إنه مسافر، واللي أكد لينا الخبر إنه فعلًا كان مسافر وصوره كانت في الصحف والمجلات.
أعقب ثالثهم وهو المحامي قائلًا:
= إحنا هنقابل مراد انهارده.
هتف الأول بسخرية قائلًا:
= ودا إزاي بقى وهو مسافر!
أعقب المحامي ردًا عليه:
= هو ميعاده يوصل انهارده لأن شغله انتهى في شرم وإحنا دلوقتي هنتحرك ونروح ليه الشركة ونتكلم معاه وننهي الموضوع دا.
الرجل الأول بنفاذ صبر:
= وحتى لو مقتنعش بكلامنا أو حتى رفض يقابلنا فأنا هسافر لأني مش مستعد أقعد هنا كتير.
الرجل الثاني:
= أنت بتعقدها ليه؟ أكيد هو زي مراد دا اللي يعرف إن الموضوع خاص بوالده أكيد هيوافق يقابلنا، إحنا مش هنكسب حاجة لما نقوله إحنا هنقول وصية أبوه ونتكلم عن ورثه يعني هو المستفيد مش إحنا.
المحامي مؤيدًا رأيه:
= وأنا رأيي من رأيك برضه هو المستفيد من إحنا وأحسن فرصة لينا إن نروح ليه شركته انهارده.
أومأ له كلا الرجلين منتوين الذهاب إلى مراد اليوم.
في منزل ملك،
كانت ملك قد انتهت من أخذ الشاور مرتدية بيجامتها البيضاء، تاركة شعرها على ظهرها، خارجة من غرفتها متجهة ناحية المطبخ الذي توجد بداخله خالتها ممسكة بهاتفها.
كانت الحاجة فاطمة قد انتهت من تحضير أغلب الطعام، وجدت ملك تلج إليها المطبخ قائلة باستمتاع:
= يا سلام يا سلام على الروايح الحلوة وريحة الأكل اللي يجنن.
ضحكت الحاجة فاطمة عليها مرددة:
= ولسه لما تدوقي طعمه يا ملوكة هيعجبك أكتر.
ملك بتأكيد:
= طبعًا هيعجبني طالما من إيديكي الحلوة دي.
ضحكت الحاجة فاطمة على كلام ملك هاتفًا:
= اتصلي بسارة شوفيها فين البت دي عشان عايزاها في موضوع مهم أوي.
عقدت ملك حاجبيها قائلة باستفسار:
= موضوع إيه دا يا خالتي؟
الحاجة فاطمة مجيبة:
= اتصلي بيها بس ولما تيجي هقولكم عليه.
ملك بقلق:
= قلقتيني يا خالتي.
الحاجة فاطمة وهي تمسح بيدها بالمنشفة الصغيرة:
= مش عايزاكي تقلقي يا حبيبة خالتك، دا موضوع حلو أوي هنتكلم فيه لما تيجي سارة. اتصلي أنتِ بس.
أومأت لها ملك وقامت بالضغط على هاتفها عدة مرات مهاتفة صديقتها سارة.
بعد فترة أجابت عليها صديقتها قائلة بتلهف:
= ملك مرة واحدة بتتصل بيا؟ العروسة اللي عريس أخدها مين ومش عارفة أعطر فيها.
ملك مبتسمة على حديث صديقتها:
= إزيك يا سارة عاملة إيه وحشاني.
سارة بحب:
= الحمد لله يا ملك أنتِ عاملة إيه وحشاني أكتر.
ملك برقة:
= وأنتِ كمان، عندي ليكي مفاجأة، أنا جيت عند خالتي وقاعدة معاها.
سارة بغير تصديق:
= بجد يا ملك جيتي إمتى؟
ملك مجيبة:
= لسه واصلة من شوية، بصي يا ستي المهم عايزكي تيجي انهارده نقعد مع بعض عشان وحشاني وتجيبيلي معاكي المحاضرات عشان هبدأ أروح معاكي الكلية اللي سايباها دي، وعشان خالتي عايزكي في موضوع مهم ومش راضية تقولي عليه.
سارة محاولة استيعاب حديث صديقتها:
= إيه دا كله أنا مش عارفة أبدأ أسألك إيه ولا إيه؟ ثم قالت بتوتر مرددة:
= أقفلي يا ملك عقبال ما أجيلكم وأعرف موضوع خالتي فاطمة دا وأعرف إيه حكايتك أنتِ كمان.
ضحكت ملك عليها بشدة قائلة بمزح:
= عارفة إني فضولك هيقتلك عشان كده قلتلك كله وراء بعضه عشان مدكيش فرصة للتفكير، يلا يا سوسو مستنياكي.
سارة بوعد لملك:
= ماشي يا ست ملك أنا هوريكي لما أجي سلام.
ضحكت ملك على صديقتها المجنونة محدثة خالتها:
= المجنونة دي مش هتتغير أبدًا.
الحاجة فاطمة وهي تضع أطباق الطعام على طاولة المطبخ بعد انتهائها من تحضيره:
= أنتِ هتقوليلي عليها. محدثة نفسها سرًا:
= أنا معرفش معتز عجبه إيه في المجنونة دي.
هاتفة لملك بعد ذلك:
= يلا يا ملك ناكل أنا حضرت الأكل.
أومأت لها موافقة متحركة ناحية طاولة الطعام جالسة عليها يتناولون الطعام هي وخالتها.
بداخل الشركة،
كان يجلس مراد خلف مقعده الوثير بداخل المكتب يراجع بعض الأوراق، سامحًا للسكرتيرة بالدلوف إلى المكتب.
دلفت السكرتيرة إلى المكتب مسلمة لمراد بعض الملفات قائلة له:
= مراد بيه الملفات دي محتاجة توقيع حضرتك عليها.
وفي ناس سألت على حضرتك وكانوا طالبين يقابلوا حضرتك.
انتبه مراد إلى كلماتها بعد أن كان يمسك بالأوراق التي أمامه عاقدًا حاجبيه.
= ناس.. ناس مين دول؟
السكرتيرة بنفي:
= معرفش بس هما تلت رجالة ولما طلبوا مني قولت لهم إن حضرتك مسافر، وهما قالوا هيجوا بعد كده.
مراد مصمتًا إلى حديثها وأردف:
= خلاص تقدري تتفضلي.
السكرتيرة بتساؤل:
= طب لو جم تاني أدخلهم ولا لأ؟
مراد مرددًا:
= لما يجوا تاني خبريني ودخليهم.
السكرتيرة باحترام:
= تمام يا مراد بيه.
وتحركت بعد ذلك إلى خارج المكتب مغلقة الباب خلفها.
لم يعطِ مراد للأمر أهمية، وأرجع نفسه يتابع الأعمال…
في منتصف اليوم،
كانت قد انتهت ملك وخالتها من تناول طعامهم، وأخذوا يتابعون أحد الأفلام على التلفاز، هتفت الحاجة فاطمة سائلة ملك:
= مبسوطة مع مراد يا ملك؟
انتبهت ملك إلى خالتها متلعثمة في الرد عليها، فهي قد انتوت بعدم الإفصاح عن أي شيء حدث بينها وبين مراد، متخذة في عقلها أنها حياتها معه يجب ألا يعرف عنها أحد أو يعرف شيئًا عن مشاكلها، لذلك ردت عليها قائلة:
= أه يا خالتي.
انشرحت ملامح خالتها مردفة:
= ربنا يسعدكم يا بنتي، بس هو سافر فين؟
تلعثمت ملك وأصبحت متوترة لا تجد إجابة للرد عليها، ولكن أنقذها صوت الطرقات الآتية من الباب فنهضت قائلة بتلعثم:
= دي أكيد سارة، هروح أفتح لها.
أومأت لها خالتها وأكملت متابعة الفيلم.
فتحت ملك الباب إلى صديقتها، اللتان ما إن رأتا بعضهما ارتمتا في أحضان بعض بحب وألفة بينهم. توجهوا بعد ذلك إلى الصالة التي تجلس فيها خالتها. رحبت الحاجة فاطمة بسارة قائلة:
= تعالي يا سارة نورتي.
سارة محتضنة إياها تقبلها:
= حبيبتي يا خالتي.
ثم جلست بجوارهم تعطي لملك:
= خدي يا ملك دي المحاضرات كلها وبعتلك الريكورد بتاعهم، عشان تفهمي منهم أكتر.
ملك وهي تتناولهم منها قائلة بحب:
= شكرًا يا سارة تعبتك معايا.
سارة بحب:
= ولا تعب ولا حاجة، وإيه يا سبب إنك هتيجي معايا كل يوم المحاضرات دي؟
ملك بنبرة حاولت جعلها صادقة:
= ولا حاجة يا ستي، مراد مسافر لفترة بره مصر لشغل وأنا مينفعش أسافر معاه.
حملقت سارة بها مرددة بذهول:
= وأنتِ مش هينفع تسافري معاه ليه؟ أنتِ حامل؟
ملك موبخة إياها مصدومة من حديثها:
= حامل إيه يا مجنونة أنتِ؟ هو رايح في شغل وأنا مش هيبقى ليا لازمة.
ضحكت سارة على نفسها مستوعبة ما تفوهت به:
= آه فهمت، بس بلاش ضرب.
ملك بنزق:
= ما أنتِ اللي مخك تخين.
ضحكت الحاجة فاطمة عليهم وأعطتهم إحدى الفطائر يتناولوها قائلة لسارة:
= ركزي معايا عشان عايزكي في موضوع مهم.
انتقلت سارة وصبت تركيزها لخالتها قائلة لها:
= اتفضلي يا خالتي أنا معاكي خير إن شاء الله.
الحاجة فاطمة بهدوء:
= هيبقى خير إن شاء الله، أنا كنت عايزكي أبلغك إن جايلك عريس.
استغربت سارة وكذلك ملك التي أردفت معقبة:
= عريس مين نعرفه؟
بينما سارة ردت قائلة:
= عريس إيه أنا مش بفكر في الجواز دلوقت.
ابتسمت الحاجة فاطمة بخبث معقبة:
= مش لما تعرفي هو مين الأول؟
= مين!!
قالتها الفتاتان بنفس واحد، تشدقت الحاجة فاطمة وأردفت مكملة:
= الباشمهندس معتز صاحب مراد جوز ملك.
سارة بصدمة:
= إيه الكلام ده بجد؟!
الحاجة فاطمة بجدية:
= أيوه بجد، أنا ههزر؟ هو اتصل بيا كلمني وقالي إنه عايز يتجوزك ويقدم خطوة في حياته، ولو عرف موافقتك هيروح لأهلك ويتقدملك رسمي.
تخصبت وجنتا سارة وأصبحت مصدومة وعينها تشع بالسعادة قائلة بتلعثم:
= بس!
الحاجة فاطمة بنبرة قاطعة:
= ولا بس ومبسش! الرد باين في عنيكي بس لازم أسمعها منك الأول عشان أقدر أرد على الراجل اللي طلب مني كلمة.
ملك وهي تحتضن سارة قائلة بفرحة:
= هشوفك عروسة قريب ولا إيه؟
سارة بتلعثم:
= مش عارفة يا ملك بس!
ثم هتفت ضاحكة:
= شكلها كده.
ملك بطمأنينة:
= مش عايزكي تقلقي، معتز شاب ممتاز ومحترم وأنتِ تستحقي واحد زيه يا سارة.
أمسكت سارة بيد ملك المحتضنة لها وأصبح وجهها متورداً قائلة في نفسها:
= إنها تمنت هذا كثيرًا بينها وبين نفسها، وكانت في كل يوم تتخيل وجودها معه وأصبح يشغل تفكيرها، ولكنها حاولت تناسيه وأن لا تعيش في أوهام كتلك لن تصير، ولكنه أصبح حقيقي الآن فتريد أن تصرخ بعلو صوتها تردد موافقة.
الحاجة فاطمة قاطعة استرسال أفكارها قائلة:
= هاا قولتي إيه؟ ولا أسيبك يومين تفكري؟ بس من عنيكي دي بتقول حاجة تانية.
ملك مؤنبة خالتها بلطف:
= متكسفهاش بقى يا خالتي.
الحاجة فاطمة بخداع:
= خلاص أنا هتصل بيه أقوله إنها مش موافقة.
هتفت سارة بصراخ نافية:
= لا موافقة.. موافقة.
ضحكت الحاجة فاطمة قائلة:
= أيوه كده...
ثم أخذ ثلاثيتهم يضحكون بشدة.
توالت الأيام التالية بين سعادة وفرح، وكانت ذلك من نصيب سارة ومعتز الذي سعد كثيرًا وأصبح يطير من الفرحة حينما علم بموافقة سارة له، وقد حدد ميعادًا للذهاب إلى أهلها ليكملوا الموضوع بشكل رسمي، قائلًا لصديق عمره وصاحبه المفضل الذي يشاركه كل شيء، مراد الذي فرح له بشدة متمنيًا له السعادة ووعده أنه سيكون معه في كل خطوة يخطوها، غير متناسي لحزنه في بعد ملك عنه، فقد اشتاق لها كثيرًا، استوحش رؤيتها ابتسامتها كلامها، شاعرًا أنه أصبح وحيدًا من جديد بلا حياة، وأصبح لا يبيت في قصره قاطعًا على نفسه بأن لا يدخله إلا بوجودها معه فيه، غير متخيلًا وجوده فيه بدونها، ففضل إقامته في إحدى فنادقه القريبة من الفرع الرئيسي للشركة أو المبيت في شركته، وقد أهلك نفسه في الأعمال محاولًا تناسي ما جرى بينه وبين تلك الرجال الذين قابلوه وأخبروه عن كل الحقائق والأسرار التي جعلته يبغض نفسه أكثر وأكثر، وجعلت شعوره بالذنب تجاه ملك يزداد أكثر من ذي قبل، والتي رفضت أن تراه وأخبرته برسالة تليفونية حجتها الواهية بسفره إلى الخارج، تخبره أنها لم تخبر خالتها أو صديقتها بما حدث بينهم، تخبره أيضًا بذهابها مرة أخرى إلى جامعتها تكمل دراستها التي تناستها كثيرًا.
لم تختلف حالة ملك كثيرًا عن حالة مراد، فقد كانت تحاول إظهار أنها بخير أمام خالتها وصديقتها التي أصبحت ترمقها بنظرات متسائلة، وفي الليل تجلس في غرفتها باكية حزينة على نفسها وإلى الحالة التي وصلت لها، فهي تشتاقه فقد استوحشها كثيرًا، تريد حضنه الدافئ الذي يعد بيتها على الرغم من كل ما فعله بها، فهي تريده، تريد قربه، تريد أن تحيا حياة سعيدة معه، لا أن تظل تتابعه على صفحات المجلات والمواقع، فقد كانت تشعر بالسعادة والفخر حينما ترى إنجازاته ونجاحاته التي يحققها، ولكنها من أرادت ذلك، شاعرة بأنها سوف ترتاح بالبعد عنه، ولكنها كانت تنكوي من بعدها عنه، وكان ليس عقابًا له وحده بل كان عقابًا لها هي أيضًا.
بعد مرور شهر من كل تلك الأحداث،
كانت تقف ملك مع صديقتها سارة في الجامعة وقد ظهر على وجهها الإعياء وأصبحت ملامحها باهتة شاحبة حزينة.
أمسكتها سارة بقوة من ذراعها ناظرة إلى ملامحها الشاحبة:
= مالك يا ملك شكلك تعبانة مش كويسة خالص ومصرة منروحش الدكتور.
ملك متحركة ببطء متجهة إلى بوابة الجامعة مستندة على ذراع سارة:
= مفيش لزوم لدكتور يا سارة، دول شوية برد في معدتي وهروح أخد دواء ليه مش حكاية يعني.
أمسكتها سارة ممتعضة الوجه، فصديقتها عنيدة ولم تصغِ لها أو لحديثها.
وما إن تحركت الفتاتان إلى الخارج ووصلتا إلى بوابة الجامعة، وشعرت ملك بالإعياء يزداد عليها وأصبحت الرؤية لها ضبابية، شاعرة بدوخة قوية تنتابها فخف جسدها وأصبحت قدماها هائمتين منسحبة إلى دنيا أخرى.
صرخت سارة بعلو صوتها حينما وجدت صديقتها فاقدة للوعي، وقبل أن تسقط بها إلى الأرض، كانت يد قوية حائل لملك حاملًا إياها قبل أن تسقط على الأرضية، حاملًا إياها بين ذراعيه.
رواية اسيرة انتقامه الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم خلود محمد
بداخل المشفى
كان مراد يرزع الرواق ذهابًا وإيابًا بخطوات متوترة قلقة، يفرك شعره بتوتر بالغ خائفًا على ملك، تلك التي خطفت عقله وقلبه وقلبت حياته رأسًا على عقب. فبعد أن أبلغته سابقًا بعودتها مرة أخرى إلى جامعتها، لم يرفض الفكرة بل وافق عليها، وقد أخذ بعد ذلك في قراره نفسه بأن يعرف مواعيدها ويجعل أحد أفراد حراسته يتابعها من على بعد حين ذهابها أو عودتها، بعد رفضها القاطع له بأن يجلب لها سيارة بسائقها ليوصلها كل يوم جامعتها ويعيدها مرة أخرى إلى البيت. وما أن رفضت الفكرة وأصر على تأمينها من على بعد دون أن تدري ودون أن يشعر أحد، وجد نفسه كل يوم ينتظر خروجها من جامعتها لكي يتابعها ويملأ عينه منها، فقد اشتاقها كثيرًا وكان يريد أن يرى وجهها الجميل كل يوم لكي يسعد يومه، فبعد رفضها مجيئه إلى بيت خالتها أو أن يراها، جعل فكرة ذهابها إلى جامعتها كفرصة استغلها لكي يراها كل يوم.
ولكن اليوم، وأثناء خروجها من جامعتها مع صديقتها، وجدها شاحبة مجهدة، بائن عليها التعب بشدة، فترجل من السيارة مسرعًا مختفيًا بجانب أحد الأسوار، وما إن رآها تترنح أسرع باتجاهها حاملًا إياها قبل أن تسقط على الأرضية، ينتابه الذعر عليها، لم يجد نفسه بعد ذلك إلا وهو في المشفى يسلمها للأطباء الذين حاولوا طمأنته عليها، وها هو الآن ينتظر خروجها على أحر من الجمر.
كانت سارة منزويه في أحد الأركان تبكي بصمت على حالة صديقتها وخوفها وذعرها عليها، فلولا مجيء مراد في الوقت المناسب لم تكن تعرف ماذا تفعل أو إلى أين تذهب، فهي في تلك المواقف لا تستطيع فعل شيء وتصبح متخبطة لا تعرف تأخذ قرار. كانت سارة تدعو الله بأن يحمي ملك ويحفظها ويرجعها إليها سالمة. خطفت النظر إلى مراد الواقف بحلته السوداء وقد ظهر عليه التوتر الشديد على ملامح وجهه وخوفه البائن على ملك، فحاولت تهدئته بأن خطت باتجاهه قائلة بصوت متحشرج حزين:
= متقلقش يا مراد، إن شاء الله هتبقى كويسة وبخير.
لم يعقب مراد عليها بل أومأ له برأسه متمنيًا ذلك.
قطع توترهم والجو المشحون الدائر خروج الطبيب من الغرفة، الذي ما أن رآه يخرج من الغرفة حتى أسرع كل من مراد وسارة ناحيته يطمئنان منه على حالة ملك وعلى ملامحهم التوتر والقلق.
ابتسم الطبيب لهم ابتسامة مطمئنة هاتفًا بهدوء:
= اطمنوا، مش عايزكم تقلقوا، هي هتبقى أحسن.
مراد متسائلًا بلهفة:
= طب هي عاملة إيه دلوقتي؟ إيه اللي حصلها؟
الطبيب بنفس ابتسامته مرددًا:
= ده طبيعي في حالتها.
عقدت سارة حاجبيها مرددة:
= حالتها؟
الطبيب ناظرًا لهم محدثًا وقد علم عدم معرفتهم:
= آه حالتها. المدام حامل في الشهر الأول.
قالت سارة بفرحة صارخة بصدمة:
= إيه! حامل!
بينما مراد وقف ذاهلًا مصدومًا غير مستوعب كلمات الطبيب بعد، فملك حامل منه، تحمل في أحشائها قطعة منه ومنها، وستصبح طفلًا يربطهم ببعض إلى الأبد. لم يشعر بشعور كهذا على الإطلاق، شعور لا يستطيع وصفه. إحساس بالفرحة والسعادة بأنه سيصبح أب لطفل، شعور غريب ولكنه شعور رائع ولذيذ في حالته تلك.
نظر إلى الطبيب وعينيه تشع فرحة وسعادة وإحساس رائع لم يستطع وصفهم.
بل أكمل الطبيب مردفًا لهم بعملية:
= المدام محتاجة رعاية وخصوصًا إنها عندها ضعف، وياريت الراحة ليها وعدم الحركة، وتقدروا تعرفوا تفاصيل أكتر لما تروح لدكتور حمل تتابع معاه.
أومأت له سارة مردفة:
= نقدر نشوفها إمتى يا دكتور؟
الطبيب بعملية قبل أن يتركهم ويغادر:
= هننقلها أوضة عادية وتقدروا بعد كده تدخلولها. وألف مبروك مرة تانية.
ثم تركهم وتحرك مغادرًا.
بينما اتسعت ابتسامة سارة مباركة لمراد:
= ألف مبروك يا مراد، ويقوملك ملك بالسلامة.
ابتسم مراد لها معقبًا:
= الله يبارك فيكي.
ثم أخذ ينتظر بفارغ الصبر يتحايل على الزمن مرور الوقت لكي يرى وجه زوجته تلك الملاك التي ستصبح أمًا لطفله.
بعد مرور بعض الوقت، انتقلت ملك إلى غرفة عادية.
ولج إليها مراد يليه سارة ناظرين لملك المستلقية على الفراش ينظرون إليها وعلى محياهم ابتسامة واسعة.
جرت سارة ناحية ملك بتلهف هاتفًا بسعادة وحب:
= ملوكة حبيبتي ألف مبروك يا حبيبتي.
عقدت ملك حاجبيها غير مستوعبة إلى حديثها.
فأكملت سارة معقبة:
= هتبقى أحلى مامي في الدنيا، وأعطت نظرة لمراد الواقف يبحلق في ملك:
= ومراد هيبقى أحلى بابي. أنتي حامل يا ملك في شهر ومكناش نعرف.
شعرت ملك بالصدمة ألجمتها والذهول انتاب حالتها، ولكن إحساس بداخلها يشعر بالسعادة.
رفعت نظرها ترمق مراد بنظرات تستشف منها حالته، هل هو فرح وسعيد بذلك الخبر أم أنه عاديًا بالنسبة له؟ أو لا يشعر بشيء؟
ظلت الأسئلة التي لم تجد لها أجوبة تدور في رأسها، ولكن قطع شرودها صوت سارة التي هتفت بسعادة وهي تتابع نظرات مراد وملك إلى بعضهم البعض منسحبة تاركة لهم بعض الخصوصية وفرحتهم يعيشونها بمفردهم. تحركت خارج الغرفة هاتفًا باستئذان:
= أنا هروح أكلم ماما وخالتي فاطمة أطمنهم علينا.
لم يردوا عليها بل كانوا في عالم النظرات يتبادلون النظرات بلهفة وشوق، ما أن سمع مراد صوت غلق الباب، فأخذ يتقدم من ملك التي تتابعه بتوجس وأفكار متخبطة، إلا أن جلس على طرف الفراش بجانبها يتأملها لفترة، ثم حرك كفه واضعًا إياه على بطنها خافضًا رأسه ناحيتها مقبلًا جبينها بلهفة وشوق.
برقت ملك بعينها جاحظة لم تدرِ ماذا تفعل، وازدادت عينيها اتساعًا حينما سمعته يهتف يهمس بجوار أذنها:
= مبروك يا روح قلبي وعقلي، أنا مش عارف أوصفلك السعادة اللي أنا فيها، أنا حاسس إني طاير في السما.
ثم قبل جبينها مرة أخرى.
حاولت ملك أخذ أنفاسها بصعوبة من قربه الشديد منها وهمسه بهذه الكلمات الرائعة التي لم تتخيلها على الإطلاق ورائحة عطره التي تتعمق بداخلها بقوة.
أغمضت ملك عينيها حينما شعرت به يمر بأصابعه على بطنها وأنامله تتحرك على طول بطنها مكملًا كأنه لا يفعل شيء غير مهتم بما سببه له من حالة مربكة قائلًا بهمس:
= ده هيكون نقطة البداية، بداية جديدة وحياة جديدة مفيهاش غير أنا وأنتي، وابننا. مش عايز نفكر في أي حاجة فاتت يا ملك، وحياة ابننا عندك سامحيني وارحمي ضعفي، أنا بقيت ضعيف من غيرك يا ملك، تايهة مليش حد حاسس بالضياع، متحرمنيش من أعيش لحظات حلوة معاكي، متحرمنيش من وجودكم جنبي، أنا في حاجات كتير وتفاصيل كتير معشتهاش وأنا صغير، مش عايز أخسرها تاني ومعيشهاش يا ملك.
أخذت تستمع ملك إلى حديثه شاعرة بكم الوجع والمعاناة التي يعيشها ونبرة الألم التي تملأ صوته، تشعر بالحزن عليه، تريد أن تحتضنه، فهي أيضًا تريد كل هذا، تريد بدء حياة جديدة معه، حياة مليئة بالحب والسلام، حياة دافئة تحيى بوجود ابنهم معهم. ردت ملك عليه برقة وحب فلا تريد أن تكون نقطة ضعفه، فهي اعتادت عليه قوته وصلابته وشدته:
= موافقة، بس... بس بشرط.
ابتعد مراد عنها ولم يصدق ما تفوهت به للتو قائلًا بتوتر ونبرة فرحة ظاهرة في نبرة صوته:
= موووافقة بجد يا ملك؟ أنا أسعد إنسان في الدنيا كلها دي.
ثم أخفض مقبلًا وجنتيها:
= ربنا يخليكي لي يا ملاكي.
ابتسمت ملك مرددة:
= إيه الاسم الجديد ده؟
مراد مجيبًا وشعور السعادة عنده لا يوصف:
= أيوه ملاكي لأن أنتي ملاك فعلًا، لأن عمري ما شوفت في طيبتك وبراءتك وتسامحك، أنتي حاجة نادرة مش بتكون موجودة، ويا حظ اللي يلاقي واحدة زيك، يتمسك بيها بإيده وأسنانه لأنها حاجة مبتتعوضش وصعب تتلاقي، وأنا بقى أكتر شخص محظوظ في الدنيا عشان عندي ماسة زيك.
انشرحت ملامح ملك وسعدت بكلماته التي تسكرها وأردفت له:
= مش عايزة تعرف الشرط الأول؟
مراد متعمقًا في عينيها الزرقاء الرائعة هاتفًا:
= أنتي تأمري تطلبي وأنا أنفذ، وموافق على أي حاجة هتقوليها من غير حتى ما أعرفها.
ملك بصوت حاولت إخراجه طبيعيًا:
= شيري بتمثل إيه في حياتك؟
استغرب مراد حديثها ولكنه أراد إنهاء كافة الشكوك التي تدور بخاطرها:
= ولا ليها أي وجود من الأساس ومش بتمثل أي حاجة في حياتي غير صديقة مش أكتر.
ملك بجذل:
= بس أنا مشوفتش ده بالنسبة لها لما كلمتني كانت عينيها بتقول حاجة تانية.
عينها بتقول إنها بتحبك وعايزاك ودا من أسباب كرهها ليا.
مراد وهو يدير حديثها في رأسه، وقد أخذته إلى مكان ثانٍ من التساؤلات:
= هي كلمتك؟ كلمتك امتى وقالت لك إيه؟
رأت ملك اندهاشه وتغير مجرى الحديث، ولكنها اتخذت قرارها وأخذت تقص عليه كل ما قالته لها شيري في المطعم في تلك الليلة المشؤومة.
أصغى مراد إلى حديثها وما تقصه عليه، بادياً على وجهه الغضب والذهول، وكلما تمادت ملك في الحديث ازداد غليانه وغضبه.
هتف مراد قائلًا كأنه يحادث نفسه:
= يعني هي السبب في حالتك في اليوم ده؟ هي السبب في حزنك والوجع اللي شفته في عينيكي يومها.
أخفضت ملك عينيها عن عينيه التي تدرس تفاصيلها ولم تجب، ولكنه وضع أنامله أسفل ذقنها رافعًا إياها إليه:
= راسك دي تبقى مرفوعة دايمًا! مش مراة مراد الطلخاوي اللي توطي راسها.
ثم نظر أمامه بوعيد وحزم:
= وشيري دي حسابها معايا كبير، هعرفها إزاي تكذب وتلاوع، هندمها على كل الكلام اللي قالته في حقك، هندمها على كل دمعة نزلت من عينيكي بسببها، عن كل وجع عيشتهولك.
تأملت ملك حالته وأردفت معقبة له بعد أن رأت شرارات الغضب تخرج من عينيه:
= مراد أنا مش عايزة تعمل معاها مشاكل بسببي، أنا بس كنت عايزة أعرف سبب اللي بتعمله دا إيه، كنت خايفة تكون بتبادلها نفس مشاعرها.
مراد بنفي ممسكًا بيدها داخل كفيه يقبلهما بهدوء:
= اللي عايزك تعرفيه إن عمري ما كانت ليها أي مشاعر، ولا عمري جه في بالي حتى إن ممكن تكون أكتر من صديقة، أنتِ اللي قلبي اتفتح عشانها، أنتِ اللي سكنتي روحي وقلبي وعقلي، أنتِ حبيبتي وروحي وحياتي كلها اللي مقدرش أبعد أو أفرط فيها... أنتِ عمرك ما تكوني سبب في مشكلة، أنتِ سبب في كل حاجة حلوة بتحصلي أو لسه هتحصلي.
اعتلت ملامح ملك السعادة والسرور، تشعر بنفسها كالفراشة، فلم تتوقع كل هذا الحب الذي يبثه لها مراد ويعترف به لها علانية.
اعتدلت ملك في رقدتها وقامت باحتضان مراد بقوة قائلة بحب وهيام ورقة:
= ربنا يخليك ليّ يا حبيبي وتفضل معايا وفي حياتي على طول، ربنا يديمك في حياتي طول العمر، أنا فرحانة ومبسوطة إني حامل وشايل منك حاجة جوايا.
مراد مشددًا احتضانه لها يتنفس رائحتها:
= سامحتيني يا ملك؟
ملك برقة:
= مسامحاك يا قلب ملك.
قبل مراد كتفيها قائلًا بحزم:
= مش هتبعدي عني خطوة بعد كده، هتفضلي معايا وفي حياتي دايمًا! حضنك وحشني أوي.
ابتعد مراد عنها مسندًا جبينه على جبينها هامسًا:
= هنروح بيتك ناخد حاجاتك ونروح على بيتنا ماشي.
هزت ملك رأسها له موافقة.
حاول مراد جاهدًا الابتعاد عن سحر عينيها التي تسحرهم به لكي ينهي كافة الإجراءات لكي يرحلوا من المشفى، محدثًا إياها بصعوبة:
= أنا هروح أنهي الإجراءات وأجيب لك سارة تقعد معاكي وبعد كده نخرج من هنا ماشي.
ملك بصوت هادئ:
= ماشي.
قبل مراد جبينها مرة أخرى قبل أن يتحرك إلى خارج الغرفة، وما إن أغلق الباب هتفت ملك بسعادة:
= حبيبي اللي بحبه.
بعد فترة، كان مراد قد انتهى من كافة الإجراءات، وسارة قد جهزت ملك وعدلت من هندامها بعد أن أخبرتها بمهاتفة خالتها ووالدتها وطمأنتهما عليها.
صعدت ملك إلى السيارة بمساعدة مراد وملك الممسكين بها، بعدها قاد مراد السيارة
ودي هتبقى مهمتي.
ابتسمت ملك على اهتمام خالتها بيها، ثم أردفت مُعقبة:
"بس مراد عايزني أروح النهاردة."
وافق مراد على حديث الحاجة فاطمة، ولكنه أعقب عليهم:
"قوليلها يا حاجة فاطمة."
ورد على ملك:
"أه، هنروح بيتنا النهاردة، بس هيبقى معانا الحاجة فاطمة لأني مش هاطمن عليكي غير معاها، وياريت يا حاجة فاطمة توافقي تيجي معانا."
الحاجة فاطمة بجدية:
"بس يا ابني مينفعش، ما تخليها هنا وأنت كمان خليك معانا، أنت مش غريب."
مراد مبررًا:
"والله أتمنى يا حاجة فاطمة، بس أنتِ عارفة شغل الشركة والفيلا قريب من الشركة، وهيبقى صعب من هنا، فأنتِ تعالي عيشي معانا."
تحركت ملك ناحية خالتها قائلة، فقد أعجبها قرار مراد بمجيء خالتها للعيش معها:
"تعالي يا خالتي معانا، ما تزعلناش منك."
لم تستطع الحاجة فاطمة سوى الموافقة لهم قائلة:
"خلاص ماشي موافقة."
وقالت بحزم:
"ما أنا مينفعش أسيبك كده من غير ما تتغذي وتبقى صحتك كويسة."
قبلت ملك وجنتي خالتها محدثة بحب:
"ربنا يخليكِ ليا وما يحرمنيش من حنيتك عليا أبدًا."
ضمتها الحاجة فاطمة لحضنها بشدة قائلة لهم:
"تعالوا اتفضلوا لحد ما أحضر ليكم الأكل ناكل مع بعض."
أومأ لها مراد موافقًا، وكذلك سارة التي خطت باتجاه خالتها قائلة:
"وأنا هاجي معاكِ أساعدك يا خالتي."
قالت الحاجة فاطمة إلى ملك:
"ادخلي استريحي أنتِ واقعدي أنتِ ومراد لحد ما أجهز ليكم الأكل."
أومأت ملك قائلة وهي ترمق سارة بنظرات مرحة:
"اعملي حساب معتز يا خالتي عشان في الطريق وجاي بيقول إنك وحشاه أوي."
ضحكت الحاجة فاطمة عليها بشدة متفهمة لحديثها:
"من عنيا، ده وحشني أوي والله."
ضحك ثلاثتهم بينما هتفت سارة لهم بنزق متوجهة ناحية المطبخ:
"أنا عارفة إن النهاردة يوم التحفيل عليا."
ضحك جميعهم عليها مرة أخرى متوجهين بعد ذلك إلى الداخل، حيث تجلس ملك مع مراد داخل غرفتها، وتحركت الحاجة فاطمة بداخل المطبخ تتبع سارة لتحضير الطعام لمن أحبتهم بشدة وأصبحوا جزءًا لا يتجزأ، فأصبحوا عائلة واحدة متمنية من الله أن يديمهم في حياتها.
بعد مرور ساعتين.
وصل معتز إلى منزل الحاجة فاطمة يطرق على باب الشقة عدة طرقات.
اتجهت سارة إلى الباب تقوم بفتحه بعدما أصرت عليها خالتها فاطمة.
قامت بفتح الباب فوجدت معتز أمامها قائلًا بغزل لها:
"مساء الجمال على أجمل بنت في الدنيا."
سارة بخجل من غزله الصريح لها:
"إزيك يا معتز عامل إيه؟ اتفضل."
معتز بنزق:
"يعني أقولك مساء الجمال تردي عليا كده؟"
سارة بمراوغة:
"أومال عايزني أقولك إيه؟"
معتز بخبث:
"تقوليلي مساء العسل عليك يا حبيبي."
سارة بنفي:
"لا طبعًا مينفعش أقولك كده."
معتز رافعًا يده إلى أعلى يدعي:
"صبرني يا رب، أنا عارف إني نحس، يوم ما أحب وأرتبط بواحدة مجنونة عشان تدلعني تعمل جنانها على كل الناس وتيجي عندي تقلب بطة بلدي."
ضحكت سارة بشدة على حديثه ولم تستطع أن توقف صوت ضحكتها المتعالي.
سرح معتز في جمال ضحكتها وبراءتها قائلًا:
"يا لهوي على الضحكة القمر اللي زي صاحبتها دي."
غمز لها بإحدى عينيه قائلًا:
"ده أنتِ عايزة تتأكلي أكل."
خجلت سارة منه بشدة وتوقفت عن الضحك وتخصبت وجنتيها ولم ترد عليه.
أعقب معتز عليها بحزم قائلًا بجدية زائفة:
"اعملي حسابك إن خلال شهر هيكون كتب الكتاب، وبعدها بشهر فرحنا، ما أنا مش هستحمل كده كتير."
شهقت سارة رافضة حديثه:
"لا طبعًا مينفعش."
معتز وهو يتخطاها يلوم نفسه:
"أه صح، أنا بقولك ليه؟ أنا خلاص كلمت باباكِ ومامتك ووافقوا، وبعد شهرين هتكوني أخدتِ إجازتك، بصي هبقى أعزمك على الفرح ما تنسيش تيجي."
ثم تخطاها متحركًا ناحية الداخل تاركًا إياها فارغة فاهها مصدومة بما تفوه به وما أخذه من قرارات، ولكنها أحبت ذلك بشدة. ابتسمت ابتسامة بسيطة قبل أن تغلق الباب قائلة:
"مجنون."
في المساء تحركت سيارة مراد متجهًا إلى فيلته، معه ملك وخالتها فاطمة بعد أن قضى يومًا مليئًا بالسعادة والحب، جو أسري رائع يمتاز بالدفء والحنان والطيبة افتقده كثيرًا، ولكنه أصبح الآن يتعايشه، كأن الدنيا أقرت على تعويضه وإسعاده. اتفق مراد مع معتز أن يلتقيا اليوم في فيلته، وافقه معتز وتحرك بسيارته لكي يذهب معه إلى فيلته.
بعد فترة ليست بالقليلة.
كانت سيارة مراد قد وصلت إلى قصره، فقام بفتح باب السيارة فوجد حرسه قابعًا في الفيلا من الداخل، فاتجه إليه رئيس الحرس مسرعًا:
"تحت أمرك يا مراد بيه."
أمره مراد:
"خد الشنط اللي في شنطة العربية ودخلهم الفيلا وخلي الخدم يطلعهم."
أومأ له رئيس الحرس باحترام رأسه قائلًا:
"تحت أمرك يا مراد بيه."
ثم تحرك يخطو لينفذ ما أمره به رب عمله.
ترجلت ملك من السيارة يليها خالتها التي نظرت إلى القصر بانبهار.
أمسك مراد بيد ملك يدلفان إلى الداخل، ثم نادى الخادمة التي أتت بسرعة البرق لرب عملها هاتفًا بحزم لها:
"طلعي الشنط فوق وجهزي الجناح التاني للحاجة فاطمة وحطي الهدوم الخاصة بيها في الدولاب."
هزت الخادمة رأسها له عدة مرات قائلة:
"حاضر يا مراد بيه تحت أمرك، خلال أقل من ساعة هتكون كل حاجة زي ما أمرت."
أشار مراد لها بإصبعه بالانصراف فتحركت الخادمة تنفذ ما أمرها به.
مراد محدثًا ملك والحاجة فاطمة:
"ورايا شوية شغل في المكتب هخلصهم أنا ومعتز، وشوفي يا ملك اللي حابين تعمليه أنتِ والحاجة فاطمة."
الحاجة فاطمة مرددة:
"هي تطلع تاخد دش حلو وتستريح شوية وخصوصًا إنها تعبت النهاردة."
مراد بابتسامة بسيطة:
"ماشي يا حاجة فاطمة اللي تحبيه اعمليه معاها أنا مش همنعك."
ملك بسخط:
"إيه ده! أنتم اتفقوا عليا؟"
مراد مؤكدًا:
"بالظبط كده، اتفقنا عليكي وأنتِ لازم تسمعي الكلام من غير ولا اعتراض."
ملك بوعيد:
"ماشي يا مراد أنا هوريك."
ضحك مراد عليها.
حدثت ملك خالتها بمكر:
"تعالي يا خالتي نطلع فوق وتباتي معايا، وهو ينام في أي حتة تانية."
رفع مراد حاجبيه فاهِمًا نيتها، وقبل أن يرد.
قالت الحاجة فاطمة بحزم:
"أنا هاقعد في أي حتة ما تشيليش همي، وتعالي يلا نطلع عشان تستريحي."
مراد بجدية زائفة:
"يلا اطلعي واسمعي الكلام."
صكت ملك على أسنانها بغيظ ضاربة الأرض بقدميها منه وانتوت له، ثم تحركت مع خالتها إلى الأعلى.
كان مراد يجلس خلف مكتبه يتابع بعض الأعمال التي انتهى من معظمها مرجعًا ظهره إلى الوراء، ولكن صوت طرقات خافتة على باب المكتب انتابت تركيزه، فأذن للطارق للدخول.
فدخلت إحدى الخادمات ومعها القهوة الخاصة به وضعتها على سطح مكتبه، واقفة أمامه بتوتر جلي تحاول أخذ أنفاسها لما هي مقبلة عليه، رمقها مراد بنظرات متفحصة بعد أن وجدها مازالت واقفة فحدثها بخشونة قائلًا:
"في حاجة واقفة عندك كده ليه؟"
ارتعشت الخادمة سعاد منه قائلة:
"مراد بيه أنا عايزة أقول لحضرتك حاجة بس يا ريت تسامحني، أنا مش عارفة والله إزاي الشيطان غواني وعملت كده."
مراد بحزم وصلابة متوجسًا لما تحدثه به قائلًا بصوت مرتفع خشن:
"انطقي في إيه؟"
ارتعشت الخادمة سعاد تفرك أصابعها مبتلعة ريقها بصعوبة تقص عليه كل ما فعلته واقترفته بحق زوجته بأوامر وتعليمات من شيري مقابل أخذ مقابل مادي كبير.
استنصت مراد إليها وأصبحت عيناه جمرتين من النار، شرارات الغضب تخرج من عينيه ضاغطًا على مفاصل يده بقوة حتى ابيضت يده بقوة، وأصبح غضبه متزايدًا مع شيري، وقد عقد العزم على أن ينتقم منها أشد انتقام. لقد أصبح عذابها عسيرًا بالنسبة له، فهي قد مشت وراء شيطانها فاعلة من ورائه أفعالًا مشينة مسيئة إلى زوجته، وسوف يجعل من شيطانها هذا سببًا لهلاكها ودمارها، فهي لم تعرف بعد عقاب من يتجرأ على شيء يخص مراد الطلخاوي وإن كان هذا الشخص هو زوجته البريئة ملك.
رواية اسيرة انتقامه الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم خلود محمد
في قصر مراد
بعد أن انتهت الخادمة سعاد من سرد ما حدث إلى مراد، صرخ مراد في وجهها بشدة، ناهضًا من على مقعده يتقدم منها، وشرارات الغضب تتطاير من عينيه، ممسكًا بشعرها بقوة مزمجرًا بأسنانه:
=أنتِ يا حقيرة يا زبالة، تستغفليني وتلعبي من ورايا؟ أنتِ يا زبالة، والله ما هرحمك، لأندمك على اللي عملتيه دا، ومحدش هينجدك من تحت إيدي.
الخادمة بخوف وذعر تشهق بألم من يد مراد الممسكة بشعرها بقوة:
=أنا آسفة يا مراد بيه، أبوس إيدك سامحني، مش هعمل كده تاني.
مراد شدد يده عليها بقوة وقسوة:
=وأنا لسه هسمحلك تعملي أصلاً أو تفكري بس تعملي تاني؟ أوعي تفكري إن اعترافك دا هيرحمك ولا هينجدك مني، تبقي بتحلمي. أنا عارف إنك قولتي تقوليلي عشان تلعبي دور الضحية، وأهو تلبسيها للكلبة اللي خططتي معاها واتفقتوا على مراتي.
دفعها مراد بقوة جعلها تسقط على الأرضية تتأوه من الألم. ضغط مراد على الهاتف محدثًا الحارس:
=تعال عندي بسرعة.
أغلق الهاتف يرمق تلك القابعة على الأرض تبكي بشدة، نادمة على ما اقترفته في حق زوجة رب عملها، بنظرات مشمئزة يطلق سبابه عليها.
في غضون ثوانٍ كان الحارس يطرق على الباب، حثه مراد على الدخول. دلف الحارس إلى غرفة المكتب منتظرًا تعليمات رب عمله. هتف به مراد بخشونة:
=خد الزبالة دي وديها على المخزن، عايزها تتربى من أول وجديد.
ثم رمقها بتأفف:
=تظبطوها على الآخر.
الحارس باحترام:
=تحت أمرك يا مراد بيه.
ثم تحرك ممسكًا بالخادمة التي تبكي متوسلة مراد بأن يرحمها، ولكن لا حياة لمن تنادي. أمسكها الحارس من ذراعيها بقوة يجرها خلفه. تابع مراد خروجهم شاعرًا بغضبه يتصاعد مرة أخرى.
دلف مكتب مراد معتز عاقدًا حاجبيه ناظرًا إلى صديقه الظاهر على ملامحه الغضب يسأله بتوجس:
=إيه يا مراد مالك؟ إيه اللي بيحصل هنا دا؟
مراد بلا مبالاة:
=ولا حاجة. الكلبة دي لعبت من ورايا، وشيري اتفقت معاها على خطط قذرة تعملها في ملك.
معتز باستغراب يحاول فهم ما حدث:
=شيري اتفقت مع الخدامة على ملك؟ وأنت عرفت منين؟ وشيري خططت لإيه مع الخدامة على ملك؟
مراد وهو يتحرك جالسًا خلف مقعده قائلًا:
=الخدامة اعترفت على نفسها، خافت شيري تغدر بيها، ولما لقيت ملك جت معايا خافت على نفسها فطلعت بدور الضحية. المهم دلوقتي عايزك في موضوع شيري، عمايلها السودة ظهرت وبقيت بتلعب من ورايا ضد مراتي، والدور جه إني أخلص منها وأخرجها بره حياتي.
معتز مردفًا:
=حذرتك منها يا صاحبي، قولتلك شيري غدارة وممكن تعمل أي حاجة في سبيل مصلحتها، بس كويس إنك كشفتها في الوقت المناسب.
مراد بجدية:
=ركز معايا بقى واعرف هنعمل إيه معاها.
أصغى معتز إلى صديقه يستمع إلى ما ينوي له حتى انتهى معقبًا عليه بانبهار:
=دا أنت دماغك دي داهية.
ضحك مراد عليه وأردف معتز قائلًا بغمز:
=مبروك يا نمس هتبقى أب.
مراد مبتسمًا:
=الله يبارك فيك يا معتز، الواحد مش مصدق إنه هيبقى أب مسؤول عن طفل. آه صحيح هتتجوز إمتى؟
معتز وهو يعيد ظهره إلى الوراء مجيبًا بنزق:
=هتجوز مجنونة كل ما أقول حاجة تعارضني فيها، فاتفقت مع أهلها خلاص وبعد شهرين هيكون الفرح.
أومأ له مراد مباركًا:
=ربنا يكملك على خير يا معتز، سارة بنت كويسة ومحترمة.
معتز بتأكيد:
=ودا سبب إني ارتبط بيها، بنت حلال وبنت أصول.
مراد موافقًا على حديثه:
=عندك حق.
معتز وكأنه تذكر للتو:
=صحيح الرجالة الغريبة اللي كانت موجودة في مكتبك لما دخلت أسلمك الملفات، كانوا عايزين إيه؟
مراد مرجعًا ظهره إلى الوراء مجيبًا:
=مكنتش عايز أفتكر يا معتز، فكرتني بالموضوع دا ليه؟
معتز بتساؤل قلق:
=للدرجة دي صعب؟ هو إيه اللي حصل؟
استرجع مراد بذاكرته حينما أخبرته السكرتيرة بقدوم الثلاث رجال مرة أخرى ويريدون مقابلته، فسمح لهم حينها.
فلاش باك:
يجلس مراد خلف مقعده ينظر إلى الثلاث رجال الجالسين أمامهم هاتفا لهم:
=السكرتيرة خبرتني إنكم عايزين تقابلوني وجيتوا قبل كده وأنا مسافر، أحب أعرف إيه الموضوع الخطير اللي يخلي تلات رجال كبار يجوا أكتر من مرة عشان يقابلوني.
أجابه المحامي بهدوء محاولًا عدم إغضابه في الحديث:
=مراد بيه، إحنا جينا نسلم لحضرتك أمانة ونقول اللي يرضي ربنا مش أكتر، ودي وصية والدك الله يرحمه اللي قالنا نخبرك بيها قبل ما يموت.
مراد وقد انتصب تركيزه إلى حديثه مردفًا بقطع:
=تقدر توضح أكتر وتقول اللي عندك.
المحامي مخرجًا الملفات من حقيبته مادًا يده له:
=دي مستندات فيها الورث بتاع حضرتك من والدك الله يرحمه، شركتين وحساب باسم والدك فيه فلوس حضرتك اللي والدك كان شايلها ليك + الفلوس الخاصة بيه.
أخذ مراد تلك المستندات وأخذ يقرأ ما فيها متأكدًا من حديث المحامي له ثم حرك رأسه له مرة أخرى سائلًا:
=وإيه الظرف دا؟
الرجل الأول مجيبًا:
=دا ظرف جواه رسالة لحضرتك، بس والدك ما أذنش لينا إننا ممكن نفتحه، فسبناه زي ما هو وقالنا نسلمه لحضرتك في الوقت اللازم، وأهو جه الوقت.
وضعه مراد على سطح المكتب سائلًا لهم باستفسار:
=طب أنتم تعرفوا إيه عن والدي وكانت حياته ماشية إزاي هناك؟
الرجل الثاني مجيبًا بهدوء:
=والد حضرتك هو صاحب الشركتين اللي إحنا بنشتغل فيها، تقدر تقول كنا الإيد اليمين ليه الله يرحمه وهو ساعدنا كتير في إننا نكبر ويبقى لينا اسم في السوق، إحنا كنا عاطلين بس لما التقى بينا وعرف إننا أصلنا من مصر ساعدنا وخدنا معاه وشغلنا في شركته الأولى قبل ما يعمل ليها فرع تاني، ودا جميل وفضل كبير أوي لوالدك علينا وحاطينه فوق راسنا لحد دلوقتي.
مراد غير مستوعب إلى ما فعله والده فرمى سؤاله لهم:
=كان بيحكيلكوا عن حياته الشخصية؟
المحامي مجيبًا:
=والدك لما سافر كان معاه واحدة مصرية متجوزها، وحكلنا إنه بعد فترة طلقها لأنها كانت بتخونه مع صاحبه، وبعد كده عرفنا إنها ماتت في حادثة بشعة هي واللي كانت مرافقة، بس والدك ساعتها كرهها واسودت الدنيا في وشه وفضل يحكيلنا عنك وعن والدتك وقد إيه هو ظلمك وظلم والدتك. وكان متابع نجاحاتك وبيفتخر بيك قدامنا، أو لما يقعد في اجتماع ورجال الأعمال يتكلموا عنك وعن نجاحاتك كان بيبقى فرحان ومبسوط أوي بيك ومكانتك الكبيرة اللي وصلت ليها.
شعر مراد بصدمات متتالية تقذف إليه واحدًا تلو الآخر والذي أوضح من حديثهم عن ندم والده وحزنه طيلة السنوات السابقة، وتلك اللعينة التي أودت بوالده وقامت بخيانته.
أخرج مراد من شروده سؤال الرجل الأول له:
=مراد بيه الشركات دلوقتي بقت ملك حضرتك، وأنت الوحيد اللي تقدر تقرر إنها تستمر أو يتم خصخصتهم وبيعهم.
مراد بنفي حازم:
=لا طبعًا الشركات هتفضل موجودة وأنتم اللي هتبقوا مسؤولين عنها في غيابي وتقولولي كل جديد ليهم.
المحامي بابتسامة:
=ودا اللي كنا مستنينه من حضرتك يا مراد بيه إنك تكمل سيرة والدك في المجال دا، وإن شاء الله هنكون عند حسن ظنك.
مراد بتأكيد:
=ودا فعلًا اللي أنا مستنيه منكم، تقدروا تتابعوا الشغل هناك وتبعتهولي على الإيميل بتاعي وأنا أتابع اللي بيحصل.
ابتسم الثلاث رجال فرحين بذلك القرار الذي اتخذه مراد، فواحد غيره كان باستطاعته أن يبيع تلك الشركات مكتفيًا بما لديه، ولكنه أحب أن يكمل مسيرة والده. اتفق مراد مع الثلاث رجال الذين عاهدوا على الأمانة وبذل الجهد المضاعف لكي يظلوا على نفس المستوى الذي كان فيه والده وأن يرتقوا بالشركات أكثر وأكثر.
نهاية الفلاش باك.
معتز بصدمة وأعين جاحظة:
=كل دا يحصل يا مراد من غير ما أعرف؟
مراد بهدوء:
=صدقني يا معتز مكنش في دماغي ساعتها، كان كل اللي في دماغي وشاغل عقلي إني أرجع ملك ليا وأعوضها عن كل اللي حصل.
معتز بتساؤل:
=طب الظرف دا كان فيه إيه؟
مراد ردًا بهدوء:
=كان بيحكيلي معاناته اللي عاشها مع مراته الزبالة، وإنه ندمان على اللي عمله في حقي وحق أمي وكان بيطلب إني أسامحه.
معتز بغير انتباه:
=مراته دي والدة ملك صح؟
مراد بعصبية وخشونة:
=ماتقولش أمها، دي مش أمها، دي واحدة زبالة خاينة ماتستحقش إنها تكون أم أو اسمها يرتبط باسم ملك، ملك أبعد ما تكون أمها بالشكل دا.
معتز محاولًا تهدئته وقد لام نفسه على ما هتف به لسانه:
=آسف يا مراد، أنا ماقصدش، أنت عندك حق في كلامك.
مراد بحزم:
=يا ريت تقفل على الموضوع يا معتز لأني مش عايز أفتكره، ويا ريت لسانك ما يقعش بكلمة من دول قدام ملك.
معتز بتأكيد:
=ماتقلقش يا مراد، مش هتكلم في حاجة قدامها أو من وراها حتى، الموضوع انتهى. بس أنت سامحت أبوك يا مراد؟
مراد بوجع:
=رغم كل اللي عمله معرفتش أكرهه أو أزعل منه، كنت بلومه بس. وجعني أوي لما بيطلب مني إني أسامحه، ما يعرفش إني عمري ما زعلت منه أصلاً.
معتز بحزن على صديقه:
=ربنا يرحمه يا مراد، ادعيله بالرحمة والمغفرة.
مراد معقبًا:
=ربنا يرحمه.
نهض معتز بعد ذلك من على مقعده قائلًا:
=أنا همشي دلوقتي يا مراد وأسيبك ترتاح وربنا يروقلك الحال.
ودعه مراد بعد أن نهض هو الآخر من على مقعده متحركًا بعد ذلك صاعدًا إلى جناحه الذي حيا بوجود ملك فيه مرة أخرى.
كانت ملك قد انتهت من تناول العشاء التي أصرت خالتها عليها بأن تتناوله، ثم تركتها وتحركت بعد ذلك إلى الجناح المجاور لجناح مراد وملك ماكثة فيه، قائلة لملك أن تستريح وإن أرادت شيئًا تستدعيها على الفور. ابتسمت ملك ابتسامتها المعهودة وهي ترى حنان خالتها عليها ومعاملتها كابنتها وعن خوفها الشديد عليها.
دلف مراد إلى الجناح يرى ملك واقفة في نصف الجناح ويعتلي وجهها ابتسامة هادئة، تقدم مراد منها بعد أن وجدها لا تنتبه لدخوله. أحاط مراد خصر ملك هامسًا بجوار أذنيها:
=الجميل سرحان في إيه؟
شهقت ملك متفاجئة من
مينفعش.
كان مراد يتابع حركة شفتيها، وما أن انتهت أخفض رأسه مُقبلاً شفتيها بشفتيه برقة وحب، يتذوقهما بتمهل وعشق شديدين. كانت ملك متخشبة، لم تعرف ماذا تفعل، أرادت إبعاده عنها ولكن مع همساته التي تسكرها ولمساته المراعِية لم تستطع فعل شيء سوى الاستجابة له. فرفعها مراد متجهًا بها ناحية الفراش يعيش معها الحب والاشتياق، يبثها شوقه يعوض عن تلك الأيام التي ابتعدت عنه فيها، مراعيًا حالتها، يتعامل معها بكل رقة وشغف يغيبان سويًا في عالم ثانٍ.
في صباح يوم جديد، استيقظت ملك على لمسات كالفراشة على وجهها، حاولت إزاحتها متأففة بضيق، ولكن مراد أعاد الكرة مرة أخرى مع صوت همساته وضحكاته المتعالية. ففتحت عينيها وجدت عينيه السوداوين تحملقان فيها بهيام قائلًا بحب:
= إيه النوم دا كله؟ ما كانش نومك تقيل كده، الحمل بدأ معاكي ولا إيه؟
تماطعت ملك بكسل ناظرة إلى مراد تريد النوم مرة أخرى، غير مصغية إلى حديثه. لمعت في رأس مراد فكرة خبيثة قام بتنفيذها على الفور محدثًا نفسه:
= طالما نومك تقيل ومش راضية تصحي، أنا هعرف إزاي أصحيكي بطريقتي.
ثم وضع ذراعيه تحت ركبتي ملك حاملًا إياها من على الفراش ناهضًا بها متجهًا بها إلى المرحاض. بينما شهقت ملك بصوت عالٍ مرتفع وقد أصبحت وجنتيها شديدة الاحمرار خافية وجهها في عنق مراد الذي أخذت صوت ضحكاته المتسلية في التعالي.
بعد مرور يومين.
كانت شيري تخطو بخطواتها الرشيقة، منتوية دخول الفرع الرئيس لشركة مراد، ولكن يد الحارس منعتها قائلًا:
= ممنوع.
تعجبت شيري رامقة الحارس بنظرات مشتعلة محدثة إياه بعصبية:
= أنت بتقول إيه يا حيوان أنت؟ أنت واعي للي بتقوله؟ أنا شيري هانم.
الحارس بحزم وتشدق:
= ما عنديش أوامر إنك تدخلي الشركة، ودي تعليمات من مراد بيه ذات نفسه إنك ما تدخليش الشركة.
بهتت ملامح شيري إلى الفور وأصبحت شاحبة، ماذا يقصد بأن مراد هو من أعطى التعليمات؟ أخرجت شيري الهاتف تحاول الاتصال بمراد تستفهم منه، لمحت معتز من على بُعد يقوم بركن سيارته فأسرعت تجري ناحيته تسأله:
= إزيك يا معتز؟
نظر معتز إليها فرد تحيتها:
= إزيك يا شيري عاملة إيه؟
شيري محاولة بث الهدوء في نفسها:
= معتز، هو إيه اللي بيحصل دا؟
معتز بهدوء وابتسامة ماكرة:
= إيه اللي حصل يا شيري؟
شيري بصوت متحشرج متوتر:
= الحارس بيقول لي إني ممنوعة إني أدخل الشركة بأوامر من مراد.
ضحك معتز عليها ساخرًا:
= إيه دا، أنتي ما تعرفيش اللي حصل؟
شيري بتوتر بائن على وجهها:
= إيه اللي حصل؟
معتز بابتسامة متشفية:
= مراد عرف بكل مخططاتك وألاعيبك اللي لعبتيها عليه من وراء، وأخيرًا الخدامة اللي اعترفت عليكي وقالت لمراد عن كل حاجة. أما عني فأنا عرفت إنك حولتي فلوس كتير بتاعة الشركة وحولتيها على حسابك في البنك.
ثم صمت معقبًا بعد ذلك:
= ولما مراد عرف بدا كله، عارفة عمل إيه؟ سحب كل فلوسك اللي في البنك وسحب منك العربية والفيلا كمان، ما هو كل دي فلوسه وتعبه برضه اللي نهبتي من وراه، وقرر يجيب لك شقة صغيرة كده أوضتين وصالة في بلدك اللي استعريتي منها أسيوط، وجنبها كشك صغير كده تسترزقي بيه، عشان تعرفي تعيشي. شوفتي بقى مراد حنين إزاي؟ واحد غيره كان سجنك في السجن وما خلكيش تشوفي النور الثاني. احمدي ربنا.
تجمدت شيري في مكانها شاحبة وجهها، سُحب منه الدماء، لم تقو على رمش عينيها، خائفة مرتعشة من مصيرها الأسود الذي يجري وراءها.
أكمل معتز بعد ذلك متحركًا إلى الداخل:
= آه، نسيت. الفلوس اللي في شنطتك يا دوب يخلوكي تلحقي قطر النهار ده، لإنك لو فضلتِ هنا كتير هيبقي مصيرك ومكانك الشارع تشحتي منه. لإن ما فيش شركة بعد كده ممكن تقبل بيكي عشان أنا حذرتهم من واحدة طماعة جشعة زيك، ولو عرفنا إنك ما سافرتيش النهار ده أسيوط هنعرف إنك قبلتي تبقي في الشارع وهنلغي العرض بتاعنا.
ثم أولاها ظهره متحركًا ناحية الشركة، تاركًا إياها تذرف دموع الندم وعن ضياع كل شيء في حياتها وعودتها مرة أخرى إلى الشارع.
انتهت قصة شيري بطمعها وسوادها، وقد خشيت من زوال تلك الفرصة ويصبح مصيرها الشارع، فتحركت تخطو بأذيال خيبتها إلى أقرب طريق يوصلها إلى أسيوط مطرودة من حياة مراد إلى الأبد.
بعد مرور أكثر من شهرين.
في فندق أربع نجوم، كانت سارة متواجدة بإحدى الغرف تحت أيدي خبراء التجميل، فاليوم يُقام زفافها على من أحبت. يشع وجهها سعادة وفرح، لم يختلف حالها عن معتز الذي كان يدور في الغرفة لم يستوعب بعد أن اليوم زفاف، قائلًا بصياح:
= حد يديني بوكس يا جماعة، مش مصدق إن النهار ده فرحي.
ولج إليه الغرفة مراد مرتديًا حلته من اللون الكحلي وعليه كرفت من نفس اللون، الذي استمع إلى صياحه من الخارج قائلًا بتجهيز:
= عندي استعداد أديك بوكس بس ساعتها مش هيبقي فرح هيبقي جنازة.
معتز مبتعدًا عنه بخوف:
= لا يا عم ابعد عني أنا بهزر.
ثم أخذ يرقص في الغرفة يغني بصوت سعد الصغير:
= النهار ده فرحي يا جدعان عايز كله يبقي تمام.
ارتفع صوت ضحكات مراد وكل من يتواجد بالغرفة على ذلك العريس الذي جُن عقله.
كانت ملك وخالتها فاطمة واقفين مع سارة بجوار أمها وأختها في الغرفة وخبراء التجميل يضعون آخر لمساتهم على وجه سارة التي كانت جميلة بفستانها الأبيض الخلاب وحجابها الرائع عليها ومساحيق التجميل التي برزت جمال عيونها العسلي وأهدابها الكثيفة، فكانت فاتنة بحق.
نظرت ملك إليها مرددة بابتسامة واسعة:
= ما شاء الله تبارك الله، أحسن عروسة في المجرة يا سارة.
سارة بابتسامة:
= بجد يا ملك حلوة؟
ردت عليها خالتها فاطمة هذه المرة:
= طالعة زي القمر يا سارة، جمال يخطف العين والعقل.
شكرتهم سارة بحب متأملة نفسها في المرأة.
في المساء.
وقف معتز أسفل الدرج منتظر قدوم حوريته الجميلة على أحر من الجمر ناظرًا لساعة يده. ولكن قبل تذمره وجد حوريته تطل عليه بفستانها الأبيض الرائع وحجابها المزين عليها، فأصبحت حوريته جميلة رائعة خاطفة كل الأنظار عليها، تتعلق بيد والدها هابطين الدرج، يسلمها والدها له يوصيه عليها.
نظر معتز إلى وجهها فأخفضت عينيها متحاشية النظر له. رفع معتز وجهها له مقبلًا جبينها هامسًا لها بحب وسعادة:
= أنا أسعد إنسان في الكون دا كله، ربنا وعدني بأجمل وأحلى بنوتة، ربنا يخليكي لقلبي يا عمري الجديد.
ابتسمت سارة بخجل له مسرورة بغزله بها.
تعلقت سارة بذراع معتز، بداية مراسم الزواج.
كانت ملك تقف بجوار مراد مرتدية فستانًا من اللون الكحلي المطرز وعليه حجاب من اللون الفضي، وقد ظهر عليها الحمل فقد كانت بطنها منتفخة بشدة، وذلك لحملها في توأمين ذكور بعد أن أخبرتها الطبيبة التي تتابع معها الحمل. تعلقت ملك بذراع مراد فقد وقفت لمدة طويلة شاعرة بثقل في بطنها.
مراد بقلق:
= مالك يا حبيبتي، أنتي كويسة؟
ملك بابتسامة خفيفة:
= كويسة يا حبيبي بس الوقفة تعبتني.
مراد ممسكًا بيدها يتحرك بها بتمهل:
= تعالي اقعدي يا حياتي ما تقفيش كده، مش الدكتورة حذرتك من الوقفة الكتير؟
ملك متحركة معه تجلس على الطاولة التي تتواجد عليها خالتها، يجذب مراد لها أحد المقاعد تجلس عليه جالسًا بجوارها يتابعون الحفل الذي بدأ للتو.
بعد مرور خمسة شهور.
في إحدى الليالي استيقظ مراد على صوت صرخات ملك المتعالية من جواره فنهض من الفراش بفزع وهي تهتف بتوسل:
= الحقني يا مراد تعبانة، بأولد.
جرى مراد جالبًا لها شيئًا ترتديه واضعًا الحجاب على رأسها.
حاملًا إياها ينزل الدرج مسرعًا تتبعه خالتها فاطمة التي استمعت إلى صرخات ملك مرتدية هي الأخرى عباءتها تهرع ورائه.
بعد مرور وقت قليل، سلم مراد ملك إلى الطبيبة التي كانت تتابع حملها مهاتفًا إياها في الطريق بأن تأتي ولكنها أخبرته أنها متواجدة في المشفى بالفعل. أخذ يدعو الله ويناجيه بأن يحفظ له زوجته وأولاده داعيًا الله بأن تقوم له زوجته بخير.
بعد فترة، استمع مراد إلى صوت صرخات آتية من غرفة العمليات فعلم بقدوم أبنائه للدنيا ولكنه لا يرتاح أن يطمئن على ملك.
خرجت الممرضة من الغرفة حاملة للطفلين.
هتف به معتز سائلًا بقلق:
"ملك عاملة إيه طمنيني عليها؟"
الممرضة بابتسامة بشوشة:
"المدام بخير الحمد لله، وهتتنقل لأوضة عادية ومبروك ليك جايب ولدين زي القمر."
حمدت الحاجة فاطمة الله شاكرة له بعد أن اطمأنت على ابن أختها وسلامتها وسلامة أبنائها.
قامت الحاجة فاطمة بحمل الطفلين ناظرة لهم ببشاشة وسعادة فقد كانوا آية في الجمال، فأخذين لبياض ملك الناصع، واحد يحمل ملامح مراد بأكملها والآخر يحمل ملامح ملك، فكانوا آية في الجمال.
هتفت الحاجة فاطمة بهيام لمراد:
"ما شاء الله عليهم يا مراد، حلوين أوي واخدين منكم أنتوا الاتنين بس لسه منعرفش لون عيونهم إيه."
ابتسم مراد لها مرددًا عليها:
"الله يبارك فيكي يا حاجة فاطمة."
ثم تحرك بعد ذلك إلى الغرفة العادية التي انتقلت لها ملك.
كانت ملك مستلقية على الفراش تنظر إلى مراد الذي دلف الغرفة ينادي اسمها. جلس بجوارها على الفراش قائلًا بلهفة مقبلًا يدها وجبينها:
"حمد لله على سلامتك يا حبيبتي."
ملك بضعف وصوت هامس:
"الله يسلمك يا حبيبي، الولاد فين؟ كويسين هما؟"
مراد مطمئنًا إياها:
"آه يا حبيبتي كويسين، الحاجة فاطمة شايلاهم بره بتقول واحد شبهي وواحد شبهك."
دخلت الحاجة فاطمة الغرفة حاملة الطفلين تتأملهما بسعادة وفرح مقتربة من ملك:
"حمد لله على سلامتك يا ملك."
ابتسمت ملك لها بضعف بينما اقتربت الحاجة فاطمة منها واضعة طفل بجوارها والآخر بيد مراد مرددة:
"واحد شبهك وواحد شبهي يا مراد بس منعرفش لون عيونهم لسه."
حمل مراد ابنه التي كانت ملامحه كلها ملك يشبهها كثيرًا فقبل وجنته الناعمة بهدوء مؤذنًا في أذنيه. قام الصغير بحركة طفيفة فاتحًا فمه الصغير يحاول فتح أعينه التي ظهرت بلون السماء الصافية وراثها عن أمه، وبعد أن انتهى وضعه على الفراش، حاملًا طفله الثاني الذي يأخذ الكثير والكثير من ملامحه ولكنه يمتلك نفس أعين والدته وأذن بجوار أذنيه مقبلًا وجنته الصغيرة واضعه بجانب ملك من الناحية الأخرى مرددًا لها بهمس:
"الاتنين واخدين نفس عيونك."
الحاجة فاطمة:
"ربنا يخليهم ويحفظهم ليكم يا رب."
ملك بضعف تسأله:
"هتسميهم إيه؟"
مراد مقتربًا منها هامسًا:
"هسمي مالك عشان شبهك، واخد كل حاجة منك نسخة صغيرة منك، والتاني..."
ثم نظر إلى الحاجة فاطمة قائلًا:
"والتاني أنتي اللي هتسميه يا حاجة فاطمة."
ابتسمت الحاجة فاطمة مندهشة مما تفوه به مراد فأدمعت عينيها تأثرًا قائلة:
"زين، عشان يبقى زينة الرجال كلها زي أبوه."
هز مراد رأسه لها موافقًا فقد أعجبه الاسم كثيرًا هو وملك التي ابتسمت لخالتها وقد أقروا على تسمية أبنائهم (مالك وزين).