دلفت أسيا بخطى سريعة نحو غرفتها دون أن تنطق بحرف لآدم الذي كان يسير في القصر وعيناه عليها. لم يصعد خلفها بل نادى على الحارس الذي كان مرافقًا لها. أتاه الآخر بعد لحظة يقول باحترام: "أمرني يا آدم باشا." سأله آدم بنبرة هادئة: "إيه اللي حصل هناك؟ الهانم مالها؟ هز رأسه نافيًا قبل أن يخبره: "والله ما أعرف يا باشا، ما حصلش أي حاجة." ضيق آدم عينيه وكرر سؤاله بنبرة محذرة: "انت متأكد إن مفيش حاجة حصلت؟ كنت معاها طول الوقت؟
أومأ الرجل مؤكدًا بسرعة: "أيوه والله يا باشا، ما سبتهاش إلا عشر دقايق كنا بنشتري ميه ليا ولحامد، والهانم كانت قاعدة في الجنينة! حاول آدم تمالك أعصابه حتى لا يقتل ذلك اللعين على تركه لها في تلك العشر دقائق. أشار له أن يغادر. صعد متوجهًا نحو غرفتهم ولكن لم يجد أسيا، فتوقع تواجدها في الغرفة التي يقطن بها والدها حتمًا. عند أسيا، كانت تجلس أمام والدها دموعها تنهمر دون صوت.
تشعر بروحها تتلوى وتنبح، ولكن العقل يمنع ذلك الصوت من الخروج. فيزداد أنين تلك الروح. أمسكت يداه وهي تهمس بصوت مبحوح: "أعمل إيه يا ربي ساعدني. لو قولت لأدم ممكن يقتلوك فعلاً. اللي كان مانعهم عنك إنهم ما يعرفوش إنك هنا أصلاً، لكن طالما عرفوا يبقى سهل يقتلوك! ثم أخذت تهز رأسها نافية بسرعة وهي تحتضنه: "وأنا مش هقدر... مش هقدر أخسرك، وانت كنت بتعمل كل حاجة عشاني وعشان ما تخسرنيش! تنهدت بصوت مسموع وكأنها تقنع نفسها
بتلك الحروف المذبذبة: "الزوج... الحبيب... الأخ... كل حاجة ممكن تتعوض، إلا الأب هو اللي ما بيتعوضش أبداً." فجأة وجدت جسد والدها يتشنج ويهتز بعنف والجهاز يعلن إشارات غريبة. نهضت أسيا بسرعة تنادي الممرضة والطبيبة المشرفة على حالته: "يا دكتورة... تعالوا بسرعة بالله عليكم." وبالفعل جاءت الطبيبة وهي تدلف مشيرة لأسيا: "ممكن تطلعي بسرعة يا مدام." خرجت أسيا ببطء تستند على الحائط خلفها. بينما عيناها تنزف دمعًا.
شعرت بهاتفها يهتز معلنًا عن وصول اتصال، فأمسكت به لتجيب بصوت لا حياة فيه: "أيوه مين؟ وجدت من يجيبها بصوت أجش: "إحنا أديناه دلوقتي مجرد دواء يجيب له تشنجات، المرة الجاية هتكون سم! ثم أغلق الخط لتئن هي بصوت مكتوم. أصبحت تشعر أنها بين نيران. نيران يزداد لهبها فتحترق هي متلوية بينها. في تلك اللحظة وجدت آدم أمامها يحتضنها بحنان هامسًا: "متقلقيش، إن شاء الله هيبقى كويس. ادعيلها." أومأت عدة مرات دون رد. لترفع
رأسها متمتمة بصوت مبحوح: "آدم لو سمحت تعالى الأوضة، احنا لازم نتكلم." ذهبا معًا للغرفة بهدوء. وما إن دلفا حتى سألها آدم بقلق: "في إيه يا حبيبي مالك؟ تنهدت بصوت مكتوم تحاول استجماع شجاعتها الهاربة: "آدم أنا عايزة أنفصل... أنا مخنوقة أوي وحاسة إني هفضل مش مرتاحة كدا." عقد آدم ما بين حاجبيه، كإشارة لعدم اقتناعه بتلك الهراءات. فأكملت هي دون أن تنظر لعينيه:
"النهاردة شوفت مرات واحد أنت قتلته، كانت عمالة تقول كلام كتير وتدعي عليك وعلى ولادك. وأنا مش هقدر... مش هقدر أخلي ابني يتحمل أخطاءك ومش هقدر أشوف حد من ضحاياك كل شوية! كان آدم مغطى بطلاسم الصمت، وكأنه حُشر بين جدار تلك الكذبة السوداء فلم يعد يستطع الفرار. لم يفعل سوى أن رد بجمود وهو يضع يداه بجيبه: "ماشي يا أسيا... هطلقك. خشي البسي وهاخدك ونروح للمأذون دلوقتي." وبالفعل استدارت تدلف لغرفتها وهي تضع يداها على قلبها.
تشعر به يكاد يتوقف عن سيره. بدأت عيناها تدمع وهي تهمس بصوت يكاد يسمع: "آسفة يا آدم، مش هقدر أخونك وأعمل اللي هما عايزينه... أحسن حل إني أتطلق وأفهمه إنك انت اللي طلقتني! كان أدهم يحتضن شروق بصمت ويتسطحان على الفراش بهدوء تام. هدوء يحمل بين ثناياه جيشًا من الحروف سُلبت حقوقه في الخروج. حتى الآن لم يستوعب حديثها ولكنه كالعادة فضل الصمت. وأمام باب المنزل كان ثلاث رجال من الصعيد.
أمرهم كبير عائلة "الدهاشنة" بإحضار شروق في التو. فتسير خطة جدها الشيطان كما أراد تمامًا. كانوا يقفان أمام الباب، فنظر أحدهم للآخر وقال: "أول ما يفتح انتوا هتتصرفوا مع الواد وأنا هخش أجيب البت." أومأ الآخران مؤكدين ليحذره الآخر: "بس خد بالك البت تصرخ أو كدا، الكبير قال ما عايزينش مشاكل وفضايح! أومأ الرجل بتأكيد شابه الثقة: "ماتقلقش أنا عارف هعمل إيه بالظبط."
وبالفعل طرق الباب وبيده الأخرى السلاح منتظرًا خروج "أدهم" ليعاجله بضربه كما خطط. بينما على الطرف الآخر في سوهاج. كان كبير عائلة الدهاشنة يجلس مع باقي أفراد العائلة في غرفة الاجتماعات. ليسأله أحدهم بجدية: "وهنعمل إيه مع البت اللي هتيجي دي يا كبير؟ رد الجد الأكبر بثقة صلبة: "طالما جدها ما عرفش يعمل حاجة ولجأ لي ما قدرتش أصده، فهخير البت بين اتنين مالهمش تالت." صمت برهة ليعود ويكمل بنفس الإصرار:
"يا تتجوز وتسد ديون أهلها عليها وحقهم، يا تسبلهم شقى عمرهم وتروح مكان ما تحب! في تلك اللحظة وجدوا الباب يُطرق أكثر من مرة وفتاة ما تعمل كخادمة في قصر جد شروق تدلف. نهض هو مزمجرًا بعصبية: "كيف تدخلي بين قعدة الرجال؟ ردت هي بسرعة متوترة: "أنا جايه أقول لحضرتك حاجة مهمة." سألها بخشونة: "حاجة إيه؟ قولها." جابت هي بدون تردد على عجالة:
"كانوا بيكدبوا لما قالوا إن بتهم متجوزة من واحد صايع. اتجوزته لما قالولها هتتجوزي، لا هي كانت متجوزاه من بدري من قبل ما توصل لأهلها أصلاً والواد ما عايز ورثها دا كان بيساعدها بس. وهما اللي فارق معاهم إنهم يخلصوا من المشكلة دي مش الورث خالص! انتفض واقفًا يسألها بحدة: "وانتِ عرفتي الكلام دا منين يابت؟ تنفست بعمق قبل أن تهمس بقلق: "سمعتهم صدفة وأنا بدخل لهم القهوة! جلس مرة أخرى ينظر حوله بشرود. سينتقم منهم.
سينتقم مؤكدًا ممن جعلوه لعبة في إيديهم. وقف مرة أخرى يأمر أحدهم بسرعة: "إلحق اتصل بالواد قبل ما يخطف البت بسرعة خليهم يعودوا للبلد طوالي! ثم صمت يفكر محدثًا نفسه بغيظ: "وهحاسبكم على اللي عملتوه وهاخد تار ولدي مش هحلها دي ولا نيلة! في منزل "مصطفى". كانت نشوى تسير خلف مصطفى الذي كان يدخن بشراهة دون أن يعير حديثها اهتمام. نفذ صبرها من تلك اللامبالاة التي تتلف أعصابها في كل دقيقة تزداد على الأخرى. لتنتشل منه
السيجار صارخة بحنق واضح: "مصطفى أنا بكلمك رد عليا لو سمحت بلاش البرود دا؟! تأفف مصطفى قبل أن يقول ببرود: "منا ياما رديت عليكي يا نشوى وانتِ مصممة ماتفهميش." ضحكت ضحكة صغيرة ساخرة وهي تسأله: "رديت عليا بإيه؟ استطرد بصوت أجش دون أن ينظر لها وهو يسير ببطء في المنزل: "رديت وقولتلك إني مش بتاع جواز، قولتلك من بدري وانتِ كنتي حابة العيشة معايا على كدا... معرفش إيه اللي جد بقى؟! كانت ملامحها جامدة، شاحبة توازي شحوب الموتى
وهي تتابع بصوت عالي: "بس أنت خلتني أسيب جواد وقولتلي إنك هتجوزني! ولما سكت قولت فترة وهيرجع لعقله وهيتجوزني." ابتسم مصطفى بسماجة، ثم قال: "لأ يا حبيبتي أنا كدا في كامل قوايا العقلية ومستحيل أتجوز." "طب ما انت كنت هتتجوز سيليا هانم لولا اللي عمله جواد! صرخت فيه بتلك الجملة والغيرة والحقد يحرقا أحشاءها كفتيل يصعب القضاء عليه. ليمسك هو ذراعها يضغط عليه بعنف قبل أن يردف بحدة مخيفة يحذرها:
"ملكش دعوة بـ سيليا خالص، سيليا غيرك... سيليا ما خانتش جوزها وسابته عشان واحد تاني." اتسعت عيناها بذهول وهي تراقب ما يكمن بين خلاياه يفوح من بين شفتيه دون قصد منه. لتضحك بصوت عالي وهي تردد بهيستيرية: "يعني انت شايفها أحسن مني؟ بعد ما عملت كل دا عشانك؟ يعني انت بتعمل كدا عشان بتحبها مش عشان تنتقم زي ما فهمتني؟! كان يعطيها ظهره دون أن يرد مغمضًا عينيه. بينما نقلت هي عيناها بينه وبين سكين الفاكهة الموضوعة بجواره بجنون.
وبكل الجنون والتسرع. الحقد والشراسة التي تحملها سالبة إياها من العالم كله. أمسكت بتلك السكين لتغرزها في ظهره بهيستيرية وهي تهمس كالمجنونة: "مش هاسيبك تدمرني وتحقق اللي انت عايزه! هقتلك... انت مينفعش تعيش انت لازم تموت! أنا أصلاً حياتي اتدمرت ومعنديش حاجة أخسرها." ليقع هو أمامها يتأوه بصوت عالي والدماء تنزف منه بغزارة بينما هي تشاهده بشماتة. وعندما كانت أسيا في السيارة مع آدم متجهان للمأذون كما اتفقا.
وجدت أسيا هاتفها يرن بنفس الرقم فتلعثمت يداها وهي تمسك به لتجيب بتوتر: "أيوه يا هند؟ سألها مباشرة: "انتوا رايحين فين؟ صمتت هي وكأنها تراجع جوابها الذي ربما يلقيهم للتهلكة. ثم ردت بصوت مبحوح: "أنا وآدم رايحين للمأذون عشان نطلق." شعرت به يبتسم على عكس ما توقعت ثم أردف: "حلو أوي... جه الوقت اللي آدم صفوان هيدفع فيه تمن خيانته لينا! ثم أغلق بوجهها الخط.
نظرت أسيا بسرعة من نافذة السيارة فكان المكان شبه خالي من السكان وتوجد سيارة خلفهم. ومن دون سابق إنذار وبعد 10 دقائق فقط كان الطلق الناري ينطلق حولهم وكأنه يهطل من السماء ليريهم شكلاً آخر من الجحيم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!